حكاية النهر السماوي الذي ابتلع كوابيس الأطفال

الراوي
0

حين كان الليل يسمع أنفاس الخائفين، في تلك الليلة، لم تكن السماء سقفاً بعيداً، بل نهراً أزرق عميقاً، تموج فيه النجوم كحبات ملح مضيئة على جلد الماء.

وكان القمر، بدل أن يظل معلقاً في وحدته الباردة، قد أنزل إلى النهر قارباً فضياً صغيراً، يلمع كدمعة لم تسقط بعد.

لم يره الكبار، لأن عيونهم كانت مثقلة بالحسابات والمواعيد، أما الأطفال فكانوا يسمعون مجاديفه وهي تشق الصمت، رقيقة كهمسة أمّ تطفئ الخوف من فوق الوسادة.

حكاية النهر السماوي الذي ابتلع كوابيس الأطفال قصص قبل النوم

القارب الذي لا يظهر إلا للقلوب المتعبة

كان القارب يبحر كل ليلة حين تثقل الوسائد بالأفكار المزعجة؛ فكرة عن وحش تحت السرير، أو عن باب نسيه أحدهم مفتوحاً، أو عن كلمة قاسية علقت في القلب مثل شوكة صغيرة.

وعلى مقدمته مصباح دائري يشبه قلب القمر، يسكب ضوءاً دافئاً على نهر السماء.

في داخله وقف ملاح عجوز، لا يعرف أحد اسمه، يرتدي عباءة من غبار النجوم، وتلمع في لحيته خيوط فضية كأن الفجر اختبأ فيها.

كان يحمل شبكة شفافة لا تصطاد السمك، بل تصطاد الهموم قبل أن تكبر.

أول نافذة مفتوحة على الخوف

توقف القارب فوق بيت صغير في آخر الحي، حيث كان طفل اسمه يونس يتقلب في فراشه كعصفور محاصر.

كانت عيناه مفتوحتين في الظلام، وفي صدره فكرة سوداء تهمس له بأن الغد سيكون مخيفاً، وأنه سيقف وحيداً أمام الجميع.

مدّ الملاح شبكته من السماء، فانسابت عبر النافذة مثل خيط ضوء، والتقطت الفكرة من رأس يونس برفق.

ظهرت الفكرة في الشبكة كدخان داكن، له عينان صغيرتان تلمعان بالمكر، وظل يلتف محاولاً الهرب.

سوق الأفكار المزعجة فوق الغيوم

لم يكن يونس وحده؛ في تلك الليلة امتلأ القارب بأفكار كثيرة جاءت من غرف الأطفال.

فكرة تبكي بصوت المطر، وأخرى تطرق جدران الخيال بأظافر طويلة، وثالثة ترتدي قناعاً وتكرر لن تنجح، لن تستطيع، لن يحبك أحد.

كان الملاح يضع كل فكرة في جرّة زجاجية صغيرة، ثم يهمس لها بكلمات لا يسمعها إلا الليل.

فتخفت حدتها، وتصير مثل ظل ضعيف فقد أسنانه، لكن واحدة منها بقيت تتلوى بعنف حتى ارتجّ القارب.

الفكرة التي عرفت اسم الطفل

قالت الفكرة السوداء بصوت يشبه احتكاك الحديد لن أرحل عن يونس.

أنا أعرف طريق العودة.

سأنتظره عند أول صمت، وعند أول دمعة، وعند أول ضوء ينطفئ.

سكتت النجوم لحظة، حتى بدا أن السماء كلها حبست أنفاسها.

نظر الملاح إلى الجرّة التي ترتجف بين يديه، ورأى داخلها وجهاً صغيراً مصنوعاً من خوف قديم، خوف لم يكن يريد أن يُرمى بعيداً لأنه عاش طويلاً في قلب الطفل.

الرحلة إلى الثقب الأسود البعيد

رفع الملاح مجدافه، فانفتح في آخر السماء طريق لا يراه إلا من صدّق أن الليل ليس عدواً.

صار القارب ينساب بين كواكب نائمة وسحب بنفسجية، حتى ظهر الثقب الأسود بعيداً، فاغراً فمه كصمت لا نهاية له.

كانت الأفكار المزعجة ترتجف داخل الجرار، وحين اقترب القارب، ألقى الملاح الجرار واحدة تلو الأخرى.

ابتلعها الثقب الأسود بلا صوت، كأنه بحر مظلم يشرب ما لا يستطيع الأطفال حمله.

المواجهة الأخيرة فوق حافة الظلام

حين جاء دور فكرة يونس، تشققت الجرّة فجأة، واندفع منها الدخان الأسود ملتفاً حول مصباح القارب.

خفت الضوء، ومال القارب، وكادت النجوم تسقط من أماكنها مثل أزرار انفرطت من ثوب الليل.

لكن في تلك اللحظة، تنفس يونس في سريره بعمق، كأن جزءاً شجاعاً منه استيقظ.

تمتم وهو نصف نائم أنا أستطيع.

فاشتعل مصباح القارب من جديد، وامتد ضوؤه كيد حانية، فصغرت الفكرة السوداء حتى صارت نقطة باردة.

نهاية الرحلة وعودة الصباح

ألقى الملاح النقطة الأخيرة في الثقب الأسود، فابتلعها الظلام، ثم أغلق فمه البعيد كأن شيئاً لم يكن.

عاد القارب عبر نهر السماء أخفّ من نسمة، وكانت النجوم تغسل طريقه ببريق هادئ.

وفي غرفة يونس، لم يعد الظلام وحشاً، بل ستاراً ناعماً فوق مسرح الأحلام.

نام الطفل مبتسماً، وعلى حافة نافذته استقر خيط صغير من ضوء فضي، كرسالة لا يقرؤها إلا القلب لست وحدك حين تخاف.

ما يتركه قارب القمر وراءه

لا تختفي المخاوف دائماً لأن العالم صار أسهل، بل لأنها تجد من يحملها معنا حتى لا تسحق أرواحنا الصغيرة.

وفي كل ليلة يثقل فيها صدر طفل بفكرة مؤلمة، يبحر قارب القمر من جديد، لا ليمنع الظلام من القدوم، بل ليعلّم القلوب أن فيها ضوءاً يكفي للعبور، حكاية الفيل الذي نسي حجمه واكتشاف القوه الحقيقة من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد