النهر الأزرق فوق رؤوس النائمين، في تلك الليلة الهادئة، حين كانت الأنفاس الخائفة تملأ الغرف المظلمة، لم تكن السماء مجرد سقف بعيد يعلو البيوت، بل كانت نهرا أزرق عميقا تتلألأ فيه النجوم كحبات ملح مضيئة تطفو على صفحة الماء.
وبدلا من أن يبقى القمر معلقا وحيدا في برده المعتاد، أنزل إلى ذلك النهر قاربا فضيا صغيرا، يلمع كدمعة ترددت طويلا قبل أن تسقط.
لم يكن الكبار قادرين على رؤية هذا المشهد، فعيونهم أثقلتها الحسابات والمواعيد اليومية، أما الأطفال فكانت آذانهم وحدها القادرة على سماع صوت المجاديف وهي تشق صمت الليل، بلطف يشبه همسة أم تهدئ خوف طفلها فوق الوسادة.
القارب الذي لا يراه إلا القلب المتعب
كان ذلك القارب يبحر كل ليلة، حين تثقل الوسائد بأفكار مزعجة، فكرة عن وحش مختبئ تحت السرير، أو باب نسيه أحدهم مفتوحا، أو كلمة قاسية بقيت عالقة في الصدر كشوكة صغيرة لا تنزع.
وعلى مقدمته كان يتوهج مصباح دائري يشبه قلب القمر، يسكب ضوءه الدافئ على صفحة نهر السماء.
في داخل القارب وقف ملاح عجوز لا يعرف أحد اسمه، يرتدي عباءة نسجت من غبار النجوم، وتلمع في لحيته خصلات فضية كأن الفجر نفسه اختبأ بين خيوطها.
وكان يحمل شبكة شفافة، لا تصطاد الأسماك، بل تصطاد الهموم قبل أن تكبر وتتضخم في قلوب الصغار.
نافذة يونس المفتوحة على الخوف
توقف القارب فوق بيت صغير في آخر الحي، حيث كان طفل يدعى يونس يتقلب في فراشه كعصفور محاصر لا يجد مهربا.
كانت عيناه مفتوحتين في العتمة، وفي صدره فكرة سوداء تهمس له أن الغد سيكون مخيفا، وأنه سيقف وحيدا أمام الجميع دون سند.
مد الملاح شبكته من السماء، فانسابت عبر النافذة كخيط من الضوء، والتقطت تلك الفكرة من رأس يونس برفق شديد.
ظهرت الفكرة داخل الشبكة كدخان داكن له عينان صغيرتان تلمعان بالمكر، وأخذت تلتف محاولة الفرار.
سوق مزدحم بالأفكار المزعجة فوق الغيوم
لم يكن يونس الطفل الوحيد في تلك الليلة، إذ امتلأ القارب بأفكار كثيرة قادمة من غرف نوم أطفال آخرين.
فكرة تبكي بصوت يشبه المطر، وأخرى تطرق جدران الخيال بأظافر طويلة، وثالثة ترتدي قناعا وتردد بلا توقف لن تنجح، لن تستطيع، لن يحبك أحد.
كان الملاح يضع كل فكرة في جرة زجاجية صغيرة، ثم يهمس لها بكلمات لا يسمعها إلا الليل نفسه، فتخفت حدتها شيئا فشيئا وتصبح كظل ضعيف فقد قدرته على الأذى.
غير أن واحدة من تلك الأفكار ظلت تتلوى بعنف حتى ارتج القارب من شدة مقاومتها.
الفكرة التي عرفت اسم الطفل
قالت تلك الفكرة السوداء بصوت يشبه احتكاك الحديد إنها لن ترحل عن يونس، وإنها تعرف طريق العودة إليه جيدا.
وأضافت أنها ستنتظره عند أول صمت يخيم عليه، وعند أول دمعة تسقط منه، وعند أول ضوء ينطفئ في حياته.
سكتت النجوم للحظة طويلة، حتى بدا أن السماء بأكملها حبست أنفاسها انتظارا لما سيحدث.
نظر الملاح إلى الجرة المرتجفة بين يديه، فرأى بداخلها وجها صغيرا مصنوعا من خوف قديم، خوف لم يرغب في أن يرمى بعيدا لأنه عاش زمنا طويلا متجذرا في قلب ذلك الطفل.
رحلة نحو الثقب الأسود البعيد
رفع الملاح مجدافه، فانفتح في أقصى السماء طريق لا يراه إلا من آمن أن الليل ليس عدوا للإنسان.
انساب القارب بين كواكب نائمة وسحب بنفسجية اللون، حتى ظهر من بعيد الثقب الأسود، فاغرا فمه كصمت لا نهاية له.
كانت الأفكار المزعجة ترتجف داخل جرارها، وحين اقترب القارب من حافة الثقب، بدأ الملاح يلقي بالجرار واحدة تلو الأخرى.
ابتلعها الثقب الأسود بلا أي صوت، وكأنه بحر مظلم يشرب كل ما لا يقوى الأطفال على حمله وحدهم.
المواجهة الأخيرة على حافة الظلام
حين جاء دور فكرة يونس، تشققت الجرة فجأة، واندفع منها الدخان الأسود ليلتف حول مصباح القارب المضيء.
خفت الضوء تدريجيا، ومال القارب على جانبه، وكادت النجوم تتساقط من أماكنها كأزرار انفرطت من ثوب الليل الأسود.
لكن في تلك اللحظة بالذات، تنفس يونس في سريره البعيد نفسا عميقا، وكأن جزءا شجاعا بداخله قد استيقظ فجأة.
وتمتم وهو بين اليقظة والنوم بأنه يستطيع، فاشتعل مصباح القارب من جديد، وامتد ضوؤه كيد حانية دافئة، فتقلصت الفكرة السوداء حتى صارت مجرد نقطة باردة صغيرة.
عودة الصباح وانتهاء الرحلة
ألقى الملاح تلك النقطة الأخيرة في الثقب الأسود، فابتلعها الظلام، ثم أغلق فمه البعيد وكأن شيئا لم يحدث على الإطلاق.
عاد القارب يشق نهر السماء أخف من نسمة هواء، والنجوم تغسل طريقه بضوء هادئ ساطع.
وفي غرفة يونس، لم يعد الظلام وحشا مخيفا، بل صار ستارا ناعما يتدلى فوق مسرح الأحلام.
نام الطفل مبتسما، وعلى حافة نافذته استقر خيط رفيع من ضوء فضي، كأنه رسالة لا يقرؤها إلا القلب، تقول له إنه ليس وحيدا حين يشعر بالخوف.
ما يتركه قارب القمر خلفه
لا تختفي المخاوف دائما لأن العالم صار أكثر سهولة، بل لأنها تجد من يشاركها معنا فلا تسحق أرواحنا الصغيرة الهشة.
وفي كل ليلة يثقل فيها صدر طفل بفكرة مؤلمة، يبحر قارب القمر من جديد، لا ليمنع الظلام من القدوم، بل ليعلم القلوب أن بداخلها ضوءا يكفيها للعبور نحو صباح جديد.
