حين وضعت هاجر نصف بطاقة المستشفى فوق الطاولة الخشبية، انطفأ الرنين المعدني الذي كان يملأ كشك حسين، كأن المفاتيح المعلقة في السقف حبست أنفاسها دفعة واحدة.
بقيت البطاقة بينهما، بيضاء باهتة، مأكولة الحواف، لا تحمل سوى نصف اسم وتاريخ ولادة لطخته قطرة بنية قديمة.
لم يمد حسين يده إليها.
ظل واقفًا خلف أكوام الجوارب المفردة والصور المشطورة والأقراط التي فقدت توائمها، بينما تسللت من الشارع رائحة المطر المختلط بالتراب ودخان عربات الذرة.
قال بصوت حاول أن يجعله عاديًا:
أنا أشتري الأنصاف يا هاجر، لا أبحث عن أصحابها.
رفعت رأسها نحوه، وكانت عيناها متورمتين من ليل لم تنم فيه.
لكنك تقول دائمًا إن لكل نصف شريكًا ضائعًا سيصل يومًا.
عندئذٍ أدرك حسين أن الأكذوبة التي عاش منها خمسة عشر عامًا قد جاءت تطالبه بثمنها.
الكشك الذي لا يبيع شيئًا كاملًا
كان كشك حسين محشورًا عند نهاية سوق النحاسين، بين دكان ساعات متوقفة وممر ضيق يؤدي إلى محطة الحافلات.
لم تكن له لافتة واضحة، بل لوح خشبي متشقق كُتبت عليه عبارة واحدة بحروف زرقاء باهتة، نشتري الأشياء الناقصة.
في الداخل، تدلت مئات المفاتيح من خيوط رفيعة، فتلامست كلما مر الهواء وأطلقت رنينًا خافتًا يشبه همس سجناء يتبادلون الأسرار.
وعلى الرفوف استقرت فناجين بلا مقابض، وأزرار من معاطف اندثرت، وقفازات يتيمة، ونظارات ذات عدسة واحدة.
كان الناس يأتون إليه وفي أيديهم أشياء لا تستحق، في نظرهم، سوى الرمي.
امرأة تحمل جوربًا صغيرًا فقده طفلها في رحلة مدرسية، ورجل عجوز جاء بصورة ممزقة لزوجته بعدما التهم الحريق نصف وجهها، وفتى سلّمه مفتاحًا صدئًا وجده في جيب أبيه الميت.
كان حسين يقلب كل غرض بين أصابعه كما لو كان يفحص نبضه، ثم يدفع ثمنًا يفوق قيمته.
وإذا سأله أحدهم لماذا يشتري ما لا ينفع، ابتسم ابتسامته الهادئة وقال:
لا يوجد شيء ناقص إلى الأبد.
النصف الآخر يتأخر فقط.
ضحك منه بعضهم، وصدقه آخرون، لكن الجميع خرجوا أخف مما دخلوا.
كانوا يبيعونه أشياءهم الناقصة، ويتركون معه شيئًا من حزنهم أيضًا.
أما هو، فكان يكتب وصف كل قطعة في دفتر أسود سميك، ثم يضعها في صندوق مرقم.
وحده كان يعرف أن الصناديق المعروضة في الكشك ليست سوى الوجه المهذب لمجموعته، وأن خلف الجدار الخشبي بابًا ضيقًا يقود إلى مخزن لم يدخله أحد منذ سنوات.
نصف البطاقة
دفعت هاجر البطاقة نحوه بإصبعين مرتجفين.
كانت تعمل ممرضة في مستشفى حكومي على طرف المدينة، وتعرف حسين منذ طفولتهما، حين كانا يركضان في الزقاق نفسه ويعودان بثياب مغبرة وركب دامية.
قالت:
وجدتها داخل بطانة معطف قديم وصل إلى قسم التبرعات.
كان معه ملف صغير لطفل بلا اسم، دخل المستشفى قبل سبعة عشر عامًا بعد حادث على الطريق الصحراوي.
رفع حسين بصره ببطء.
وما علاقتك بالطفل؟
تنفست هاجر، ثم أخرجت من حقيبتها صورة حديثة لفتى نحيل، أسمر البشرة، يبتسم ابتسامة غير واثقة.
كانت إحدى حاجبيه أعلى قليلًا من الأخرى، وعلى ذقنه ندبة هلالية صغيرة.
اسمه في دار الرعاية آدم.
لم يجدوا له أهلًا.
سيبلغ الثامنة عشرة بعد أسبوع، وستنتهي إقامته في الدار.
البطاقة قد تكون الشيء الوحيد الذي يربطه باسمه الحقيقي.
مد حسين يده أخيرًا، لكنه سحبها قبل أن يلمس الورقة.
كانت على الجانب الممزق حروف قليلة، ، سين م، ، وأسفلها رقم ملف مبتور، وختم مستشفى قديم أغلق قبل أعوام.
قال:
ربما لا تعني شيئًا.
قد تكون بطاقة لمريض آخر.
أجابته هاجر:
وربما تكون النصف الذي انتظر سبعة عشر عامًا.
هبطت كلماتها في صدره كحجر في بئر.
الندبة التي لا ينبغي أن يعرفها
التقط حسين صورة آدم، ولمعت أصابعه تحت ضوء المصباح الأصفر.
لم تكن الملامح نسخة من أحد يعرفه، غير أن الندبة الهلالية في الذقن شقت بابًا قديمًا في ذاكرته.
رأى ولدًا في التاسعة يركض خلفه على سطح البيت، يحمل طائرة ورقية خضراء، ثم يتعثر في حافة صفيح حادة.
رأى الدم على ذقنه، وسمع صراخه، وشعر بيد أمه تضرب كتفه وهي تقول:
أنت الكبير يا حسين، كان عليك أن تنتبه لمروان.
أعاد الصورة إلى الطاولة بعنف.
لاحظت هاجر شحوب وجهه.
أنت تعرف هذه الندبة.
كثيرون لديهم ندوب.
لكنك نظرت إليها كأنها نادتك باسمك.
تراجع حسين خطوة، فاصطدم كتفه بسلسلة المفاتيح.
اندفعت ترن في الكشك، حادة ومضطربة، كأن مئات الأبواب فُتحت في لحظة واحدة.
قال:
عودي غدًا.
لا أملك غدًا كثيرًا يا حسين.
إدارة الدار ستسلم آدم أوراقه بعد ثلاثة أيام.
قلت عودي غدًا.
خرجت هاجر دون أن تجادله، لكنها تركت نصف البطاقة والصورة فوق الطاولة.
وحين أغلقت الباب خلفها، ظل حسين واقفًا في العتمة يستمع إلى المطر، بينما ابتسامة الفتى الغريب تتسع في ذاكرته حتى صارت ابتسامة أخيه.
الليلة التي تحركت فيها الأشياء الناقصة
بعد منتصف الليل، أطفأ حسين واجهة الكشك وأغلق المصراع الحديدي.
بقي المصباح الداخلي مشتعلًا فوق رأسه، يرسم ظله طويلًا بين الرفوف، ويحوّل الجوارب المعلقة إلى أجساد صغيرة بلا أقدام.
فتح الدفتر الأسود وراح يقلب صفحاته بسرعة.
كانت كل صفحة تحمل تاريخًا ووصفًا ومكان العثور على الغرض، لكن يديه توقفتا عند ورقة أقدم من البقية، كتب في أعلاها، شتاء 2009 مقتنيات مجهولة من حطام حافلة الطريق الصحراوي.
انقبض حلقه.
لم يفتح تلك الصفحة منذ أعوام، مع أنه كان يعرف موضعها كما يعرف موضع جرح تحت ثيابه.
ورد في القائمة، مفتاح أزرق مكسور، فردة حذاء لطفل، زر من قميص مخطط، صورة عائلية ممزقة، نصف بطاقة مستشفى.
كان السطر الأخير مشطوبًا بحبر كثيف.
حدق حسين في الشطب حتى خُيّل إليه أن الحبر يتحرك مثل سرب نمل أسود.
تذكر الرجل الذي جاءه قبل اثني عشر عامًا بكيس مبلل، وقال إنه اشترى محتويات صندوق قديم من مزاد تابع لمستودع الحوادث.
اشترى حسين الكيس كله دون مفاصلة، وحين رأى نصف البطاقة داخله، أخفاها في المخزن السري.
لم يسأل عن الحافلة، ولم يذهب إلى المستشفى، ولم يراجع سجلات المفقودين.
كان يقول لنفسه إنه ينتظر النصف الآخر.
لكن الحقيقة كانت أبشع، كان يخاف أن يجده.
باب خلف الرف
أزاح صندوق القفازات، ثم دفع الرف الثالث إلى اليمين.
صرخ الخشب على الأرض، وظهر خلفه باب ضيق مطلي باللون نفسه، حتى إن العين العابرة لا تميزه عن الجدار.
أخرج حسين مفتاحًا نحاسيًا من سلسلة حول عنقه.
ظل المفتاح سنوات يلامس جلده، دافئًا من حرارة جسده، لكنه حين أدخله في القفل بدا باردًا كقطعة جليد.
دار المفتاح بصعوبة، وانبعثت من الداخل رائحة غبار ورطوبة وقماش عتيق.
أشعل المصباح المعلق، فانكشفت غرفة أطول مما يتوقعه المرء، تمتد خلف ثلاثة محال، تتراص على جانبيها صناديق حتى السقف.
كان المخزن يشبه متحفًا أقامه الغياب لنفسه.
على الجدار الأيسر علقت عشرات الصور المشطورة، وجوه بلا عيون، وأجساد بلا رؤوس، وأعراس انتهت عند المنتصف.
وعلى الجدار الآخر ثبتت خرائط بعلامات حمراء وخيوط تصل بين تواريخ وأماكن وحوادث.
لم يكن حسين مجرد مشترٍ للأنصاف.
لقد حاول في السنوات الأولى أن يجد شركاءها فعلًا.
البحث الذي توقف
اقترب من خريطة المدينة، حيث ما زالت صور قديمة مثبتة بدبابيس صدئة.
كان بينها إعلان فقدان لطفل يدعى مروان محمود سالم، عمره تسع سنوات، فُقد بعد حادث حافلة في الطريق الصحراوي.
في الصورة، كان مروان يضحك بفم ناقص السن الأمامية، وعلى ذقنه ندبة هلالية.
مرر حسين إبهامه فوق الصورة.
لم يبكِ، فقد جفت دموعه القديمة حتى صارت طبقة ملح داخل صدره.
بعد الحادث، عُثر على جثة أمهما، بينما اختفى مروان.
قال رجال الإنقاذ إن بعض الناجين نُقلوا إلى مستشفيات متعددة بلا أوراق، وإن الفوضى أضاعت أسماء وأعمارًا.
بحث حسين شهورًا، ثم سنوات، حتى صار كل خبر كاذب ينهش ما تبقى منه.
كان كلما وجد طفلًا مجهولًا في سجل قديم، ذهب ليراه.
وكلما اقترب من وجه جديد، سمع في رأسه صوتًا يقول، لن يكون هو.
وحين لم يكن هو، كان يعود أكثر انكسارًا، كأن مروان يضيع مرة أخرى.
ثم بدأ بجمع الأشياء الناقصة.
أقنع نفسه أن العثور على نصف جورب أسهل من العثور على أخ، وأن جمع مفاتيح بلا أبواب نوع من العمل، لا نوع من الهرب.
وبعد أعوام، تحول الانتظار إلى مهنة، والمهنة إلى حكاية، والحكاية إلى كذبة يرددها للناس كي لا يسمع صمته.
الصندوق رقم سبعة عشر
كان الصندوق في آخر المخزن، تحت غطاء من القماش الرمادي.
كُتب على جانبه، مقتنيات حافلة غير مفهرسة، وتحت العبارة رقم سبعة عشر داخل دائرة.
جثا حسين أمامه.
سعل حين رفع الغطاء، فتصاعد الغبار في الضوء مثل رماد حريق بطيء.
وجد فردة حذاء صغيرة مغطاة بطين متحجر، وميدالية خشبية على شكل عصفور، ومنديلًا مطرزًا بحرف الميم.
ثم ظهرت في القاع بطاقة بيضاء موضوعة داخل غلاف شفاف.
أخرجها بيدين مرتعشتين.
كانت النصف الآخر.
ضم القطعتين فوق راحة يده، فاتصل الخط الممزق كما يلتئم جرح على عجل.
ظهر الاسم كاملًا، مروان محمود سالم.
وتحته عبارة، ذكر العمر التقريبي تسع سنوات.
جلس حسين على الأرض.
لم يشعر بالصندوق خلف ظهره ولا ببرودة البلاط.
كان يسمع فقط خفقات قلبه وهي تضرب أضلاعه بعنف، كأن طفلًا محبوسًا في داخله يركل بابًا مغلقًا.
لكن شيئًا لم يكن منطقيًا.
آدم في السابعة عشرة، والحادث وقع قبل سبعة عشر عامًا.
لو كان مروان حيًا، لبلغ السادسة والعشرين، لا الثامنة عشرة.
قلب البطاقة، فوجد كتابة بالقلم الأحمر لم تكن ظاهرة في النصف الذي أحضرته هاجر، نُقل مع رضيع مجهول المرافق يدّعي أنه أخوه.
رفع حسين رأسه ببطء.
لم تكن البطاقة تخص آدم.
كانت تخص مروان، الذي وصل إلى المستشفى حاملًا طفلًا لا يعرفه أحد.
الطفل الذي حمل طفلًا
مع طلوع الفجر، كان حسين وهاجر أمام مبنى المستشفى القديم، وقد صار الآن مخزنًا تابعًا لوزارة الصحة.
لون الجدران كان يتقشر في شرائح طويلة، والنوافذ محجوبة بألواح خشبية، بينما كانت مياه المطر تتجمع في المدخل كمرآة موحلة.
لم تسأله هاجر كيف حصل على النصف الآخر.
اكتفت بالنظر إلى وجهه، ثم إلى البطاقة الملتئمة داخل الغلاف، وفهمت أن السؤال الذي تحمله أكبر من أن يُقال في الطريق.
استقبلهما موظف أرشيف مسن يدعى عم صابر، كان يعرف هاجر من عملها.
قادهما إلى غرفة ضيقة تمتلئ بخزائن معدنية، وقال وهو يزيح أكوام الملفات:
سجلات تلك السنة ناقصة.
جزء منها تلف حين غرق القبو بمياه الصرف.
أجاب حسين بمرارة:
كل شيء يخصنا ناقص.
نظر إليه الرجل، ثم تناول البطاقة وعدّل نظارته.
هذا الختم يعود إلى جناح الطوارئ المؤقت.
كانوا يضعون الأطفال المجهولين في سجل منفصل.
أمضوا ساعتين بين الأوراق الرطبة والملفات المتآكلة.
كانت رائحة العفن والحبر القديم تثقل الهواء، وكلما فتح عم صابر درجًا، شعر حسين كأنه يفتح قبرًا.
ثم وجدوا سجلًا أزرق مشوه الحواف.
شهادة الممرضة زينب
ورد في السجل أن طفلًا في التاسعة يُدعى مروان أُدخل المستشفى مصابًا بكسر في الكتف وارتجاج في الرأس.
كان يحمل رضيعًا ملفوفًا ببطانية خضراء، ويرفض تركه حتى فقد الوعي.
أسفل الملاحظة، كُتب اسم ممرضة، زينب عبد الرحمن.
قال عم صابر:
زينب تقاعدت منذ سنوات، لكنها تعيش في الحي القديم قرب محطة القطار.
انطلقوا إليها قبل الظهر.
وجدوها في شقة صغيرة تفوح منها رائحة الكافور والقهوة المحمصة، تجلس قرب نافذة تربي فوقها نباتات صبار.
حين رأت البطاقة، ارتجفت يدها فوق عصاها.
ظننت أن هذا الملف ضاع.
جلس حسين أمامها، عاجزًا عن تقديم نفسه.
سبقت هاجر صمته وقالت:
نريد أن نعرف ما حدث للطفلين.
أغمضت زينب عينيها، كأنها تنظر إلى ممر طويل لا يراه سواها.
الكبير كان شجاعًا على نحو يوجع القلب.
ظل يكرر أن الرضيع كان تحت مقعد الحافلة، وأن امرأة دفعته إليه قبل أن تموت.
لم يكن يعرف اسمها، لكنه أقسم ألا يترك الطفل وحده.
سأل حسين، وشفته ترتعش:
وماذا حدث له؟
فتحت العجوز عينيها.
استيقظ فاقدًا جزءًا كبيرًا من ذاكرته.
لم يتذكر عنوانه ولا أسماء أهله، وكان يظن أن الرضيع أخوه.
بعد أيام، اندلع حريق في الجناح بسبب ماس كهربائي، ونُقل المرضى إلى أماكن مختلفة.
أمسك حسين طرف الكرسي.
إلى أين نُقل مروان؟
هزت زينب رأسها.
هنا تبدأ الفوضى.
الرضيع أُرسل إلى دار رعاية، أما مروان فنُقل مع رجل قال إنه من أقاربه.
من كان الرجل؟
لا أعرف.
لكنني لم أصدقه.
صورة داخل كتاب الدعاء
نهضت زينب بصعوبة واتجهت إلى خزانة صغيرة.
أخرجت كتاب دعاء قديمًا، ومن بين صفحاته سحبت صورة مطوية.
ظهر فيها جناح المستشفى بعد الحادث.
أسرّة متلاصقة، ضمادات، ممرضون متعبون، وفي الزاوية جلس طفل نحيل بكتف مثبت، يحمل رضيعًا ويرمق الكاميرا بخوف.
كان مروان.
حتى بعد سبعة عشر عامًا، عرف حسين عيني أخيه كما يعرف المرء بيته في الظلام.
أما الرجل الواقف خلف السرير، فقد كان نصف وجهه خارج إطار الصورة.
ظهرت يده فقط فوق كتف مروان، وفي إصبعه خاتم فضي عريض منقوش عليه رأس صقر.
شهقت هاجر.
رأيت هذا الخاتم.
التفت إليها حسين.
أين؟
عند مدير دار الرعاية القديم.
الرجل الذي سجّل آدم باسم مستعار، ثم اختفى قبل عشر سنوات بعد اتهامات بتزوير هويات الأطفال.
شعر حسين بأن الغرفة تضيق حوله.
لم يكن آدم أخاه، لكنه كان الطفل الذي أنقذه أخوه.
وكان الرجل ذو الخاتم الخيط الوحيد الذي يصل إليهما معًا.
الرجل ذو خاتم الصقر
احتفظت هاجر بنسخ من ملفات دار الرعاية القديمة.
في أحدها ظهر اسم المدير السابق، منصور الديب، رجل كان يتنقل بين المؤسسات الخيرية، ويقدم نفسه بوصفه وسيطًا لإعادة الأطفال إلى عائلاتهم.
لكن ثلاث شكاوى قديمة اتهمته ببيع أوراق هوية مزورة، ثم أُغلقت القضايا لغياب الأدلة.
آخر عنوان معروف له كان في قرية على حافة المدينة، حيث يمتلك مخزن أثاث مستعمل.
وصل حسين وهاجر قبل الغروب.
كان المخزن بناءً واسعًا من الطوب الأحمر، تحيط به أراضٍ خالية وأشجار كافور تهزها الريح.
فوق الباب تدلت لافتة معدنية صدئة، وعليها صقر أسود باسط جناحيه.
قالت هاجر:
نستطيع إبلاغ الشرطة.
أجاب حسين وهو يحدق في الشعار:
وإذا هرب قبل أن يجدوه؟
قد يكون خطرًا.
قضيت سبعة عشر عامًا أخاف من أن أجد الحقيقة.
لم يعد فيَّ مكان لخوف جديد.
طرق الباب، فصدر من الداخل صوت جر كرسي.
بعد لحظات، فتح رجل ممتلئ في أواخر الستين، بعينين صغيرتين لامعتين.
كان في إصبعه الخاتم نفسه.
حين رأى البطاقة في يد حسين، اختفى اللون من وجهه.
صفقة قديمة
حاول منصور إغلاق الباب، لكن حسين دفعه بكتفه.
دخل الاثنان وراءه إلى مخزن مكتظ بخزائن وأسرة مكسورة وحقائب سفر بلا أصحاب.
قال منصور:
لا أعرفكما.
أخرج حسين صورة مروان ووضعها على طاولة مغطاة بالغبار.
لكنك تعرفه.
لم ينظر الرجل إلى الصورة طويلًا.
توجه نحو نافذة صغيرة، وقال:
مضى زمن بعيد.
أين أخي؟
التفت منصور عند كلمة أخي، وفي عينيه ظهر حساب سريع، كأنه يزن مقدار ما يعرفه حسين.
الطفل لم يتذكر شيئًا.
كان بلا أهل، بلا عنوان، بلا اسم مؤكد.
أنقذته من دار حكومية كانت ستدفنه حيًا.
اندفع حسين نحوه، لكن هاجر أمسكت بذراعه.
قال منصور:
أخذته أسرة لا تنجب.
أعطوه بيتًا وتعليمًا وحياة جيدة.
وبعتهم أوراقه؟
رتبت الأمر.
سرقت أخي.
ابتسم منصور ابتسامة رقيقة باردة.
أنتم دائمًا تسمونها سرقة بعد أن ينجو الأطفال.
أين كنت أنت حين كان وحده؟
كانت الجملة أشد من صفعة.
تراجع حسين خطوة، وشعر بباب المخزن السري ينغلق داخله من جديد.
تابع منصور:
بحثت عن عائلته فترة، ثم توقفت.
لم يأت أحد.
أخرج حسين من جيبه قصاصة إعلان الفقد، ودفعها أمامه.
كنت أملأ المدينة بهذه الصورة.
لمعت عينا منصور نحو الإعلان، ثم أشاح بوجهه.
ربما لم أرها.
لكن ارتباكه كان اعترافًا.
الاسم الذي عاش به مروان
قالت هاجر بهدوء:
ما الاسم الجديد الذي أعطيته له؟
صمت منصور.
فتح حسين إحدى الخزائن بعنف، فتساقطت ملفات وأختام وأوراق ميلاد فارغة.
ركع يقلبها، بينما اندفع منصور نحوه محاولًا انتزاعها.
اشتَبكا بين الأثاث المكسور.
اصطدمت الطاولة بالحائط، وانفتح درج سري سقطت منه عشرات الصور الشخصية للأطفال.
التقطت هاجر هاتفها لتصوير الأوراق، فصرخ منصور:
أغلقيه!
أمسك حسين بطرف معطفه ودفعه نحو الحائط.
اسمه.
كان صوته منخفضًا، لكنه خرج من مكان مظلم حتى إن الرجل توقف عن المقاومة.
سامر.
سامر ماذا؟
سامر نجيب العطار.
أين يعيش؟
لا أعرف الآن.
الأسرة سافرت إلى الإسكندرية منذ سنوات.
شد حسين قبضته.
تكذب.
أدار منصور وجهه، فتحت ياقة قميصه سلسلة تتدلى منها قطعة معدنية صغيرة.
تعرف حسين إليها فورًا، ميدالية خشبية على شكل عصفور، مطابقة للتي وجدها في صندوق الحافلة.
انتزعها من عنقه.
هذه كانت مع أخي.
قال منصور:
احتفظت بها فقط.
لا أحد يحتفظ بتذكار من طفل أنقذه ثم ينسى عنوانه.
انهارت مقاومة الرجل.
جلس على كرسي مكسور، ومسح عرقه بمنديل متسخ.
سامر يعمل في إصلاح القوارب.
له ورشة قرب الميناء الشرقي.
لم أخبره قط عن اسمه القديم.
أغلق حسين عينيه للحظة.
كانت المسافة بينه وبين أخيه قد تقلصت فجأة من سبعة عشر عامًا إلى طريق ساحلي لا يستغرق ثلاث ساعات.
حين وصل النصف الآخر متأخرًا
لم ينتظر حسين الصباح.
ترك منصور مع الشرطة بعد أن أرسلت هاجر الصور والوثائق إلى ضابط تعرفه، ثم انطلقا إلى الإسكندرية في سيارة أجرة قديمة تهتز على الطريق المبلل.
جلس آدم في المقعد الخلفي إلى جوار هاجر.
كانت قد اتصلت به وأخبرته أن البطاقة لا تكشف هويته، لكنها تكشف قصة الشخص الذي أنقذ حياته.
ظل الفتى صامتًا معظم الرحلة، ممسكًا بالبطاقة الملتئمة.
لم يبدُ حزينًا لأنه لم يجد اسمه، بل كان ينظر إلى صورة مروان كما ينظر المرء إلى نافذة فُتحت في جدار غرفته.
قال فجأة:
إذن هو حملني من الحافلة؟
أجابت هاجر:
وبقي يحميك حتى وصلتما إلى المستشفى.
نظر آدم إلى حسين عبر المرآة.
إن كان أخاك، فهو جزء من قصتي أيضًا.
لم يعرف حسين بماذا يجيب.
أدار وجهه نحو الطريق، حيث كانت أضواء السيارات تنساب فوق الإسفلت مثل خيوط فضية مقطوعة.
ورشة القوارب
وصلوا الميناء قبيل الفجر.
كان البحر رماديًا، يضرب الحاجز الحجري بضجيج ثقيل، والنوارس تحوم فوق القوارب الراسية كقصاصات ورق بيضاء.
وجدوا الورشة في آخر صف من المخازن.
كان بابها نصف مفتوح، ومن الداخل خرجت رائحة الخشب المبلل والدهان والزيت.
وقف رجل طويل أمام قارب مقلوب، يصقل لوحًا خشبيًا.
كان في السادسة والعشرين تقريبًا، عريض الكتفين، بشعر أسود يتراجع عند الصدغين.
رفع رأسه حين دخلوا.
لم يتعرف حسين إلى ملامحه أولًا.
كان يبحث عن طفل في وجه رجل، عن السن الناقصة والطائرة الخضراء والكتف النحيل، لكن السنوات غطت كل ذلك بطبقات جديدة.
ثم رأى الندبة الهلالية على ذقنه.
سقط المفتاح النحاسي من يد حسين، وارتطم بالأرض.
نظر الرجل إلى المفتاح، ثم إلى وجهه، وبدت في عينيه رجفة خاطفة.
هل التقينا من قبل؟
فتح حسين فمه، لكن صوته لم يخرج.
اقترب خطوة، ومد يده، ثم سحبها كما فعل مع البطاقة أول مرة.
قال أخيرًا:
اسمي حسين.
تغير وجه الرجل ببطء.
رفع يده إلى صدغه، كأن الاسم أحدث ألمًا قديمًا.
حسين،
رددها لا كسؤال، بل ككلمة وجدها في قاع حلم.
الطائرة الخضراء
أخرج حسين من حقيبته قطعة قماش خضراء مربوطة بعصوين رفيعتين مكسورتين.
كانت بقايا طائرة ورقية احتفظ بها كل تلك الأعوام في أعمق صندوق بالمخزن.
وضعها فوق طاولة الورشة.
تراجع سامر خطوة.
اصفر وجهه، ثم تشبث بحافة القارب.
رأيتها من قبل.
صنعتها لك قبل الحادث بيومين.
لا.
كنت تصر أن نرسم عليها صقرًا، وأنا رسمته مثل دجاجة فضحكتَ حتى سقطت من فوق السور.
ارتعش فم سامر.
أمي، غضبت.
انقطع نفس حسين.
نعم.
حدق الرجل في الطائرة، ثم وضع كفيه فوق رأسه.
بدأت الذكريات تصل إليه لا كصور مكتملة، بل كوميض برق، سطح بيت، رائحة خبز، امرأة تنادي من نافذة، يد أكبر تمسك يده عند عبور الشارع.
قال:
كان هناك جرس دراجة أحمر.
بكى حسين قبل أن يدرك أنه يبكي.
سرقته مني، وأقسمت أنك وجدته.
ابتسم سامر وسط ارتجاف شفتيه.
كانت ابتسامة مروان، ناقصة السن في ذاكرة حسين، كاملة الآن في وجه رجل عاش باسم آخر.
لم يتعانقا فورًا.
وقفا بينهما مسافة خطوة واحدة، لكنها كانت تحمل الحادث والمستشفى ومنصور والسنوات الضائعة وكل الصناديق المغلقة.
ثم قال سامر:
لماذا تأخرت؟
لم يدافع حسين عن نفسه.
لم يذكر الشوارع التي فتشها ولا الأموال التي أنفقها ولا الليالي التي نام فيها عند أبواب المستشفيات.
قال الحقيقة فقط:
لأنني خفت أن أبحث فلا أجدك، ثم خفت أكثر أن أجدك ولا تعرفني.
اقترب مروان، أو سامر، ولم يكن أي الاسمين ناقصًا بعد الآن.
وضع جبينه على كتف أخيه، وانفجر الاثنان في بكاء صامت، بينما كان البحر خلفهما يمحو آثار الليل عن الميناء.
النصف الذي لم يكن غرضًا
وقف آدم عند باب الورشة، مترددًا في الدخول إلى اللحظة العائلية.
رآه مروان، فابتعد عن حسين ومسح وجهه.
قالت هاجر:
هذا هو الرضيع الذي أنقذته يوم الحادث.
ظل مروان ينظر إلى آدم طويلًا.
لم تعد ذاكرته تحمل وجه الرضيع، لكن يديه تحركتا دون وعي، كأنهما تذكران وزن جسد صغير التصق بصدره وسط الحطام.
اقترب آدم.
لا أعرف اسم أمي ولا أبي.
والبطاقة لم تكن لي.
لكنني أردت أن أقول شكرًا.
أجاب مروان:
لا أتذكر أنني أنقذتك.
قال آدم:
جسدك تذكر، حتى لو نسي عقلك.
مد مروان يده، ثم جذبه إلى عناق سريع مرتبك.
عندها شعر حسين أن الأشياء لا تعود دائمًا إلى أصحابها بالطريقة التي نتخيلها، وأن بعض الأنصاف لا تتطابق حوافها، لكنها تكمل معنى واحدًا.
عودة إلى الكشك
بعد أسبوع، عاد حسين إلى السوق.
فتح المصراع الحديدي، ودخل ضوء الصباح إلى الكشك، فتلألأت المفاتيح المعلقة كما لو أنها استيقظت من نوم طويل.
كان مروان معه، يتفحص الرفوف بدهشة.
أما آدم فجلس قرب الباب يصلح صندوقًا خشبيًا مكسور المفصلة، بينما كانت هاجر تزيل الغبار عن اللافتة القديمة.
قال مروان وهو يرفع جوربًا أحمر منفردًا:
هل كنت تعتقد حقًا أن زوجه سيظهر؟
ابتسم حسين.
في البداية، نعم.
بعد ذلك كنت أحتاج إلى الاعتقاد.
وماذا ستفعل بكل هذه الأشياء؟
نظر حسين إلى الكشك، ثم إلى الباب السري خلف الرف.
أمضى عمرًا يحبس الأنصاف في صناديق، منتظرًا أن يأتيها ما يكملها، كأن الاكتمال حدث يقع وحده لمن يصبر بما يكفي.
قال:
سنبحث عن أصحابها.
رفع مروان حاجبه.
كلها؟
كلها.
ضحك آدم:
ستحتاج إلى موقع إلكتروني.
قالت هاجر:
وإلى سجلات، وتصوير، وفهرسة حقيقية، لا دفترك الأسود الذي يشبه كتاب تعاويذ.
أمسك حسين باللافتة الخشبية القديمة، ونزعها من مكانها.
خلفها بقي مستطيل أنظف من الجدار، كأن الزمن لم يمسه.
ثبت لافتة جديدة كتب عليها، جامع أنصاف الأشياء نعيد المفقود إلى حكايته.
مفتاح بلا قفل
قبل الغروب بقليل، دخلت إلى الكشك امرأة مسنة ترتدي معطفًا بنفسجيًا.
أخرجت من جيبها مفتاحًا أزرق مكسور الرأس، ووضعته أمام حسين.
قالت:
وجدته بين مقتنيات زوجي بعد وفاته.
لا أعرف لأي باب كان.
توقف حسين عن التنفس لحظة.
كان المفتاح مطابقًا لذلك الذي وجده في صندوق الحافلة قبل اثني عشر عامًا.
ذهب إلى المخزن، وعاد بالنصف الآخر.
ضم القطعتين، فتطابق الكسر تمامًا.
وضعت المرأة يدها فوق فمها.
كان مفتاح خزانة في محطة الحافلات.
زوجي كان سائق الحافلة التي وقع لها الحادث.
ظل قبل موته يردد أن في الخزانة أمانة لطفلين.
انطلقوا إلى المحطة القديمة، حيث ظلت صفوف الخزائن المعدنية قائمة خلف مكتب مهجور.
دخل المفتاح الملتئم في القفل رقم واحد وأربعين، ودار بعد مقاومة طويلة.
في الداخل وجدوا حقيبة صغيرة، بها سوار مستشفى للرضيع المجهول، ورسالة كتبتها امرأة قبل الرحلة.
حملت الرسالة اسمها الكامل، وعنوان أسرتها، وعبارة أخيرة تطلب ممن يجد طفلها أن يسلمه إلى جدته.
بكى آدم وهو يقرأ اسمه الحقيقي للمرة الأولى.
كان اسمه يوسف.
لم يجد حسين نصف البطاقة الذي طلبته هاجر فحسب؛ وجد أخاه، ووجد آدم اسمه، ووجد مفتاح قديم بابه بعد كل تلك السنوات.
أما المرأة المسنة، فقد ضمت المفتاح إلى صدرها وقالت:
مات زوجي وهو يظن أنه أضاع الأمانة.
أجاب حسين:
تأخرت فقط.
وحين عادوا إلى الكشك، وضع حسين الدفتر الأسود فوق الطاولة، ثم فتح صفحة جديدة.
لم يكتب فيها وصف غرض ناقص أو رقم صندوق، بل كتب أربعة أسماء، حسين، مروان، يوسف، هاجر.
وتحتها سطرًا واحدًا:
بعض الأشياء لا ينقصها نصف آخر؛ ينقصها شخص يجرؤ على فتح الباب.
قضى حسين أعوامًا يجمع بقايا الآخرين كي لا يلمس بقاياه، وكان يظن أن الانتظار وفاء، مع أن الانتظار قد يصبح أحيانًا اسمًا مهذبًا للخوف.
لم تُعد الأشياء الناقصة الزمن الذي ضاع، ولم تمحُ آثار الحادث، لكنها كشفت أن الفقد لا يُهزم بحفظ آثاره في الظلام.
فالأنصاف لا تلتقي لأنها مقدر لها أن تتدحرج نحو بعضها، بل لأن يدًا ما ترفعها من الغبار، وتقارن كسورها، ثم تبدأ البحث.
وربما لا يكون الاكتمال عودة كل شيء كما كان، بل قبول ما صار إليه، ومنحه مكانًا جديدًا في الحكاية، قصة دفيئة أيسلندا التي رفضت شمس الصيف والسر المظلم خلف الزجاج المعتم من هنا.
