حكاية لعنة القمر الأحمر قصة اللص الذي سرق التعويذة من قلب المملكة المتحجرة

الراوي
0

عندما ارتفع القمر الأحمر فوق أبراج مملكة أوراس، لم يصرخ أحد، تجمدت الصرخات قبل أن تولد، وتصلبت الألسنة داخل الأفواه، بينما اكتست الوجوه بطبقة رمادية زحفت من أطراف الأصابع حتى ابتلعت العيون المفتوحة على رعبها الأخير.

وفي أقل من دقيقة، تحولت الشوارع التي كانت تضج بالباعة والخيول والأطفال إلى معرض هائل من التماثيل الحجرية.

كان الخباز ما يزال يمد رغيفاً ساخناً إلى صبي صغير، والجندي يرفع رمحه أمام بوابة القصر، والعروس تمسك طرف ثوبها الأبيض كي لا يلامس الوحل.

لكن النار خمدت في الأفران، وسقط الرمح من يد حجرية، وبقي ثوب العروس يرفرف وحده في الريح كأن صاحبته اختفت وتركته معلقاً على جسد من صخر.

وسط ذلك الصمت الثقيل، تحرك رجل واحد.

انسل حسام بين التماثيل بخطوات خفيفة، وقد لف وجهه بقطعة قماش سوداء وأخفى خنجراً منحنياً تحت معطفه.

لم يكن ساحراً ولا فارساً، ولم يحمل في قلبه شجاعة الأبطال الذين تتغنى بهم القصائد.

كان لصاً.

وكانت المملكة كلها تنتظر منه أن يرتكب أعظم سرقة في تاريخها.

حكاية لعنة القمر الأحمر قصة اللص الذي سرق التعويذة من قلب المملكة المتحجرة

الليلة التي صمتت فيها المملكة

لم يكن القمر الأحمر ظاهرة جديدة على أهل أوراس، لكنه لم يظهر منذ مئة عام.

تناقلت الجدات حكايته همساً، وحرص الكهنة على وصفها بأنها خرافة قديمة اخترعها الخائفون ليمنعوا أبناءهم من الخروج ليلاً.

إلا أن حسام رأى الحقيقة بعينيه.

كان فوق سطح دار الصائغ عندما تغير لون السماء، يستعد للهبوط من المدخنة وسرقة تاج مرصع بالياقوت.

توقفت يده فوق الحبل حين رأى القمر يخرج من خلف الغيوم، كبيراً ومتورماً كجرح مفتوح في وجه الليل.

في البداية، تلونت الحجارة بضوء قرمزي خافت، ثم هبت ريح ساخنة حملت رائحة الحديد المحموم والقبور الرطبة.

ارتجفت النوافذ في جدرانها، وانطفأت المصابيح في البيوت واحدة تلو الأخرى، كأن يداً خفية كانت تمر فوق المدينة وتخنق أنفاسها.

نظر حسام إلى الساحة فرأى رجلاً يسقط على ركبتيه.

لم ينزف الرجل ولم يستغث، بل تصلبت بشرته وتحولت إلى لون الرماد.

حاول أن يرفع ذراعه، فانكسرت أصابعه الحجرية وسقطت على الأرض بصوت جاف ظل يتردد في الساحة حتى ابتلعه السكون.

انسحب حسام إلى ظل المدخنة، وشعر للمرة الأولى أن الظلام الذي عاش فيه طوال عمره لم يعد ملجأً آمناً.

الاسم المكتوب على الجدار

هبط حسام من فوق السطح بعد أن تأكد أن الحركة توقفت في كل مكان.

كان جسده سليماً، ولم يجد على جلده أثراً للحجر، مع أن الضوء الأحمر كان يغمره كما يغمر الآخرين.

تقدم بحذر بين سكان المدينة المتجمدين، يلامس بعضهم بأطراف أصابعه ثم يسحب يده سريعاً.

لم تكن التماثيل باردة، بل احتفظت بحرارة خافتة، كأن الأرواح ما تزال سجينة في أعماقها وتطرق جدران الحجر بلا صوت.

عند مدخل زقاق ضيق، وجد عجوزاً لم يكتمل تحولها.

كان نصف جسدها حجراً، بينما بقي وجهها وذراعها اليمنى من لحم يرتجف.

رفعت عينيها نحوه، وفيهما توسع بؤبؤان يائسان يعكسان دائرة القمر الأحمر.

قالت بصوت متشقق:

أنت، لم تتحول.

اقترب حسام وهو يتلفت حوله.

لماذا؟

لم تجبه، بل غرست أظافرها في الجدار المغطى بالجير، وكتبت كلمة واحدة بدم أصابعها:

السرداب.

ثم امتد الحجر فوق عنقها وشفتيها، وبقيت يدها مرفوعة أمام الكلمة، كأنها ما تزال تشير إليها بعد أن انطفأ كل شيء في عينيها.

تراجع حسام خطوة.

كان يعرف سرداباً واحداً يتحدث عنه أهل المملكة بالخوف، سرداب القصر القديم، القابع تحت الجناح الشرقي، حيث يحتفظ الملوك بالأشياء التي لا يجرؤون على تدميرها.

وفي ذلك السرداب، وفق ما سمعه من تجار الأسرار والسكارى، توجد تعويذة قادرة على إيقاف اللعنة.

لكنها لم تكن شيئاً يمكن سرقته بسهولة.

صفقة مع ملك من حجر

شق حسام طريقه إلى القصر عبر الشوارع الصامتة، وكانت عيناه تلتقطان تفاصيل لم يكن يلاحظها حين كانت المدينة حية.

رأى أكواباً ما تزال تتصاعد منها الأبخرة، وقطاً يدور حول صاحبته المتحجرة، وطفلاً من حجر يمد يده إلى أمه التي تجمدت على بعد خطوة واحدة منه.

لم يكن يحب الناس كثيراً.

تعلم منذ صغره أن الأبواب تُغلق في وجه الفقراء، وأن الرحمة كلمة يكتبها الأغنياء فوق أبوابهم ولا يسمحون لها بالدخول.

ومع ذلك، شعر بشيء يضغط داخل صدره كلما مر بجسد صغير أو وجه يعرفه من الأسواق والحانات.

وصل إلى القصر عند منتصف الليل.

كانت البوابة مفتوحة، وحراسها تماثيل مصطفة في وضع الاستعداد.

عبر بينهم بخفة، ثم صعد الدرج الرخامي الذي انعكس عليه ضوء القمر كطبقة من الدم السائل.

في قاعة العرش، وجد الملك غياث جالساً فوق كرسيه.

تصلب نصف جسد الملك، بينما بقي صدره ورأسه يتحركان بصعوبة.

التف الحجر حول ساقيه وذراعيه، وتحولت أصابع يده اليسرى إلى نتوءات صخرية ملتصقة بذراع العرش.

كانت الملكة بجواره تمثالاً كاملاً، وفوق حجرها المتشقق بقيت دمعة متجمدة عند طرف عينها.

فتح الملك عينيه حين سمع وقع خطوات حسام.

اقترب يا ابن الظلال.

توقف حسام عند أسفل العرش.

تعرفني؟

تحركت شفتا الملك بابتسامة مرة.

لا يوجد في أوراس قفل لم تفتحه، ولا خزينة لم تترك فيها علامتك.

كنت سأعلقك فوق أسوار المدينة لو أمسكت بك.

أجاب حسام وهو ينظر إلى الحجر الذي يلتهم عنق الملك:

يبدو أن القمر سبقك إلى العقاب.

التعويذة ذات القلب الأسود

طلب الملك من حسام أن يقترب، ثم أخبره أن اللعنة مرتبطة بتعويذة تعرف باسم قلب الليل.

كانت جوهرة سوداء مصقولة، موضوعة داخل صندوق من الفضة في أعمق حجرات السرداب.

قبل مئة عام، سرق جد الملك التعويذة من معبد قديم في الجبال، ظناً منه أنها تمنح صاحبها حياة أطول.

لكنه لم يدرك أنها لا تطيل الحياة، بل تؤجل الموت عبر سرقة الزمن من الآخرين.

كل مئة عام، يظهر القمر الأحمر ليطالب بالدين.

قال الملك بصوت يضعف شيئاً فشيئاً:

يجب أن تحمل التعويذة إلى أعلى برج، ثم تكسرها تحت ضوء القمر قبل انطفاء الساعة الأخيرة من الليل.

رفع حسام حاجبه.

ولماذا لم يذهب أحد من رجالك؟

اتسعت عينا الملك قليلاً.

السرداب محمي بسحر يتعرف إلى الدم الملكي والقلوب المخلصة للتاج.

كل من يدخل وفي داخله ولاء للمملكة يتحول إلى رماد.

ضحك حسام ضحكة قصيرة خالية من المرح.

إذن اخترتم لصاً لأنكم واثقون من أنه لا يحبكم.

اخترناك لأنك الوحيد الذي لا تدين للتاج بشيء.

صمت حسام، ثم مد الملك عنقه بصعوبة وقال:

أنقذهم، وسأعفو عنك، وأمنحك ما تشاء من ذهب.

ألقى حسام نظرة على القاعة المملوءة بالوجوه الحجرية.

ولو رفضت؟

بدأ الحجر يصعد فوق فك الملك.

ستبقى وحدك في مملكة من القبور.

قبل أن تتجمد شفتاه، لفظ الملك كلماته الأخيرة:

ولا تثق بالصوت الذي يناديك باسمك.

باب السرداب الذي لا يفتح للأحياء

وجد حسام مدخل السرداب خلف ستارة ممزقة في الجناح الشرقي.

كان الباب دائرياً، مصنوعاً من معدن داكن تغطيه نقوش لأشخاص يركعون أمام قمر له أسنان طويلة.

لم يكن في الباب مقبض ولا ثقب مفتاح.

مرر حسام أصابعه فوق النقوش، فشعر بنبضة خفيفة تحت المعدن.

أخرج أدواته واحدة تلو الأخرى، وجرب أسلاك الفضة ومفاتيح الأقفال الملكية، لكن الباب ظل ساكناً كجفن ميت.

حين ابتعد خطوة، سمع صوتاً يأتي من خلفه.

حسام.

تجمدت عضلاته.

كان الصوت رقيقاً ودافئاً، يعرفه كما يعرف خطوط كفيه.

لم يسمعه منذ عشرين عاماً، منذ الليلة التي ماتت فيها أمه في كوخ بارد بينما كان هو يسرق رغيفاً من سوق الحي.

حسام، يا بني.

استدار ببطء.

وقفت أمه عند نهاية الممر، ترتدي ثوبها الأزرق القديم، وشعرها الأسود منسدل فوق كتفيها.

لم تكن حجراً، ولم يظهر على وجهها أثر المرض الذي أكلها في أيامها الأخيرة.

مدت يدها إليه.

عد إليّ.

تذكر تحذير الملك، فغرس أظافره في راحة يده حتى شعر بالألم.

أنت لست أمي.

اهتز وجهها للحظة، وانشق فمها أكثر مما ينبغي.

امتدت الابتسامة حتى قاربت أذنيها، ثم ذاب جسدها في الظلام، وبقي صوت ضحكتها يتردد داخل الجدران.

المفتاح المخفي في الخطيئة

عاد حسام إلى الباب، وقد أدرك أن السرداب لا يحرس نفسه بالأقفال وحدها.

أعاد فحص النقوش، ولاحظ أن كل شخص مرسوم عليها يحمل شيئاً سرقه، تاجاً أو سيفاً أو رغيفاً أو قلباً بشرياً.

في مركز الباب، ظهر نقش رجل فارغ اليدين.

تحته كلمات بلغة قديمة استطاع حسام قراءة بعضها، فقد كان قد تعلم الأبجدية المنسية لسرقة مخطوطات المعابد:

لا يدخل من يملك، بل من يعترف بما أخذ.

ابتسم حسام بمرارة.

وضع كفه فوق صورة الرجل وقال:

سرقت الذهب لأنني كنت جائعاً، ثم واصلت السرقة بعد أن شبعت.

سرقت من يستحق ومن لا يستحق، وخدعت أناساً وثقوا بي، وتركت آخرين يدفعون ثمن جرائمي.

ظل الباب ساكناً.

ابتلع حسام ريقه، ثم أغمض عينيه.

وفي الليلة التي ماتت فيها أمي، كان بإمكاني العودة إليها مبكراً.

لكنني بقيت في السوق لأسرق خاتماً غالياً، لأنني أردت أكثر من الرغيف.

عندما عدت، كانت قد ماتت وحدها.

صدر من الباب صوت يشبه زفير مخلوق نائم.

تباعد المعدن ببطء، وانفتح ممر تنبعث منه رائحة التراب المحترق.

حمل حسام مصباحاً من الجدار، وأشعل فتيله.

ثم دخل، بينما انغلق الباب خلفه بصوت حاسم يشبه سقوط حجر فوق قبر.

ممر الوجوه المسروقة

كانت جدران السرداب مغطاة بالمرايا، لكن أياً منها لم يعكس وجه حسام الحقيقي.

في المرآة الأولى ظهر طفلاً نحيفاً يختبئ تحت عربة خضار، وفي الثانية ظهر شاباً يضحك وهو يفر من حراس المدينة.

أما الثالثة، فأظهرت وجوه الأشخاص الذين سرق منهم.

رأى أرملة أخذ كيس نقودها في يوم ممطر، وتاجراً أفلس بعد أن سرق حسام ختمه، وحارساً سُجن لأنه اتُّهم بفتح بوابة لم يفتحها.

كانت الوجوه تلاحقه من مرآة إلى أخرى، وشفاهها تتحرك بلا صوت.

لم يشعر حسام بالخوف من الحراس ولا من السكاكين، لكنه خاف من النظر طويلاً.

أسرع حتى وصل إلى قاعة واسعة تتدلى من سقفها سلاسل سوداء.

في منتصفها وقف تمثال حجري ضخم لمحارب بلا رأس، يحمل سيفاً عريضاً يغطيه الصدأ.

حين خطا حسام إلى الداخل، تحرك التمثال.

تساقط الغبار عن كتفيه، وارتفع السيف في الهواء بصوت مزق السكون.

لم يكن للمحارب عينان، ومع ذلك استدار جسده نحو حسام بدقة قاتلة.

الحارس الذي يسمع نبض القلب

قفز حسام جانباً قبل أن يهوي السيف فوقه.

ارتطم النصل بالأرض، فانشق البلاط وتطايرت شظايا الحجر حول وجهه.

ركض خلف أحد الأعمدة، لكن المحارب اتجه إليه فوراً.

أدرك حسام أن الحارس لا يحتاج إلى الرؤية.

كان يسمع نبض القلب، ويتبع الدم الذي يضخ داخل العروق.

أخرج حسام قطعة قماش وربطها بإحكام حول ذراعه، ثم ضغط بأصابعه على شريان عنقه محاولاً إبطاء نبضه.

لم يكن ذلك كافياً، فقد ظل المحارب يقترب بخطوات تهز أرض القاعة.

عندئذ لمح السلاسل المتدلية من السقف.

انتظر حتى رفع الحارس سيفه، ثم ألقى خطافه حول إحدى السلاسل وقفز إلى الجانب.

مر السيف قرب رأسه، وقطع السلسلة التي تدلى منها جرس حديدي هائل لم يره في ظلمة السقف.

هوى الجرس فوق الأرض محدثاً دوياً عاصفاً.

ارتبك الحارس، واستدار نحو الاهتزاز الأعنف، فضرب الجرس مراراً بينما انسل حسام خلفه.

تسلق ظهر التمثال وغرس خنجره بين لوحين حجريين عند العنق المفقود.

وجد في الداخل بلورة حمراء تنبض كالقلب.

انتزعها، فتوقف المحارب في منتصف ضربة.

مال جسده العملاق، ثم انهار وتحطم إلى مئات القطع، بينما تدحرج رأس حجري قديم من زاوية القاعة واستقر عند قدمي حسام.

كان الرأس يحمل وجه الملك غياث.

الحقيقة المدفونة تحت العرش

حدق حسام في الرأس الحجري، وتسلل البرد إلى أطرافه.

كان الوجه مطابقاً لوجه الملك، لكن ملامحه أقدم وأقسى، وفوق جبهته نقش التاج نفسه.

حمل حسام الرأس وأداره، فوجد على مؤخرته كتابة محفورة:

غياث الأول، حامل اللعنة وحارسها.

لم يكن الملك قد أخبره بالحقيقة كاملة.

واصل حسام طريقه حتى وصل إلى غرفة دائرية في نهايتها صندوق فضي فوق منصة سوداء.

كان الصندوق صغيراً على نحو مخيب، محاطاً بسبع دوائر من الملح وعظام الطيور.

اقترب، فصدر صوت من داخل الغرفة:

لا تفتحه.

خرجت امرأة من خلف المنصة.

كانت ترتدي ثوباً أبيض مطرزاً بخيوط ذهبية، وعلى رأسها تاج رقيق يشبه تاج الملكة المتحجرة.

عرفها حسام من الصور القديمة المعلقة في القصر، الملكة ناردين، جدة الملك غياث، التي قيل إنها ماتت قبل أربعين عاماً.

لكنها كانت حية.

أو بدت كذلك.

الملكة التي لم يسمح لها الزمن بالموت

قالت ناردين إن الملك كذب عليه، وإن كسر التعويذة لن يحرر المملكة، بل سيقتل كل من تحول إلى حجر.

فالتعويذة لم تصنع اللعنة، وإنما كانت الوعاء الذي يحتجزها.

من يكسر الوعاء يطلق القوة الكامنة داخله.

اقتربت منه ببطء، وكان جلدها شاحباً لا تظهر تحته عروق.

خذ التعويذة وغادر المملكة.

ستظل حياً ما دمت تحملها، ولن يمسك بك مرض أو شيخوخة.

قال حسام:

وما الذي سيحدث للناس؟

نظرت إليه باستغراب، كأنه سأل عن مصير حشرات في حفرة.

سيبقون حجراً حتى يعود القمر إلى لونه الطبيعي، ثم تتحرر أجسادهم بعد مئة عام.

لن يشعروا بالزمن.

وماذا عن الأطفال؟

سيستيقظون كما ناموا.

تأمل حسام الصندوق، ثم سأل:

لماذا أنت هنا؟

ظهرت ابتسامة واهنة على شفتيها.

لأنني حملت التعويذة خمسين عاماً.

من يحملها لا يتحول إلى حجر، لكنه لا يستطيع الابتعاد عنها أكثر من مئة خطوة.

فهم حسام عندها سبب نجاته.

قبل سنوات، سرق خاتماً من المقابر الملكية وباعه في السوق السوداء.

كان الخاتم يحمل شظية دقيقة من الحجر الأسود نفسه، وربما بقي غبارها عالقاً في جرح قديم بكفه.

لذلك لم تستطع اللعنة ابتلاعه.

مدت ناردين يدها إليه.

افتح الصندوق.

خذ قلب الليل، وسأكون حرة أخيراً.

لم يتحرك حسام.

كانت عيناها تلمعان بجوع لا يشبه رجاء السجناء، بل يشبه ترقب صياد يرى باب قفصه ينفتح.

سرقة لا تحتاج إلى يدين

جلس حسام أمام الدوائر السبع وفحصها بعين اللص، لا بعين الساحر.

كانت كل دائرة تمثل قفلاً، لكن الأقفال لم تكن من معدن؛ كانت عهوداً مكتوبة بالملح والدم.

الدائرة الأولى تمنع أصحاب الدم الملكي، والثانية تمنع المؤمنين بقداسة التاج، والثالثة تمنع من يرغب في الخلود.

أما الدوائر الباقية فكانت تحذر من الطمع والخوف والندم والكذب.

ضحك حسام في سره.

لو كان السرداب يريد رجلاً بلا ذنوب، لما وجد أحداً يدخل إليه.

لكنه أراد شخصاً يعرف خطاياه ولا يسمح لها بأن تقوده.

أخرج من جيبه عملة نحاسية وألقاها خارج الدائرة الأخيرة.

انعكس صوت سقوطها في أرجاء الغرفة، فالتفتت الملكة ناردين غريزياً.

في اللحظة نفسها، رمى حسام خطافاً دقيقاً فوق الصندوق وسحبه من المنصة دون أن يخطو داخل الدوائر.

صرخت الملكة:

لا!

انفتح الصندوق عندما ارتطم بالأرض.

في داخله استقرت جوهرة سوداء بحجم قبضة طفل، يتلوى في قلبها ضوء أحمر كدخان محبوس.

وما إن لامست الهواء حتى اهتز السرداب، وتساقط التراب من السقف.

انقضت ناردين نحوها، لكن جسدها توقف عند حدود الدائرة الأولى.

لم تكن سجينة التعويذة وحدها.

كانت من الدم الملكي، ولذلك لم تستطع عبور الحاجز الذي صنعته أسرتها لحماية سرها.

العرض الأخير للقمر

التقط حسام الجوهرة بقطعة قماش، فشعر بحرارة تخترقها وتصل إلى جلده.

وفي اللحظة نفسها، انفتح داخل رأسه صوت عميق لا ينتمي إلى رجل أو امرأة.

خذني، ولن تحتاج إلى السرقة مرة أخرى.

ظهرت أمامه صور قصور من الذهب، وموائد لا تنفد، ومدن تنحني له.

رأى نفسه شاباً بعد مئة عام، وبعد ألف عام، بينما تتغير الوجوه من حوله وتبقى يداه قويتين.

ثم أراه الصوت أمه.

كانت جالسة داخل كوخها القديم، حية تبتسم وتفتح ذراعيها له.

يمكنني إعادتها.

توقف حسام عن التنفس.

بدت صورتها حقيقية إلى درجة أنه شم رائحة الحساء الرخيص الذي كانت تطهوه، وسمع السعال الخافت الذي كان يسبق نومها.

خطا خطوة نحوها، ثم رأى شيئاً صغيراً لم يستطع السحر تقليده.

كانت أمه تبتسم بأسنان كاملة.

أما أمه الحقيقية، فقد فقدت سناً أمامية قبل موتها بسنوات، وكانت تغطي فمها كلما ضحكت.

أطبق حسام أصابعه حول الجوهرة وقال:

اللص الجيد لا يشتري بضاعة مزيفة.

تحطمت الصورة، وانطلقت من الجوهرة صرخة جعلت دماءه ترتجف.

اندفعت الملكة ناردين نحو الحاجز مرة أخرى، فتوهجت دوائر الملح واشتعل ثوبها بنار زرقاء.

صرخت باسمه، وتوسلت إليه، ثم لعنته بصوت تبدل حتى صار غليظاً كهدير بئر عميقة.

لم تكن ناردين تتحدث وحدها.

كان شيء آخر يتكلم من داخلها.

السباق إلى برج الفجر

خرج حسام من السرداب والجوهرة ملفوفة تحت معطفه.

وما إن أغلق الباب خلفه حتى بدأت جدران القصر ترتجف، كأن أساساته استيقظت من نوم طويل.

في الخارج، كان القمر الأحمر قد بدأ يهبط نحو الأفق.

لم يبقَ سوى أقل من ساعة قبل الفجر.

ركض حسام عبر القاعات، لكن التماثيل الحجرية لم تعد ساكنة.

تحركت رؤوسها ببطء نحوه، وبدأت أقدامها تنفصل عن الأرض بصوت طحن خشن.

لم تكن أرواح السكان هي التي تحركهم.

كانت اللعنة تستخدم أجسادهم لمنعه من الوصول إلى البرج.

امتدت إليه أذرع حجرية من الممرات، وسقط جنود متحجرون في طريقه.

لم يرفع حسام سلاحه ضدهم، فقد عرف أن كل ضربة قد تحطم شخصاً يمكن إنقاذه.

لذلك قاتل بطريقته.

قفز فوق الأكتاف، وانزلق بين الأرجل، وألقى ستائر ثقيلة فوق التماثيل كي تتشابك خطواتها.

وحين أغلق أمامه صف كامل من الحراس الطريق، تسلق الثريا وتعلق بسلسلتها ثم تأرجح فوق رؤوسهم إلى الجانب الآخر.

كان البرج أمامه، لكن بابه الحديدي مغلق.

الرجل الجالس أمام الدرج الأخير

وجد الملك غياث عند مدخل البرج.

لم يعد فوق عرشه، ولم يعد نصفه حجراً.

كان واقفاً بكامل جسده، يرتدي درعاً أسود ويحمل سيفاً تتوهج حافته بالضوء الأحمر.

قال حسام وهو يلهث:

كنت أعلم أن في القصة كذبة أخرى.

ابتسم الملك.

لم أكذب حين قلت إن المملكة ستبقى مقبرة إن رفضت.

لكنني لم أقل إنني أريد إنقاذها.

كشف عن صدره، فظهرت تحته شقوق حجرية ينبعث منها وهج قرمزي.

كان الملك نفسه مربوطاً باللعنة، ينتقل سره من ملك إلى آخر مع التاج.

كلما ظهر القمر الأحمر، تجمد الشعب، وانتقلت أعمارهم المسروقة إلى السلالة الحاكمة.

لذلك عاش ملوك أوراس أعماراً أطول مما تسجله الكتب، وظلت وجوههم شابة خلف الأبواب المغلقة.

قال غياث:

أعطني التعويذة، وسأمنحك نصف المملكة.

أجابه حسام:

لا أحب اقتسام المسروقات.

هجم الملك.

اصطدم السيف بالأرض قرب قدم حسام، فتناثر الشرر الأحمر.

تراجع اللص وأخرج خنجره، لكنه عرف أن سلاحه الصغير لن يخترق الدرع الملكي.

تبادلا الضربات فوق الدرج الحلزوني، والبرج يهتز من حولهما.

كان غياث أقوى، لكن حسام أسرع، وقد قضى عمره يهرب في أماكن لا تتسع لجسد رجلين.

وعند الدرجة الأخيرة، سمح حسام للملك بأن يمسك بطرف معطفه.

جذبه غياث بعنف، فانشق القماش وسقطت منه الجوهرة السوداء.

ابتسم الملك وانحنى لالتقاطها.

لكنها لم تكن التعويذة.

كانت البلورة الحمراء التي انتزعها حسام من الحارس الحجري.

ما إن لمسها غياث حتى انطلقت منها نبضة قوية، فتصلبت ذراعه وتحولت إلى حجر.

صرخ الملك، بينما أخرج حسام التعويذة الحقيقية من حزامه وقال:

القاعدة الأولى في السرقة، لا تُظهر أبداً أين تخبئ الشيء الثمين.

ثم دفع الملك بقدمه.

تدحرج غياث على الدرج، وتحطم درعه مع كل ارتطام حتى توقف جسده الحجري عند أسفل البرج، وقد انكسر التاج إلى نصفين فوق رأسه.

حين انكسر قلب الليل

صعد حسام إلى سطح البرج.

كانت الريح تعوي بقوة، والسحب تدور حول القمر الأحمر في دوامة ضخمة.

تحت قدميه بدت أوراس مدينة من الرماد، شوارعها مكتظة بالتماثيل التي رفعت وجوهها نحوه في صمت.

وضع التعويذة فوق الحافة الحجرية، ثم رفع خنجره.

تردد.

تذكر تحذير الملكة ناردين بأن كسر الجوهرة سيقتل المتحولين.

وتذكر أن الملك قال العكس، ولم يعد يعرف أيهما كان يكذب وأيهما كان أداة في يد اللعنة.

سمع الصوت داخل رأسه من جديد:

اكسرني، يموتون.

احتفظ بي، يعيشون.

حدق حسام في الجوهرة.

كان الضوء الأحمر داخلها يتحرك مع كل كلمة، لكنه لاحظ أن النبض يتسارع كلما خاف أو شك.

لم تكن التعويذة تعرض عليه الحقيقة؛ كانت تتغذى على تردده.

تذكر النقش على باب السرداب:

لا يدخل من يملك، بل من يعترف بما أخذ.

فهم عندها أن اللعنة لم تبدأ بسرقة التعويذة من المعبد، بل بدأت حين حاول الملوك امتلاك الزمن نفسه.

لقد عاملوا أعمار الناس كذهب يمكن تخزينه في خزائنهم.

لم يكن الحل أن يكسر الجوهرة أو يحتفظ بها.

كان عليه أن يعيد ما سُرق.

رفع حسام التعويذة نحو القمر وقال بصوت غطت عليه الريح:

أنا لا أملكك.

ثم فتح يده.

بدلاً من أن تسقط الجوهرة، ارتفعت في الهواء.

انطلقت منها خيوط حمراء امتدت فوق المدينة كشبكة من النار، ووصل كل خيط إلى تمثال حجري.

اهتزت أوراس كلها.

تشققت الجوهرة من تلقاء نفسها، لا بضربة سلاح، بل تحت ثقل الأرواح التي كانت محبوسة داخلها.

خرج منها ضوء أبيض هائل مزق اللون الأحمر في السماء.

انفجرت التعويذة.

اندفعت الموجة فوق السطوح والمآذن والأسوار، وعبرت الشوارع كريح دافئة.

بدأت القشرة الحجرية تتساقط عن الوجوه والأيدي، وتحولت الشقوق إلى خطوط من نور.

أول من تحرر كان الطفل الذي مد يده إلى أمه.

انكسرت طبقة الحجر عن أصابعه، ثم عن وجهه، وسقط باكياً في حضنها لحظة عادت هي الأخرى إلى الحياة.

تبعتهما أصوات السعال والصراخ والبكاء، حتى امتلأت المدينة بضجيج بدا أجمل من الموسيقى.

فوق البرج، اخترق الضوء جسد حسام.

شعر بحرارة تمزق كفه القديمة، ثم خرجت منها شظية سوداء صغيرة ظلت عالقة في لحمه طوال سنوات.

احترقت الشظية في الهواء، وزال آخر رابط بينه وبين اللعنة.

عاد القمر أبيض.

لكن البرج بدأ ينهار.

السرقة الوحيدة التي أعادت كل شيء

تشققت الأرض تحت قدم حسام، وسقط جزء من السور إلى الشارع.

ركض نحو الدرج، لكنه انهار أمامه، فوجد نفسه معلقاً فوق ارتفاع شاهق لا يفصله عن الموت سوى حبل رفيع رماه حول تمثال حجري عند الحافة.

بدأ التمثال ينزلق.

سمع أصواتاً من الأسفل، ثم ظهر عشرات الناس في الساحة وقد رفعوا أيديهم نحوه.

أمسك الحراس والحرفيون والباعة بطرف الحبل، وانضم إليهم الملكيون والفقراء، حتى صار الحبل مشدوداً بقوة مدينة كاملة.

هبط حسام ببطء.

حين لامست قدماه الأرض، أحاط به الناس الذين كان قد سرق بعضهم يوماً، والذين طاردوه أو شتموه أو أغلقوا أبوابهم في وجهه.

لم يعرف هل سيشكرونه أم يسجنونه.

تقدم قائد الحرس، وقد عاد الدم إلى وجهه بعد أن كان تمثالاً عند بوابة القصر.

نظر إلى حسام طويلاً، ثم قال:

بأمر الملك، أنت مطلوب بتهم السرقة واقتحام القصر وإهانة التاج.

رفع حسام حاجبه.

الملك أصبح قطعاً صغيرة على الدرج.

نظر القائد نحو القصر المتصدع، ثم خلع شارة التاج من فوق صدره وألقاها أرضاً.

إذن لم يعد هناك أمر.

انتشرت ضحكة مترددة في الساحة، ثم تحولت إلى موجة من الضحك والبكاء والعناق.

أما حسام، فاستغل الفوضى واختفى.

في الصباح، بحثوا عنه في الحانات والأسواق والممرات السرية، فلم يجدوا سوى معطفه الأسود معلقاً فوق باب المخبز.

وفي جيبه الداخلي كانت هناك قائمة طويلة بأسماء أشخاص سرق منهم في الماضي، وبجوار كل اسم مقدار ما أخذه.

أما خزائن القصر، فقد وُجدت مفتوحة.

لم يختفِ منها الذهب، بل وُزعت محتوياتها في أكياس صغيرة أمام بيوت الفقراء وأسر المسجونين ظلماً.

وفوق باب الخزينة كتب أحدهم بالفحم:

أُعيدت المسروقات إلى أصحابها، وبقيت أجرة اللص ديناً على المملكة.

لم يعرف أحد إلى أين ذهب حسام.

غير أن التجار صاروا يحكون عن رجل ملثم يظهر في المدن التي يحكمها الطغاة، يفتح خزائنهم دون أن يكسر الأقفال، ثم يترك خلفه قطعة حجر حمراء ورسالة واحدة:

لا شيء يبقى ملكاً لمن سرقه.

لم تُهزم لعنة القمر الأحمر بالسيف، ولم ينقذ المملكة أكثر رجالها ولاءً أو أنقى أهلها سيرة.

أنقذها رجل عرف الظلام جيداً، لأنه عاش طويلاً في داخله، ثم اختار في اللحظة الحاسمة ألا يسمح له بأن يصبح وطنه الأخير.

فبعض الأبواب لا تفتحها الفضيلة وحدها، بل يفتحها الاعتراف الصادق بما ارتكبناه خلفها.

وقد يكون الفرق بين اللص والمنقذ أقل من خطوة واحدة؛ خطوة تبدأ حين يكف الإنسان عن سؤال ما يستطيع أخذه، ويسأل نفسه للمرة الأولى عما ينبغي عليه أن يعيد، قصة قطار الألوان الحكاية الغامضة التي أعادت الحياة إلى المدينة الرمادية من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد