وصل القطار عند منتصف الليل، في ساعة لم تكن القطارات تمر فيها منذ سنوات، وانساب صوته بين المباني الرمادية كصفير طائر ضل طريقه في عاصفة باردة.
لم يخرج من مدخنته دخان أسود، بل ارتفعت منها سحابة زرقاء مضيئة، راحت تتلوى فوق الأسطح وتصبغ الغيوم بلون البحر، قبل أن تعود السماء إلى رمادها الثقيل كأن شيئاً لم يكن.
كان القطار طويلاً أكثر مما تسمح به أرصفة المحطة، تتدلى من نوافذه ستائر براقة، وتلمع عجلاته تحت المطر بألوان لم يرها سكان المدينة منذ زمن بعيد.
وعندما توقفت عربته الأولى، انفتح باب ذهبي ببطء، وظهر على عتبته رجل يرتدي معطفاً مرقعاً بسبعة ألوان، ثم نادى بصوت هادئ سمعته المدينة كلها:
استعدوا، فاللون الأول لا يعود إلى المكان إلا إذا تذكّر أحدكم كيف يراه.
المدينة التي ابتلعها الرماد
كانت مدينة السكون تبدو من بعيد ككتلة من الغبار المتحجر؛ شوارعها باهتة، ونوافذها مطفأة، وأشجارها واقفة كأصابع عجوز نسيت كيف تشير إلى الربيع.
لم يكن الرمادي لون جدرانها فقط، بل كان يسكن وجوه أهلها وملابسهم وأصواتهم، حتى ضحكات الأطفال كانت تخرج خافتة، ثم تموت قبل أن تبلغ الطرف الآخر من الشارع.
لم يعرف أحد على وجه اليقين متى اختفت الألوان، فقد حدث الأمر ببطء شديد، كما ينسحب الضوء من غرفة عند الغروب دون أن ينتبه الجالسون فيها.
في البداية فقدت الورود حمرتها، ثم شحبت السماء، وبعدها صار الخبز بلا رائحة، والماء بلا لمعان، والذكريات بلا دفء.
كان أهل المدينة يقولون إن الألوان هجرتها لأنها ضاقت بأحزانهم، بينما زعم كبار السن أن ساحراً غاضباً أغلقها داخل صندوق تحت برج الساعة.
غير أن الحقيقة الأشد قسوة كانت أن الناس اعتادوا غيابها، وتوقفوا عن السؤال عنها، حتى صار الطفل يولد فيرى العالم رمادياً ويحسب أن تلك هي طبيعته منذ الأزل.
سلمى والنافذة القديمة
كانت سلمى، ابنة صانع الساعات، الفتاة الوحيدة التي لم تصدق أن العالم خُلق بلا ألوان؛ فقد كانت ترى في أحلامها حقولاً تشتعل بالأصفر، وبحيرات تتنفس الأزرق، وطيوراً تحمل على أجنحتها بقعاً كالجواهر.
كلما أخبرت أباها بما ترى، رفع نظارته السميكة عن عينيه ومسحها بطرف ثوبه، ثم قال بصوت أنهكته الأيام:
الأحلام يا سلمى تعيد رسم الأشياء التي فقدناها، لكنها لا تستطيع إعادتها إلى الواقع.
كانت تجيبه وهي تحدق في واجهة متجره المزدحمة بالساعات الصامتة:
ربما لأنها تنتظر من يفتح لها الباب.
في تلك الليلة، حين اخترق صفير القطار الجدران، كانت سلمى جالسة قرب نافذتها القديمة، ترسم بإصبعها دوائر فوق الزجاج المغطى ببخار أنفاسها.
وحين رأت السحابة الزرقاء ترتفع فوق البيوت، تجمدت يدها، ثم اندفعت إلى الشارع حافية القدمين، بينما كان أبوها يناديها من خلف الباب فلا تلتفت.
كان المطر بارداً يلسع وجهها، لكن قلبها اشتعل بشيء لم تعرف له اسماً؛ شيء يشبه ذكرى بعيدة لم تعشها بعد.
القطار الذي لا يظهر على الخرائط
احتشد الناس حول المحطة، لا بدافع الفرح، بل بدافع الخوف من الشيء الذي لا يشبه حياتهم؛ فقد تعلموا أن كل مختلف يحمل في داخله خطراً محتملاً.
وقف القطار أمامهم كحيوان أسطوري هائل، تتلألأ جوانبه بنقوش تتحرك كلما رمش الناظر، فتتحول الأشجار المرسومة إلى طيور، والطيور إلى أمواج، والأمواج إلى وجوه تبتسم ثم تختفي.
أما الرجل صاحب المعطف الملون، فكان نحيفاً طويل القامة، ذا لحية فضية وعينين مختلفتين؛ إحداهما خضراء كأوراق الربيع، والأخرى بنفسجية كليل مرصع بالنجوم.
على رأسه قبعة عريضة تتدلى منها أجراس صغيرة، لكنها لم تكن تصدر صوتاً، كأنها تنتظر لحظة معينة كي تستيقظ.
تقدمت سلمى بين الواقفين حتى صارت في الصف الأول، ولمحت على صدر الرجل بطاقة نحاسية كُتب عليها، حارس الألوان الأخيرة.
سألته دون أن تخفي ارتجاف صوتها:
هل جئت لتعيد الألوان إلى مدينتنا؟
نظر إليها طويلاً، حتى شعرت أن عينه الخضراء تقرأ أحلامها، بينما تنقب عينه البنفسجية داخل خوفها.
ثم قال:
أنا لا أعيد ما ضاع، بل أفتح الطريق إليه.
أما استعادته، فثمنها على أهل المدينة.
تعالت همهمات غاضبة، وصاح رئيس البلدية، وكان رجلاً عريض الوجه لا يبتسم أبداً:
نحن لا نحتاج إلى ألعابك.
مدينتنا مستقرة كما هي.
رفع الحارس حاجبه، وأشار إلى الوجوه الجامدة والأشجار الميتة والنوافذ المغلقة، ثم قال:
هذا ليس استقراراً، بل موت تعلم الوقوف على قدميه.
تذكرة من زجاج
أخرج الحارس من جيبه تذكرة شفافة كقطعة جليد، لكنها كانت دافئة حين وضعها في يد سلمى، وفي داخلها نقطة حمراء تتحرك مثل نبضة قلب صغيرة.
قال لها:
القطار لن يبدأ رحلته إلا إذا صعد شخص ما وهو يؤمن أن الألوان ما زالت موجودة، حتى لو لم يرها أحد.
تراجعت الوجوه من حولها، وسمعت أباها يصل إلى المحطة وهو يلهث، ثم يمسك بكتفها بقوة.
قال لها في خوف:
لا تصعدي.
لا نعرف من يكون، ولا إلى أين يأخذ الناس.
التفتت سلمى نحو أبيها، فرأت في عينيه خوفاً قديماً لا علاقة له بالقطار، خوفاً من فقد جديد بعد خسارات لم يتحدث عنها قط.
وضعت يدها فوق يده وقالت:
إن عدتُ بلا ألوان، فلن نخسر شيئاً.
وإن لم أصعد، فقد لا يعود القطار أبداً.
لم يجب أبوها، لكن أصابعه انفرجت ببطء، كأن قلبه أطلقها بينما ظل خوفه ممسكاً بها.
صعدت سلمى إلى العربة الأولى، وما إن وطئت قدمها أرضيتها حتى رنت أجراس القبعة، واهتز القطار، واشتعلت مصابيحه السبعة واحداً بعد الآخر.
المحطة الأولى عودة الأحمر
تحرك القطار دون أن تدور عجلاته، وانساب فوق القضبان كأنه يسير فوق خيط من الضوء، بينما ركض أهل المدينة خلفه في الشوارع وهم لا يعرفون إلى أين يتجه.
كانت العربة من الداخل أوسع من المحطة نفسها؛ سقفها مرصع بنجوم صغيرة، ومقاعدها مكسوة بقماش دافئ تفوح منه رائحة التفاح والقرفة.
في منتصف العربة وقف صندوق زجاجي بداخله لهب أحمر ضعيف، يرتجف كلما اقترب منه أحد، ثم ينكمش كطفل خائف.
قال الحارس:
هذا هو الأحمر، لون القلب والشجاعة والنار والورد، لكنه يرفض الخروج إلى مدينة نسي أهلها كيف يدافعون عما يحبون.
توقفت العربة أمام ساحة المصنع القديم، حيث كان العمال يقفون كل صباح في صمت، ينحنون أمام مدير المصنع الذي يخفض أجورهم ويطيل ساعات عملهم دون اعتراض.
فتح باب القطار، فاندفع هواء بارد إلى الداخل، وسمع الجميع صوت المدير وهو يوبخ عاملاً مسناً أسقط صندوقاً من شدة الإرهاق.
نظر الحارس إلى سلمى وقال:
اللون لا يهبط في المكان بالكلمات.
يحتاج إلى فعل يوقظه.
نزلت سلمى إلى الساحة، وشقت طريقها بين العمال، ثم وقفت أمام المدير الذي كان يحمل عصاه السوداء.
قالت بصوت مرتفع:
لن تضربه.
ضحك الرجل، وضحك معه بعض الحراس، لكن صوتها بقي معلقاً في الهواء، واضحاً كجرس لم يسمعه الناس منذ أعوام.
تقدم أبوها من بين الحشد ووقف إلى جوارها، ثم لحق به العمال واحداً تلو الآخر، حتى وجد المدير نفسه أمام جدار من العيون التي قررت ألا تنخفض.
عندها انفجر اللهب داخل الصندوق الزجاجي، وانطلق منه شريط أحمر دار حول الساحة كإعصار من الحرير.
احمرت الطماطم في العربات الخشبية، واشتعلت لافتات المتاجر بلون القرمز، وتفتحت ورود حمراء على شرفات لم تُزرع فيها بذور منذ سنوات.
نظر الناس إلى أيديهم الملطخة بالحمرة، وسمعوا لأول مرة دقات قلوبهم كما لو أنها طبول تعلن بداية حرب ضد الصمت.
المحطة الثانية الأزرق المختبئ في الدموع
واصل القطار سيره حتى بلغ مستشفى المدينة، وهو مبنى طويل بارد النوافذ، لا يُسمع في ممراته إلا احتكاك أحذية الممرضين بالأرض.
قال الحارس وهو يرفع صندوقاً آخر يحتوي قطرة زرقاء معلقة في الهواء:
الأزرق لا يسكن السماء وحدها، بل يعيش أيضاً في الحزن الذي نسمح له أن يمر بدلاً من أن نحبسه في صدورنا.
في غرفة بالطابق الثالث، كانت امرأة تدعى مريم تجلس قرب سرير طفلها المريض، وتحدق في وجهه منذ أسابيع دون أن تبكي.
كان الأطباء قد أخبروها أن مرضه شديد، لكنها ظلت تبتسم أمامه ابتسامة مشدودة، ثم تخرج إلى الممر وتبتلع صراخها كي لا يراها ضعيفة.
دخلت سلمى الغرفة وجلست قربها، ولم تقل لها إن كل شيء سيكون بخير، لأن بعض الكلمات تبدو قاسية حين تكذب أمام الألم.
اكتفت بأن أمسكت يدها وهمست:
لستِ مضطرة لأن تكوني قوية طوال الوقت.
ارتجف وجه مريم، ثم انكسرت الابتسامة الجامدة، وسقطت أول دمعة على يدها كقطرة مطر فوق أرض متشققة.
تلتها دمعة ثانية وثالثة، ثم انفجر بكاؤها عميقاً، حاراً، صادقاً، حتى بكى الطفل معها، وبكى بعض الواقفين عند الباب دون أن يعرفوا السبب.
اهتز الصندوق في يد الحارس، وانفجرت القطرة الزرقاء إلى آلاف الفراشات المضيئة، خرجت عبر نوافذ المستشفى وانتشرت فوق المدينة.
غمرت الزرقة السماء، واكتست البحيرة القديمة بلون عميق، وصارت قطرات المطر تلمع فوق الأرصفة كحبات زجاج زرقاء.
رفع الناس رؤوسهم، واكتشفوا أن الحزن حين يجد طريقه إلى الخارج لا يهزم القلب، بل يغسله.
المحطة الثالثة الأصفر الذي خاف من الضحك
عند الظهيرة بلغ القطار مدرسة المدينة، حيث جلس الأطفال في صفوف مستقيمة، ينسخون الجمل نفسها عن الطاعة والصمت وعدم طرح الأسئلة.
كان مدير المدرسة قد منع اللعب في الساحة، بحجة أن الضحك يشتت العقول، وأمر بطلاء الجدران بالرمادي كي لا تنشغل العيون بما لا يفيد.
رفع الحارس صندوقاً يحتوي ريشة صفراء ذابلة وقال:
الأصفر لون الشمس والدهشة والفضول، لكنه يختفي من الأماكن التي يُعاقب فيها السؤال.
دخلت سلمى أحد الفصول، فرأت طفلاً صغيراً يرسم سراً تحت الطاولة دائرة لها أشعة طويلة.
سألته:
ما هذه؟
غطى الرسم بيده وقال مذعوراً:
لا أعرف، رأيتها في حلم.
يقول المعلم إن رسم الأشياء غير الموجودة يفسد العقل.
ابتسمت سلمى وقالت:
بل ربما يرسم العقل الأشياء قبل أن تجد طريقها إلى الوجود.
أخذت الطبشور، ورسمت على اللوح شمساً كبيرة، ثم أضافت لها عينين وفماً واسعاً، فضحك الطفل، وتبعه طفل آخر، حتى انفجر الفصل كله بضحك متدفق هز النوافذ.
دخل المدير غاضباً، لكن أحد الأطفال تقدم وسأله:
لماذا لا نرسم السماء كما نراها في أحلامنا؟
وسأله آخر:
لماذا يجب أن تكون الإجابة واحدة إذا كانت الأسئلة كثيرة؟
ارتفعت الأسئلة كطيور خرجت من أقفاصها، ولم يستطع المدير الإمساك بها، بينما بدأت الريشة الصفراء تنفض ذبولها وتتوهج.
انطلق الأصفر من الصندوق كقرص شمس صغير، فصبغ جدران المدرسة، وأشعل حقول القمح خارج المدينة، وأيقظ أزهاراً ذهبية على جانبي الطريق.
دفأت الشمس وجوه الناس، وضحك الأطفال في الساحات حتى بدا أن المدينة نفسها تتعلم الابتسام.
اللون الأخضر والحديقة التي ترفض الموت
لم يتبق في القطار سوى أربع عربات، لكن الحارس بدا أكثر قلقاً مع كل لون يعود، وكأن الرحلة تقترب من باب يخشى فتحه.
توقف القطار قرب الحديقة المركزية، وكانت أرضاً جرداء تتوسطها شجرة ضخمة يابسة، يقال إنها أقدم من المدينة نفسها.
أخرج الحارس من جيبه بذرة خضراء وقال:
الأخضر لا ينمو بالأمنيات، بل بالرعاية والصبر.
المدينة التي تقطع جذورها لا تستطيع أن تطلب الربيع.
عرف الناس ما يقصده؛ فقد أهملوا الحديقة سنوات طويلة، وألقوا فيها النفايات، ثم لاموا الأشجار لأنها لم تزهر.
جثت سلمى قرب جذع الشجرة، وحفرت بيديها في التراب القاسي حتى تشققت أصابعها، ثم وضعت البذرة في حفرة صغيرة.
جاء طفل يحمل كوب ماء، ثم امرأة تحمل مجرفة، ثم انضم إليهما عشرات السكان، ينظفون الأرض ويقلبون التربة ويزرعون ما يجدونه من بذور قديمة.
حتى رئيس البلدية، بعد تردد طويل، خلع سترته الثقيلة وحمل كيساً من القمامة بعيداً عن الحديقة، بينما تجنب النظر إلى أعين الناس.
عندما لامست آخر قطرة ماء التراب، ارتجفت الأرض تحت أقدامهم، وامتدت جذور مضيئة في الأعماق كشبكة من البرق الأخضر.
تفجرت الأوراق من أغصان الشجرة اليابسة، ونبت العشب تحت الأرجل، وتسلق اللبلاب الجدران، حتى غدت الحديقة واحة تتنفس رائحة النعناع والتراب المبلل.
لكن سلمى، وسط فرحة الناس، لمحت شيئاً أثار قلقها؛ فقد ظهرت على يد الحارس بقع رمادية تتسع كلما أطلق لوناً جديداً.
سر حارس الألوان
لحقته إلى العربة وسألته:
ماذا يحدث لك؟
أخفى يده داخل معطفه، ثم نظر من النافذة إلى المدينة التي بدأت تتلون.
قال:
لكل لون بوابة، ولكل بوابة حارس.
حين ينسى الناس لوناً، يُحبس ذلك اللون داخلي حتى يأتي من يوقظه.
تراجعت سلمى خطوة وهمست:
وحين تطلقها كلها؟
ابتسم ابتسامة حزينة، وتراقص البنفسجي في عينه كغروب بعيد.
حين تعود الألوان إلى العالم، يتحول الحارس إلى اللون الذي كانت المدينة تحمله قبله.
فهمت سلمى، وشعرت ببرودة تعبر صدرها.
ستصبح رمادياً؟
قال بهدوء:
سأصبح جزءاً من النسيان، كما صار الحراس قبلي.
أمسكت بطرف معطفه وقالت:
لا بد من طريق آخر.
لكن صفارة القطار دوّت فجأة، وانطفأت ثلاثة مصابيح، ولم يبق مضيئاً إلا المصباح الأخير، وكان أبيض يلمع كعين مفتوحة في الظلام.
المحطة الأخيرة اللون الذي لا يوجد وحده
توقف القطار أمام برج الساعة، حيث تقول الحكايات إن الألوان حُبست منذ زمن بعيد، ووجد الناس بابه الحجري مفتوحاً للمرة الأولى.
صعدت سلمى والحارس الدرج الحلزوني، بينما تبعهم السكان حاملين مصابيح حمراء وزرقاء وصفراء وخضراء، فامتلأت الجدران بظلال راقصة.
في أعلى البرج وجدوا قاعة دائرية، يتوسطها صندوق أسود تحيط به سبع سلاسل حديدية، وعلى غطائه نُقشت كلمات بالكاد تُقرأ:
لا يكتمل اللون الأخير إلا حين يمنح كل إنسان جزءاً من نوره لغيره.
فتح الحارس الصندوق، فلم يجدوا داخله لهباً أو قطرة أو ريشة، بل مرآة كبيرة عكست وجوههم جميعاً.
قال رئيس البلدية بغضب:
أين اللون الأخير؟
أجاب الحارس:
الأبيض ليس لوناً منفرداً كما تظنون، بل اجتماع الألوان دون أن يطغى أحدها على الآخر.
إنه لا يظهر في مدينة يتمسك كل شخص فيها بنوره لنفسه.
بدأ البرج يهتز، وظهرت شقوق سوداء في المرآة، وراحت الألوان التي عادت إلى المدينة تخفت من جديد.
صاح الحارس:
إن لم يكتمل اللون الأخير قبل دقة منتصف الليل، ستعود المدينة إلى الرماد، ولن يمر القطار بها مرة أخرى.
نظر الناس بعضهم إلى بعض، وكل واحد منهم ينتظر أن يبدأ غيره، حتى بقيت دقائق قليلة على الدقة الأخيرة.
تقدمت مريم، أم الطفل المريض، وخلعت وشاحها الأزرق ووضعته على كتفي امرأة ترتجف من البرد.
ثم تقدم عامل المصنع وأعطى رغيفه لرجل مسن، وقدمت طفلة زهورها الصفراء لمدير المدرسة الذي لم يهدها أحد زهرة في حياته.
فتح الخباز أبواب مخزنه، ووزع الطعام على الجياع، وسمح رئيس البلدية للناس بدخول قاعة المجلس، ثم مزق السجلات التي حرمت الفقراء من بيوتهم.
انتقلت الألوان بين الأيدي والقلوب، لا كصبغات على الأشياء، بل كأفعال صغيرة تضيء وجهاً ثم تنتقل منه إلى وجه آخر.
بدأت المرآة تشع نوراً أبيض، إلا أن الشق الأسود في وسطها ظل قائماً، رفيعاً وعميقاً كجرح لم يندمل.
قال الحارس وهو ينظر إلى سلمى:
بقي فعل واحد.
لا بد أن يمنح شخص ما أغلى لون يملكه دون أن يعرف إن كان سيسترده.
الاختيار الذي أوقف الساعة
نظرت سلمى إلى الحارس، وفهمت أن أغلى ما تملكه ليس شيئاً في جيبها، بل قدرتها على رؤية الألوان في الأحلام.
كانت تلك الرؤى رفيقتها في السنوات الرمادية، والنافذة الوحيدة التي أبقتها مؤمنة بأن وراء الضباب عالماً آخر.
اقتربت من المرآة، وأغمضت عينيها، ثم وضعت كفيها على سطحها البارد وقالت:
أعطي المدينة كل الألوان التي في أحلامي، حتى لو لم أرها بعد اليوم.
صرخ أبوها باسمها، ومد الحارس يده ليمنعها، لكن الضوء اندفع من صدرها قبل أن يصل إليها.
خرج الأحمر أولاً مثل نبضة، ثم الأزرق كموجة، والأصفر كشعاع، والأخضر كغصن، وتبعها البنفسجي والبرتقالي والنيلي في دوائر متشابكة.
امتلأت المرآة بالنور الأبيض، وانفجر الشق الأسود، وتوقفت عقارب الساعة قبل منتصف الليل بلحظة واحدة.
سقطت سلمى على الأرض، وحين فتحت عينيها رأت الوجوه حولها بلا ألوان؛ لم تعد تميز زرقة السماء ولا حمرة الورد ولا خضرة الأشجار.
كان العالم في عينيها رمادياً من جديد.
انحنى الحارس قربها، وقد اختفت البقع الرمادية من يديه، وقال بصوت مكسور:
لقد أنقذت المدينة، لكنك دفعت الثمن الذي كان يجب أن أدفعه أنا.
ابتسمت سلمى رغم دموعها وقالت:
لا بأس.
كنت أعرف الألوان قبل أن أراها، وربما أستطيع أن أعرفها من جديد.
عندها تقدم سكان المدينة نحوها، واحداً تلو الآخر، ووضع كل منهم يده على المرآة، مرددين:
لن تحمل اللون وحدك.
اهتز الضوء في القاعة، ثم انقسم إلى خيوط دقيقة دخلت في عيون الجميع، وعاد جزء صغير منه إلى عيني سلمى.
رأت أولاً نقطة حمراء في وشاح امرأة، ثم لمعة زرقاء في دموع أبيها، ثم انفتحت أمامها بقية الألوان دفعة واحدة، أكثر عمقاً ووضوحاً مما رأتها في أحلامها.
أما الحارس، فتراجع نحو النافذة، وبدأ معطفه يتفتت إلى قصاصات ملونة تحولت إلى طيور صغيرة.
قالت سلمى مذعورة:
هل ستغادر؟
أجابها وهو يبتسم:
لم تعد المدينة تحتاج إلى حارس يحمل ألوانها، لأنها تعلمت أن يحمل أهلها الألوان بعضهم عن بعض.
العنصر الأخير مغادرة قطار الألوان
مع بزوغ الفجر، عاد القطار إلى المحطة، لكن عرباته كانت شفافة، كأنها مصنوعة من ضوء الصباح.
وقف أهل المدينة على الرصيف يودعون الحارس، وقد ارتدوا ثياباً زاهية، وحمل الأطفال رسوماً للشمس والبحر والحدائق والطيور.
أعطى الحارس سلمى تذكرة زجاجية جديدة، لكنها لم تحتوِ هذه المرة نقطة حمراء، بل سبعة ألوان تدور داخلها في انسجام.
قال لها:
احتفظي بها، لا لتصعدي القطار، بل لتتذكري أن الألوان لا تختفي من تلقاء نفسها؛ نحن الذين نطردها حين نتوقف عن الشجاعة والحزن والضحك والعطاء.
سألته:
إلى أين ستذهب الآن؟
نظر نحو الأفق، حيث كانت سحابة رمادية وحيدة تلوح خلف الجبال.
إلى مدينة أخرى تظن أن الرماد قدر.
صفر القطار، وتحرك ببطء، ثم تسارع حتى تحول إلى خط من الضوء يمتد بين البيوت والحقول، قبل أن يختفي عند حافة السماء.
وفي اللحظة التي غاب فيها، دقت ساعة البرج اثنتي عشرة دقة، لا لتعلن منتصف الليل، بل لتعلن بداية يوم جديد تأخر سنوات طويلة.
عادت سلمى إلى متجر أبيها، وفتحت النوافذ المغلقة، فدخل الضوء وانعكس على مئات الساعات التي بدأت عقاربها تتحرك معاً.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد مدينة السكون تحمل اسمها القديم؛ أطلق عليها الناس اسم مدينة الألوان، ووضعوا في محطتها لوحة كتبوا عليها:
قد يمر القطار مرة واحدة، لكن اللون يبقى ما دام هناك من يراه في قلب غيره.
لم تكن الألوان التي عادت إلى المدينة مجرد حمرة فوق وردة، أو زرقة في سماء، أو خضرة تتسلل بين الأغصان؛ فقد كانت وجوهاً للشجاعة والصدق والفضول والرعاية والعطاء.
فالمدن لا تصبح رمادية حين تفقد الطلاء، بل حين يتوقف أهلها عن الدفاع عما يحبون، وعن البكاء حين يؤلمهم الفقد، وعن السؤال حين يثقلهم الصمت، وعن منح الآخرين جزءاً من نورهم.
وحين تعلم سكان المدينة أن اللون لا يُمتلك بل يُشارك، لم يعودوا يخشون اختفاءه؛ لأنهم عرفوا أخيراً أن أكثر الأشياء إشراقاً لا تسكن الجدران والسماء، بل تبدأ دائماً من قلب يقرر ألا يترك قلباً آخر وحيداً في العتمة، قصة ظل بلا صاحب حين هرب الظل من رجل كسول واكتشف الثمن المرعب للحرية من هنا.
