في صباحٍ باردٍ تهادى ضوء الشمس على درجات الجامعة الحجرية، بينما كانت امرأة تجاوزت الستين تمسك بحقيبة جلدية قديمة كأنها تحمل فيها سنوات عمرها كلها.
توقفت لحظة أمام البوابة، وأغمضت عينيها، ثم ابتسمت ابتسامةً مرتجفة؛ فهذه الخطوة التي بدت للآخرين متأخرة، كانت بالنسبة إليها بداية العمر لا نهايته.
لم تكن تخشى الامتحانات ولا الكتب، بل كانت تخشى تلك النظرات التي تخبر الإنسان بأنه جاء متأخراً، وأن قطار الأحلام لا ينتظر أحداً.
لكنها، في أعماق قلبها، كانت تعرف سراً واحداً، بعض القطارات لا تتحرك إلا عندما نقرر نحن ركوبها.
الباب الذي أغلقه الزمن
جلست ليلى أمام خزانة خشبية عتيقة، تتأمل شهادة الثانوية التي اصفرّت أطرافها من الزمن، بينما كانت أصابعها تمر فوق اسمها كما تمر الأم على جبين طفل غاب عنها سنوات طويلة.
منذ أكثر من أربعين عاماً وضعت تلك الورقة داخل الدرج، ثم أغلقت الحلم معها عندما تزوجت وأنجبت وانشغلت بالحياة.
كانت تسمع ضجيج المطبخ من حولها، وصوت الغلاية وهي تغلي، لكن شيئاً آخر كان يغلي داخلها منذ أشهر؛ رغبة قديمة ترفض أن تموت، وتدفعها كل ليلة إلى تخيل نفسها جالسة في قاعة محاضرات تحمل دفتراً جديداً بدلاً من قائمة مشتريات المنزل.
القرار الذي أربك الجميع
في مساء هادئ، جمعت أبناءها حول مائدة العشاء، ثم قالت بصوت ثابت:
قدّمت أوراقي إلى الجامعة، سأكمل تعليمي.
ساد الصمت لحظة، ثم انطلقت ضحكات مترددة، ظنّ أصحابها أنها ستشاركهم المزاح.
قال ابنها الأكبر وهو يهز رأسه:
أمي، الجامعة للشباب، استريحي واستمتعي بحياتك.
وأضافت ابنتها بابتسامة تخفي قلقاً:
وماذا ستفعلين بالشهادة الآن؟
لكن ليلى لم تجب فوراً، بل اكتفت بالنظر عبر النافذة إلى شجرة لوز كانت تزهر رغم أن جذعها بدا عجوزاً، ثم همست:
ليست كل الأشياء تُفعل من أجل الوظيفة، بعض الأشياء نفعلها لنصالح أنفسنا.
مقاعد الدراسة التي استعادت الزمن
دخلت أول محاضرة وقلبها يخفق كطالبة في الثامنة عشرة، بينما كانت الوجوه الشابة تلتفت إليها في فضول صامت.
بعضهم ابتسم احتراماً، وبعضهم تبادل همساتٍ لم تستطع منع نفسها من سماعها.
جلست في الصف الأول، وأخرجت قلماً جديداً، ثم كتبت في أعلى الصفحة، البداية.
الامتحان الأصعب لم يكن في القاعة
لم تكن المقررات هي ما أتعبها، بل الساعات الطويلة أمام الكتب بعدما أنهت أعمال المنزل، والليالي التي كانت تغالب فيها النعاس بينما يغط الجميع في نوم عميق.
كثيراً ما ارتجفت يدها وهي تحاول استخدام الحاسوب لإنجاز الأبحاث، وكانت تبتسم كلما أخطأت، ثم تعيد المحاولة من جديد، وكأنها تتعلم المشي بعد عمر كامل من الوقوف.
وفي كل مرة تسمع تعليقاً ساخراً من قريب أو جار، كانت تفتح كتابها بصمت، لأن الرد الذي كانت تخطط له لم يكن بالكلمات، بل بالنتائج.
أصدقاء من عمر الأحفاد
مع مرور الأسابيع، تغيّرت الهمسات إلى تحيات، ثم إلى مقاعد تُحجز لها قبل بدء المحاضرات.
صار الطلاب يلتفون حولها ليستمعوا إلى خبراتها في الحياة، بينما تساعدهم هي على فهم معنى الصبر، ويساعدونها هم في استخدام التطبيقات والمنصات التعليمية.
اكتشفت أن اختلاف الأعمار لم يكن جداراً، بل جسراً؛ وأن المعرفة لا تسأل صاحبها عن سنة ميلاده قبل أن تفتح له أبوابها.
ليلة الحسم
اقتربت الامتحانات النهائية، وتحولت غرفتها إلى عالم صغير تمتلئ جدرانه بالملاحظات والبطاقات الملونة، بينما كانت رائحة القهوة ترافق ساعات الفجر الأولى.
في الليلة الأخيرة، نظرت إلى المرآة فرأت التجاعيد نفسها، لكنها لم تر المرأة نفسها؛ فقد كانت عيناها تشعان بذلك البريق الذي لا تمنحه مستحضرات التجميل، بل تمنحه الأحلام حين تقترب من التحقق.
عندما تكلمت النتائج
ازدحمت قاعة الاحتفال بالطلاب وأسرهم، بينما كانت ليلى تجلس في الخلف بهدوء، لا تنتظر سوى أن تعرف أنها نجحت.
وقف عميد الكلية على المنصة، ثم أعلن بصوت واضح:
الطالبة الأولى على الدفعة،
توقفت أنفاس الحضور.
، ليلى محمود.
ساد الصمت لثوانٍ، ثم انفجرت القاعة بالتصفيق، بينما بقيت ليلى جالسة، غير مصدقة أن الاسم الذي انتظرته أربعين عاماً قد عاد ليُكتب في المقدمة.
نهض أبناؤها قبل الجميع، وكانت الدموع تسبق خطواتهم إليها.
احتضنها ابنها الأكبر وهمس بصوت مكسور:
سامحيني، كنت أظن أنني أحميك من التعب، ولم أدرك أنني كنت أقف بينك وبين حلمك.
ابتسمت وهي تربت على كتفه، وقالت:
الأحلام لا تشيخ يا بني، نحن فقط نتأخر في الاعتذار لها.
حين اعتلت المنصة لتستلم درع التفوق، لم يكن التصفيق احتفالاً بدرجاتها فحسب، بل كان اعتذاراً جماعياً لكل حلم سخر الناس منه لأنه جاء متأخراً.
خرجت من بوابة الجامعة في المساء نفسه، تحمل شهادتها بيد، وباليد الأخرى دفتر ملاحظات جديداً.
سألتها إحدى الطالبات:
إلى أين الآن يا خالتي؟
ابتسمت بثقة لم تعرفها من قبل، وأجابت:
إلى الدراسات العليا، فما زال لدي متسع من العمر لأتعلم أكثر.
ليست السنوات هي التي تؤجل الأحلام، بل الخوف من سماع أصوات الآخرين أعلى من صوت القلب.
وعندما يختار الإنسان أن يصغي لما يؤمن به، يكتشف أن الزمن لم يكن خصمه يوماً، بل كان ينتظر اللحظة التي يجرؤ فيها على البدء.
فبعض الانتصارات لا تُقاس بسرعة الوصول، وإنما بالشجاعة التي احتاجها صاحبها ليخطو الخطوة الأولى بعد انتظارٍ طويل، حكاية اللص النبيل الذي سرق قصور الإقطاع لينقذ أطفال الوادي من هنا.
