حلم مؤجل أربعين عاما قصة ليلى مع العودة إلى الجامعة

الراوي
0

حلم ينتظر عند بوابة الجامعة، في صباح بارد، تهادى ضوء الشمس على الدرجات الحجرية للجامعة، بينما وقفت ليلى، المرأة التي تجاوزت الستين من عمرها، ممسكة بحقيبة جلدية قديمة، وكأنها تحمل بين جنباتها سنوات عمرها جميعا.

توقفت لحظة أمام بوابة الجامعة، وأغمضت عينيها قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة مرتجفة، كانت تعلم أن هذه الخطوة قد تبدو للآخرين متأخرة كثيرا، لكنها بالنسبة إليها لم تكن نهاية مرحلة من العمر، بل بداية العمر الذي طالما أرادت أن تعيشه.

لم تكن الامتحانات ولا الكتب هي ما يخيفها، وإنما تلك النظرات التي توحي للإنسان بأنه وصل بعد فوات الأوان، وأن قطار الأحلام مضى ولن يعود، غير أن ليلى كانت تؤمن في أعماقها بأن بعض القطارات لا تبدأ رحلتها إلا عندما نقرر نحن أن نصعد إليها.

حلم مؤجل أربعين عاما قصة ليلى مع العودة إلى الجامعة


الباب الذي أغلقته سنوات العمر

قبل ذلك، جلست ليلى أمام خزانة خشبية عتيقة تتأمل شهادة الثانوية التي اصفرت أطرافها بفعل الزمن، مررت أصابعها على اسمها المدون فوق الورقة، كما تمرر أم يدها بحنان على جبين طفل غاب عنها سنوات طويلة.

منذ أكثر من أربعين عاما، وضعت ليلى تلك الشهادة داخل الدرج وأغلقته، وفي اللحظة نفسها، أغلقت معها حلما قديما حين تزوجت وأنجبت وانشغلت بمسؤوليات الأسرة وتفاصيل الحياة اليومية.

كان ضجيج المطبخ يحيط بها، وكانت الغلاية تصدر صوتها المعتاد، لكن شيئا آخر كان يغلي داخل قلبها منذ أشهر، إنها رغبة قديمة رفضت أن تموت، وصارت تدفعها كل ليلة إلى تخيل نفسها داخل قاعة محاضرات، تحمل دفترا جديدا بدلا من قائمة مشتريات المنزل.

قرار العودة إلى الدراسة

في مساء هادئ، جمعت ليلى أبناءها حول مائدة العشاء، ثم أخبرتهم بصوت ثابت أنها قدمت أوراقها إلى الجامعة وأنها قررت إكمال تعليمها.

ساد الصمت للحظات، قبل أن تنطلق ضحكات مترددة ممن ظنوا أنها تمزح، هز ابنها الأكبر رأسه وقال لها إن الجامعة للشباب، وإن الأفضل لها أن تستريح وتستمتع بحياتها.

أما ابنتها، فابتسمت ابتسامة أخفت وراءها شيئا من القلق، وسألت أمها عما ستفعله بالشهادة في هذه المرحلة من العمر.

لم تسارع ليلى إلى الرد، بل نظرت عبر النافذة إلى شجرة لوز أزهرت رغم أن جذعها بدا عجوزا، تأملتها قليلا، ثم قالت إن الإنسان لا يفعل كل شيء من أجل الحصول على وظيفة، فهناك أشياء يفعلها كي يتصالح مع نفسه.

اليوم الأول بين طلاب الجامعة

حين دخلت ليلى محاضرتها الأولى، كان قلبها يخفق كأنها طالبة في الثامنة عشرة من عمرها، التفتت إليها الوجوه الشابة بفضول صامت، فابتسم بعض الطلاب احتراما، بينما تبادل آخرون همسات لم تستطع منع نفسها من سماعها.

تقدمت بثبات واختارت مقعدا في الصف الأول، ثم أخرجت قلما جديدا وفتحت دفترها، وفي أعلى الصفحة الأولى كتبت كلمة واحدة تختصر كل ما تشعر به، وهي البداية.

كان ذلك الدفتر بالنسبة إليها أكثر من أوراق تدون عليها المحاضرات، لقد كان إعلانا هادئا بأنها استعادت حقها في حلم تركته ينتظر خلفها أكثر من أربعين عاما.

الامتحان الحقيقي خارج قاعة الدراسة

لم تكن المقررات الجامعية هي التحدي الأكبر الذي واجهته ليلى، بل الساعات الطويلة التي أمضتها أمام الكتب بعد الانتهاء من أعمال منزلها، وفي ليال كثيرة، كانت تقاوم النعاس وتواصل الدراسة بينما يغرق الجميع في نوم عميق.

واجهت صعوبة أيضا في استخدام الحاسوب لإنجاز أبحاثها ومتطلباتها الدراسية، كانت يدها ترتجف أحيانا وهي تحاول التعامل مع البرامج والمنصات الجديدة، لكنها كانت تبتسم عند كل خطأ ثم تعيد المحاولة، وكأنها تتعلم المشي من جديد بعد سنوات طويلة من الوقوف في المكان نفسه.

وكانت تسمع من حين إلى آخر تعليقا ساخرا من قريب أو جار يستغرب عودتها إلى مقاعد الدراسة في هذا العمر، لكنها لم تدخل في جدال مع أحد، وكانت تفتح كتابها في صمت، لأن الرد الذي أرادت تقديمه لم يكن كلمات، وإنما نتائج تثبت بها قدرتها على الاستمرار.

أصدقاء من عمر الأحفاد

مع مرور الأسابيع، تغيرت نظرات الطلاب إليها، تحولت الهمسات تدريجيا إلى تحيات دافئة، ثم أصبح بعضهم يحجز لها مقعدا قبل بدء المحاضرة كي تجد مكانها المعتاد في انتظارها.

صار الطلاب يلتفون حول ليلى ليستمعوا إلى خبراتها في الحياة، ووجدوا فيها مصدرا لمعنى الصبر والمثابرة، وفي المقابل، كانوا يساعدونها على استخدام التطبيقات والمنصات التعليمية والأدوات الرقمية التي لم تعتد التعامل معها.

أدركت ليلى أن فارق العمر لم يكن جدارا يفصلها عن زملائها، وإنما أصبح جسرا يتبادلون عبره ما يعرفونه، وعرفت أن المعرفة لا تسأل الإنسان عن سنة ميلاده قبل أن تفتح له أبوابها.

ليلة الامتحان الأخير

مع اقتراب الامتحانات النهائية، تحولت غرفة ليلى إلى عالم صغير للدراسة، امتلأت الجدران بالملاحظات والبطاقات الملونة، وأصبحت رائحة القهوة رفيقتها خلال ساعات الفجر الأولى.

في الليلة الأخيرة قبل الامتحانات، وقفت أمام المرآة طويلا، شاهدت التجاعيد نفسها التي تعرفها، لكنها شعرت بأنها لا تنظر إلى المرأة نفسها التي كانت عليها قبل دخول الجامعة.

كان في عينيها بريق جديد لا تستطيع مستحضرات التجميل أن تمنحه للإنسان، فهو ذلك الضوء الذي تمنحه الأحلام حين تصبح قريبة بما يكفي لكي يمد صاحبها يده إليها.

النتيجة التي انتظرتها أربعين عاما

ازدحمت قاعة الاحتفال بالطلاب وأسرهم، وجلست ليلى بهدوء في الجزء الخلفي من القاعة، لم تكن تنتظر أكثر من الاطمئنان إلى نجاحها، فقد كان الوصول إلى تلك اللحظة في حد ذاته انتصارا بالنسبة إليها.

اعتلى عميد الكلية المنصة وبدأ إعلان النتائج، ثم أعلن أن الطالبة الأولى على الدفعة هي ليلى محمود، توقف كل شيء في نظرها للحظات، وساد الصمت في القاعة لثوان قليلة قبل أن ينفجر المكان بالتصفيق.

بقيت ليلى في مقعدها للحظات، عاجزة عن تصديق أن اسمها الذي انتظر أكثر من أربعين عاما قد عاد أخيرا ليكتب في المقدمة، أما أبناؤها، فنهضوا قبل الجميع واتجهوا إليها بينما سبقت دموعهم خطواتهم.

احتضنها ابنها الأكبر، واعتذر لها بصوت متأثر، أخبرها أنه كان يظن أنه يحميها من مشقة الدراسة، لكنه لم يدرك أنه بذلك كان يقف بينها وبين حلمها.

ابتسمت ليلى وربتت على كتفه، ثم أخبرته أن الأحلام لا تشيخ، وإنما يتأخر أصحابها أحيانا في الاعتذار إليها.

من التفوق إلى حلم جديد

حين اعتلت ليلى المنصة لتتسلم درع التفوق، لم يكن التصفيق احتفاء بدرجاتها وحدها، بدا كأنه اعتذار جماعي لكل حلم سخر منه الآخرون لمجرد أنه جاء في وقت اعتقدوا أنه متأخر.

وفي مساء اليوم نفسه، خرجت ليلى من بوابة الجامعة وهي تحمل شهادتها في يد، وفي يدها الأخرى دفتر ملاحظات جديدا، لم تعد المرأة المترددة التي وقفت أمام البوابة في البداية تخشى نظرات الناس أو أحكامهم.

اقتربت منها إحدى الطالبات وسألتها إلى أين ستذهب بعد ذلك، ابتسمت ليلى بثقة لم تعرفها من قبل، وأجابتها بأنها ستتجه إلى الدراسات العليا، فما زال لديها متسع من العمر لتتعلم المزيد.

لم تكن السنوات هي التي أجلت حلم ليلى، بل كان الخوف من أن تصبح أصوات الآخرين أعلى من صوت قلبها، وحين اختارت أخيرا أن تصغي إلى ما تؤمن به، اكتشفت أن الزمن لم يكن خصما لها يوما، وإنما كان ينتظر اللحظة التي تجرؤ فيها على البدء.

فبعض الانتصارات لا تقاس بسرعة الوصول، بل بمقدار الشجاعة التي يحتاج إليها الإنسان كي يخطو خطوته الأولى بعد انتظار طويل.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.