خزانة فتحت دون كسر، في الليلة التي اختفى فيها ذهب الأمير جابر، لم تكسر نافذة ولم يخلع باب، ولم تنبح كلاب الحراسة المربوطة عند أسوار القصر، ومع ذلك استيقظ الأمير قبيل الفجر ليجد خزانته مفتوحة كفم ميت، ورفوفها خالية إلا من ورقة صغيرة تفوح منها رائحة الريحان.
كانت الورقة تحمل جملة واحدة كتبت بحبر أسود وخط ثابت لا يعرف التردد، ما جمع من جوع الفقراء يعود إليهم قبل شروق الشمس.
وقبل أن تكمل الشمس صعودها خلف جبال السرو، كانت أرغفة القمح توزع أمام بيوت الأرامل، وكانت أكياس الدواء تظهر عند أبواب المرضى، بينما تناقل أهل الوادي اسما ظل سنوات يقال همسا ثم صار ينشد جهرا، صلاح، اللص النبيل.
الوادي الذي كان يأكل أبناءه
كان وادي السنديان يبدو خصبا من بعيد، تتلوى في قلبه الجداول كشرائط فضية، وتلمع حقوله تحت الضوء كأن الأرض فرشت رداء أخضر لاستقبال الربيع، غير أن الاقتراب منه كان يكشف وجها آخر تخفيه المسافات.
في أطراف الوادي كانت الأكواخ الطينية تتكئ على بعضها كعجائز أنهكهن الانتظار، وكانت رائحة الحساء الخفيف تخرج من النوافذ الضيقة فلا تحمل سوى بخار الماء وقليل من العدس، بينما ترتفع فوق التلال قصور الإقطاعيين بقبابها الزرقاء وشرفاتها الرخامية.
كان الأمير جابر يملك نصف الأراضي، والنصف الآخر موزعا بين الأمير رستم والسيد قيس، وقد اتفق الثلاثة على ألا يختلفوا إلا في عدد الجنود والخدم، أما الضرائب فكانوا يفرضونها على الفلاحين بالقسوة نفسها، كان المزارع يدفع ضريبة على البذور وضريبة على الماء وضريبة حين يحصد، ثم ضريبة أخرى إن أراد بيع ما بقي من قمحه، حتى صار الحقل الذي يرويه بعرقه يمنحه من الجوع أكثر مما يمنحه من الخبز.
طفل تحت شجرة التوت
في صباح شتوي شاحب وجد صلاح صبيا صغيرا ممددا تحت شجرة توت عارية، وقد غطى الطين نصف وجهه، بينما قبضت أصابعه الزرقاء على قطعة خشب نحتها في شكل حصان.
انحنى صلاح وحمله بين ذراعيه، فشعر بخفة جسده كأنه يحمل قميصا فارغا، ثم وضع أذنه على صدره فلم يسمع إلا نبضا متقطعا ضعيفا كطرق خجول على باب مغلق، فتح الصبي عينيه بصعوبة وسأل إن كان طبيبا، فأجابه صلاح أنه سيحضر له طبيبا، فارتسمت على شفتي الصبي ابتسامة باهتة وهو يقول إنه لا يوجد طبيب للفقراء.
كان اسم الصبي سالم، وقد مات قبل أن يصل صلاح به إلى البلدة، ليس بسبب مرض نادر أو جرح لا علاج له، بل بسبب حمى بسيطة لم تجد دواء، وجسد أنهكه الجوع حتى عجز عن مقاومة ليلة باردة.
دفنه صلاح قرب شجرة التوت، ووضع الحصان الخشبي فوق التراب الرطب، ثم ظل واقفا حتى ابتل شعره بالمطر، وعيناه معلقتان بالقبر الصغير كأن شيئا في داخله قد دفن هناك أيضا، في تلك الليلة لم يعد صلاح إلى كوخه، بل صعد إلى قمة الجبل المطل على قصور الوادي، وظل يراقب أضواء الولائم تتلألأ خلف النوافذ، بينما كانت في الأسفل أمهات يطفئن مواقدهن كي لا يرى أطفالهن أنها خالية.
الرجل الذي تعلم السير بين الظلال
لم يولد صلاح لصا، ولم يكن في صباه مفتونا بالأقنعة أو الخناجر أو الأبواب المغلقة، بل كان ابن نجار بسيط علمه كيف يصنع الأقفال ويصلح الصناديق ويميز الخشب الجيد من الخشب الذي نخرت الرطوبة قلبه، كان أبوه يردد دائما أن كل قفل يحمل في داخله خوف صاحبه، وأن من يفهم الخوف يعرف كيف يفتح القفل.
لكن جنود الأمير رستم أخذوا الأب ذات يوم لأنه عجز عن دفع ضريبة جديدة فرضت على أصحاب الحرف، ثم أعادوه بعد أسبوعين جسدا محطما لا يستطيع الوقوف، ومات قبل أن ينقضي الشتاء.
احتفظ صلاح بأدوات أبيه، لكنه لم يعد يستخدمها لصنع الأبواب، بل صار يتعلم بها أسرار الأقفال، ويمضي الليالي بين الصخور يتدرب على القفز والتخفي وتقليد أصوات الحراس وصفير طيور الليل، كان يعرف ممرات القصور لأن يديه ساهمتا يوما في إصلاح نوافذها، ويعرف طباع أصحابها لأن الخدم المرهقين كانوا يثرثرون أمامه كأنه قطعة أثاث لا تسمع، ويعرف مواضع الذهب لأن الأغنياء لا يخفون ثرواتهم إلا عن الفقراء.
السرقة الأولى
كانت أولى غاراته على مخزن الأمير رستم في ليلة عاصفة، حين كانت الريح تضرب الأبواب كقبضة عملاقة، ويغطي الرعد صوت خطواته فوق السطح المبلل.
تسلل من مدخنة المطبخ، وهبط بين قدور النحاس، ثم زحف خلف ستائر ثقيلة تفوح منها رائحة العود، حتى وصل إلى الغرفة التي يحتفظ فيها الأمير بأموال الضرائب قبل إرسالها إلى العاصمة، كان القفل من صنع أبيه، مرر صلاح أصابعه على الحديد البارد، وتذكر يدي الرجل العجوز وهما تعملان تحت ضوء المصباح، ثم أدخل قطعة معدنية رفيعة وأدارها ببطء، فانفتح الباب بصوت خافت يشبه تنهيدة طويلة.
لم يأخذ كل شيء، بل حمل ما يكفي لشراء القمح والدواء، وترك الباقي كي يفهم الأمير أن من دخل خزانته لم يكن لصا جائعا، بل شخصا اختار مقدار ما يأخذه كما يختار القاضي مقدار العقوبة، وفي الصباح وجد أهالي القرية أكياس الدقيق مصطفة قرب البئر، وعلى كل كيس غصن ريحان مربوط بخيط أحمر، منذ ذلك اليوم صار غصن الريحان توقيعا لا يحتاج إلى اسم.
حين صار الهمس أغنية
تكررت السرقات، وفي كل مرة كان صلاح يضرب قصرا مختلفا ويترك خلفه رسالة جديدة، حتى صار الإقطاعيون يغيرون أقفالهم كل أسبوع، ويضاعفون الحرس، ويضعون المسامير فوق الأسوار، لكن الذهب ظل يختفي.
مرة تسلل صلاح إلى قصر السيد قيس متنكرا في هيئة عازف أعمى، ومرة دخل حفل الأمير جابر مرتديا زي أحد النبلاء، ورقص بين الضيوف قبل أن يغادر وفي حزامه مفتاح الخزانة، وفي ليلة أخرى دفع بعربة فارغة إلى مخزن الحبوب، ثم خرج منها محملة بالأكياس بينما كان الجنود يطاردون ظلا يرتدي عباءة سوداء في الجهة المقابلة من القصر.
كانت مساعدته الوحيدة فتاة تدعى ليلى، تعمل في دكان للعطارة وتعرف أسرار الأعشاب والسموم والمراهم، وقد أنقذها صلاح في طفولتها من حريق أتى على منزل أسرتها، كانت تمده بالدواء، وتخبئ الرسائل داخل أكياس التوابل، وتعرف كيف تجعل الحارس ينام ساعة كاملة بعد رشفة واحدة من الشاي.
قالت له ذات ليلة وهما يجلسان داخل طاحونة مهجورة إن الناس لم يعودوا يرونه رجلا، فسألها وماذا يرون، فأجابته أنهم يرونه بابا فتح في جدار ظنوه أبديا، رد بأن الأبواب قد تغلق، فابتسمت وعيناها ظلتا جادتين وهي تقول إنه لهذا يجب أن يفتحا طريقا لا بابا واحدا.
المدرسة التي بنيت في السر
خلف غابة الصنوبر، حيث تمتد أطلال دير قديم هجره الرهبان منذ عشرات السنين، بدأ صلاح مشروعه الأكبر، كان المكان في البداية جدرانا متصدعة وسقفا انهار نصفه، تنبت الأعشاب بين حجارته، وتعيش البوم في نوافذه، غير أن صلاح رأى فيه شيئا لم يره غيره، فصولا تمتلئ بالأطفال، وغرفا بيضاء ينام فيها المرضى دون خوف.
استأجر البنائين بأسماء مستعارة، واشترى الخشب من مدن بعيدة حتى لا يثير الشك، ونقل الحجارة ليلا على عربات مغطاة بالتبن، بينما كانت ليلى تجمع المعلمين والأطباء الذين يقبلون العمل سرا، لم يكن البناء سريعا، فكل حجر كان يحتاج إلى ذهب، وكل نافذة كانت تحتاج إلى سرقة جديدة، وكل سرقة كانت تجعل حبل المشنقة أقرب إلى عنق صلاح.
أول حرف على اللوح
بعد عام، دخل اثنا عشر يتيما إلى أول غرفة اكتمل بناؤها، وكانت جدرانها مطلية بالجير الأبيض، ونوافذها واسعة تستقبل ضوء الصباح، وفي مقدمتها لوح أسود صنعه صلاح بيديه.
وقفت المعلمة مريم أمام الأطفال وكتبت حرف الألف، فحدقوا إليه بدهشة كما لو أنها رسمت مفتاحا سحريا، رفع طفل نحيل يده وسأل إن كانت الحروف للأغنياء فقط، فتوقفت المعلمة لحظة ثم قالت إن الحروف لمن يمد يده إليها.
كان صلاح يراقب من خلف الباب، وقد أخفى نصف وجهه بوشاح، وحين بدأ الأطفال يرددون الحرف بصوت واحد شعر أن جدران القصور التي اقتحمها لم تكن أعظم من ذلك الصوت الصغير، لكن الفرح لم يكتمل، إذ دخلت ليلى مسرعة ووجهها شاحب، وأخبرته أن الأمير جابر أحضر رجلا من العاصمة، صائدا للمطلوبين اسمه مراد الحديدي، وحين سألها عن سبب هذه التسمية أجابته لأنه لم يعد يوما بلا رأس الرجل الذي طلب منه.
صائد الأساطير
وصل مراد الحديدي إلى الوادي على حصان رمادي، مرتديا معطفا أسود لا يزينه شعار ولا وسام، وكان وجهه نحيفا قاسيا، تتقاطع فوق حاجبه ندبة قديمة كأن سيفا حاول يوما شطر أفكاره.
لم يصرخ في الجنود، ولم يهدد الفلاحين، ولم يرسل فرسانه إلى الغابات مثلما فعل من سبقوه، بل جلس في ساحة القصر ثلاثة أيام يقرأ رسائل صلاح واحدة تلو الأخرى، ودرس نوع الحبر ورائحة الورق وطريقة رسم الحروف، ثم طلب رؤية الأقفال التي فتحت دون كسر، وسأل عن البنائين الذين اختفوا من البلدة، وعن العربات التي اشترت الخشب، وعن كميات الدواء التي نفدت من دكاكين العطارة.
في اليوم الرابع وقف أمام الأمير جابر وقال له إن صلاح لا يسرق لينفق على نفسه، فضحك الأمير مستهزئا وسأل هل يجعل هذا منه قديسا، فأجاب مراد أن هذا يجعله أخطر، لأن اللص الطامع يمكن شراؤه أما الرجل الذي يؤمن بقضيته فلا يخاف الموت، ضرب الأمير الطاولة بقبضته مطالبا بإحضاره حيا، فنظر مراد إلى الخواتم الذهبية التي تثقل أصابعه وقال ببرود إنه يريده مذلولا لا حيا.
الفخ الأول
أمر مراد بنشر خبر كاذب يقول إن قافلة الضرائب ستغادر قصر الأمير رستم مساء الخميس، تحمل ذهب ثلاث سنوات في ثلاث عربات فقط، وصل الخبر إلى صلاح عبر خادم يعمل داخل الإسطبل، لكنه شعر منذ اللحظة الأولى أن شيئا فيه مصقول أكثر من اللازم.
قالت ليلى إن هذه قد تكون فرصتهم لبناء جناح المشفى قبل الشتاء، فأجابها وهو يحدق في الخريطة أنها قد تكون قبرا واسعا يكفيهم جميعا، ورغم شكوكه خرج صلاح ليلة الخميس، لكنه لم يقترب من القافلة، بل صعد إلى منحدر يطل على الطريق وأطلق سهما مشتعلا نحو شجرة يابسة، فخرج عشرات الجنود من الخنادق واندفعوا نحو مصدر الضوء، بينما تسلل صلاح من الجهة الأخرى إلى مخزن الأسلحة وسرق منه سجلات الضرائب.
في الصباح وجد أهل الوادي نسخا من السجلات معلقة على أبواب المساجد والأسواق، تكشف بالأرقام كيف ضاعف الأمراء الديون، وكيف استولوا على أراضي الموتى، وكيف سجلوا أطفالا لم يبلغوا العاشرة بوصفهم عمالا مدينين، لأول مرة لم يوزع صلاح خبزا أو دواء، بل وزع الحقيقة، وكان وقعها أشد من وقع السيوف.
الخيانة التي خرجت من بين الجدران
بدأ الفلاحون يرفضون دفع الضرائب، وأغلق التجار متاجرهم في وجه جنود القصور، وراحت نساء القرى يقرعن الأواني النحاسية كلما ظهر جابي ضرائب، حتى صار صدى الضربات يطارده من قرية إلى أخرى، أدرك الأمراء أن صلاح لم يعد رجلا يسرق خزائنهم، بل صار شرارة تشق طريقها بين أكوام القش اليابس.
جمع الأمير جابر وجهاء الوادي في قصره، ووعدهم بتخفيف الضرائب مقابل أن يدل أحدهم على مخبأ صلاح، لكن الوجوه ظلت صامتة والعيون معلقة بالأرض، حينها تقدم رجل يدعى فاضل، وكان واحدا من البنائين الذين عملوا في المدرسة السرية، وقد فقد ابنه بسبب دين للإقطاعيين، إلا أن الخوف على بقية أسرته كان أثقل من حزنه.
قال بصوت مرتجف إنه يعرف أين يذهب الذهب، فرفع مراد الحديدي عينيه إليه ولم يبد سعيدا كما توقع الأمير، بل سأله كم يريد، فأجاب فاضل أنه يريد الأمان لعائلته، ضحك الأمير جابر متسائلا من قال إن الخائن يستحق الأمان، لكن مراد رفع يده وأوقف الضحك، وطلب منه أن يرشدهم إلى المكان أولا.
ليلة النار
كان المشفى على وشك افتتاح أبوابه حين ظهرت المشاعل بين الأشجار، عشرات النقاط الحمراء تزحف في الظلام مثل عيون وحوش استيقظت دفعة واحدة، سمع صلاح وقع الحوافر قبل أن يرى الجنود، فركض إلى ساحة المدرسة وضرب الجرس ثلاث مرات، وهي الإشارة المتفق عليها للإخلاء.
خرج الأطفال من غرفهم بملابس النوم، بعضهم يبكي وبعضهم يحمل كتبه إلى صدره، بينما كانت ليلى تقودهم عبر ممر حجري ضيق يمتد خلف المطبخ إلى كهف في الجبل، طلبت من صلاح أن يأتي معهم، فأدار رأسه نحو غرف المشفى التي امتلأت بالأدوية والأسرة الجديدة وقال إنهم إن خرجوا جميعا سيحرقون المكان، فأمسكت بذراعه بقوة وقالت إنه إن بقي سيقتلونه، ابتسم ابتسامة صغيرة، ووضع في يدها غصن ريحان، وقال إن الأسطورة لا تموت حين يموت صاحبها، بل حين يكتشف الناس أنه كان يفعل كل شيء وحده، ثم دفع الباب الحجري وأغلقه خلفها.
في الخارج أحاط الجنود بالمبنى، ووقف مراد الحديدي أمام البوابة، بينما ظهر الأمير جابر فوق حصانه مزهوا بثيابه القرمزية، وصاح طالبا من صلاح أن يخرج فلن يحرقوا الأطفال معه، فجاءه صوت صلاح من فوق السور قائلا إن الأطفال خرجوا منذ زمن، ولم يبق هناك إلا ذهبه وقد تحول إلى حجارة وكتب وأدوية، قال الأمير إنه لص، فأجابه صلاح إنه سرق ما سرقوه.
المواجهة الأخيرة فوق السطح
أطلق الجنود السهام، فانحنى صلاح خلف الحاجز الحجري، ثم رد بسهم قطع حبل البوابة، فسقط لوح خشبي ضخم أمام الجنود وأربك صفوفهم، تسلل بعض الرجال إلى الداخل، لكنهم وجدوا الممرات مظلمة وقد نثرت فيها أكياس الدقيق، وما إن دخلوا حتى ضرب صلاح كيسا بسهم، فامتلأ الهواء بغبار أبيض حجب الرؤية وخنق المشاعل.
تحرك بين الظلال سريعا، يضرب سيفا بعصا، ويسقط خوذة بحجر، ويشد حبلا فيتعثر جندي خلف جندي، لكنه كان يعرف أن الحيلة لا تصمد أمام العدد إلى الأبد.
صعد مراد الحديدي إلى السطح وحده، وأخرج سيفا قصيرا، ثم وقف على بعد خطوات من صلاح، وقال إنه كان يعلم أنه لن يهرب، فأجابه صلاح إنه كان يعلم أنه سيأتي وحده، اندفع مراد أولا، وكان سيفه سريعا كوميض البرق، فتراجع صلاح وتلقى الضربة على خنجره، وتناثر الشرر بينهما، تبادلا الضربات فوق الحجارة المبللة، وكل خطوة تقرب أحدهما من الحافة، حتى أصاب مراد كتف صلاح فسال الدم تحت عباءته، قال مراد وهو يلتقط أنفاسه إن الحكاية انتهت، فمسح صلاح الدم عن ذراعه وأجاب أن الحكاية بدأت حين تعلم طفل واحد القراءة.
الرجل الذي اختار ألا يقتل
اندفع مراد مرة أخرى، لكن صلاح انحرف جانبا، وأمسك بمعصمه، ثم دفعه نحو الحافة حتى صار نصف جسده معلقا فوق الفراغ، كان يستطيع أن يتركه يسقط، نظر مراد إلى الوادي البعيد ثم إلى يد صلاح التي تمسك به وسأله ماذا ينتظر، فأجابه صلاح أن يعرف الفرق بينهما، ثم شده إلى الأعلى وألقاه على السطح وابتعد عنه.
ظل مراد صامتا لحظات، قبل أن يرى الجنود في الأسفل يسكبون الزيت حول المدرسة بأمر الأمير جابر، رغم علمه أن بعض الجرحى والخدم لا يزالون في الداخل، صاح مراد بإيقاف النار، لكن الأمير جابر رفع المشعل وقال دعها تحترق بمن فيها، في تلك اللحظة تغير شيء في وجه مراد، كأن آخر مسمار يثبت قناع الطاعة قد انكسر، فاستدار نحو صلاح وسأله إن كان لديه طريق للخروج، فأشار صلاح إلى برج الجرس وقال إن لديه طريقا للنجاة، لكن ليس قبل إطفاء النار.
سقوط الأمير جابر
قفز صلاح من السطح إلى شرفة البرج، ثم قطع حبلا غليظا كان يثبت خزان الماء الذي يستخدمه البناؤون، انهار الخزان من أعلى، وانفجرت مياهه فوق الساحة، فجرفت الزيت وأطفأت المشاعل، بينما قفز مراد بين الجنود وصاح بهم أن الأمير أمر بإحراق أطفال الوادي.
تردد الجنود، فقد كان كثير منهم أبناء فلاحين أجبروا على الخدمة مقابل إسقاط بعض الديون عن أسرهم، وحين رأوا المدرسة وغرف العلاج، أدركوا أنهم لا يحمون قصرا من لص، بل يحمون لصوصا من شعب كامل، صرخ الأمير جابر متوعدا بقطع رأس من يخالفه، لكن أحد الجنود ألقى رمحه أرضا، ثم تبعه آخر، وفي لحظات صار صوت ارتطام السلاح بالحجارة يتردد في الساحة كالمطر.
حاول الأمير الهرب بحصانه، غير أن بوابة الغابة امتلأت بالفلاحين الذين وصلوا بعدما سمعت القرى جرس الإنذار، وكانوا يحملون المناجل والمطارق والمشاعل، تقدم فاضل من بينهم مطأطئ الرأس، وقال إنه باعه بخوفه ولم يشتر لأبنائه إلا العار، فنظر إليه صلاح طويلا وقال له أن يصلح ما أفسده، استدار فاضل نحو الناس ورفع السجلات الأصلية التي سرقها من غرفة الأمير قبل مجيئه، وفيها الأختام التي تثبت تزوير الديون وسرقة الأراضي.
لم يجد الأمير جابر من يدافع عنه، فقبض عليه، ثم أرسل مع الأمير رستم والسيد قيس إلى مجلس القضاء في العاصمة، بعدما حمل أهل الوادي معهم السجلات وشهادات الفلاحين والخدم والجنود.
المدرسة التي فتحت أبوابها تحت الشمس
مع بداية الربيع افتتحت مدرسة السنديان ومشفاها رسميا، لا في الخفاء هذه المرة، بل تحت ضوء الشمس وأمام أهل القرى جميعا، رفعت فوق البوابة لافتة خشبية كتب عليها دار سالم للتعليم والشفاء، تخليدا للصبي الذي مات تحت شجرة التوت لأنه لم يجد طبيبا.
دخل الأطفال وهم يرتدون ثيابا نظيفة، يحملون ألواحهم الخشبية وقطع الطباشير، بينما امتلأت غرف المشفى بروائح الأعشاب والصابون والكتان الأبيض، أصبحت ليلى مديرة المشفى، وتولت المعلمة مريم إدارة المدرسة، أما مراد الحديدي فرفض العودة إلى العاصمة، واختار تدريب حرس من أبناء الوادي تكون مهمتهم حماية الناس لا حماية خزائن الأمراء.
أما صلاح فقد اختفى في صباح الافتتاح، بحثوا عنه في الغابة والطاحونة والدير القديم، لكنهم لم يجدوا سوى عباءته السوداء مطوية فوق مقعد حجري، وإلى جانبها غصن ريحان وحصان خشبي صغير، ظن بعضهم أنه رحل إلى واد آخر يعاني من الظلم، وقال آخرون إنه مات متأثرا بجرحه ودفن سرا بين الجبال، بينما أقسم أطفال المدرسة أنهم رأوه أحيانا عند الغروب واقفا قرب شجرة التوت يراقبهم من بعيد.
عودة غصن الريحان
مرت سبع سنوات، وكبر أطفال المدرسة، وصار بعضهم معلمين، وبعضهم أطباء، وبعضهم كتبة يعرفون كيف يقرؤون العقود فلا يستطيع إقطاعي جديد أن يخدع آباءهم.
وفي ليلة خريفية وصل إلى الوادي رسول من قرية بعيدة يحمل رسالة مختومة بالشمع الأحمر، كتب فيها أن حاكما فاسدا صادر الحقول وسجن المزارعين وأغلق مدرستهم الوحيدة، اجتمع أهل السنديان في دار سالم يتناقشون فيما يمكن فعله، وحين فتحت ليلى باب المشفى عند الفجر وجدت فوق العتبة غصن ريحان طازجا لم يكن هناك في الليلة السابقة، وبجانبه ورقة صغيرة كتبت عليها جملة واحدة، ما دام في الأرض طفل محروم لم تنته الحكاية.
رفعت ليلى رأسها نحو الطريق الجبلي، فرأت فارسا بعيدا يعبر الضباب على حصان أسود، ثم يختفي خلف أشجار الصنوبر قبل أن تلمسه أشعة الشمس، لم تناده، بل اكتفت بالابتسام، وأغلقت أصابعها حول غصن الريحان، بينما بدأت أجراس المدرسة تدق، لا لتحذر من خطر، بل لتعلن بداية يوم جديد.
لم يكن أعظم ما سرقه صلاح ذهب الأمراء، بل سرق من قلوب الناس خوفا طال بقاؤه حتى ظنوه جزءا من طبيعتهم، ثم أعاد إليهم شيئا لم يعرف الإقطاعيون كيف يحبسونه خلف الأبواب، القدرة على الوقوف معا، فالعدل لا يسكن دائما قصور القضاء، وقد يبدأ أحيانا من رغيف يوضع عند باب جائع، أو كتاب يفتح أمام يتيم، أو يد تمتنع عن دفع عدو إلى الهاوية حين تكون قادرة على ذلك، وهكذا بقي صلاح في ذاكرة الوادي، لا لأنه كان أمهر اللصوص، بل لأنه عرف أن الثروة الوحيدة التي لا تنفد هي أن يتحول الإنسان من أسطورة ينتظرها الناس إلى شجاعة تعيش داخلهم.
