في الليلة التي سمع فيها أهل العاصمة جرس قلعة العدو يدق خلف أسوارهم مباشرة، لم يكن أحد قد رأى جيشًا يعبر الحدود، ولم تكن الخيول قد أثارت غبار السهول، ولم يصل رسول يحمل راية سوداء أو خبرًا عن سقوط الحصون.
كان الجرس قريبًا إلى حد أن نوافذ القصر ارتجفت مع كل ضربة، وأن الحمام النائم فوق القباب طار مذعورًا، بينما شم الحراس رائحة حساء الجنود الغرباء خلف السور، وسمعوا ضحكاتهم الخافتة تتسرب من بين شقوق الحجارة.
وعندما صعد الملك سرمد إلى أعلى البرج، رأى ما لم تستطع الخرائط تفسيره؛ فقد اختفت السهول الواسعة، وتلاشت الغابات والوديان التي كانت تفصل مملكته عن مملكة قيسان، وأصبحت القلعتان المتعاديتان متلاصقتين كفكين يستعدان للعض.
في أسفل البرج، كان مخلوق صغير ذو فرو أبيض مائل إلى الزرقة يتلوى فوق بساط من الحرير، وقد انتفخ بطنه حتى لامس الأرض، وانسابت من فمه خيوط سوداء تشبه الطرق المحترقة.
حينها فقط أدرك الجميع أن المسافات التي أكلها لم تختفِ حقًا، بل كانت تنتظر في جوفه لحظة الانتقام.
المخلوق الذي عثر عليه الطريق
قبل ذلك بعامين، كانت ميرا تجمع أعواد الشيح قرب الطريق القديم المؤدي من قرية رابية السرو إلى سوق عين النحاس، حين سمعت صوتًا خافتًا يأتي من أسفل حجر المسافة الخامس والثلاثين.
لم يكن الصوت مواء قطة ولا بكاء طفل، بل كان أشبه باحتكاك ملعقة صغيرة بحافة إناء فارغ، يتكرر بإيقاع جائع جعل التراب تحت قدميها يرتجف قليلًا.
أزاحت ميرا الأعشاب اليابسة، فرأت مخلوقًا في حجم حملٍ حديث الولادة، له أذنان شفافتان كأوراق الصفصاف، وأربع قوائم قصيرة تنتهي بأصابع وردية، أما عيناه فكانتا واسعتين سوداويين تعكسان الأشياء البعيدة أكثر مما تعكسان وجه من ينظر إليهما.
اقتربت منه بحذر، فشم المخلوق كفها ثم دفع أنفه البارد نحو كيس خبزها.
وضعت أمامه كسرة صغيرة، لكنه أدار رأسه عنها وأخذ يحدق في الطريق الممتد وراءها، كأنه يرى فوق التراب مائدة لا يراها سواه.
قالت ميرا وهي تربت على فروه:
أتريد العشب أم الحليب؟
فتح المخلوق فمه، ولم ترَ داخله لسانًا أو أسنانًا، بل رأت ظلامًا عميقًا تتلألأ في قاعه نقاط شاحبة، كأن حنجرته ليل كامل مزدحم بنجوم بعيدة.
لقمة من الطريق
خفض المخلوق رأسه ولعق التراب لعقة واحدة، فصدر من الطريق صوت فرقعة طويلة.
اهتزت أشجار السرو، وقفز حجر المسافة الخامس والثلاثون من مكانه، ثم انزلق نحو الحجر الرابع والثلاثين حتى اصطدما ببعضهما.
رفعت ميرا بصرها، فإذا بالتلة التي كانت تبعد نصف ساعة من السير قد أصبحت وراء الشجرة المجاورة مباشرة.
أما كوخ الراعي البعيد، فقد اقترب حتى إنها استطاعت رؤية إبريق النحاس المعلق عند بابه.
شهقت وتراجعت، بينما أخذ المخلوق يمضغ شيئًا لا يُرى.
ومع كل حركة من فكيه، كانت الطريق تنكمش، وتتقارب الحجارة، وتندفع الأشجار نحو بعضها كقوم تزاحموا في ممر ضيق.
وصل والد ميرا على صرخاتها، ثم تبعه الفلاحون والحطابون.
وقفوا صامتين أمام الطريق الذي كان طوله سبعة أميال، فإذا به لا يتجاوز الآن ميلين تحفهما أشجار متلاصقة وأحجار مسافات محطمة.
قال الشيخ غانم، وكان أقدم رجال القرية وأشدهم خوفًا من الأشياء التي لا أسماء لها:
أعيدوه إلى حفرته قبل أن يأكل بيوتنا.
لكن تاجر الزيت حسان انحنى فوق المخلوق، ومسح الغبار عن فروه، ثم نظر إلى السوق الذي أصبح قريبًا كأنه بُني عند طرف القرية.
قال وعيناه تلمعان:
أتريد منا أن نرمي نعمة كهذه في التراب؟
لم يعرف أحد اسم المخلوق، فسمته ميرا دانيًا لأنه جعل البعيد دانيًا، وسرعان ما التصق به الاسم كما يلتصق الظل بصاحبه.
حين استيقظت القرى متجاورة
انتشر خبر دانيا أسرع من الخيول، مع أن الخيول لم تعد تحتاج إلى السرعة.
جاء أهل القرى يحملون الحليب والفاكهة واللحوم، لكن المخلوق لم يأكل شيئًا منها، وظل يشم الجهات البعيدة ويئن كلما رأى طريقًا يمتد نحو الأفق.
في البداية، لم يسمحوا له إلا بقضم المسافات الصغيرة.
جعلوا الطريق بين رابية السرو وعين النحاس أقصر، ثم قربوا مطحنة الوادي، وبعدها اختصروا الممر الصخري الذي كان الأطفال يعبرونه للوصول إلى المدرسة.
كان دانيا يضع أنفه على بداية الطريق، وينفخ نفخة باردة تجعل الغبار يدور في دوائر زرقاء، ثم يفتح فمه ويمتص شيئًا غير مرئي.
بعدها تتقدم الأماكن نحو بعضها بهدوء مخيف، كما تتحرك قطع الشطرنج فوق رقعة عملاقة.
لم تكن البيوت تتحرك، ولم تكن الجبال تزحف؛ الذي كان يختفي هو الفراغ الكائن بينها.
كانت الأرض تطوي نفسها من الداخل، فيما تبقى الأشجار والأنهار والحقول في أماكنها، غير أن الوصول إليها لم يعد يتطلب العمر القديم نفسه.
الأسواق التي امتلأت بالذهب والروائح
خلال أشهر قليلة، تغير وجه البلاد.
أصبحت الأسماك تصل من الساحل إلى القرى الجبلية قبل أن تفقد لمعانها، ووصل عسل المرتفعات إلى المدن وهو لا يزال دافئًا برائحة الزهور.
في الأسواق، اختلطت رائحة القهوة القادمة من الجنوب بدخان خشب الأرز الشمالي، ووقف بائعو الملح إلى جوار تجار الحرير، بينما راحت النقود ترن في الصناديق منذ الفجر حتى انطفاء آخر مصباح.
عاد الأبناء الذين كانت المسافات قد سرقتهم من أمهاتهم، وصار المريض يصل إلى الطبيب قبل أن تخمد حرارة جسده.
أما رسائل العشاق، فلم تعد تصفر أوراقها في حقائب السعاة، بل كانت تصل قبل أن يجف الحبر فوقها.
بُنيت مخازن جديدة، وارتفعت النزل عند ملتقى الطرق المختصرة، وصار الناس يقولون إن زمن التعب انتهى.
حتى الشيخ غانم، الذي حذرهم أول مرة، وجد نفسه يزور حفيدته كل مساء بعدما كانت رحلتها تستغرق ثلاثة أيام.
وحدها ميرا لاحظت أن دانيا لم يكن سعيدًا كما ظن الآخرون.
كان يأكل المسافة، ثم يرفع رأسه متثاقلًا ويلعق شفتيه بحزن، كمن ابتلع طعامًا لا يشبعه لكنه لا يستطيع مقاومة رائحته.
عين الملك تقع على المعجزة
وصل خبر الرخاء إلى قصر الملك سرمد، رجل لم يكن يرى في العالم إلا أشياء بعيدة ينبغي تقريبها، أو أشياء قريبة ينبغي امتلاكها.
أرسل ثلاثين فارسًا لإحضار دانيا، ووعد أهل رابية السرو بجرار من الذهب.
وعندما رفضت ميرا تسليمه، قرأ قائد الفرسان مرسومًا يعلن أن كل معجزة تظهر داخل حدود المملكة هي ملك للتاج.
قالت ميرا وهي تضم المخلوق إلى صدرها:
إنه ليس عربة ولا منجمًا.
ابتسم القائد دون أن ينظر إليها:
الملك لا يملك الأشياء وحدها، بل يملك ما تستطيع الأشياء فعله.
وضعوا دانيا في قفص مذهّب، وفرشوا أرضيته بالمخمل، وربطوا حول عنقه طوقًا مرصعًا بالياقوت.
ومع أن القفص كان أجمل من أكواخ القرية، ظل المخلوق يضرب جدرانه بمخالبه حتى نزف طرف أذنه.
ركضت ميرا خلف الموكب حتى تمزقت نعلاها، لكن الطريق الذي لم يأكله دانيا بقي طويلًا، وغابت العربات الملكية وراء الغبار، تاركة في الهواء صرير العجلات ورائحة الخوف.
مائدة الطرق الملكية
استقبل الملك سرمد المخلوق في قاعة العرش، وجلس أمامه كما يجلس رجل أمام صندوق كنز مفتوح.
أحضر الوزراء خرائط البلاد، ومدوها على الأرض، ثم وضعوا فوق كل طريق قطعة من اللحم ليختبروا شهيته.
لم يلمس دانيا الطعام، لكنه ما إن رأى الخطوط الطويلة المرسومة على الرق، حتى ارتعش جسده واقترب يشمها.
ضحك الملك، وقد فهم أن الجوع الذي يسكن المخلوق أعمق من جوع المعدة.
أمر سرمد بإحضار دانيا إلى الطريق الملكي المتجه نحو مناجم الفضة، وكانت الرحلة تستغرق أحد عشر يومًا.
وضع المخلوق فمه على التراب، وبعد ثلاث لقمات فقط، أصبحت المناجم على مسيرة ساعة من أبواب العاصمة.
لم ينم الملك تلك الليلة.
ظل يمشي بين الخرائط ويشير إلى الموانئ والواحات والجبال، وكلما رأى مكانًا بعيدًا تخيله قريبًا من خزائنه، وكلما رأى طريقًا طويلًا اعتبره إهانة لسلطانه.
قال لوزرائه:
ما فائدة أن أملك أرضًا أحتاج إلى أسابيع كي أصل إلى طرفها؟
أجابه الوزير ناهل، رسام الخرائط الملكي:
لأن الأسابيع يا مولاي جزء من الأرض، وليست عيبًا فيها.
نظر إليه الملك كما ينظر المرء إلى ذبابة حطت فوق طعامه، ثم أمر دانيا بالتهام الطريق المؤدي إلى الميناء الشرقي.
الخرائط التي بدأت تتجعد
كان ناهل أول من لاحظ الخطر.
بعد كل وجبة، كانت خريطة المملكة تنكمش في موضع الطريق المأكول، فتتداخل أسماء المدن، وتقترب الحدود من القرى، وتلتصق الجبال المرسومة بالأنهار.
حاول إعادة رسم البلاد، لكن المسافات كانت تتغير أسرع من جفاف الحبر.
وفي كل صباح، كان يجد خريطته الجديدة قد أصبحت قديمة، كأن العالم يبدل عظامه أثناء الليل.
دخل على الملك حاملًا رقعة امتلأت فيها أطراف المملكة بالخطوط الحمراء، وقال:
الطرق ليست حبالًا نسحب بها الأماكن إلى قصورنا.
حين تقرّب مدينة، فأنت تقرّب كل ما يقع خلفها أيضًا.
كان الملك يراقب قافلة من الفضة تصل إلى خزائنه في أقل من ساعة، فلم يرفع عينيه.
وما الذي يقع خلف مدني غير المزيد من ممتلكاتي؟
مد ناهل إصبعه نحو الخط الأسود المتعرج شمالًا:
مملكة قيسان، يا مولاي.
ضحك سرمد، ثم أشار إلى الحراس ليخرجوا رسام الخرائط.
وقبل أن يغلق الباب، قال الملك بصوت سمعه ناهل جيدًا:
ربما كان بُعد قيسان هو السبب الوحيد الذي منعه من الركوع لي.
الجوع الذي تحول إلى مرض
في القصر، صاروا يطعمون دانيا طريقًا كل يوم.
كانوا يأخذونه إلى بداية الطريق، ويقرعون الطبول حتى يفتح فمه، ثم يدفعونه بالعصي إن تأخر عن الأكل.
انتفخ بطنه، وخفت لمعان عينيه، وأصبح فروه يسقط في خصلات زرقاء.
كان يتنفس بصعوبة، وكلما نام أطلق أنينًا طويلًا تهتز معه النوافذ.
استطاعت ميرا دخول القصر متخفية بين خادمات المطابخ.
وحين وصلت إلى القبو الذي حبسوا فيه دانيا، وجدته ممددًا على جانبه، تحيط به خرائط ممزقة وأوعية لم يمسها.
فتح المخلوق عينه عندما سمع صوتها، ومد إحدى قوائمه عبر القضبان.
أمسكت ميرا أصابعه، فشعرت بشيء يتحرك تحت جلده كأسراب من الخيول تركض داخل جسده.
همست:
ماذا فعلوا بك؟
تجشأ دانيا، فخرج من فمه نسيم مالح حمل رائحة البحر، مع أن البحر كان على بعد مئات الأميال قبل أن يأكله.
ثم سعل فتساقطت من شفتيه حصاة كُتب عليها الرقم مئة وسبعة عشر.
أدركت ميرا أن الطرق لم تُفْنَ، بل ظلت حبيسة داخله، مضغوطة مع رياحها وغبارها وأصداء المسافرين الذين مروا فوقها.
الليلة التي التصقت فيها الحدود
لم يكتف الملك بالمناجم والموانئ والأسواق، بل أمر بإطعام دانيا الطريق الممتد إلى قلعة الغيم، آخر حصون المملكة عند الحدود الشمالية.
عارض القادة الأمر؛ فخلف القلعة كانت تمتد سهول محايدة تفصلهم عن جيوش قيسان، وقد حافظ اتساعها على السلام أربعين عامًا.
كان عبورها يحتاج إلى أيام تكفي لإرسال الرسل وتجهيز الجنود ورفع الأعلام التحذيرية.
قال سرمد وهو يثبت تاجه أمام المرآة:
المسافة حماية الجبناء.
أما الملوك الأقوياء فلا يحتاجون إليها.
أخرجوا دانيا من القبو، وكان عاجزًا عن السير.
حمله أربعة رجال فوق منصة، ووضعوه عند بداية الطريق، ثم قربوا من أنفه قطعة قماش مشبعة برائحة التراب البعيد.
رفض المخلوق فتح فمه، فشد الملك الطوق المرصع حول عنقه حتى اختنق.
أطلق دانيا صرخة حادة، ثم عض الهواء أمامه كما يعض الغريق الحبل الأخير.
في اللحظة نفسها، اهتزت الأرض من العاصمة حتى الحدود.
تداخلت السهول، وانطوت الغابات، وتحولت رحلة الأسابيع إلى لحظة واحدة لم تستطع الأبراج ولا القلوب الاستعداد لها.
الحرب الأقرب من صرخة
استيقظ جنود قلعة الغيم فوجدوا قلعة قيسان السوداء خلف خندقهم مباشرة.
كان حراس المملكتين متقابلين على مسافة يستطيع فيها كل رجل أن يرى العرق فوق جبين خصمه.
لم يفهم أحد ما حدث.
رفع جندي قيساني قوسه خوفًا، فظن جندي سرمد أنه يستعد للهجوم، وأطلق سهمًا استقر في عنق الرجل قبل أن يكتمل السؤال في فمه.
خلال دقائق، امتلأ الهواء بالسهام والحجارة وصراخ الأبواق.
لم تكن هناك سهول تمنح القادة وقتًا للتفكير، ولا تلال تفصل الصفوف، ولا طرق طويلة تستهلك غضب الجنود قبل وصولهم.
وعندما وصلت أخبار القتال إلى العاصمة، كانت جيوش قيسان قد أصبحت أمام أبوابها؛ لا لأنها اخترقت الحصون، بل لأن الحصون نفسها اقتربت منها.
التصقت القرى الحدودية ببعضها، واختلطت قطعان الرعاة، ووجد فلاحون أنفسهم يفتحون أبواب بيوتهم على جنود غرباء.
اشتعلت المعارك في الأسواق والحقول وبين أحواض الغسيل، لأن القرب لم يترك مكانًا محايدًا يهرب إليه أحد.
حتى الأنهار تغيرت مجاريها حين اختفت المسافات بين منابعها ومصباتها، فارتفع الماء فوق الضفاف، واجتاح الشوارع حاملًا الصناديق والجثث وأبواب البيوت المقتلعة.
المخلوق الذي شبع أكثر مما ينبغي
في قاعة العرش، أخذ دانيا ينتفض فوق البساط، بينما تمدد بطنه حتى تمزقت الأحزمة المحيطة به.
كانت أصوات بعيدة تتردد داخله؛ صرير عربات، بكاء أطفال، غناء قوافل، وصفير رياح كانت تسكن الطرق التي ابتلعها.
أمر الملك الأطباء بمعالجته، لكنهم لم يجدوا نبضًا واحدًا في جسده، بل آلاف النبضات المتداخلة، كأن قلب كل مسافر ضاع في طريق مأكول ظل يخفق داخل صدره.
قال الطبيب الأكبر:
إنه يحتضر من الامتلاء.
صرخ الملك:
لا أريده حيًا، بل أريده قادرًا على الأكل.
ثم أمر الجنود بإحضاره إلى السور، فقد أراد أن يلتهم المسافة الضئيلة الباقية بينه وبين قصر ملك قيسان، حتى يتمكن من القبض على عدوه بيده.
عندها خرج ناهل من بين الوزراء، ووقف أمام المنصة.
إن أطعمته خطوة أخرى، فلن ينفجر وحده.
ستنفجر البلاد معه.
استل سرمد سيفه ووضعه على عنق رسام الخرائط:
البلاد هي ما يبقى تحت قدمي الملك، لا ما تقوله خرائطه.
الطريق الذي تقيأه الأفق
كانت ميرا قد وصلت إلى قاعة العرش من الممرات السفلية، تحمل في يدها حصاة المسافة التي سعلها دانيا.
وحين رأت الملك يجر المخلوق نحو السور، فهمت أن التوسل لن يوقف رجلًا صار يظن أن العالم ضيق لأنه لم يبتلعه كاملًا.
قفزت فوق المنصة وغرست سكينًا صغيرة في الطوق الملكي.
انقطع الجلد المرصع بالياقوت، وسقط دانيا من أيدي الحراس متدحرجًا حتى استقر عند درجات العرش.
صرخ الملك وأمسك ميرا من شعرها:
أتعرفين كم من الذهب صنع هذا الحيوان؟
أجابته وهي تحاول الإفلات:
أعرف كم من الوقت سرقه من الناس كي يمنعهم من التفكير قبل أن يقتل بعضهم بعضًا.
رفع سرمد سيفه، لكن دانيا فتح عينيه فجأة.
لم تكونا سوداويين هذه المرة، بل امتلأتا بطرقات ملتوية، وقوافل صغيرة، وجسور مكسورة، وأقمار أضاءت آلاف الليالي فوق مسافرين مجهولين.
آخر لقمة يقدمها الملك
حاول الملك أن يدفع دانيا نحو النافذة، مشيرًا إلى قصر قيسان القريب.
كُل المسافة الأخيرة، وسأجعلك سيد كل الطرق.
لم يتحرك المخلوق، فركله سرمد في بطنه.
دوى داخل القاعة صوت عميق، كأن جبلًا تشقق في مكان بعيد، ثم بدأ البلاط أسفل العرش يمتد ببطء.
تراجع الملك مذعورًا، لكن المسافة بين قدميه والباب أخذت تتضاعف.
صار الباب يبتعد مع كل خطوة، وتمدد البساط الأحمر حتى بدا طريقًا طويلًا يغيب طرفه في الضباب.
سعل دانيا مرة، فاندفع من فمه هواء ساخن يحمل رائحة الصحراء.
وسعل ثانية، فخرجت أسراب من الغبار ودارت حول الأعمدة، ثم تناثرت في القاعة أحجار مسافات من طرق لم يعد أحد يتذكر أسماءها.
قال ناهل وهو يحدق في المشهد:
إنه لا يموت، إنه يعيد ما أُجبر على ابتلاعه.
أمسكت ميرا رأس المخلوق ورفعته برفق، ثم همست في أذنه:
لا تحبس شيئًا من أجلهم.
أعد كل طريق إلى مكانه.
زئير المسافات العائدة
أطلق دانيا زئيرًا لم يتوقعه أحد من جسده الصغير، فتشقق زجاج القصر وانطفأت المشاعل.
خرج من فمه تيار أسود اندفع إلى السماء، ثم انقسم فوق الأبراج إلى آلاف الخطوط الممتدة في الجهات.
في الخارج، بدأت القلاع تتراجع عن بعضها.
انفرجت الأرض بين الجيوش، واندفعت السهول إلى أماكنها القديمة، فيما ركض الجنود في اتجاه خصومهم فلم يصلوا إليهم، لأن كل خطوة كانت تعيد بينهم ميلًا ضائعًا.
عادت الغابات إلى الاتساع، وانفصلت القرى المختلطة، وامتدت الأنهار من جديد بين منابعها ومصباتها.
سقطت الأسواق المستحدثة عند ملتقى الطرق، لكن البيوت القديمة بقيت، كأن الأرض تذكرت شكلها الأول تحت طبقات الطمع.
كان المشهد جميلًا ومرعبًا؛ الجبال تزحف نحو الأفق، والبحر يتراجع عن أبواب العاصمة، والرياح التي حُبست طويلًا تصرخ بين الممرات المستعادة.
أما القصر، فقد أخذ يبتعد عن المدينة، لأن الملك كان قد أطعم دانيا كل الطرق المؤدية إليه أكثر من مرة، كي يجعل خزائنه أقرب إلى الموانئ والمناجم.
امتدت الساحة بين القصر وأقرب منزل، ثم صارت حقلًا، ثم واديًا، ثم صحراء كاملة.
وقف سرمد عند نافذته يصرخ ويأمر الناس بالعودة، لكن صوته كان يضعف كلما ازداد البعد.
حاول جنوده الوصول إليه، غير أن الطريق كان يستعيد طوله القديم مع الفوائد؛ كل مسافة سُرقت عادت أوسع، كأن الأرض فرضت ثمنًا على من تجرأ على طيها.
ملك عند آخر الطريق
استمرت المسافات في العودة حتى طلوع الشمس.
وعندما هدأ ارتجاف الأرض، وجد أهل العاصمة أن قصر الملك أصبح نقطة بيضاء عند حافة الأفق، يفصله عنهم طريق يحتاج إلى سنوات من السير.
لم يمت سرمد في معركة، ولم يسقط على يد ملك قيسان.
بقي حيًا داخل قصره، تحيط به خزائن الذهب والطعام والحرس، لكنه صار أبعد رجل في المملكة التي أراد أن يجعل كل شيء فيها قريبًا من يده.
أما دانيا، فقد انكمش جسده حتى عاد في حجم حمل صغير، لكن فروه فقد زرقتَه وصار أبيض كضوء الفجر.
نام ثلاثة أيام بين ذراعي ميرا، وكلما تنفس خرجت من أنفه حبة رمل أو رائحة شجرة بعيدة.
بعد استيقاظه، حملته ميرا إلى حجر المسافة الخامس والثلاثين قرب رابية السرو، حيث وجدته أول مرة.
وضعته على التراب، فشم الطريق الطويل، لكنه لم يحاول أكله.
مشى بضع خطوات إلى جوارها، ثم توقف متعبًا.
جلست ميرا تنتظره دون أن تحمله، ودون أن تطلب منه اختصار الطريق، حتى نهض من تلقاء نفسه وتابع السير على قوائمه الصغيرة.
استغرقت عودتهما إلى القرية ساعات، غير أن ميرا شعرت للمرة الأولى أن كل شجرة مرت بها تستحق أن تُرى، وأن صوت الحصى تحت القدمين ليس ضجيجًا زائدًا، بل جزء من معنى الوصول.
عادت التجارة أبطأ مما كانت، وأصبحت الأسماك أقل طزاجة حين تبلغ الجبال، وتأخرت الرسائل أحيانًا تحت المطر.
لكن المدن بنت نزلًا للمسافرين، وحفرت الآبار على الطرق، وتعلم الناس أن يجعلوا الرحلة أكثر رحمة بدلًا من محوها.
أما أحجار المسافات، فأعاد ناهل نصبها على الطرق كلها.
ونقش فوق الحجر الأول عبارة لم يجرؤ ملك آخر على إزالتها:
لا تلعن الطريق لطوله؛ فقد يكون طوله هو الشيء الذي يمنحك وقتًا كي تصل إنسانًا، لا غازيًا.
ما الذي كانت تحرسه المسافات؟
لم تكن المسافة بين القرى أرضًا ميتة كما ظن الملك، بل كانت زمنًا للنوايا كي تهدأ، وللرسائل كي تُراجع، وللجنود كي يتذكروا وجوه أطفالهم قبل أن يبلغوا ساحة الحرب.
كان القرب قد أغنى الأسواق، لكنه حين تحول إلى شهوة بلا حدود، ألغى المساحة التي يتنفس فيها السلام.
فليست كل فجوة نقصًا ينبغي ملؤه، ولا كل بعيد عدوًا يجب جره إلى أبوابنا.
وبقي دانيا قرب رابية السرو، لا يأكل من الطرق إلا ما يضطر إلى أكله لينجو.
وكلما رآه طفل يحدق في الأفق ويسأله لماذا لا يقرب له البحر، كانت ميرا تبتسم وتقول إن بعض الأشياء لا تصبح أثمن حين تصل سريعًا، بل حين تتغير أنت في الطريق إليها.
