عندما انطفأت أرقام المصعد، لم يشعر عبدالرحمن بالخوف فورًا، بل شعر بشيء أشد وطأة؛ أحس أن المبنى كله قد حبس أنفاسه، وأن الأسلاك المختبئة خلف الجدران المعدنية توقفت عن الطنين كي تصغي إلى ما سيحدث.
كان المصعد عالقًا بين القبو والطابق الأرضي، في المسافة الضيقة التي لا يعترف بها المعماريون ولا تذكرها لوحات الإرشاد، لكن مؤشر الطوابق أضاء بعد لحظات بحرف لم يره أحد من قبل.
ظهر الرقم 0 بلون أبيض شاحب، ثم انفرج الباب ببطء على ممر طويل تفوح منه رائحة الورق القديم والقهوة التي بردت منذ سنوات.
وفي آخر الممر، كانت عشرات المكاتب تنتظر أصحابها.
توقف لا يشبه الأعطال
قبل سبع دقائق فقط، كان عبدالرحمن يراقب عقارب ساعته ويحسب مقدار التأخير الذي سيخصم من راتبه، بينما هبط المصعد من الطابق التاسع نحو بهو الشركة.
وقف إلى جواره سامح من قسم الحسابات، يحمل حقيبة جلدية متشققة ويضغط بسبابته على زر الطابق الأرضي، كأن كثرة الضغط قد تمنع المدير من سؤاله عن التقرير المتأخر.
كانت هبة، موظفة خدمة العملاء، تحدق في شاشة هاتفها المطفأة بعدما نفدت بطاريته، فيما وقفت داليا، مديرة العمليات، قرب لوحة الأزرار بظهر مستقيم وملامح مشدودة لا تسمح بالارتباك.
قالت داليا وهي تتفقد ساعتها الذهبية:
أمامنا اجتماع بعد عشرين دقيقة.
لا أريد أن يتحول عطل بسيط إلى ذريعة جديدة للفوضى.
لم يجبها أحد، فقد اعتاد الموظفون أن يعاملوا كلماتها كما يعاملون جرس الإنذار التجريبي؛ صوت مرتفع ينبغي احتماله، ثم العودة إلى العمل كأن شيئًا لم يحدث.
اهتز المصعد فجأة هزة قصيرة، وانسحب الهواء من صدورهم، ثم هوى بهم مسافة بدت أطول من المبنى كله قبل أن يتوقف بعنف جعل المصباح المعلق في السقف يتأرجح كعين مذعورة.
الرقم الذي لم تصنعه الشركة
انطفأت أزرار الطوابق جميعها، وبقي الرقم صفر وحده مضيئًا، مع أن لوحة المصعد لم تكن تحتوي أصلًا على زر بهذا الرقم.
اقترب سامح من الشاشة ومسحها بطرف كمه، ثم قال بصوت تكسوه ضحكة مرتجفة:
ربما خلل في النظام.
صفر يعني القبو، أليس كذلك؟
كان القبو يحمل الرمز B2، والجميع يعرف ذلك، لكن أحدًا لم يرغب في تصحيح كلامه، لأن الصمت كان أقل رعبًا من الاعتراف بأن المصعد يشير إلى مكان غير موجود.
ضغطت داليا زر الطوارئ، فلم يخرج منه صوت الحارس، بل انبعث تشويش خافت تتخلله أنفاس بطيئة، ثم جاء صوت امرأة بعيدة تقول:
الطابق جاهز لاستقبال القرارات المؤجلة.
سحبت داليا يدها كأن الزر قد لسعها، وفي اللحظة نفسها انفرج الباب.
لم يكن خلفه جدار خرساني كما ينبغي، بل ممر مفروش بسجاد رمادي نظيف، تتدلى فوقه مصابيح مكتبية خضراء، رغم غياب السقف في ظلمة لا تنتهي.
المكاتب التي تحمل أسماء الغائبين
لم يخطُ أحد خارج المصعد في البداية، إلا أن الباب ظل مفتوحًا دون أن يصدر صفير التحذير المعتاد، كأن الطابق لا ينوي السماح لهم بالاختباء طويلًا.
امتدت على جانبي الممر مكاتب زجاجية مرتبة بعناية خانقة، وفوق كل باب لوحة نحاسية تحمل اسمًا ووظيفة وتاريخًا صغيرًا محفورًا أسفلها.
قرأ عبدالرحمن أقرب لوحة:
محمود عبدالعزيز محاسب أول 2012
قال سامح وقد شحب وجهه:
كان يعمل معنا.
ترك الشركة منذ خمس سنوات.
اقترب من الزجاج، فرأى داخل المكتب رجلًا جالسًا إلى آلة حاسبة قديمة، يطرق أزرارها دون توقف، بينما تراكمت خلفه لوحات فنية ممزقة وألوان جافة وفرش مكسورة.
رفع الرجل وجهه ببطء، فظهر أن ملامحه مسطحة كصفحة بلا كتابة، ثم كتب على ورقة أمامه جملة واحدة وألصقها بالزجاج:
كان يريد أن يصبح رسامًا.
أرشيف الطاعة
مضوا عبر الممر بحذر، وكلما تقدموا ظهرت أسماء أكثر؛ موظفون استقالوا، وآخرون تقاعدوا، وبعضهم ما يزال يعمل في الطوابق العليا.
خلف كل زجاج، جلس شخص يؤدي عمله بحركة آلية، بينما تناثرت حوله بقايا حلم قديم؛ آلة كمان بلا أوتار، حذاء باليه مغطى بالغبار، مخطوط رواية تحول ورقه إلى رماد.
توقفت هبة أمام مكتب يحمل اسمها.
لم تستطع الصراخ، لكن جسدها تراجع حتى اصطدم بكتف عبدالرحمن، وظلت عيناها معلقتين باللوحة النحاسية التي كُتب تحت اسمها تاريخ اليوم.
داخل المكتب جلست نسخة أخرى منها، ترتدي سماعة خدمة العملاء وتكرر بنبرة خالية:
نعتذر عن الإزعاج، رضاكم يهمنا، نعتذر عن الإزعاج، رضاكم يهمنا.
على الجدار خلف النسخة، علقت صورة مسرح كبير وستارة حمراء، وتحت الصورة رسالة قبول من معهد الفنون المسرحية وقد ثُقب منتصفها بدبوس أسود.
همست هبة:
لم أخبر أحدًا أنني تقدمت إلى المعهد.
جاءهم الصوت من مكبرات مخفية في الممر:
هذا الطابق لا يحفظ الأسرار، بل يحفظ الأثمان.
شروط الخروج من الطابق صفر
انغلق باب المصعد خلفهم دون صوت، واختفى مكانه جدار معدني أملس لا يحمل زرًا أو شقًا.
رفعت داليا هاتفها، لكن الشاشة أظهرت شعار الشركة فقط، ثم ظهرت تحته عبارة تتبدل ببطء:
لا يمكن العودة قبل استرداد القرار.
قالت داليا بنبرة حازمة حاولت أن تستعيد بها سلطتها:
لا أحد يلمس شيئًا.
سنجد مخرجًا تقنيًا، وسأبلغ قسم الصيانة بمجرد عودة الإشارة.
ضحك صوت خافت في أرجاء الطابق، ولم يكن ضحك إنسان واحد، بل ضحكات كثيرة متراكبة لأشخاص نسوا كيف يضحكون.
ظهر عند نهاية الممر رجل نحيل يرتدي زي عامل أرشيف قديم، وكان يجر عربة معدنية محملة بملفات سوداء.
لم تكن له عينان واضحتان، بل تجويفان غارقان في ظل كثيف، ومع ذلك شعر عبدالرحمن أنه ينظر إليهم جميعًا في اللحظة ذاتها.
أمين القرارات المنسية
قال الرجل:
أهلاً بكم في قسم الموارد المهدرة.
شهقت هبة، بينما سأل سامح:
هل هذا جزء من الشركة؟
أجاب الرجل وهو يمرر إصبعه فوق الملفات:
الشركة جزء منه، مثلها مثل كل مكان يبني طوابقه فوق ظهور الذين خافوا من السقوط.
أخرج أربعة ملفات ووضعها على عربة صغيرة أمامهم، وكان على كل ملف اسم أحدهم.
يخرج كل زائر حين يستعيد قرارًا جبانًا اتخذه بإرادته، ويمنحه نهاية مختلفة.
قالت داليا:
هذا عبث.
لا يحق لك وصف قرارات الموظفين بالجبن.
الناس تختار الاستقرار، وهذا ليس عيبًا.
مال الرجل برأسه قليلًا:
الاستقرار باب محترم، لكنكم حولتموه إلى قفل.
فتح ملف سامح، فانتشرت رائحة مطر قديم في الممر، وظهر على الورق عنوان مسرحية مكتوبة بخط يده.
ارتجف سامح وقال:
أغلقت الملف منذ عشرين عامًا.
أجابه أمين الأرشيف:
بل تركته مفتوحًا هنا.
حين تبدأ القرارات في المحاكمة
فتح باب مكتب سامح وحده، وانسحب الرجل إلى الداخل كأن حبلًا غير مرئي يجره من صدره.
رأى الآخرون خلف الزجاج شابًا في الخامسة والعشرين يجلس أمام رجل مسن على مائدة طعام متواضعة، وبينهما خطاب قبول من فرقة مسرحية.
قال الأب في الذكرى المتجسدة:
المسرح لا يطعم خبزًا.
خذ وظيفة الحسابات، وبعد أن تستقر افعل ما تشاء.
خفض سامح الشاب رأسه، وطوى الخطاب، ثم بدا المشهد يستعد لتكرار نفسه.
ضرب سامح الزجاج بقبضته وصاح:
لا تطوه!
توقفت النسخة الشابة، ورفعت عينيها إليه.
فتح باب زجاجي داخل الذكرى، ودخل سامح المسن إلى ماضيه، فاقترب من نفسه وربت على كتفها.
قال بصوت مبحوح:
ستقول إنك ستعود إلى المسرح بعد عام، ثم بعد الزواج، ثم بعد ترقية واحدة، لكن السنوات لا تنتظر أن تفرغ لها.
اذهب ولو فشلت، لأن الفشل يؤلم مرة، أما الندم فيستيقظ كل صباح.
مزق الشاب عقد التوظيف، فتصدع المكتب كله، وسقطت الآلة الحاسبة من على الطاولة وتحولت إلى سرب من الفراشات الورقية.
عاد سامح إلى الممر وهو يلهث، وقد اختفى اسمه من اللوحة النحاسية.
صوت هبة الذي لم يُسمع
فتح مكتب هبة، فاندفعت منه رائحة خشب المسرح والستائر الثقيلة ومساحيق التجميل.
وجدت نفسها في غرفة معيشة بيتها القديم، تجلس أمام أمها التي تمسك رسالة القبول بمعهد الفنون.
قالت الأم في الذكرى:
التمثيل لا يناسب بناتنا.
الناس لن ترحمك، وأنا لا أحتمل كلامهم.
كانت هبة الصغيرة تمسح دموعها وتقول:
حسنًا، سأبحث عن كلية أخرى.
تقدمت هبة الحالية حتى وقفت أمام أمها، لكن الأم لم ترها، بينما ظلت الفتاة الشابة تنتظر القرار الذي قتل صوتها.
قالت هبة:
أمي كانت خائفة عليّ.
ظهر أمين الأرشيف عند الباب وقال:
تفسير الجرح لا يلغيه.
اقتربت هبة من نسختها الشابة، ثم نزعت سماعة خدمة العملاء عن أذنيها وألقتها أرضًا، مع أنها لم تكن موجودة في المشهد الأصلي.
قالت لنفسها:
لا تجعلي خوفها يرث صوتك.
اذهبي، وإن خسرتِ رضا الجميع، لا تخسري وجهك حين تنظرين إلى المرآة.
أمسكت الفتاة رسالة القبول، وركضت إلى الخارج، فانفتحت الستارة الحمراء في آخر الغرفة، وتدفقت من خلفها أضواء بيضاء غمرت المكتب.
حين عادت هبة، كان صوتها أكثر وضوحًا، كأن حبالها الصوتية استعادت قطعة كانت مفقودة منها.
القرار الذي دفنه عبدالرحمن
بقي ملف عبدالرحمن مغلقًا، ومع ذلك كان يشعر بما يحتويه، فقد بدأت رائحة الياسمين تتسلل من بين صفحاته.
كان قد أمضى ثماني سنوات في الشركة، يكتب تقارير عن الأسواق والحملات، بينما يرقد في حاسوبه المنزلي ملف يحمل اسمًا ساخرًا، الرواية الأخيرة النسخة النهائية 17.
لم تكن روايته هي السر الحقيقي، بل الرسالة التي لم يرسلها إلى ليلى قبل زفافها بأسبوع، حين كتبت له تسأله للمرة الأخيرة إن كان مستعدًا لمواجهة عائلته والتمسك بها.
كتب يومها، أحتاج إلى وقت، ثم حذف الرسالة، وترك الصمت يؤدي المهمة التي خاف من أدائها بنفسه.
فتح المكتب، فوجد نفسه واقفًا في شقته القديمة، أمام شاشة الحاسوب، والرسالة غير المرسلة تومض في صندوق المحادثة.
كانت الساعة في الذكرى تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، وعلى الطاولة خاتم صغير اشتراه ولم يقدمه قط.
الرسالة التي وصلت متأخرة ثماني سنوات
ظهر عبدالرحمن الشاب منحني الظهر، يكتب جملة ويمحوها، فيما كان صوت أبيه يتردد في ذاكرته:
نحن لا نتزوج من عائلة تختلف عنا.
لا تحملنا فضيحة لا نحتاجها.
أراد عبدالرحمن الحالي أن يقول لنفسه أرسل الرسالة، لكنه أدرك أن استعادة القرار لا تعني الحصول على النهاية التي يتمناها.
ليلى الآن متزوجة ولها حياة لا يجوز له اقتحامها، والزمن الذي تركه يمر لا يمكن إعادته من أجل راحته الشخصية.
اقترب من نسخته الشابة وقال:
لا تعدها بأنك ستنقذ كل شيء.
فقط لا تتركها وحيدة أمام الصمت.
كتب الشاب رسالة جديدة:
أنا خائف، لكنني لا أريد أن أجعل خوفي قرارًا نيابة عنك.
سأواجههم غدًا، وإذا فشلنا فسنعرف أننا حاولنا معًا.
ضغط زر الإرسال.
لم تُظهر الذكرى رد ليلى، ولم تمنحه الطابق حياة بديلة جاهزة، بل أطفأ الشاشة وتركه واقفًا أمام نتيجة مجهولة.
عندها فهم عبدالرحمن أن الشجاعة ليست ضمانًا للنجاة، وإنما قبول بأن تكون مسؤولًا عن خطوتك، بدل أن تختبئ خلف الظروف.
تشققت جدران المكتب، وتساقطت منها أوراق روايته، لكنها لم تكن محترقة هذه المرة، بل امتلأت بهوامش وتصحيحات وأبواب مفتوحة على فصول لم تُكتب بعد.
المديرة التي بنت السجن بيديها
لم يبقَ سوى داليا، لكن ملفها كان أثخن الملفات، وقد رُبط بشريط أحمر يحمل شعار الشركة.
مدت يدها إليه، ثم سحبتها وقالت:
لست ملزمة بالمشاركة في هذا الاستعراض.
أنا لم أتخلّ عن حلم، بل صنعت مسيرتي بنفسي.
تحركت المكاتب الزجاجية حولهم دفعة واحدة، وبدأت ألواحها تعرض صورًا لداليا في مراحل مختلفة من حياتها المهنية.
في الصورة الأولى، كانت موظفة شابة تقف إلى جانب زميل مفصول ظلمًا، وتمسك بريدًا إلكترونيًا يثبت تلاعب الإدارة بالأرقام.
في الثانية، كانت تجلس أمام المدير التنفيذي، تسمعه يقول:
امسحي الرسالة، وستكون لك ترقية لم يحصل عليها أحد في عمرك.
وفي الثالثة، كانت داليا تفتح سلة المحذوفات وتضغط زر الإفراغ النهائي.
قال سامح:
بُني منصبك على فصل رجل بريء؟
حدقت داليا فيه بعينين حادتين:
لا تعرفون شيئًا.
لو لم أفعلها لطُردنا جميعًا، وربما أغلقت الشركة.
قال أمين الأرشيف:
لقد أقنعتِ نفسك بأنك أنقذت النظام، ثم قضيتِ أعوامًا تعاقبين كل من يذكرك بأنه كان يمكن أن يرفض.
خطة إغلاق الطابق
بدل أن تدخل داليا مكتبها، انتزعت بطاقة التعريف المعلقة على عنقها ووضعتها على قارئ صغير قرب الجدار.
أضاءت خطوط حمراء على الأرض، وظهر باب فولاذي كتب عليه، بروتوكول الاحتواء الإداري.
قالت داليا:
كل نظام له ثغرة، وكل ثغرة يمكن إغلاقها.
اندفعت نحو لوحة التحكم، وضغطت سلسلة من الأوامر، فبدأت المكاتب ترتج، وتلاشت الوجوه خلف الزجاج مثل صور تبتلعها النار.
صرخت هبة:
ماذا تفعلين؟
أحمي الشركة.
إذا خرج هذا الطابق إلى العلن، سيستقيل نصف الموظفين قبل نهاية الأسبوع.
لا مؤسسة تعمل حين يقرر الجميع مطاردة نزواتهم.
رد عبدالرحمن:
ليست المشكلة أن يغادروا، بل أنك تحتاجينهم خائفين كي يبقوا.
استدارت إليه داليا وصفعته، فارتد صدى الصفعة في الممر وتحول إلى مئات الأختام الإدارية تهوي فوق الملفات.
بدأ السقف المظلم يهبط، وتطايرت المصابيح الخضراء، بينما ظهر عد تنازلي على الجدار، 60 ثانية حتى محو الطابق صفر.
ثورة المكاتب الصامتة
ركض سامح وهبة نحو لوحة التحكم، لكن الأزرار لم تستجب، فيما حاول عبدالرحمن فتح ملف داليا بالقوة.
كان الملف ثقيلًا كأنه مصنوع من معدن، وكلما جذبه انطلقت منه أصوات موظفين يعتذرون ويطلبون الإذن ويعدون بالعمل الإضافي دون مقابل.
صاح أمين الأرشيف:
لا يمكن فتح قرارها بدلًا عنها.
اقترب العد من أربعين ثانية، وبدأت جدران المكاتب تنكمش على الجالسين بداخلها، فتحطمت الآلات الموسيقية وتقلصت اللوحات والروايات إلى قصاصات رمادية.
وقف عبدالرحمن أمام داليا وقال:
سيُمحى كل شيء، لكنك ستعودين إلى مكتبك وحدك.
ستعرفين أنك رأيتِ هؤلاء جميعًا، ثم اخترتِ دفنهم مرة أخرى.
قالت وهي تحاول ألا تنظر إلى مكتبها:
لن أخسر كل ما بنيته من أجل شعور عابر بالذنب.
لم تبني حياتك فوق ذلك القرار فقط، بل بنيتِ شخصيتك كلها كي لا تضطري إلى الاعتراف بأنك خفتِ.
كانت الكلمات أشد عليها من الاتهام، لأنها أصابت المكان الذي حافظت عليه مغلقًا لسنوات.
توقفت يدها فوق زر الإلغاء، بينما وصل العد إلى عشرين.
الاسم الحقيقي لداليا
فتح مكتب داليا من تلقاء نفسه، وخرجت منه موسيقى بيانو متعثرة، ثم ظهرت فتاة في السابعة عشرة تجلس أمام آلة بيضاء داخل قاعة امتحان.
كانت أصابعها ترتجف فوق المفاتيح، وخلف الباب وقف والدها يقول:
الموسيقى هواية.
ادرسي الإدارة، فالناس تحترم المناصب لا الألحان.
عزفت الفتاة نغمة خاطئة، ثم أغلقت غطاء البيانو، ولم تفتحه مرة أخرى.
حدقت داليا في المشهد كأنها ترى شخصًا مات ولم يُدفن.
قال أمين الأرشيف:
القرار الأول لم يكن خيانة زميلك.
القرار الأول كان أن تصدقي أن قيمتك تحتاج إلى منصب كي يراها الآخرون.
وصل العد إلى عشر ثوانٍ.
دخلت داليا المكتب، واقتربت من الفتاة، لكن كبرياءها ظل يشدها إلى الخلف كحبل مربوط بعنقها.
قالت بصوت بالكاد سُمع:
لن أصير عازفة عظيمة.
رفعت الفتاة رأسها.
أكملت داليا:
ولا يجب أن أصير عظيمة كي أستحق العزف.
فتحت غطاء البيانو، وجلست إلى جوار نفسها، وضغطت مفتاحًا واحدًا، فخرجت نغمة مرتجفة لكنها واضحة.
عند الرقم واحد، ضغطت داليا زرًا في لوحة التحكم داخل الذكرى، لا في الممر.
ظهر البريد المحذوف على الشاشة، ثم ضغطت إرسال إلى جميع الموظفين.
انفتاح الطابق صفر
توقف العد قبل أن يصل إلى الصفر، وانطفأت الخطوط الحمراء، ثم انفتح سقف الطابق على ضوء ذهبي هائل.
تحطمت المكاتب الزجاجية واحدًا بعد آخر، لكن الجالسين داخلها لم يسقطوا، بل نهضوا للمرة الأولى وخرجوا حاملين ما تبقى من أحلامهم.
كان بعضهم شابًا، وبعضهم هرِمًا، وبعضهم لم يعد موجودًا في العالم خارج المبنى، ومع ذلك عبروا الممر بوجوه استعادت ملامحها.
عند نهاية الطابق، ظهر باب المصعد من جديد، إلا أن شاشته لم تعرض أرقامًا، بل كلمات:
العودة ليست استئنافًا لما كان.
دخل سامح أولًا، ممسكًا بصفحة مسرحيته، ثم هبة التي نزعت بطاقة الشركة ووضعتها فوق مكتب مهشم.
وقف عبدالرحمن إلى جوار داليا عند الباب، وسألها:
ماذا سيحدث عندما نصل؟
نظرت إلى يديها، كأنها تراهما للمرة الأولى دون خواتم السلطة والأختام والتوقيعات.
قالت:
سيصل البريد الذي أخفيته إلى الجميع.
سيفتحون تحقيقًا، وربما أخسر منصبي.
هل ستتراجعين؟
نظرت خلفها إلى البيانو الأبيض، ثم أغلقت ملفها بيد هادئة.
هذه أول مرة لا أعرف فيها ما الذي سأفعله غدًا، ولا أشعر أن ذلك موت.
دخلت المصعد، وتبعها عبدالرحمن، فانغلق الباب على أمين الأرشيف واقفًا وسط الأوراق المتطايرة.
سأله عبدالرحمن قبل أن يختفي:
هل سيعود الطابق مرة أخرى؟
ابتسم الرجل، وظهرت في عينيه نقطتان من الضوء.
الطابق صفر لا يغادر أي بناية.
الناس فقط يتعلمون كيف يتجنبون النظر إلى زره.
تحرك المصعد صعودًا، ثم انفتح على بهو الشركة في اللحظة نفسها التي تعطل فيها، حتى إن الحارس لم يرفع رأسه من الصحيفة.
غير أن كل هاتف في المبنى أصدر صوت وصول رسالة جديدة.
وقف الموظفون خلف مكاتب الاستقبال وفي الممرات وقرب آلات القهوة، يقرأون الوثائق التي أرسلتها داليا، ثم بدأت همساتهم تتصاعد مثل ريح تدخل بيتًا ظل مغلقًا أعوامًا.
خلع سامح ربطة عنقه، وأخرج هاتفه واتصل برقم قديم لفرقة مسرحية محلية.
أما هبة، فقد فتحت موقع معهد تمثيل مسائي وملأت استمارة التقديم دون أن تغلق الصفحة هذه المرة.
جلس عبدالرحمن في مقهى مقابل المبنى، وفتح حاسوبه على ملف الرواية التي لم تكن أخيرة ولا نهائية، ثم حذف الرقم سبعة عشر من اسمها.
رفع عينيه نحو واجهة الشركة الزجاجية، فرأى عند أسفلها خطًا رفيعًا من الضوء بين القبو والشارع.
كان يشبه بابًا لم يُغلق تمامًا.
لا يضيع الإنسان حين يفشل في الوصول إلى حلمه، بل حين يترك الخوف يختار عنه، ثم يقضي عمره يزين القفص حتى ينسى أنه قفص.
فالقرارات الجبانة لا تختفي بعد اتخاذها؛ إنها تهبط إلى طابق خفي داخل الروح، وتجلس خلف مكاتب مرتبة، تنتظر اليوم الذي نملك فيه شجاعة النزول إليها.
وربما لا نستطيع إصلاح الماضي أو استرداد كل ما فات، لكن باب النجاة يظل مفتوحًا ما دمنا قادرين على اتخاذ قرار واحد لا يشبه القرارات التي أوصلتنا إلى هناك، قصة مكتبة الارواح وحكاية الكتاب الذي ابتلع القارئ واجبره علي عيش حياة رجل ميت من هنا.
