مصعد الطابق صفر حكاية القرارات الجبانة التي لا تموت

الراوي
0

توقف لا يشبه الأعطال، حين انطفأت أرقام المصعد، لم يشعر عبدالرحمن بالخوف على الفور، بل أحس بشيء أثقل من الخوف، وكأن المبنى كله قد حبس أنفاسه، وكأن الأسلاك المختبئة خلف الجدران المعدنية توقفت عن الطنين لتصغي إلى ما هو آت.

قبل سبع دقائق فقط كان عبدالرحمن يراقب عقارب ساعته ويحسب مقدار التأخير الذي سيخصم من راتبه، بينما كان المصعد ينزل من الطابق التاسع نحو بهو الشركة.

وقف إلى جانبه سامح من قسم الحسابات، يحمل حقيبة جلدية متشققة الأطراف، ويضغط بسبابته على زر الطابق الأرضي بتكرار عصبي، وكأن كثرة الضغط قد تمنع المدير من سؤاله عن التقرير المتأخر.

وقفت هبة، موظفة خدمة العملاء، تحدق في شاشة هاتفها المطفأ بعد أن نفدت بطاريته، بينما وقفت داليا، مديرة العمليات، قرب لوحة الأزرار بظهر مستقيم وملامح مشدودة لا تسمح بالارتباك.

قالت داليا وهي تتفقد ساعتها الذهبية، أمامنا اجتماع بعد عشرين دقيقة، ولا أريد أن يتحول عطل بسيط إلى ذريعة جديدة للفوضى.

لم يرد عليها أحد، فقد اعتاد الموظفون أن يتعاملوا مع كلماتها كما يتعاملون مع جرس الإنذار التجريبي، صوت مرتفع يحتمل ثم تستأنف الحياة كأن شيئا لم يكن.

اهتز المصعد فجأة هزة قصيرة، وانسحب الهواء من صدورهم، ثم هوى بهم مسافة بدت أطول من المبنى نفسه، قبل أن يتوقف بعنف جعل المصباح المعلق في السقف يتأرجح كعين مذعورة.

مصعد الطابق صفر حكاية القرارات الجبانة التي لا تموت


الرقم الذي لم تصنعه الشركة

انطفأت أزرار الطوابق جميعها، وبقي رقم واحد مضيئا وحده، مع أن لوحة المصعد لم تكن تحوي أصلا زرا بهذا الرقم.

اقترب سامح من الشاشة ومسحها بطرف كمه، وقال بصوت تكسوه ضحكة مرتجفة، ربما خلل في النظام، فالصفر يعني القبو على الأرجح.

كان الجميع يعرف أن رمز القبو هو باء اثنان، لكن أحدا لم يرغب في تصحيح كلامه، لأن الصمت بدا أقل رعبا من الاعتراف بأن المصعد يشير إلى مكان لا وجود له.

ضغطت داليا زر الطوارئ فلم يخرج منه صوت الحارس المعتاد، بل تشويش خافت تتخلله أنفاس بطيئة، ثم جاء صوت امرأة بعيدة يقول، الطابق جاهز لاستقبال القرارات المؤجلة.

سحبت داليا يدها وكأن الزر قد لسعها، وفي اللحظة نفسها انفرج الباب.

لم يكن خلفه جدار خرساني كما ينبغي، بل ممر مفروش بسجاد رمادي نظيف، تتدلى فوقه مصابيح مكتبية خضراء، رغم غياب السقف في ظلمة لا تنتهي.

المكاتب التي تحمل أسماء الغائبين

لم يخط أحد خارج المصعد في البداية، إلا أن الباب ظل مفتوحا دون أن يصدر صفير التحذير المعتاد، وكأن الطابق لا ينوي منحهم فرصة الاختباء طويلا.

امتدت على جانبي الممر مكاتب زجاجية مرتبة بعناية خانقة، وفوق كل باب لوحة نحاسية تحمل اسما ووظيفة وتاريخا صغيرا محفورا أسفلها.

قرأ عبدالرحمن أقرب لوحة فوجد اسم محمود عبدالعزيز، محاسب أول، عام ألفين واثني عشر.

قال سامح وقد شحب وجهه، كان يعمل معنا، وترك الشركة منذ خمس سنوات.

اقترب من الزجاج فرأى داخل المكتب رجلا جالسا إلى آلة حاسبة قديمة يطرق أزرارها بلا توقف، بينما تراكمت خلفه لوحات فنية ممزقة وألوان جافة وفرش مكسورة.

رفع الرجل وجهه ببطء، فبدت ملامحه مسطحة كصفحة خالية من الكتابة، ثم كتب على ورقة جملة واحدة وألصقها بالزجاج، كان يريد أن يصبح رساما.

أرشيف الطاعة

مضوا في الممر بحذر، وكلما تقدموا ظهرت أسماء أكثر، موظفون استقالوا وآخرون تقاعدوا وبعضهم ما زال يعمل في الطوابق العليا.

خلف كل واجهة زجاجية جلس شخص يؤدي عمله بحركة آلية، بينما تناثرت حوله بقايا حلم قديم، آلة كمان بلا أوتار، حذاء باليه مغطى بالغبار، مخطوط رواية تحول ورقه إلى رماد.

توقفت هبة أمام مكتب يحمل اسمها، ولم تستطع الصراخ، لكن جسدها تراجع حتى اصطدم بكتف عبدالرحمن، وظلت عيناها معلقتين باللوحة النحاسية التي كتب تحت اسمها تاريخ اليوم نفسه.

جلست داخل المكتب نسخة أخرى منها، ترتدي سماعة خدمة العملاء وتكرر بنبرة خالية من الحياة، نعتذر عن الإزعاج، رضاكم يهمنا.

على الجدار خلف تلك النسخة علقت صورة مسرح كبير وستارة حمراء، وتحتها رسالة قبول من معهد الفنون المسرحية، وقد ثقب منتصفها بدبوس أسود.

همست هبة، لم أخبر أحدا أنني تقدمت إلى ذلك المعهد.

جاءهم صوت من مكبرات مخفية في الممر يقول، هذا الطابق لا يحفظ الأسرار، بل يحفظ الأثمان.

أمين القرارات المنسية

انغلق باب المصعد خلفهم دون صوت، واختفى مكانه جدار معدني أملس لا يحمل زرا ولا شقا.

رفعت داليا هاتفها فلم تظهر على الشاشة سوى شعار الشركة، ثم عبارة تتبدل ببطء تقول، لا يمكن العودة قبل استرداد القرار.

حاولت داليا أن تستعيد سلطتها بنبرة حازمة، فقالت لا أحد يلمس شيئا، سنجد مخرجا تقنيا، وسأبلغ قسم الصيانة بمجرد عودة الإشارة.

ضحك صوت خافت في أرجاء الطابق، ولم يكن ضحك إنسان واحد، بل ضحكات كثيرة متراكبة لأشخاص نسوا كيف يضحكون.

ظهر عند نهاية الممر رجل نحيل يرتدي زي عامل أرشيف قديم، يجر عربة معدنية محملة بملفات سوداء، ولم تكن له عينان واضحتان بل تجويفان غارقان في ظل كثيف، ومع ذلك شعر عبدالرحمن أنه ينظر إليهم جميعا في اللحظة نفسها.

قال الرجل، أهلا بكم في قسم الموارد المهدرة.

شهقت هبة، وسأل سامح هل هذا جزء من الشركة، فأجابه الرجل وهو يمرر إصبعه فوق الملفات، الشركة جزء منه، مثلها مثل كل مكان يبني طوابقه فوق ظهور الذين خافوا من السقوط.

أخرج أربعة ملفات ووضعها على عربة صغيرة أمامهم، على كل ملف اسم أحدهم، وقال، يخرج كل زائر حين يستعيد قرارا جبانا اتخذه بإرادته، ويمنح نهاية مختلفة.

قالت داليا، هذا عبث، لا يحق لك وصف قرارات الموظفين بالجبن، فالناس تختار الاستقرار وهذا ليس عيبا.

مال الرجل برأسه قليلا وقال، الاستقرار باب محترم، لكنكم حولتموه إلى قفل.

فتح ملف سامح فانتشرت رائحة مطر قديم في الممر، وظهر على الورق عنوان مسرحية بخط يده، فارتجف سامح وقال أغلقت هذا الملف منذ عشرين عاما، فأجابه أمين الأرشيف، بل تركته مفتوحا هنا.

حين تبدأ القرارات في المحاكمة

فتح باب مكتب سامح وحده، وانسحب الرجل إلى الداخل وكأن حبلا غير مرئي يجره من صدره.

رأى الآخرون خلف الزجاج شابا في الخامسة والعشرين يجلس أمام رجل مسن على مائدة طعام متواضعة، وبينهما خطاب قبول من فرقة مسرحية.

قال الأب في تلك الذكرى المتجسدة، المسرح لا يطعم خبزا، خذ وظيفة الحسابات وبعد أن تستقر افعل ما تشاء.

خفض سامح الشاب رأسه وطوى الخطاب، وبدا المشهد يستعد لتكرار نفسه.

ضرب سامح الزجاج بقبضته وصاح لا تطوه، فتوقفت النسخة الشابة ورفعت عينيها إليه.

انفتح باب زجاجي داخل الذكرى، ودخل سامح المسن إلى ماضيه، واقترب من نفسه الشابة وربت على كتفها.

قال بصوت مبحوح، ستقول إنك ستعود إلى المسرح بعد عام، ثم بعد الزواج، ثم بعد ترقية واحدة، لكن السنوات لا تنتظر أن تفرغ لها، اذهب ولو فشلت، فالفشل يؤلم مرة، أما الندم فيستيقظ كل صباح.

مزق الشاب عقد التوظيف، فتصدع المكتب كله، وسقطت الآلة الحاسبة عن الطاولة وتحولت إلى سرب من الفراشات الورقية.

عاد سامح إلى الممر وهو يلهث، وقد اختفى اسمه من اللوحة النحاسية.

صوت هبة الذي لم يسمع

فتح مكتب هبة، فاندفعت منه رائحة خشب المسرح والستائر الثقيلة ومساحيق التجميل.

وجدت نفسها في غرفة معيشة بيتها القديم، جالسة أمام أمها التي تمسك رسالة القبول بمعهد الفنون.

قالت الأم في الذكرى، التمثيل لا يناسب بناتنا، الناس لن ترحمك وأنا لا أحتمل كلامهم.

مسحت هبة الصغيرة دموعها وقالت، حسنا سأبحث عن كلية أخرى.

تقدمت هبة الحالية حتى وقفت أمام أمها، لكن الأم لم ترها، بينما ظلت الفتاة الشابة تنتظر القرار الذي أسكت صوتها.

قالت هبة، أمي كانت خائفة علي، فظهر أمين الأرشيف عند الباب وقال، تفسير الجرح لا يلغيه.

اقتربت هبة من نسختها الشابة، ونزعت سماعة خدمة العملاء عن أذنيها وألقتها أرضا، ثم قالت لنفسها، لا تجعلي خوفها يرث صوتك، اذهبي، وإن خسرت رضا الجميع فلا تخسري وجهك حين تنظرين إلى المرآة.

أمسكت الفتاة رسالة القبول وركضت إلى الخارج، فانفتحت الستارة الحمراء في آخر الغرفة، وتدفقت من خلفها أضواء بيضاء غمرت المكتب.

حين عادت هبة كان صوتها أكثر وضوحا، وكأن حبالها الصوتية استعادت قطعة كانت مفقودة منها.

القرار الذي دفنه عبدالرحمن

بقي ملف عبدالرحمن مغلقا، ومع ذلك كان يشعر بما يحتويه، فقد بدأت رائحة الياسمين تتسلل من بين صفحاته.

كان قد أمضى ثماني سنوات في الشركة يكتب تقارير عن الأسواق والحملات، بينما يرقد في حاسوبه المنزلي ملف يحمل اسما ساخرا، الرواية الأخيرة النسخة النهائية سبعة عشر.

لم تكن روايته هي السر الحقيقي، بل الرسالة التي لم يرسلها إلى ليلى قبل زفافها بأسبوع، حين كتبت له تسأله للمرة الأخيرة إن كان مستعدا لمواجهة عائلته والتمسك بها.

كتب يومها أحتاج إلى وقت، ثم حذف الرسالة، وترك الصمت يؤدي المهمة التي خاف من أدائها بنفسه.

فتح المكتب فوجد نفسه واقفا في شقته القديمة أمام شاشة الحاسوب، والرسالة غير المرسلة تومض في صندوق المحادثة، والساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، وعلى الطاولة خاتم صغير اشتراه ولم يقدمه قط.

الرسالة التي وصلت متأخرة ثماني سنوات

ظهر عبدالرحمن الشاب منحني الظهر يكتب جملة ويمحوها، بينما تردد في ذاكرته صوت أبيه، نحن لا نتزوج من عائلة تختلف عنا، لا تحملنا فضيحة لا نحتاجها.

أراد عبدالرحمن الحالي أن يقول لنفسه أرسل الرسالة، لكنه أدرك أن استعادة القرار لا تعني الحصول على النهاية التي يتمناها، فليلى الآن متزوجة ولها حياة لا يجوز له اقتحامها.

اقترب من نسخته الشابة وقال، لا تعدها بأنك ستنقذ كل شيء، فقط لا تتركها وحيدة أمام الصمت.

كتب الشاب رسالة جديدة، أنا خائف لكنني لا أريد أن أجعل خوفي قرارا نيابة عنك، سأواجههم غدا وإذا فشلنا فسنعرف أننا حاولنا معا، ثم ضغط زر الإرسال.

لم تظهر الذكرى رد ليلى، ولم يمنحه الطابق حياة بديلة جاهزة، بل أطفأ الشاشة وتركه واقفا أمام نتيجة مجهولة، فأدرك أن الشجاعة ليست ضمانا للنجاة، بل قبول بأن يكون مسؤولا عن خطوته بدل أن يختبئ خلف الظروف.

تشققت جدران المكتب وتساقطت منها أوراق روايته، لكنها لم تكن محترقة هذه المرة، بل امتلأت بهوامش وتصحيحات وأبواب مفتوحة على فصول لم تكتب بعد.

المديرة التي بنت السجن بيديها

لم يبق سوى داليا، لكن ملفها كان أثخن الملفات، مربوطا بشريط أحمر يحمل شعار الشركة.

مدت يدها إليه ثم سحبتها وقالت، لست ملزمة بالمشاركة في هذا الاستعراض، أنا لم أتخل عن حلم بل صنعت مسيرتي بنفسي.

تحركت المكاتب الزجاجية حولهم دفعة واحدة، وبدأت ألواحها تعرض صورا لداليا في مراحل مختلفة من حياتها المهنية.

في الصورة الأولى كانت موظفة شابة تقف إلى جانب زميل مفصول ظلما، تمسك بريدا إلكترونيا يثبت تلاعب الإدارة بالأرقام.

في الثانية كانت تجلس أمام المدير التنفيذي تسمعه يقول، امسحي الرسالة وستكون لك ترقية لم يحصل عليها أحد في عمرك.

وفي الثالثة كانت داليا تفتح سلة المحذوفات وتضغط زر الإفراغ النهائي.

قال سامح، بني منصبك على فصل رجل بريء، فحدقت فيه داليا بعينين حادتين وقالت، لا تعرفون شيئا، لو لم أفعلها لطردنا جميعا وربما أغلقت الشركة.

قال أمين الأرشيف، لقد أقنعت نفسك بأنك أنقذت النظام، ثم قضيت أعواما تعاقبين كل من يذكرك بأنه كان يمكن أن يرفض.

خطة إغلاق الطابق

بدل أن تدخل داليا مكتبها، انتزعت بطاقة التعريف المعلقة على عنقها ووضعتها على قارئ صغير قرب الجدار.

أضاءت خطوط حمراء على الأرض، وظهر باب فولاذي كتب عليه بروتوكول الاحتواء الإداري.

قالت داليا، كل نظام له ثغرة وكل ثغرة يمكن إغلاقها، ثم اندفعت نحو لوحة التحكم وضغطت سلسلة من الأوامر، فبدأت المكاتب ترتج وتلاشت الوجوه خلف الزجاج كصور تبتلعها النار.

صرخت هبة، ماذا تفعلين، فأجابت داليا، أحمي الشركة، فإذا خرج هذا الطابق إلى العلن سيستقيل نصف الموظفين قبل نهاية الأسبوع، ولا مؤسسة تعمل حين يقرر الجميع مطاردة نزواتهم.

رد عبدالرحمن، ليست المشكلة أن يغادروا، بل أنك تحتاجينهم خائفين كي يبقوا.

استدارت داليا وصفعته، فارتد صدى الصفعة في الممر وتحول إلى مئات الأختام الإدارية تهوي فوق الملفات، بينما بدأ السقف المظلم يهبط وتطايرت المصابيح الخضراء، وظهر على الجدار عد تنازلي، ستون ثانية حتى محو الطابق صفر.

ثورة المكاتب الصامتة

ركض سامح وهبة نحو لوحة التحكم لكن الأزرار لم تستجب، بينما حاول عبدالرحمن فتح ملف داليا بالقوة.

كان الملف ثقيلا وكأنه مصنوع من معدن، وكلما جذبه انطلقت منه أصوات موظفين يعتذرون ويطلبون الإذن ويعدون بالعمل الإضافي دون مقابل.

صاح أمين الأرشيف، لا يمكن فتح قرارها بدلا عنها.

اقترب العد من الأربعين ثانية، وبدأت جدران المكاتب تنكمش على الجالسين بداخلها، فتحطمت الآلات الموسيقية وتقلصت اللوحات والروايات إلى قصاصات رمادية.

وقف عبدالرحمن أمام داليا وقال، سيمحى كل شيء، لكنك ستعودين إلى مكتبك وحدك، وستعرفين أنك رأيت هؤلاء جميعا ثم اخترت دفنهم مرة أخرى.

قالت وهي تحاول ألا تنظر إلى مكتبها، لن أخسر كل ما بنيته من أجل شعور عابر بالذنب، فأجابها، لم تبني حياتك فوق ذلك القرار فقط، بل بنيت شخصيتك كلها كي لا تضطري إلى الاعتراف بأنك خفت.

كانت الكلمات أشد عليها من الاتهام، لأنها أصابت المكان الذي حافظت عليه مغلقا لسنوات، فتوقفت يدها فوق زر الإلغاء بينما وصل العد إلى عشرين.

الاسم الحقيقي لداليا

فتح مكتب داليا من تلقاء نفسه، وخرجت منه موسيقى بيانو متعثرة، ثم ظهرت فتاة في السابعة عشرة تجلس أمام آلة بيضاء داخل قاعة امتحان.

كانت أصابعها ترتجف فوق المفاتيح، وخلف الباب وقف والدها يقول، الموسيقى هواية، ادرسي الإدارة فالناس تحترم المناصب لا الألحان.

عزفت الفتاة نغمة خاطئة ثم أغلقت غطاء البيانو ولم تفتحه مرة أخرى، فحدقت داليا في المشهد كأنها ترى شخصا مات ولم يدفن.

قال أمين الأرشيف، القرار الأول لم يكن خيانة زميلك، القرار الأول كان أن تصدقي أن قيمتك تحتاج إلى منصب كي يراها الآخرون.

وصل العد إلى عشر ثوان، فدخلت داليا المكتب واقتربت من الفتاة، لكن كبرياءها ظل يشدها إلى الخلف كحبل مربوط بعنقها.

قالت بصوت بالكاد سمع، لن أصير عازفة عظيمة، فرفعت الفتاة رأسها، فأكملت داليا، ولا يجب أن أصير عظيمة كي أستحق العزف.

فتحت غطاء البيانو وجلست إلى جوار نفسها، وضغطت مفتاحا واحدا فخرجت نغمة مرتجفة لكنها واضحة.

عند الرقم واحد، ضغطت داليا زرا في لوحة التحكم داخل الذكرى لا في الممر، فظهر البريد المحذوف على الشاشة، ثم ضغطت إرسال إلى جميع الموظفين.

انفتاح الطابق صفر

توقف العد قبل أن يصل إلى الصفر، وانطفأت الخطوط الحمراء، ثم انفتح سقف الطابق على ضوء ذهبي هائل.

تحطمت المكاتب الزجاجية واحدا بعد آخر، لكن الجالسين داخلها لم يسقطوا، بل نهضوا للمرة الأولى وخرجوا حاملين ما تبقى من أحلامهم.

كان بعضهم شابا وبعضهم هرما، وبعضهم لم يعد موجودا في العالم خارج المبنى، ومع ذلك عبروا الممر بوجوه استعادت ملامحها.

عند نهاية الطابق ظهر باب المصعد من جديد، إلا أن شاشته لم تعرض أرقاما بل كلمات، العودة ليست استئنافا لما كان.

دخل سامح أولا ممسكا بصفحة مسرحيته، ثم هبة التي نزعت بطاقة الشركة ووضعتها فوق مكتب مهشم.

وقف عبدالرحمن إلى جانب داليا عند الباب وسألها، ماذا سيحدث عندما نصل، فنظرت إلى يديها كأنها تراهما للمرة الأولى دون خواتم السلطة والأختام والتوقيعات.

قالت، سيصل البريد الذي أخفيته إلى الجميع، سيفتحون تحقيقا وربما أخسر منصبي، فسألها هل ستتراجعين، فنظرت خلفها إلى البيانو الأبيض ثم أغلقت ملفها بيد هادئة.

قالت، هذه أول مرة لا أعرف فيها ما الذي سأفعله غدا، ولا أشعر أن ذلك موت.

دخلت المصعد وتبعها عبدالرحمن، فانغلق الباب على أمين الأرشيف واقفا وسط الأوراق المتطايرة.

سأله عبدالرحمن قبل أن يختفي، هل سيعود الطابق مرة أخرى، فابتسم الرجل وظهرت في عينيه نقطتان من الضوء، وقال، الطابق صفر لا يغادر أي بناية، الناس فقط يتعلمون كيف يتجنبون النظر إلى زره.

ما بعد النزول

تحرك المصعد صعودا، ثم انفتح على بهو الشركة في اللحظة نفسها التي تعطل فيها، حتى إن الحارس لم يرفع رأسه من الصحيفة.

غير أن كل هاتف في المبنى أصدر صوت وصول رسالة جديدة، ووقف الموظفون خلف مكاتب الاستقبال وفي الممرات وقرب آلات القهوة يقرأون الوثائق التي أرسلتها داليا، ثم بدأت همساتهم تتصاعد مثل ريح تدخل بيتا ظل مغلقا أعواما.

خلع سامح ربطة عنقه، وأخرج هاتفه واتصل برقم قديم لفرقة مسرحية محلية.

أما هبة فقد فتحت موقع معهد تمثيل مسائي وملأت استمارة التقديم دون أن تغلق الصفحة هذه المرة.

جلس عبدالرحمن في مقهى مقابل المبنى، وفتح حاسوبه على ملف الرواية التي لم تكن أخيرة ولا نهائية، وحذف الرقم سبعة عشر من اسمها.

رفع عينيه نحو واجهة الشركة الزجاجية، فرأى عند أسفلها خطا رفيعا من الضوء بين القبو والشارع، يشبه بابا لم يغلق تماما.

لا يضيع الإنسان حين يفشل في الوصول إلى حلمه، بل حين يترك الخوف يختار عنه، ثم يقضي عمره يزين القفص حتى ينسى أنه قفص.

فالقرارات الجبانة لا تختفي بعد اتخاذها، إنها تهبط إلى طابق خفي داخل الروح، وتجلس خلف مكاتب مرتبة، تنتظر اليوم الذي نملك فيه شجاعة النزول إليها.

وربما لا نستطيع إصلاح الماضي أو استرداد كل ما فات، لكن باب النجاة يظل مفتوحا ما دمنا قادرين على اتخاذ قرار واحد لا يشبه القرارات التي أوصلتنا إلى هناك.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.