قصة مكتبة الأرواح والكتاب الذي ابتلع بطل الرواية وأجبره على عيش حياة رجل ميت

الراوي
0

حين فتح إبراهيم الكتاب، لم يسمع حفيف الصفحات، بل سمع صرخة رجل يُذبح خلف جدار قريب.

رفع رأسه مذعورًا، فاختفت المكتبة من حوله، وحلَّ مكانها زقاق ضيق تغمره مياه المطر، تتدلّى فوقه شرفات خشبية سوداء، بينما كانت يداه ملطختين بدم دافئ لا يعرف صاحبه.

حاول أن يغلق الكتاب، فلم يجد بين أصابعه إلا سكينًا طويلة، وعلى نصلها انعكس وجه لم يكن وجهه.

ومن آخر الزقاق، انطلق صوت أجش يصيح:

أمسكوا بسليم الورّاق، لقد قتل القاضي!

قصة مكتبة الأرواح حكاية الكتاب الذي ابتلع بطل الرواية وأجبره على عيش حياة رجل ميت

المكتبة التي لا تظهر مرتين

قبل تلك الليلة، كان إبراهيم يظن أن المدن تحتفظ بأسرارها في القصور المهجورة والسراديب المنسية، ولم يخطر له قط أن أشد الأسرار ظلمة قد يختبئ خلف واجهة متجر ضيقة بين مخبز قديم ودكان لبيع الساعات المعطلة.

كان المطر يهبط على القاهرة في خيوط فضية كثيفة، يلمع فوق حجارة الأزقة ويغسل الغبار عن الجدران المتآكلة.

سار إبراهيم هاربًا من الزحام، يضم معطفه إلى صدره، حتى لمح لافتة نحاسية تتأرجح فوق باب أسود.

كُتبت على اللافتة كلمات باهتة بدت كأنها محفورة بأظفار بشرية:

مكتبة الأرواح الكتب التي لم يمت أصحابها بعد.

توقف إبراهيم، ثم عاد خطوة إلى الخلف ليتأكد مما قرأه.

كانت العبارة غريبة إلى حد جعله يبتسم، غير أن ابتسامته تلاشت حين شعر بأن الباب قد انفتح وحده، مطلقًا أنينًا طويلًا يشبه تنهيدة شخص استيقظ بعد نوم دام قرونًا.

لم يكن إبراهيم من الرجال الذين يؤمنون بالخرافات، لكنه كان مولعًا بالكتب النادرة، يعمل محررًا في دار نشر صغيرة، ويقضي نصف راتبه في شراء مخطوطات لا يقرأها إلا مرة ثم يحتفظ بها كأنها شواهد قبور.

دفعه فضوله إلى الداخل، فانغلق الباب خلفه دون أن يلمسه.

كانت رائحة المكان مزيجًا من الورق العتيق وشمع محترق وخشب مبتل.

امتدت الرفوف إلى ارتفاع لا تبلغه العين، وانحنت تحت ثقل آلاف المجلدات، بينما تحرك غبار ذهبي في الهواء كأسراب حشرات مضيئة.

لم يرَ مصابيح معلقة في السقف، ومع ذلك كان ضوء أصفر خافت يتسلل من بين الكتب نفسها.

بدت بعض الأغلفة نابضة ببطء، تتمدد وتنكمش كما لو أن داخل كل واحد منها صدرًا يتنفس.

أمين المكتبة بلا ظل

ظهر الرجل العجوز من خلف رفّ لم يكن موجودًا قبل لحظة.

كان طويلًا على نحو غير مألوف، يرتدي عباءة رمادية تتدلى حتى الأرض، وتغطي عينه اليسرى عدسة زجاجية معتمة تشبه قطعة من الجليد.

قال بصوت منخفض:

تأخرت كثيرًا يا إبراهيم.

تجمد إبراهيم في مكانه، وشعر بقطرة باردة تنحدر بين كتفيه.

هل نعرف بعضنا؟

مرر العجوز إصبعًا شاحبًا فوق حافة طاولة خشبية، فترك وراءه خطًا نظيفًا وسط الغبار.

أنا أعرف كل من يدخل إلى هنا، أما أنت فلن تعرفني إلا عندما يصبح ذلك بلا فائدة.

نظر إبراهيم إلى الأرض ولاحظ أن ضوء الكتب يرسم ظله بوضوح، في حين لم يكن للعجوز أي ظل، رغم وقوفه مباشرة أمامه.

حاول فتح الباب، لكن المقبض النحاسي لم يتحرك.

كان باردًا وصلبًا كأنه جزء من جدار لا باب فيه.

قال العجوز:

لا تقلق، المكتبة لا تحتجز زوارها.

الكتب وحدها تفعل ذلك.

أشار إلى الرفوف، فصدر منها خشخشة متتابعة، كأن آلاف الصفحات تقلب نفسها في وقت واحد.

ما هذه الكتب؟

أجاب العجوز وهو يبتسم ابتسامة ضيقة:

حيوات كاملة، مكتوبة بالحبر والذاكرة والندم.

عندما تقرأ واحدًا منها، لن تتخيل حياة مؤلفه، بل ستعيشها كما عاشها هو؛ ستذوق طعامه، وتشم روائح مدينته، وتحب من أحب، وتخاف ممن خاف.

اقترب إبراهيم من أقرب رف، حيث استقر كتاب جلدي أحمر بلا عنوان.

وما إن مد يده نحوه حتى سمع بكاء طفل يأتي من داخله، رقيقًا ومختنقًا كأنه صادر من بئر عميقة.

سحب يده فورًا.

وهل يعود القارئ بعد انتهاء الحكاية؟

توقفت ابتسامة العجوز لحظة، ثم قال:

يعود أغلبهم.

لم تعجبه كلمة أغلبهم، لكن الخوف لم يكن قد غلب فضوله بعد.

الكتاب الذي نادى باسمه

قاد العجوز إبراهيم بين ممرات متشابكة، وكانت الرفوف تبدّل مواضعها كلما مرّا بها.

رأى كتبًا مربوطة بسلاسل، وأخرى موضوعة داخل صناديق زجاجية، وبعضها كان يرتجف كلما اقترب منه أحد.

توقفت خطوات العجوز أمام رف منفرد في نهاية ممر شديد الضيق.

لم يكن فوق الرف سوى كتاب أسود، غطاؤه مشقوق من المنتصف، وعلى سطحه بقعة داكنة تشبه أثر كف محترقة.

لم يحمل الكتاب اسمًا، لكن إبراهيم سمع همسًا يخرج منه.

في البداية ظنه حفيف ورق، ثم اتضحت الحروف شيئًا فشيئًا:

إبراهيم، إبراهيم.

تراجع خطوة، فازداد الهمس إلحاحًا، وتحول إلى صوت رجل يلهث خلف باب مغلق.

سأل إبراهيم:

كيف يعرف اسمي؟

رفع العجوز عدسته المعتمة نحوه.

ربما كنت جزءًا من قصته قبل أن تولد.

مد إبراهيم يده، إلا أن العجوز أمسك معصمه بقوة لم يتوقعها من جسد هزيل.

لهذا الكتاب قاعدة واحدة، لا تحاول تغيير النهاية.

ماذا يحدث إن غيرتها؟

اقترب وجه العجوز حتى شم إبراهيم رائحة التراب الرطب في أنفاسه.

ستدرك الحكاية أنك لست صاحبها.

ترك العجوز معصمه، ثم ابتعد في الممر.

ومع كل خطوة كان جسده يتلاشى داخل الظلام حتى لم يبقَ منه سوى صوته:

اقرأ الصفحة الأولى فقط إن أردت التجربة، لكن لا تنطق اسمك داخل الكتاب، مهما سألك أحد عنه.

بقي إبراهيم وحده أمام المجلد الأسود، يسمع المطر يضرب نوافذ لا يستطيع رؤيتها.

كان يستطيع الابتعاد، وكان يستطيع انتظار فتح الباب، لكنه شعر بأن شيئًا في الكتاب يجذبه من خلف عينيه، كأن ذكرى منسية تخصه مدفونة بين صفحاته.

فتح الغلاف.

وجد الصفحة الأولى خالية، عدا سطر كُتب بحبر أحمر لم يجف بعد:

في الليلة التي قُتل فيها القاضي، استيقظ سليم الورّاق ويداه تحملان دم رجل لم يقتله.

وما إن قرأ النقطة الأخيرة حتى انطفأت المكتبة.

حين أصبح إبراهيم رجلًا آخر

ارتطم جسده بأرض حجرية مبللة، واندفعت رائحة الصرف والدخان والتوابل إلى رئتيه.

كان المطر ينهمر فوق رأسه، لكنه لم يشعر ببرودته بقدر ما شعر بحرارة الدم الذي يغطي كفيه.

لم تكن يداه اللتان يعرفهما؛ كانتا أعرض، تتخللهما ندوب صغيرة، وتحيط بإصبعه اليمنى بقعة حبر زرقاء غائرة في الجلد.

قبض على السكين دون إرادة منه، وفي اللحظة نفسها سمع صيحة الحراس.

أمسكوا بسليم الورّاق، لقد قتل القاضي!

ركض جسده قبل أن يتخذ القرار.

اندفع بين الأزقة بخفة شخص يعرفها حجرًا حجرًا، بينما كان عقل إبراهيم محبوسًا خلف عيني سليم، يرى ولا يملك السيطرة كاملة.

كان يسمع داخل رأسه أنفاس رجل آخر، متسارعة ومذعورة.

قال إبراهيم في داخله:

من أنت؟

جاءه صوت سليم مرتجفًا:

أنت الذي فتحت الكتاب.

كاد إبراهيم يتعثر، لكنه واصل الركض، والحراس خلفه يضربون الحجارة بأحذيتهم الثقيلة.

كيف تسمعني؟

لأنك في رأسي، ولأنني كنت أنتظرك.

قفز سليم فوق سور منخفض، وهبط في ساحة خلفية تفوح منها رائحة الجلود المدبوغة.

انزلق بين براميل خشبية واختبأ تحت عربة مغطاة بالقش، بينما مر الحراس قربه وهم يطلقون الشتائم.

ظل ساكنًا حتى ابتعدت الأصوات، ثم قال سليم:

أخرجني من هذه الليلة، وسأريك طريق العودة.

سأل إبراهيم:

ألم يقل العجوز إنني يجب ألا أغير النهاية؟

ضحك سليم داخل رأسه، وكانت ضحكته جافة كصوت ورق يتمزق.

أمين المكتبة لا يخشى أن تغير النهاية، بل يخشى أن تعرف من كتبها.

حياة المؤلف تبدأ من نهايتها

قاد سليم جسده عبر أحياء مدينة قديمة بدت مألوفة وغريبة في آن واحد.

كانت المآذن ترتفع كأصابع سوداء نحو سماء ملبدة، والمشاعل تنعكس فوق البرك، والناس يغلقون نوافذهم فور رؤيته.

وصل إلى بيت صغير خلف سوق الوراقين، ودخل من نافذة مكسورة.

في الداخل، تراكمت الكتب فوق الأرض والطاولات، لكن صفحاتها كانت بيضاء تمامًا.

أشعل سليم مصباحًا زيتيًا، فظهرت على الجدار صورة مرسومة لامرأة شابة ذات عينين واسعتين وشامة صغيرة قرب فمها.

تسارعت ضربات قلبه، ولم يعرف إبراهيم إن كان ذلك خوفه أم حزن سليم.

من هذه؟

أجاب سليم:

ليلى، زوجتي.

قُتلت قبل ثلاثة أيام، لكن الكتاب سيخبر الجميع أنها ما زالت حية حتى أصل إلى الصفحة الأخيرة.

اقترب من الصورة ولمس وجه المرأة بأصابع دامية.

تدفقت إلى إبراهيم ذكرى ليست له، ليلى تضحك قرب نافذة مفتوحة، تعجن الخبز وخصلة شعر تلتصق بجبينها، ثم تلتفت وتقول لسليم إن الكتب تشبه البشر؛ بعضها يكذب كي ينجو.

كانت الذكرى حقيقية إلى حد أن إبراهيم شعر بالحنين إلى امرأة لم يرها قط.

فجأة دوى طرق عنيف على الباب.

افتح باسم القاضي الجديد!

أطفأ سليم المصباح، واتجه إلى لوح خشبي في الأرض.

نزعه بسرعة وأخرج صندوقًا صغيرًا، وفي داخله كانت هناك صفحة واحدة مكتوبة بالحبر الأسود.

قرأ إبراهيم كلماتها من خلال عيني سليم:

يُعدم سليم الورّاق عند شروق الشمس، ويعترف قبل موته بقتل القاضي وزوجته ليلى.

وبموته تُغلق الحكاية، ويعود القارئ إلى عالمه.

همس إبراهيم:

هذه هي النهاية.

قال سليم:

إن تركتها تحدث، ستعود أنت، وسأموت أنا للمرة الألف.

بدأ الباب يتشقق تحت ضربات الجنود.

للمرة الألف؟

أغلق سليم الصندوق واندفع نحو ممر خلفي ضيق.

كل قارئ يدخل حياتي يبدأ من هذه الليلة، وكل واحد منهم يختار العودة.

يشاهدون موتي ثم يغلقون الكتاب، ويتركونني أستيقظ من جديد والدم على يدي.

شعر إبراهيم بغثيان حاد.

لم يكن يقرأ ذكرى ميتة، بل كان يعيش داخل وعي رجل عالق في تكرار أبدي، يُقتل كلما قرأ شخص حكايته.

الصفحة التي لا ينبغي أن توجد

خرج سليم من البيت قبل أن يقتحمه الجنود، وسار داخل نفق رطب أسفل السوق.

كانت المياه تصل إلى كاحليه، والجرذان تهرب من ضوء شمعة صغيرة يحملها بين أصابعه.

في نهاية النفق، وقف باب حديدي محفور عليه الرمز نفسه الموجود فوق غلاف الكتاب، كف محترقة يتوسطها مفتاح.

قال سليم:

خلف هذا الباب الصفحة الحقيقية.

دفعه بصعوبة، فانفتح على غرفة مستديرة جدرانها مغطاة بالكتب.

غير أن تلك الكتب لم تكن مصنوعة من الورق، بل من ألواح رقيقة شاحبة تشبه الجلد البشري.

في منتصف الغرفة جلس رجل مقيد إلى كرسي، رأسه منحنٍ وصدره يعلو بصعوبة.

رفع الرجل وجهه، فتراجع إبراهيم داخل عقل سليم من شدة الصدمة.

كان الرجل المقيد هو أمين المكتبة، لكنه بدا أصغر بعشرات السنين، وكانت له عينان سليمتان وظل طويل يمتد خلفه.

قال الرجل:

تأخرت يا سليم.

اقترب سليم والسكين في يده.

من أنت؟

ابتسم المقيد بحزن.

أنا مؤلفك.

ترددت الكلمات داخل الغرفة، فاهتزت الكتب الجلدية فوق الجدران.

قال أمين المكتبة إن اسمه نادر، وإنه كان ناسخًا فقيرًا فقد ابنه بسبب مرض عجز عن علاجه.

سمع حينها عن حبر مصنوع من ذكريات الموتى، يستطيع أن يمنح الشخص المكتوب عنه وعيًا لا يفنى.

كتب نادر حياة سليم مستعينًا بذكريات رجل بريء أُعدم ظلمًا، لكنه احتاج إلى نهاية مأساوية قوية كي يبقى الكتاب حيًا.

لذلك خلق القاضي وليلى والجريمة، ثم جعل القراء يعيدون المأساة كلما فتحوا الكتاب.

سأله إبراهيم من خلال فم سليم:

ولماذا تحتفظ به في المكتبة؟

حدق نادر مباشرة إلى عينيه، كأنه يرى إبراهيم خلف وجه سليم.

لأن المكتبة لا تتغذى على الكتب، بل على رغبة القراء في الهرب من حيواتهم.

كلما عاشوا حياة أخرى، تركوا وراءهم شيئًا من أرواحهم، وأنا أجمع ما يتركونه.

تذكر إبراهيم تحذيره، لا تنطق اسمك داخل الكتاب.

لكن نادر قال فجأة:

أخبرني أيها القارئ، ما اسمك؟

شعر إبراهيم بضغط هائل داخل جمجمته.

تحرك فم سليم رغم مقاومته، وبدأت شفتاه تشكلان الحرف الأول.

لا تنطق به! صرخ سليم في داخله.

عضّ سليم لسانه، فامتلأ فمه بطعم الحديد، وانقطعت الكلمة قبل أن تولد.

تغير وجه نادر، وتلاشى الحزن من عينيه.

إذن أخبرك سليم بالقواعد.

كم هذا مؤسف.

تحرك ظله على الجدار دون أن يتحرك جسده، ثم انفصل عنه تمامًا وانقض نحو سليم كحيوان أسود بلا ملامح.

القارئ الذي رفض النهاية)

انطفأت الشمعة، وامتلأت الغرفة بأصوات صفحات تُقلب بعنف.

شعر إبراهيم بأصابع باردة تدخل رأسه، تنبش ذكرياته، وتنتزع منها صور طفولته ووجه أمه وغرفته الصغيرة ورفوف كتبه.

ظهر صوت نادر في الظلام:

أعطني اسمك، وسأعيدك إلى حياتك.

كان سليم يترنح، يقاوم الظل الذي التف حول عنقه.

وافق، قال سليم بصوت مختنق.

عد إلى عالمك، ولا تحمل موتي معك.

رأى إبراهيم للحظة حياته الحقيقية، فنجان القهوة الذي تركه على مكتبه، هاتفه المملوء برسائل لم يجب عنها، والدته التي تؤجل عشاءها حتى يعود، وأيامه المتشابهة التي كان يشتكي من ضيقها.

بدت تلك الحياة الآن واسعة كسماء لا نهاية لها.

كان يكفي أن يقول اسمه، فيستيقظ داخل المكتبة، ويترك سليم يُقاد إلى المشنقة عند الفجر.

غير أن ذاكرة ليلى ظهرت أمامه؛ ضحكتها قرب النافذة، ويدها المغطاة بالدقيق، وصوتها وهي تقول إن بعض الكتب تكذب كي تنجو.

أدرك إبراهيم عندئذ أن الصفحة المكتوبة ليست قدرًا، بل قفصًا.

وأن النهاية لا تملك قوة إلا حين يصدقها من يعيش داخلها.

قال لسليم:

لن نهرب من الحكاية.

سنكتبها.

بأي حبر؟

نظر إبراهيم من خلال عينيه إلى السكين وإلى الدم الذي يسيل من لسان سليم.

بالحبر الذي لا يستطيع المؤلف التحكم فيه.

انتزع سليم نفسه من قبضة الظل، واندفع نحو أحد الكتب الجلدية.

شق غلافه بالسكين، ثم غمس إصبعه في دمه وكتب فوق الصفحة الأولى جملة واحدة:

رفض سليم الورّاق أن يموت كما أراد مؤلفه.

اهتزت الغرفة بعنف، وتساقطت الكتب من الجدران.

أطلق نادر صرخة هائلة، وتشققت ملامحه كقناع من الطين الجاف.

ظهرت كلمات جديدة في الهواء، مضيئة بلون الدم:

لا يملك الشخص المكتوب حق تعديل قصته.

كتب سليم تحتها:

لكن القارئ يملكه.

اندفع الظل مرة أخرى، فرفع سليم السكين، إلا أن إبراهيم شعر بيده تخترق سطحًا باردًا غير مرئي.

لم يعد يعرف أين ينتهي جسد سليم وأين تبدأ صفحات الكتاب.

رأى للحظة المكتبة الحقيقية، ورأى الكتاب الأسود مفتوحًا فوق طاولة، والعجوز واقفًا إلى جواره، يضغط كفه فوق الصفحات محاولًا إغلاقها.

مد إبراهيم يده من داخل الحكاية.

خرجت أصابعه عبر الورق.

الصراع بين الصفحة والعالم

صرخ أمين المكتبة وتراجع، بينما واصل إبراهيم دفع جسده خارج الكتاب.

كانت الصفحات تلتف حول ذراعيه كألسنة بيضاء، وتترك على جلده جروحًا رفيعة تنزف حبرًا أسود.

أمسك العجوز بكتفيه وقال:

لن تستطيع إخراجه معك.

جسده مصنوع من الكلمات، وسيموت بمجرد مغادرة الكتاب.

كان نصف إبراهيم في المكتبة ونصفه الآخر داخل الغرفة الحجرية.

شعر بسليم يقف خلف وعيه، هادئًا للمرة الأولى.

قال سليم:

إن خرجت وحدك، ستغلق الحكاية.

سأله إبراهيم:

وإن بقيت؟

ستبدأ الليلة من جديد.

لم يكن هناك طريق ينقذهما معًا، لأن الكتاب بُني على التضحية، إما القارئ وإما الشخصية، إما الحياة الحقيقية وإما الوعي المكتوب.

لكن إبراهيم رأى شيئًا لم يلاحظه من قبل.

على الطاولة، قرب الكتاب، استقرت ريشة الكتابة الخاصة بالعجوز، وما زالت قطرة حبر زرقاء ترتجف عند طرفها.

أمسك الريشة بيده الخارجة، رغم محاولة نادر منعه، وكتب فوق الهامش الخارجي للصفحة:

عندما خرج إبراهيم من الكتاب، لم يخرج وحده؛ خرجت معه ذاكرة سليم كاملة، واختار لها جسدًا جديدًا بين من صنعوا سجنه.

اتسعت عين العجوز السليمة.

لا!

توهجت الكلمات، وانطلقت من الكتاب خيوط سوداء التفّت حول جسد نادر.

حاول الإمساك بالرفوف، لكن الكتب فتحت أغلفتها وراحت تسحب منه أصواتًا ووجوهًا وذكريات سرقها عبر السنين.

ظهرت أرواح القراء السابقين في الهواء كصور منعكسة فوق ماء مضطرب.

وقف رجال ونساء وأطفال بين الرفوف، ثم انقضوا على نادر في صمت ثقيل.

لم تستغرق النهاية أكثر من لحظة.

سقط جسد العجوز أمام الطاولة، ثم ارتجف بعنف.

وحين رفع رأسه، لم تعد عينه مغطاة بالعدسة الزجاجية، ولم يعد صوته صوته.

قال الرجل وهو يتأمل يديه الجديدتين:

هذه أول مرة أشعر فيها بالبرد دون أن تكون الليلة ذاتها.

عرف إبراهيم الصوت.

سليم؟

ابتسم الرجل ابتسامة متعبة، ثم نظر إلى الكتاب الأسود.

لقد خرجنا.

الكتاب الذي حمل اسم إبراهيم

ما إن تحرر سليم حتى بدأت المكتبة تنهار.

تصدعت الرفوف، وانفتحت آلاف الكتب في وقت واحد، مطلقة رياحًا مشبعة بأصوات المعارك والولادات والصلوات والاعترافات الأخيرة.

ركض إبراهيم وسليم نحو الباب، بينما كانت الأوراق تدور حولهما كعاصفة من الطيور المذعورة.

بعض الصفحات التصقت بوجه إبراهيم، فرأى خلالها حيوات خاطفة، ملكًا يموت وحيدًا، وطفلة تبحث عن أبيها، وبحارًا يغرق وهو يغني.

وصل إبراهيم إلى الباب ودفعه، فانفتح هذه المرة بسهولة.

اندفع إلى الزقاق المبتل، ثم التفت يبحث عن سليم.

لم يكن خلفه أحد.

كانت الواجهة قد اختفت، وحل محلها جدار حجري قديم بين المخبز ودكان الساعات.

لم يبقَ من المكتبة سوى الكتاب الأسود ملقى عند قدميه، ساكنًا تحت المطر.

انحنى إبراهيم وفتحه بحذر.

لم يجد قصة سليم، بل وجد صفحات خالية، عدا الصفحة الأولى التي حملت عنوانًا جديدًا:

حياة إبراهيم الذي فتح كتابًا ولم يخرج منه كاملًا.

تحت العنوان ظهرت كلمات تتشكل ببطء:

عاد إبراهيم إلى منزله قبل منتصف الليل، لكنه لم ينتبه إلى أن ظله بقي واقفًا أمام الجدار، ينتظر أن يفتح أحدهم الكتاب مرة أخرى.

رفع إبراهيم رأسه بسرعة.

كان مصباح الشارع خلفه، والمطر ينحدر فوق كتفيه، لكن الأرض أمامه ظلت خالية تمامًا.

لم يكن له ظل.

سمع ضحكة سليم داخل رأسه، خافتة وبعيدة، ثم جاءه صوته:

قلت لك إننا سنخرج معًا، لكنني لم أقل إن كلًّا منا سيخرج في الجسد الذي دخل به.

تراجع إبراهيم، فسقط الكتاب من يده وانغلق.

وعلى غلافه ظهرت بصمتان محترقتان بدلًا من واحدة.

في صباح اليوم التالي، فتح صاحب المخبز متجره، فوجد بين جداره ودكان الساعات بابًا أسود لم يره من قبل.

وفوقه تأرجحت لافتة نحاسية جديدة كُتب عليها:

مكتبة الأرواح أمين المكتبة، إبراهيم الورّاق.

أما داخل المكتبة، فجلس رجل يشبه إبراهيم خلف الطاولة، يغطي عينه اليسرى بعدسة زجاجية معتمة، بينما وقف ظله بعيدًا عنه يتصفح كتابًا أسود بيدين لا تنتميان إلى جسد.

وحين دخل الزائر الأول وسأل عن أغرب كتاب في المكان، رفع الرجل رأسه وابتسم ابتسامة لم يعرف إن كانت ابتسامته أم ابتسامة سليم.

ثم قال:

لدي كتاب يتيح لك أن تعيش حياة مؤلفه كاملة، لكن عليك أن تتذكر قاعدة واحدة.

توقفت الكتب عن التنفس، وأصغت المكتبة كلها.

لا تنطق اسمك داخل الحكاية.

نقضي أعمارنا باحثين عن أبواب تقودنا إلى حيوات أكثر إثارة، ونحسب أن النجاة تكمن دائمًا في مغادرة ما نحن فيه، غير أن بعض الأبواب لا تمنحنا حياة أخرى، بل تقتطع منا جزءًا لتمنحه لمن يسكن خلفها.

فالإنسان لا يخرج سالمًا من كل قصة يقرأها؛ ثمة حكايات نغلق صفحاتها، لكنها تظل مفتوحة في داخلنا، تعيد كتابة مخاوفنا ورغباتنا حتى نصير، دون أن نشعر، فصلًا جديدًا في كتاب لم نختر عنوانه، حكاية نافذة الأمل قصة المريض الذي تعلم الحياة من شجرة ميتة من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد