كان نادر السالمي يستطيع أن يميّز رائحة المطر قبل أن تبتل الأرصفة، وأن يلتقط من منديل عابر أثرَ خوفٍ خافت أو ذكرى امرأة غادرت الغرفة منذ ساعات، لكنه ظل عاجزاً عن العثور على الرائحة الوحيدة التي أفنى نصف عمره في مطاردتها، رائحة اللقاء الأول.
وفي الليلة التي ظن فيها أنه اقترب أخيراً من تركيبها، دخلت متجره امرأة لا تستطيع أن تشم شيئاً، ووقفت أمام أثمن زجاجاته ثم قالت، ببرود أربك غروره، ربما تبحث عن شيء لم تكن له رائحة منذ البداية.
لم يعرف نادر آنذاك أن تلك الجملة لن تفسد تركيبته الجديدة فحسب، بل ستعيد تركيب قلبه كله.
الرجل الذي كان يصغي إلى الروائح
كان متجر السالمي للعطور النادرة يقبع في آخر زقاق حجري ضيق، حيث تتدلى شرفات البيوت القديمة فوق رؤوس المارة حتى تبدو السماء شريطاً أزرق باهتاً، وتختلط رائحة القهوة المحمصة برطوبة الجدران وخشب الأبواب المعتّق.
خلف واجهته الزجاجية، اصطفت القوارير على رفوف داكنة كأنها أسرار محبوسة في توابيت شفافة؛ بعضها بلون العسل، وبعضها أخضر كغابات بعيدة، وبعضها صافٍ إلى حد يوحي بأنه لا يحتوي إلا على هواء مسحور.
كان نادر يقف كل صباح أمام منضدته الرخامية، مرتدياً قميصاً أبيض مطوي الكمين، ويحرّك القطّارة بين أصابعه بالدقة ذاتها التي يمسك بها جرّاح مشرطه، ثم يدوّن في دفتره الجلدي ملاحظات لا يفهمها أحد سواه.
قطرتان من زهر البرتقال، نصف قطرة من الجلد المدبوغ، لمسة فلفل وردي،
كان يقرب الشريط الورقي من أنفه، يغمض عينيه، ثم يهز رأسه في خيبة صامتة، كما لو أن الرائحة أخلفت وعداً شخصياً قطعته له.
وصية الأب الأخيرة
ورث نادر المتجر عن أبيه، الحاج سليم، الذي كان يقول إن العطر الجيد لا يذكّر الإنسان بمكان، بل يعيده إليه حياً، بوجهه القديم ونبضه القديم وحتى أخطائه القديمة.
وقبل موته بأيام، استدعاه إلى جوار سريره ومدّ إليه دفتراً جلدياً مهترئ الأطراف، تفوح صفحاته برائحة التبغ والعنبر والغبار، ثم همس بصوت أضعفه المرض ولم يجرّده من الهيبة، هناك عطر واحد لم أصنعه.
سأله نادر، وهو يحاول أن يخفي ارتجاف يديه، وما هو؟
رفع الأب عينيه إلى النافذة، حيث كانت أمه الراحلة قد اعتادت الوقوف في صباحات الشتاء، وقال، عطر اللحظة التي رأيتها فيها أول مرة.
لم يترك له وصفة ولا نسباً محددة، وإنما سطراً وحيداً في الصفحة الأخيرة، اللقاء الأول ليس رائحة ورد، بل ارتباك روحين لم تعرفا بعد ما سيحدث لهما.
منذ ذلك اليوم، صار نادر يتعامل مع العبارة كأنها لغز مقدس، وراح يجمع روائح المحطات والمقاهي ورسائل الحب القديمة وقاعات الانتظار، باحثاً عن مفتاح كيميائي لما لا يُقاس بالكيمياء.
زجاجة بلا اسم
على مدى سبع سنوات، صنع نادر مئة وثلاث عشرة تجربة، كسر معظمها بيده حين خذلته، واحتفظ بالبقية في خزانة حديدية لا يفتحها إلا بعد منتصف الليل، عندما تخفت ضوضاء المدينة ويصبح للذكريات صوت أوضح.
كانت التجربة رقم مئة وأربع عشرة مختلفة؛ افتتحها بنفحة البرغموت الحادة التي تشبه أول سؤال بين غريبين، ووضع في قلبها الياسمين الأبيض والسوسن، ثم ختمها بخشب الصندل والمسك الرقيق وقطرة من خلاصة أوراق البنفسج.
حين شمّها للمرة الأولى، أحس بانقباض خفيف في صدره، كأن باباً مجهولاً انفتح في ممر قديم، فترك القطّارة من يده وظل واقفاً لا يتحرك.
قال لنفسه، هذه هي.
لكنه لم يثق بحكمه، فعبأ مقداراً صغيراً في زجاجة مستديرة بلا بطاقة، ووضعها في منتصف الواجهة تحت مصباح ذهبي، منتظراً الشخص الذي سيؤكد له أنه قبض أخيراً على أكثر اللحظات مراوغة.
المرأة التي لم تتأثر
دخلت المرأة قبيل الغروب، بينما كان الضوء البرتقالي ينزلق على أرض المتجر، وتتحرك ذرات الغبار فيه ببطء كأنها كائنات صغيرة تسبح في بحر ساكن.
كانت ترتدي معطفاً رمادياً طويلاً، وتجمع شعرها الأسود خلف رأسها بدبوس فضي بسيط، وفي يدها دفتر رسم كبير التصقت بحوافه بقع من الفحم الأزرق والأسود.
لم تتجه نحو الرفوف كما يفعل الزبائن، بل وقفت أمام الزجاجة الجديدة مباشرة، وأخذت تتأمل انعكاسها على سطحها المنحني دون أن تمد يدها إليها.
اقترب نادر وقال بنبرة واثقة، وصلتِ في الوقت المناسب.
هذه زجاجة لم يرها أحد قبلك.
نظرت إليه بعينين واسعتين بلون البندق، وقالت، ولماذا تبدو كأنها تنتظر حكماً بالإعدام؟
فاجأه السؤال، لكنه ابتسم ووضع قطرة على شريط ورقي ومدّه إليها، لأنها قد تكون أهم عطر صنعته في حياتي.
أخذت الشريط بين إصبعيها، قربته من وجهها على نحو آلي، ثم أعادته إليه دون أن يتغير شيء في ملامحها.
سألها متوتراً، ماذا شعرتِ؟
قالت، بملمس الورق.
ظل يحدق فيها، فتنهدت وأضافت، فقدت حاسة الشم منذ خمس سنوات.
امرأة ترى العطور ولا تشمها
كان اسمها ليان مراد، وكانت تعمل رسامة أغلفة وملصقات، وتبحث عن متجر عطور قديم لترسم تفاصيل القوارير والزجاج والظلال ضمن مشروع فني عن الحواس المفقودة.
أخبرته أنها دخلت متجره لأن الضوء داخله بدا من الخارج كذكرى دافئة محبوسة خلف زجاج، لا لأنها التقطت رائحة نادرة كما كان يتمنى.
شعر نادر بأن وجودها إهانة ساخرة لكل ما صنعه، فكيف يمكن لامرأة لا تشم أن تقف أمام تركيبته الكبرى، وكيف يختارها القدر لتكون أول من يراها؟
قال بجفاف، يمكنك الرسم، لكن لا تلمسي القوارير القديمة.
رفعت حاجبها وقالت، أطمئنك، لن أسرق روائحك.
لم يعرف هل كانت تسخر منه أم من نفسها، لكنه أشار إلى مقعد خشبي قرب النافذة، وعاد إلى منضدته محاولاً تجاهل صوت الفحم وهو يحتك بالورق.
لغة أخرى للحواس
بقيت ليان في المتجر ساعتين كاملتين، ترسم الرفوف بأصابع ملطخة بالسواد، ثم طلبت منه أن يصف لها رائحة التجربة الجديدة دون ذكر مكوناتها.
قال نادر، إنها مثل باب يُفتح على شخص تراه للمرة الأولى وتشعر أنك تعرفه منذ زمن.
هزت رأسها غير مقتنعة، هذا وصف لشعور، لا لرائحة.
قال بنفاد صبر، العطر شعور.
ابتسمت وهي تمرر إصبعها على حافة الدفتر، إذن لماذا تصر على أن يدخل الشعور من الأنف فقط؟
لم يجبه، فأغلقت دفترها ونهضت، ثم أشارت إلى الزجاجة المستديرة وسألته، ما اسمها؟
قال، لم أسمّها بعد.
ردت، الأشياء التي لا نعرف حقيقتها نتعجل غالباً في منحها أسماء جميلة.
خرجت وتركت خلفها صمتاً ثقيلاً، فيما ظل نادر واقفاً أمام الزجاجة، عاجزاً للمرة الأولى عن الوثوق بما يقوله أنفه.
اختبار اللقاءات الأولى
عادت ليان في اليوم التالي، ثم في اليوم الذي يليه، حتى صار حضورها جزءاً غير معلن من ترتيب المكان؛ تصل قبيل العصر، تضع دفترها قرب النافذة، وتطلب الشاي بلا نعناع لأنها لا ترى فائدة من عشبة لا تستطيع شمها.
كان نادر يراقبها من طرف عينه وهي ترسم، ويستغرب كيف تمنح الزجاج في لوحاتها ملمساً يبدو بارداً، وكيف تجعل البخار فوق كوب الشاي مرئياً حتى يكاد الناظر يشعر بحرارته.
وفي مساء ممطر، أخبرها عن وصية أبيه، وعن السنوات التي قضاها بحثاً عن عطر اللقاء الأول، فتوقفت يدها فوق الورقة ولم تسخر منه هذه المرة.
قالت، أنت لا تبحث عن عطر، بل تحاول إنقاذ لحظة لم تعشها.
أجفل من دقة عبارتها، وسألها، وكيف أصنع ما لم أعشه؟
أغلقت الدفتر وقالت، عش لقاءات أولى حقيقية، بدلاً من شمّها في خيالك.
المقهى وصوت الملعقة
اقترحت عليه تجربة غريبة؛ أن يذهبا إلى أماكن تحدث فيها لقاءات أولى، وأن يراقبا التفاصيل التي لا تنتمي إلى الرائحة وحدها.
جلسا في مقهى صغير قرب النهر، يتأملان شاباً ينتظر امرأة للمرة الأولى، وقد ظل يحرّك ملعقته داخل فنجان فارغ حتى وصل رنينها المرتبك إلى الطاولات المجاورة.
قال نادر، رائحة البن المحروق تفسد المشهد.
قالت ليان، لكن أصابعه ترتجف.
ألا ترى؟
وبعد دقائق دخلت الفتاة، فتوقف الشاب عن تحريك الملعقة، ثم نهض بسرعة فاصطدمت ركبته بالطاولة، فانسكب الماء وابتسما معاً.
همست ليان، هذا هو اللقاء الأول؛ حركة غير محسوبة، وصوت صغير سيظل عالقاً في ذاكرتهما أكثر من رائحة القهوة.
دوّن نادر العبارة في دفتره، رغم أنه تظاهر بأنه يسجل ملاحظة عن البن.
محطة الحافلات واليد المترددة
في يوم آخر، وقفا عند محطة مزدحمة حيث التقى رجل بامرأة تحمل مظلة صفراء، ومدّ يده لمصافحتها ثم سحبها في اللحظة نفسها التي مدت هي يدها، فضحكا بارتباك وأعادا المحاولة.
سأل نادر، ماذا ترين؟
قالت ليان، أرى نصف ثانية قررا فيها إن كانا غريبين أم أقل من غريبين.
قال، وأنا أشم المطر على معطفها، والحديد الرطب، وعطره الذي بالغ في استخدامه.
التفتت إليه وقالت، ربما ستنجح حين تضع نصف الثانية في الزجاجة، لا المطر.
ضحك للمرة الأولى منذ أسابيع، فرفعت ليان رأسها نحوه كأن صوته فاجأها، وبقيت نظرتها معلقة على وجهه لحظة أطول مما ينبغي.
في تلك اللحظة، نسي نادر أن يسجل شيئاً.
ما أخفته ليان خلف صمتها
لم تكن ليان تتحدث عن فقدان حاسة الشم إلا بجمل قصيرة، وكأن الحادث باب ثقيل لا تريد فتحه، لكن نادر لاحظ أنها تتجنب الشوارع المزدحمة، وترتبك كلما سمعت صوت مكابح حاداً.
وفي ليلة عاصفة، بينما كانت الريح تضرب زجاج المتجر، انقطع التيار الكهربائي فجأة، فشهقت ليان وسقط قلم الفحم من يدها.
أشعل نادر مصباحاً زيتياً، فوجدها ملتصقة بالجدار، وقد شحب وجهها وتجمعت قطرات العرق عند صدغها رغم برودة المكان.
اقترب ببطء وقال، ليان، أنتِ هنا.
انظري إليّ.
تمسكت بحافة الطاولة وهمست، كان الظلام هكذا يوم الحادث.
الحريق الذي سرق رائحة العالم
قبل خمس سنوات، كانت ليان تعمل في مرسم صغير يقع فوق مخبز، وحين اندلع حريق في الطابق السفلي، لم تنتبه إليه سريعاً بسبب عطل في جهاز الإنذار.
استنشقت دخاناً كثيفاً قبل أن تتمكن من الخروج، ونجت بحياتها، لكن أعصاب الشم تضررت، فاستيقظت في المستشفى داخل عالم بلا رائحة.
قالت وهي تحدق في شعلة المصباح، في البداية ظننت أن الأمر بسيط، ثم اكتشفت أن وجه أمي لم يعد مرتبطاً برائحة صابونها، وأن المطر صار مجرد ماء، وأن الطعام فقد نصف ذكرياته.
جلس نادر قبالتها دون أن يقاطعها، فواصلت، كان الناس يقولون لي إنني محظوظة لأنني بقيت حية، وكنت أكره الكلمة؛ كأن النجاة تمنع الإنسان من الحزن على ما فقد.
مدّ يده نحوها ثم توقف قبل أن يلمسها، فلاحظت تردده وقالت بابتسامة واهنة، هذه نصف الثانية التي حدثتك عنها.
أكمل يده ووضعها فوق أصابعها الباردة، ولم يقل شيئاً، لكنها أغمضت عينيها كأن الصمت كان أكثر دفئاً من أي تعزية.
العطر الذي بدأ يتغير
في صباح اليوم التالي، أخرج نادر التجربة رقم مئة وأربع عشرة، لكنه لم يعد يشم فيها اللقاء الأول، بل شمّ طموحه وغروره وخوفه من أن يموت قبل أن ينجز وصية أبيه.
فتح الزجاجة وسكبها في الحوض، فانتشرت الرائحة في المتجر بقوة، ثم انحدرت مع الماء حتى اختفت كحلم باهظ الثمن.
دخلت ليان في اللحظة نفسها ورأت الزجاجة الفارغة في يده، فسألته، هل أعدمتها أخيراً؟
قال، كانت جميلة، لكنها كانت تكذب.
علقت معطفها وجلست أمامه، وما الحقيقة؟
أجاب بعد صمت، لا أعرف بعد، لكنني أظن أنها لا تبدأ بالبرغموت.
ابتسمت وقالت، تقدم عظيم لرجل كان يعتقد أن كل أسرار الوجود لها قطّارة.
تركيب من أشياء لا تُقطّر
بدأ نادر صناعة تركيبة جديدة، لكنه غيّر طريقته هذه المرة؛ لم يعد يسأل عن الروائح التي تصاحب اللقاء، بل عن التفاصيل التي تجعل القلب ينتبه إلى نفسه.
كتب في دفتره، صوت ملعقة مرتجفة، يد تتردد قبل المصافحة، ضوء غروب على دبوس فضي، أصابع عليها فحم، صمت لا يحتاج إلى تفسير.
وكان كلما كتب تفصيلاً، رفع عينيه نحو ليان، ثم يمحو السطر الأخير خوفاً من أن تكتشف أنها لم تعد شريكته في البحث فقط، بل صارت موضوعه كله.
اختار نفحة خفيفة من اليوسفي المر لتجسد المفاجأة، وأضاف السوسن لما فيه من برودة رقيقة، ولمسة من الشاي الأسود الذي اعتادت ليان شربه، ثم وضع في القاعدة خشب الأرز والمسك الدافئ.
ومع ذلك، ظل شيء ناقصاً.
الرسالة داخل الدفتر القديم
ذات مساء، وبينما كان نادر يقلب دفتر أبيه للمرة الألف، لاحظ أن الغلاف الخلفي أكثر سمكاً من الأمامي، فمرر سكيناً دقيقة عند حافته، فانفصلت طبقة الجلد وظهرت ورقة مطوية بعناية.
كانت الرسالة بخط أمه، وقد كتبتها إلى أبيه في السنة الأولى من زواجهما، ولم يعرف نادر كيف وصلت إلى الدفتر أو لماذا أخفاها والده.
قرأ، تسألني دائماً عن العطر الذي كنت أضعه يوم التقينا، ولا أملك الشجاعة لأخبرك أنني لم أضع عطراً.
ما تتذكره لم يكن رائحتي، بل خوفك الجميل وأنت تحاول أن تبدو واثقاً.
تابع القراءة، وقد تسارعت أنفاسه، ربما لا تحب رائحة بعينها، بل تحب الرجل الذي صرتَه في تلك اللحظة، حين أدركت أن العالم لم يعد يتسع لك وحدك.
جلس نادر طويلاً ممسكاً بالرسالة، وشعر كأن أباه عاد من الموت ليعترف له بأن البحث كله كان مبنياً على وهم ضروري.
الحقيقة التي تأخرت سبع سنوات
حين وصلت ليان، وجدته جالساً في العتمة، والرسالة أمامه، والزجاجة الجديدة إلى جواره.
قرأ لها الكلمات بصوت متقطع، ثم قال، كان أبي يعرف أن العطر لا يمكن صنعه، ومع ذلك تركني أبحث عنه.
قالت ليان، ربما أرادك أن تصل إلى ما وصل إليه، لا أن تقلده.
هز رأسه، أضعت سبع سنوات.
اقتربت منه وقالت، أمضيت سبع سنوات تتعلم لغة ستحتاجها الآن.
رفع عينيه إليها، فشعر أن كل الروائح المحيطة به تراجعت؛ الشمع والورق والخشب والشاي، حتى لم يبق في وعيه سوى حركة شفتيها وارتعاشة الضوء على دبوس شعرها.
قال، ليان، أظن أنني أعرف ما كان ناقصاً.
سألته، مكوّن جديد؟
أجاب، شجاعة أن أعترف لمن صُنع العطر من أجلها.
حين خذلته الكلمات
تراجعت ليان خطوة، ولم تختف ابتسامتها تماماً، لكنها أصبحت حذرة كطائر سمع غصناً ينكسر في الظلام.
قال نادر، منذ دخلتِ المتجر، وأنا أحاول أن أثبت لك أن العالم يُفهم بالروائح، لكنك جعلتني أراه من دون أن أغمض عيني وأشمّه.
ظلّت صامتة، فتابع، أصبحت أعرف وقت وصولك من صوت خطواتك، وأعرف أنك متوترة حين تمسحين الفحم في طرف معطفك، وأعرف أنك تكذبين حين تقولين إن الشاي ساخن بينما تتركينه يبرد.
ابتلعت ليان ريقها وقالت، نادر،
قاطعها، وقد ضاقت أنفاسه، وأعرف أن المتجر يصبح فارغاً بطريقة لا تحتمل حين تغادرين.
خفضت عينيها، ثم قالت بصوت يكاد لا يسمع، لا تجعلني جزءاً من تجربة أخرى.
خوف المرأة التي فقدت شيئاً من قبل
فهم نادر أن ترددها لم يكن رفضاً، بل خوفاً؛ فالمرأة التي استيقظت ذات يوم فاقدة حاسة كاملة لم تعد تثق بالأشياء الجميلة حين تأتيها، لأنها تعرف أن العالم يستطيع انتزاعها بلا إنذار.
قالت، أنت تحب فكرة أنني أنقذتك من هوسك، وربما حين تنتهي من العطر ستكتشف أنني كنت مجرد طريق.
اقترب منها، لكنه ترك بينهما مسافة آمنة، وقال، لهذا لن أطلب منك أن تصدقي كلامي الآن.
أخذ الزجاجة الجديدة، ونزع عنها الغطاء، ثم سكب محتواها كله في الحوض كما فعل بالتركيبة السابقة.
شهقت ليان، ماذا تفعل؟
قال، أتخلى عن العطر كيلا يبقى بيني وبينك شيء أختبئ خلفه.
راقبت السائل يختفي، وسألته، ووصية أبيك؟
ابتسم بحزن، فهمتها أخيراً.
لم يطلب مني أن أصنع لحظته، بل أن أجد لحظتي.
الغياب الذي أعاد الرائحة إلى مكانها
في اليوم التالي، لم تأتِ ليان، ولم تأتِ في اليوم الذي تلاه، فبقي مقعدها قرب النافذة فارغاً، وبدا كوب الشاي الذي اعتاد إعداده لها قطعة زائدة في المشهد.
مر أسبوع، ثم أسبوع ثانٍ، وعاد نادر إلى عمله، لكنه لم يستطع صنع تركيبة واحدة؛ كانت الروائح تتجمع أمامه بلا معنى، ككلمات صحيحة في جملة خاطئة.
ذهب إلى المقهى الذي زاراه، ثم إلى محطة الحافلات، وسأل عنها في دار النشر التي كانت ترسم لها الأغلفة، فقيل له إنها توقفت عن تسليم أعمالها ولم تعد ترد على الاتصالات.
وفي صباح بارد، وجد أمام باب المتجر طرداً ملفوفاً بورق بني، بداخله دفتر الرسم الذي كانت تحمله دائماً.
الوجوه التي رسمتها سراً
فتح نادر الدفتر، فوجد الصفحات الأولى مملوءة بالقوارير والرفوف، ثم بدأ يظهر بينها وجهه؛ يده وهي تمسك القطّارة، انحناءة كتفه أثناء الكتابة، ابتسامته في المقهى، وعيناه حين كان يصف الروائح.
في الصفحة الأخيرة، رسمت ليان زجاجة فارغة، وكتبت تحتها، بعض الأشياء تصبح صادقة فقط حين نعجز عن احتجازها.
وبين الصفحتين، وجد تذكرة قطار إلى مدينة ساحلية، موعدها في مساء ذلك اليوم، وعلى ظهرها سطر قصير، أحتاج إلى مكان لا أعرف فيه رائحة شيء، مثل الآخرين تماماً.
أغلق نادر المتجر وركض.
اللقاء الأول للمرة الثانية
كانت محطة القطار تضج بأصوات الحقائب والعجلات والنداءات المعدنية، وتتشابك فيها روائح الحديد والزيت والعطور الرخيصة والمطر العالق في المعاطف.
رأى ليان عند الرصيف الأخير، تقف قرب حقيبة صغيرة وترفع عينيها إلى لوحة المواعيد، بينما كان القطار يطلق صفيراً طويلاً استعداداً للمغادرة.
شق نادر طريقه بين المسافرين حتى وصل إليها لاهثاً، فالتفتت نحوه واتسعت عيناها، لكنها لم تقل شيئاً.
مدّ إليها دفتر الرسم وسأل، هل هذه طريقة رسامة محترفة في الوداع؟
قالت، لم أكن متأكدة أنني أودعك.
أجاب، وأنا لم آتِ لأمنعك من السفر.
ما لا يحتاج إلى أنف
نظرت إليه بحيرة، فقال، جئت لأطلب أن أبدأ معك من جديد، بلا عطر، وبلا وصية، وبلا فكرة أن أحدنا يجب أن ينقذ الآخر.
دوّى إعلان الرحلة فوق رأسيهما، وبدأ الركاب يصعدون، فيما وقفت ليان ساكنة، تتأمل وجهه كما لو أنها ترسمه للمرة الأخيرة.
قالت، وماذا سيكون مختلفاً؟
ابتسم نادر ومد يده إليها، لكنه توقف قبل أن يلمسها، تاركاً بين أصابعهما تلك المسافة القصيرة التي تشبه السؤال.
قال، هذه المرة، لن أحاول وصف ما أشعر به.
سأتركك تشعرين به بنفسك.
نظرت إلى يده المترددة، ثم وضعت يدها فيها، فانغلقت أصابعهما معاً، وبدا صخب المحطة للحظة كأنه ابتعد إلى نهاية العالم.
قالت وهي تبتسم من بين دموعها، ها هي نصف الثانية.
أجاب، وها هو اللقاء الأول.
الزجاجة الفارغة
بعد أشهر، عادت ليان إلى المتجر، لا زبونة ولا رسامة عابرة، بل شريكة اختارت الجدار المقابل للنافذة لتعلّق عليه لوحاتها، واختارت المقعد القديم ليصبح مكانها الدائم.
أما نادر، فقد صنع عطراً جديداً مستوحى من أيامهما، لكنه لم يسمّه عطر اللقاء الأول، ولم يدّع أنه استطاع احتواء الحب في زجاجة.
وضع في واجهة المتجر قارورة فارغة تماماً، وأسفلها بطاقة صغيرة كتب عليها، اللقاء الأول التركيبة الوحيدة التي يصنعها شخصان معاً، ولا تتكرر بالطريقة نفسها أبداً.
كان الزبائن يسألونه عن سبب فراغها، فيبتسم ويشير إلى ليان التي ترسم قرب النافذة، ثم يقول، لأن أثمن ما فيها حدث خارج الزجاج.
وفي مساء ربيعي هادئ، وقفت ليان أمام القارورة ومررت أصابعها فوق سطحها، ثم قالت، أتعرف؟ أظن أنني أستطيع شمّ هذا العطر.
نظر إليها نادر بقلق، ظاناً أن حاستها عادت فجأة، لكنها وضعت يدها فوق قلبها وأضافت، لكن ليس من هنا.
ثم اقتربت منه، وأسندت رأسها إلى كتفه، بينما عبر الضوء الذهبي القوارير ووزع على الجدران ألواناً تشبه نوافذ مفتوحة على حياة جديدة.
يمضي الإنسان أعواماً وهو يظن أن الحب علامة يمكن قياسها، أو كلمة يمكن تفسيرها، أو رائحة يمكن الاحتفاظ بها كي لا تضيع، ثم يكتشف أن أجمل ما في المشاعر هو عجزها عن الخضوع للأدوات.
فاللقاء الأول لا يسكن العطر الذي كان في المكان، بل يسكن ارتباك اليد، ونبرة الصوت، والمسافة الصغيرة بين شخصين لم يعرفا بعد أنهما يقتربان من تغيير حياتهما.
وقد يفقد المرء حاسة من حواسه، لكنه لا يفقد قدرته على إدراك من يراه حقاً؛ لأن القلب، حين يجد من يصغي إليه، يبتكر حواسه الخاصة، حكاية مدينة الذهب المفقودة القصة حين قادهم الجشع إلى كنز لم يستطيعوا سرقته من هنا.
