حكاية مدينة الذهب المفقودة القصة حين قادهم الجشع إلى كنز لم يستطيعوا سرقته

الراوي
0

كان أول ما رأوه من المدينة ذراعاً ذهبية تمتد من قلب الضباب، كأن عملاقاً مدفوناً تحت الجبل رفع يده في اللحظة الأخيرة محذراً إياهم من الاقتراب.

توقفت البعثة على حافة الوادي، وغاصت أحذيتهم في الطين الأسود، بينما كانت الشمس المحتضرة تشعل الأبراج البعيدة بلون لا يشبه الذهب المعروف، بل يشبه جمراً بارداً ظل مشتعلاً آلاف السنين دون أن يجد من يطفئه.

لم يتكلم أحد في البداية؛ فالدهشة، حين تبلغ حدها الأقصى، لا تترك في الفم مكاناً للكلمات، لكن الدكتور سليم النجار مد يده المرتجفة نحو المنظار، وحدق طويلاً قبل أن يهمس:

لقد وجدناها.

وحين ردد الجبل همسته، لم يكن الصدى وحده هو الذي أجابه.

كان هناك شيء آخر يتحرك بين أبراج المدينة.

شيء لم يكن ينتظرهم بوصفهم مكتشفين، بل بوصفهم آخر امتحان تركته حضارة اختفت قبل أن يعرف التاريخ اسمها.

حكاية مدينة الذهب المفقودة القصة حين قادهم الجشع إلى كنز لم يستطيعوا سرقته

الخريطة التي رفضت أن تحترق

وصلت الخريطة إلى الدكتور سليم داخل صندوق خشبي صغير، أرسله إليه راهب مجهول من دير مهجور يقع على أطراف الصحراء الجنوبية، قبل أن يموت الرجل بثلاثة أيام في ظروف لم يفهمها أحد.

لم تكن الخريطة مرسومة على ورق، بل على قطعة جلد داكن تفوح منها رائحة المر والرماد، وقد ازدحمت أطرافها بعلامات دائرية تشبه العيون المغلقة.

وفي منتصفها رُسم واد ضيق تحيط به سبعة جبال، وفوقه كُتبت بلغة قديمة عبارة استطاع سليم ترجمة نصفها فقط:

هنا ترقد المدينة التي أغنت أهلها حتى افتقروا، ثم أفقرَتهم حتى عرفوا الغنى.

ضحك الممول الثري رائد الشواف حين قرأ الترجمة، وقال وهو يقلب خاتماً ضخماً في إصبعه:

الحكماء القدماء يحبون تعقيد الأشياء البسيطة.

مدينة ذهبية تعني ذهباً، وما عدا ذلك زينة لغوية.

كان رائد قد موّل عشرات الرحلات الأثرية، لكنه لم يكن مولعاً بالتاريخ بقدر ولعه بما يمكن اقتلاعه من التاريخ وبيعه في مزادات سرية خلف الأبواب المغلقة.

أما سليم، فقد أمضى عشرين عاماً يطارد إشارات المدينة المفقودة، لا طمعاً في ثروتها وحدها، بل رغبة في محو عار قديم التصق باسم أبيه.

كان والده، عالم الآثار يوسف النجار، قد أعلن قبل ثلاثين عاماً أنه اقترب من اكتشاف مدينة ذهبية في قلب الجبال، ثم اختفى خلال بعثته الأخيرة، وسخر منه زملاؤه حتى صار اسمه مرادفاً للوهم.

حين وصلت الخريطة، شعر سليم كأن يداً خرجت من الماضي وربتت على كتفه، ثم دفعته نحو باب ظل مغلقاً منذ طفولته.

أفراد البعثة

تألفت البعثة من خمسة أشخاص، جمعهم هدف واحد ظاهري، بينما أخفى كل منهم في صدره سبباً مختلفاً للمجيء.

كان سليم قائد الرحلة ومترجم النقوش، يحمل دفتر أبيه الجلدي في حقيبة لا تفارقه، ويقرأ صفحاته كل ليلة كما لو كان يصغي إلى صوت ميت يحاول إكمال جملة انقطعت.

ورافقته المهندسة ليلى منصور، خبيرة العمارة القديمة، وكانت تنظر إلى المباني كما ينظر الطبيب إلى جسد حي؛ تقرأ الشقوق، وتفهم ميل الأعمدة، وتعرف من أثر الغبار أين تنتهي الحيلة ويبدأ الخطر.

أما نديم قاسم، المصور الشاب، فقد جاء باحثاً عن الصورة التي تمنحه شهرة عالمية، وكان يقول إن الاكتشاف الذي لا تراه الكاميرا محكوم عليه بأن يُنسى مرتين.

وانضم إليهم هارون، دليل جبلي صامت ذو وجه حفرته الشمس، ادعى أنه لا يعرف شيئاً عن المدينة، غير أن عينيه كانتا تضيقان كلما ذُكر اسمها، كأن الاسم يوقظ في ذاكرته قبراً قديماً.

وأخيراً كان رائد الشواف، ممول الرحلة، يسافر ومعه حارسان مسلحان بقيا عند المعسكر الخارجي، وصناديق معدنية فارغة لم يسأل أحد عن الغرض منها.

في الليلة السابقة للانطلاق، حاول سليم إحراق نسخة مزيفة من الخريطة حتى لا تقع في يد أحد إن فشلت البعثة، لكنه اكتشف أن الجلد لا يحترق.

كانت النار تلتف حوله، تصفر وتعلو، ثم تنطفئ تاركة الخريطة باردة كما لو أنها انتُشلت من بئر.

عندئذ قال هارون من خلفه:

بعض الطرق لا تسمح لمن رآها أن يتظاهر بأنه لم يرها.

التفت سليم إليه وسأله:

هل تعرف هذه الجبال؟

أجاب هارون بعد صمت:

أعرف ما يقوله أهل القرى عنها.

وماذا يقولون؟

رفع الدليل بصره نحو الظلام الملتف حول المعسكر، وقال:

إن الذهب هناك لا يضيء للغريب، بل يكشفه.

الطريق بين الجبال السبعة

استغرقت الرحلة اثني عشر يوماً عبر أرض لا تمنح المسافر شيئاً سوى مزيد من العطش، وكانت الجبال تتعاقب أمامهم كأنياب حجرية تشق السماء.

في النهار، كان الهواء يحرق الحناجر، وفي الليل كانت البرودة تزحف إلى العظام، حتى إنهم كانوا يستيقظون ليجدوا قطرات الندى متجمدة على حواف الخيام.

مروا بممرات ضيقة لم تظهر على أي خريطة حديثة، وعبروا جسوراً طبيعية معلقة فوق هوات لا يرى الناظر قاعها، بل يسمع فقط هدير الماء في ظلماتها السحيقة.

وفي اليوم التاسع وجدوا تمثالاً نصفه مدفون في الرمل، يصور ملكاً بلا تاج يمد يديه الفارغتين إلى السماء.

اقترب رائد من التمثال ومسح الغبار عن قاعدته، فظهرت جملة محفورة بلغة المدينة.

قرأ سليم النقش بصوت منخفض:

من يدخل طالباً ما يحمله في قلبه، سيخرج حاملاً ما حاول الهرب منه.

ابتسم رائد بازدراء وقال:

لا بد أن المدينة كانت مليئة بالشعراء والفقراء.

ردت ليلى وهي تتفحص يدي التمثال:

أو بأناس عرفوا شيئاً لم نعرفه بعد.

الوادي الذي لا يظهر إلا عند الغروب

في اليوم الثاني عشر بلغوا جداراً جبلياً مصمتاً، ولم يجدوا أمامهم ممراً ولا شقاً يسمح بالعبور، رغم أن الخريطة أشارت بوضوح إلى أن المدينة تقع خلفه.

بدأ رائد يفقد صبره، واتهم سليم بسوء قراءة الرموز، بينما جلس هارون على صخرة يراقب مسار الشمس دون أن يشارك في الجدال.

وقبل الغروب بدقائق، نهض الدليل وأشار إلى بقعة في الجدار كانت تبدو كسائر الصخور، ثم قال:

انتظروا حتى يلمس الضوء الحجر الأسود.

هبط قرص الشمس ببطء، وانسل شعاع أخير بين قمتين متقابلتين، فأصاب صخرة داكنة في وسط الجدار.

عندئذ لمع خط رفيع، ثم ارتج الجبل بصوت عميق، وانفرجت الصخور عن ممر ضيق خرج منه هواء بارد يحمل رائحة المعادن والزهور اليابسة.

دخلوا الممر واحداً تلو الآخر، وكانت جدرانه ملساء إلى درجة توحي بأن آلاف الأيدي صقلتها، لا أن الماء والريح نحتاها.

بعد مسيرة ساعة في الظلام، بدأ الضوء ينساب إليهم من الطرف الآخر، ذهبياً وهادئاً، كأن الصباح ينتظرهم داخل الجبل رغم أن الليل حل خلفهم.

وحين خرجوا، ظهرت المدينة.

مدينة لم يترك الذهب فيها مكاناً للظل

كانت الأبراج ترتفع على ضفتي نهر جاف، وقد كُسيت جدرانها بألواح ذهبية ضخمة لا يظهر بينها فاصل واحد.

امتدت الشوارع مرصوفة بحجارة صفراء لامعة، ونُحتت النوافذ والأبواب من معدن مصقول يعكس وجوههم مشوهة وممدودة، حتى بدا كل واحد منهم كأنه يسير إلى جوار نسخة جشعة من نفسه.

في الساحات وقفت تماثيل لرجال ونساء وأطفال، كلها مصنوعة من الذهب الخالص، غير أن ملامحها لم تكن ملامح ملوك منتصرين، بل وجوهاً مطرقة يكسوها الأسى.

كانت المدينة كاملة أكثر مما ينبغي، صامتة أكثر مما يحتمل العقل، ولم يكن فيها أثر لغبار أو صدأ أو نبات، كأن أهلها غادروها صباح ذلك اليوم ولم يعودوا بعد.

سقط نديم على ركبتيه أمام النافورة الكبرى، ورفع الكاميرا بيدين مرتجفتين، غير أن الشاشة تحولت إلى سواد كامل.

حاول مرة ثانية، ثم ثالثة، لكن كل صورة التقطها خرجت بلا أبراج ولا شوارع، ولم يظهر فيها سوى أفراد البعثة يقفون وسط فراغ أبيض.

قال نديم مذهولاً:

الكاميرا لا تراها.

أجاب هارون:

ربما لأنها ليست هنا من أجل الكاميرا.

القصر ذو الأبواب الثلاثة

في قلب المدينة ارتفع قصر تعلوه قبة تشبه شمساً متجمدة، وكان يؤدي إليه سلم عريض تحرسه تماثيل مخلوقات ذات أجساد أسود ووجوه بشرية.

وجدوا عند المدخل ثلاثة أبواب متجاورة؛ الأول من الذهب الخالص، والثاني من حجر أسود، والثالث من خشب بسيط تآكلت أطرافه.

فوق الباب الذهبي نُقشت عبارة، لمن يريد أن يملك.

وفوق الباب الحجري، لمن يريد أن يعرف.

أما الباب الخشبي فحمل جملة أقصر، لمن يريد أن يعود.

تقدم رائد نحو الباب الذهبي بلا تردد، لكن سليم أمسك بذراعه وقال:

لا نعرف ما خلفه.

انتزع رائد ذراعه بعنف، وأجاب:

قطعنا كل هذه المسافة لأننا نعرف تماماً ما نريده.

دفع الباب، فانفتح بسهولة، واندفعت من خلفه رائحة حلوة ثقيلة جعلت الأنفاس تتباطأ.

ظهر ممر تلمع جدرانه بآلاف الأحجار الكريمة، وفي نهايته كانت تتكدس سبائك الذهب حتى السقف.

أطلق رائد ضحكة قصيرة لم يسمعوا فيها فرحاً، بل جوعاً قديماً وجد أخيراً مائدته.

الغرفة التي ضاع فيها الأغنياء

دخل رائد غرفة الكنوز وراح يملأ جيوبه بالقطع الذهبية، ثم فتح حقيبة صغيرة كان يخفيها تحت معطفه، وصار يدفع فيها الجواهر بيدين محمومتين.

حذرته ليلى من لمس شيء قبل دراسة المكان، لكنه لم يلتفت إليها، وكان الذهب ينعكس في عينيه حتى اختفى لونهما الطبيعي.

فجأة انغلق الباب خلفه، وانطفأ الضوء في الممر، ثم سمعوا صوته يصرخ من الداخل.

اندفع سليم نحو الباب وحاول فتحه، لكنه صار صلباً كأنه جزء من الجدار، بينما راحت قبضة رائد تضربه من الجهة الأخرى.

افتحوا! الذهب يتحرك!

توقف الجميع لحظة، ثم جاءهم صوت احتكاك كثيف، كصوت آلاف الحشرات المعدنية تزحف فوق أرض حجرية.

صاح رائد ثانية، لكن صوته كان أبعد:

إنه يلتصق بي! أخرجوني!

بدأت النقوش فوق الباب تتوهج، وظهرت أسفل العبارة القديمة كلمات جديدة لم تكن موجودة من قبل.

قرأ سليم:

من أراد امتلاك الذهب، امتلكه الذهب.

ثم انقطع صراخ رائد فجأة.

التمثال الجديد

حين انفتح الباب من تلقاء نفسه، كانت الغرفة خالية تماماً من الكنوز التي رأوها قبل لحظات.

لم يبق فيها سوى تمثال ذهبي لرجل يقف على ركبتيه، يمد يده نحو الباب، وفمه مفتوح في صرخة أبدية.

اقترب نديم، ثم تراجع وهو يرتجف، فقد كان التمثال يرتدي ساعة رائد نفسها، وقد تجمدت عقاربها عند اللحظة التي أغلق فيها الباب.

قالت ليلى:

علينا أن نغادر الآن.

لكن سليم نظر إلى الباب الحجري المجاور، وشعر أن سنوات عمره كلها وقفت خلفه، تنتظر منه أن يختار.

كان أبوه قد وصل إلى المدينة، أو اقترب منها، وربما كانت الإجابة عن اختفائه موجودة في الداخل.

قال بصوت خافت:

لن أعود قبل أن أعرف ما حدث هنا.

نظر إليه هارون طويلاً، ثم وضع يده على الباب الحجري.

المعرفة ليست أكثر رحمة من الذهب، يا دكتور.

أجابه سليم:

لكنها على الأقل لا تتظاهر بأنها غاية.

ودفعا الباب معاً.

مكتبة الجدران الناطقة

لم يجدوا خلف الباب الحجري كتباً ولا صناديق، بل قاعة دائرية هائلة، غطت جدرانها نقوش دقيقة تمتد من الأرض إلى القبة.

كانت الرموز محفورة في طبقات متداخلة، وبعضها لا يظهر إلا حين يمر الضوء فوقه، بينما كانت خطوط أخرى تتغير كلما تحرك الناظر من موضع إلى آخر.

في وسط القاعة وقفت منضدة حجرية فوقها تاج مكسور وإناء فارغ وحفنة تراب، وكأنها بقايا محاكمة لم تنته.

اقترب سليم من الجدار الأول، وبدأ يقرأ ببطء، بينما كانت الكلمات القديمة تنفتح في ذهنه كأبواب ظلت موصدة لقرون.

كانت النقوش تحكي قصة المدينة.

لم يكن اسمها مدينة الذهب، بل أورمانا، وكانت في بدايتها واحة صغيرة يعيش أهلها من الزراعة وصناعة الأدوات.

ثم اكتشفوا تحت الجبال عروقاً من الذهب لا تنفد، فغلفوا به معابدهم وقصورهم، وصار كل بيت يقاس بما يملكه صاحبه من المعدن.

توقفت الحقول عن إنتاج الطعام لأن الفلاحين تركوها للحفر، وجفت قنوات الماء لأن البنائين انشغلوا بتذهيب الساحات.

وحين بدأ الجوع، اشترى الأغنياء مخازن الحبوب، ثم باعوها بأوزان من الذهب، حتى صار الناس يحملون ثروات في أيديهم ولا يجدون كسرة خبز.

آخر ملوك أورمانا

سجلت النقوش أن آخر ملوك المدينة كان يدعى أزراد، وقد ورث مملكة يلمع كل شيء فيها إلا عيون أهلها.

جمع الملك حكماء المدينة وسألهم كيف ينقذ شعباً صار يقيس قيمة الإنسان بما يمكن صهره ووزنه.

قال له أحد الحكماء، اجعل الذهب بلا قيمة.

لكن الملك أدرك أن المراسيم لا تمحو الرغبات، وأن الناس قد يطيعون القانون نهاراً ثم يعبدون المعدن في قلوبهم ليلاً.

لذلك أمر بصنع المدينة التي رأوها الآن، فغطى الجدران والطرقات بالذهب، وأخرج كل ما في المناجم حتى صار المعدن وفيراً كالحجارة.

في البداية فرح الناس، ثم اكتشفوا أن الشيء الذي يملكه الجميع لا يمنح أحداً امتيازاً.

انهارت الأسواق، وتشاجر التجار، وهرب الجنود، لكن الطمع لم يمت؛ بل تحول إلى خوف من أن يعثر أحدهم على شيء أندر من الذهب.

عندئذ بدأ الحكماء يحفرون على الجدران خلاصة ما تعلمته الحضارة من سقوطها، لكن المرض والجوع والحروب الداخلية سبقتهم.

مات سكان أورمانا، وبقيت المدينة قشرة ذهبية تحيط بدرس لم يكتمل.

الرسالة التي تركها والد سليم

بين النقوش القديمة لمح سليم سطراً حديثاً نسبياً، حروفه عربية وخطها مألوف حتى إن أنفاسه توقفت قبل أن يلمسه.

أخرج دفتر أبيه، وقارن الكتابة بما في الصفحات، ثم جلس على الأرض كأن ساقيه فقدتا القدرة على حمله.

كان النقش بخط يوسف النجار.

وصلت إلى أورمانا في السابع عشر من أكتوبر، ولم أجد المدينة التي بحثت عنها، بل وجدت نفسي كما كنت أخشى أن أجدها.

واصل سليم القراءة، بينما اقتربت ليلى ونديم وهارون في صمت.

كتب يوسف أنه جاء ليثبت تفوقه على زملائه، وأنه حين شاهد الذهب فكر في الشهرة قبل أن يفكر في التاريخ، وفي اسمه قبل أن يفكر في الحضارة التي ماتت.

ثم اختار باب المعرفة، لكنه أدرك أن دخوله لم يكن أكثر نبلاً من دخول الطامعين؛ فقد أراد أن يمتلك الحقيقة وحده، وأن يجعلها سلماً يصعد عليه فوق الآخرين.

في آخر السطور كتب:

المعرفة التي نحتكرها لا تختلف كثيراً عن الذهب الذي نكدسه.

كلاهما يتحول في الظلام إلى سجن.

ارتعشت يد سليم، وسقط دفتر أبيه مفتوحاً عند صفحة فارغة ظلت بلا تفسير ثلاثين عاماً.

قال نديم:

هل ذكر كيف خرج؟

هز سليم رأسه، ثم نظر إلى الجدار المقابل، فرأى هيكلاً عظمياً جالساً في زاوية القاعة، وإلى جانبه حقيبة جلدية تحللت أطرافها.

عرف المشبك النحاسي قبل أن يقترب.

الاعتراف الأخير

جلس سليم أمام بقايا أبيه، ولم يبك في البداية، بل ظل يحدق في الجمجمة الصامتة كما لو كان ينتظر منها اعتذاراً تأخر طويلاً.

وجد داخل الحقيبة رسالة محفوظة في أنبوب معدني، كُتب على غلافها، إلى ابني سليم، إن جئت خلفي.

فتحها بيدين مرتجفتين، فسمع صوت أبيه في الكلمات.

يا سليم، لا تجعل حياتك امتداداً لخطئي.

لم أختف لأن المدينة حبستني، بل لأنني خجلت من العودة بعد أن عرفت حقيقة دوافعي.

بقيت لأكمل قراءة النقوش، ثم مرضت، ولم يعد في جسدي ما يكفي لعبور الجبال.

إن وصلت، فلا تحمل الذهب دليلاً على أنك كنت هنا؛ احمل الكلمات.

فالذهب سيجعل الناس يتقاتلون على المدينة، أما الحكمة فقد تمنع مدينة أخرى من أن تصبح مثلها.

انحنى سليم ووضع جبهته على الرسالة، وانفلتت دموعه أخيراً، لا حارة مندفعـة، بل بطيئة وثقيلة، كأن ثلاثين عاماً ذابت قطرة قطرة.

قالت ليلى بهدوء:

والدك لم يفشل.

أجاب وهو يطوي الرسالة:

لكنه لم يعد.

ترك لك طريق العودة.

حين استيقظت المدينة

بينما كان سليم ينسخ أهم النقوش، دوى صوت عميق في باطن القصر، وبدأت القاعة ترتج كأن جبلاً كاملاً تقلب في نومه.

تساقط غبار ذهبي من القبة، وانفتحت شقوق رفيعة في الأرض، ثم جاءهم صوت تحطم بعيد من جهة بوابة الكنوز.

خرجوا مسرعين إلى الردهة، فرأوا التمثال الذهبي الذي كان رائد قد تحول إليه وقد سقط على جانبه.

لكن التمثال لم يتحطم.

بل نهض.

كان يتحرك ببطء وثقل، وتصدر من مفاصله أصوات طحن حادة، بينما ظلت ملامح رائد جامدة في صرختها.

مد يده الذهبية نحو سليم، وانطلق خلفهم.

صاح هارون:

الباب الخشبي! إنه طريق الخروج!

اندفعوا عبر الردهة، لكن الأرض انشقت أمام نديم، فسقطت حقيبة كاميراته في الهوة، وظل ممسكاً بالحافة بيد واحدة.

مدت ليلى ذراعها إليه، غير أن نديم نظر إلى الحقيبة المتدلية من كتفه الآخر، وفي داخلها بطاقات الصور والمعدات التي حلم أن تغير حياته.

صرخ سليم:

اتركها!

تردد نديم لحظة قاتلة، ثم فك الحزام، فسقطت الحقيبة في الظلام، وشعر جسده بالخفة للمرة الأولى منذ دخل المدينة.

سحبته ليلى إلى الأعلى قبل أن يصل إليهم التمثال بخطوتين.

ثمن فتح باب العودة

بلغوا الباب الخشبي، لكنه كان مغلقاً، وقد ظهر عليه نقش جديد:

لا يعود من حمل من المدينة أكثر مما يستطيع قلبه تركه.

فتشوا حقائبهم سريعاً، فألقى نديم عدساته الاحتياطية، وتخلصت ليلى من عينة ذهبية صغيرة كانت قد أخذتها لتحليلها دون أن تخبرهم.

أما سليم ففتح حقيبته، فرأى دفتر أبيه والرسالة والنسخ التي دوّنها من النقوش.

قال هارون:

الكلمات ليست من الذهب.

لكن الباب بقي مغلقاً.

عندئذ فهم سليم أن العبارة لم تكن تتحدث عن الوزن.

كان يحمل رغبته في إثبات أن أباه كان محقاً، ورغبته في العودة بطلاً، ورغبته في أن يُكتب اسمه على الاكتشاف قبل أي اسم آخر.

أغمض عينيه، وأخرج الخريطة الأصلية من جيبه.

قالت ليلى:

ماذا تفعل؟

أجاب:

أغلق الطريق.

أشعل قداحته وقرب اللهب من الخريطة، فاشتعل الجلد هذه المرة فوراً، كأنه كان ينتظر أن يتخلى صاحبه عنه بإرادته لا أن يحاول التخلص منه خوفاً.

احترقت العلامات والجبال والعيون المغلقة، وتحولت الخريطة إلى رماد طار في الردهة.

انفتح الباب الخشبي.

الهروب من شمس تتداعى

خرجوا إلى درج القصر، فوجدوا المدينة تنهار ببطء مهيب، لا كالمباني حين تهدمها الزلازل، بل كصورة تنسحب من ذاكرة العالم.

كانت الألواح الذهبية تنفصل عن الأبراج، وتسقط في الشوارع قبل أن تتحول إلى غبار داكن لا لمعان فيه.

جرت الشقوق فوق القباب، وغاصت الساحات في الأرض، بينما انطلق التمثال خلفهم، يطاردهم بخطوات أسرع كلما تساقط الذهب عن جسده.

ركضوا عبر الجسر المؤدي إلى بوابة المدينة، غير أن جزءاً منه انهار، فاضطروا إلى القفز فوق فجوة اشتعل في قاعها ضوء أبيض.

عبر سليم وليلى ونديم، لكن هارون توقف في الجانب الآخر، فقد انغلق حول كاحله طوق ذهبي خرج من أرض الجسر كفخ.

عاد سليم نحوه رغم صراخ الآخرين، وراح يضرب الطوق بصخرة، بينما كان التمثال يقترب.

قال هارون:

اتركني، وإلا متنا جميعاً.

أجاب سليم وهو يواصل الضرب:

هذه المدينة أخذت ما يكفي.

رفع التمثال ذراعه فوقهما، وفي اللحظة التي أوشك فيها على سحقهما، وجه هارون مصباحه نحو وجهه الذهبي.

رأى سليم انعكاس رائد في سطح المعدن، لا كما مات، بل كما كان قبل أن يدخل المدينة، رجلاً خائفاً من أن يمر في العالم دون أن يملك شيئاً يثبت وجوده.

تردد التمثال لحظة، وكأن بقية الإنسان المحبوسة داخله تعرفت إلى نفسها.

استغل سليم اللحظة، وضرب الطوق ضربة أخيرة فتحطم، ثم قفز مع هارون إلى الجانب الآخر.

انهار الجسر خلفهما، وسقط التمثال في الضوء الأبيض دون صرخة.

الباب الذي اختفى إلى الأبد

وصل الأربعة إلى الممر الجبلي قبل أن تنهار آخر قبة في أورمانا، واندفعوا خلاله فيما كان الهواء الساخن يلاحقهم كأن المدينة تلفظ أنفاسها الأخيرة.

خرجوا إلى الجانب الآخر عند الفجر، وسقطوا فوق الصخور المبللة بالندى، بينما انغلق الجدار خلفهم بصوت خافت.

حين أشرقت الشمس، بحثوا عن الصخرة السوداء التي فتحت الممر، فلم يجدوها.

كان الجبل متصلاً بلا شق ولا علامة، كأن الوادي والمدينة والذهب لم توجد قط.

أخرج نديم الكاميرا الصغيرة التي كان يحتفظ بها في جيبه، وراجع الصور، فوجدها جميعاً فارغة كما كانت.

لكن الصورة الأخيرة أظهرت شيئاً مختلفاً.

لم تظهر المدينة، بل ظهر جدار المكتبة وحده، وعليه نقش لم يتذكر أحد أنهم رأوه.

كبر نديم الصورة، وقرأ سليم العبارة:

لا تُقاس الحضارات بما تركته تحت الأرض، بل بما أبقته حياً فيمن خرج منها.

عاد الأربعة إلى العالم بعد سبعة عشر يوماً، ولم يحملوا سبيكة واحدة، ولم يدلوا الحكومات أو تجار الآثار على موقع الوادي.

نشر سليم النقوش في كتاب مفتوح بلا حقوق احتكار، ونسب ترجمتها إلى حكماء أورمانا ويوسف النجار وكل من اختار أن يعيد المعرفة إلى الناس.

اتهمه البعض باختلاق القصة، وسخر آخرون من مدينة لا دليل مادياً عليها، لكن الكتاب انتشر بين الجامعات والمدارس، وترجمت عباراته إلى عشرات اللغات.

أما نديم، فلم تصبح صورته شهيرة، لكنه صار يصور القرى التي تهددها المجاعة والمناجم التي تبتلع أعمار العمال، مقتنعاً بأن الصورة الأعظم ليست ما يجعل الناس ينظرون، بل ما يجعلهم يتوقفون عن تجاهل ما يرونه.

وعادت ليلى إلى عملها في ترميم المدن القديمة، غير أنها لم تعد تقيس عظمة البناء بارتفاعه أو ندرة مواده، بل بمقدار الحياة التي يسمح لها أن تستمر داخله.

أما هارون، فعاد إلى قريته، وكلما سأله أحد عن الذهب الذي قيل إنه وجده، كان يفتح كفه الفارغة ويقول:

عدت بأخف ما يمكن حمله، وأثقل ما يمكن نسيانه.

بعد سنوات، زار سليم قبر أبيه الذي أقامه دون جسد، ووضع فوقه نسخة من كتاب النقوش.

جلس أمام الحجر حتى الغروب، ثم قال:

لم أعد لأثبت أنك كنت محقاً يا أبي.

عدت لأفهم لماذا كان لا بد أن تعود كلماتك بدلاً منك.

وحين هبت الريح، تقلبت صفحات الكتاب وحدها، حتى توقفت عند العبارة الأولى التي قادت الرحلة:

هنا ترقد المدينة التي أغنت أهلها حتى افتقروا، ثم أفقرَتهم حتى عرفوا الغنى.

ابتسم سليم، ونهض تاركاً الكتاب مفتوحاً تحت السماء.

وللمرة الأولى، لم يشعر أن أباه كان مفقوداً.

قد يلمع الشيء حتى يعمي صاحبه عن قيمته الحقيقية، وقد يقضي الإنسان عمره وهو يملأ يديه بما لا يسد فراغ قلبه، ثم يكتشف متأخراً أن ما حسبه ثروة لم يكن سوى قيد مصقول بعناية.

لم تسقط أورمانا لأنها امتلكت ذهباً كثيراً، بل لأنها سمحت للذهب بأن يحدد ثمن الخبز، ومكانة الإنسان، ومعنى النجاح، حتى صار المعدن حياً وصار الناس أشياء تُوزن وتُشترى.

أما حكمتها، فلم تكن مخبأة في خزائن أو محروسة بالسيوف، بل كانت محفورة على الجدران في انتظار من يستطيع قراءتها دون أن يحاول امتلاكها.

فالكنوز التي تُدفن تُغري اللصوص، والكنوز التي تُتداول تصنع الحضارات.

وربما لهذا اختفت مدينة الذهب من الخرائط إلى الأبد، بينما بقيت كلماتها تسافر بين الناس؛ لأن الذهب يحتاج إلى حارس، أما الحكمة فلا يحرسها إلا من يشاركها، حكاية صديق الطريق قصة رحلة قطار جمعت غريبين كشفا أسرارهما ثم افترقا بلا أسماء من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد