قصة جوقة الضفادع خارج اللحن نغمة أنقذت مهرجان البركة

الراوي
0

في اللحظة التي رفع فيها قائد الجوقة عصاه المصنوعة من ساق القصب، وامتلأت ضفاف البركة باليراعات والعيون المنتظرة، فتح الضفدع فرفور فمه ليغني أول نغمة في حياته أمام الجمهور.

لكن الصوت الذي خرج من حلقه لم يصعد مع أصوات الجوقة نحو أوراق الصفصاف، بل هبط كثقل حجر صغير إلى قاع الماء، فارتجفت صفحة البركة واضطرب الإيقاع، ثم دوّى من خلف الستار صوت مالك الحزين باردًا كريح الشتاء:

إن تكرر هذا الخطأ، فلن يكون هناك مهرجان الليلة.

قصة أطفال جوقة الضفادع خارج اللحن نغمة أنقذت مهرجان البركة

حلم يتفتح بين زنابق الماء

قبل تلك الليلة بأيام، كانت البركة تستيقظ كل صباح على تدريبات جوقة الضفادع، فتتدحرج الأصوات فوق الماء في موجات صافية، وتنساب بين سيقان البردي حتى تبدو كأنها خيوط فضية تنسجها الشمس.

كان فرفور يجلس بعيدًا على ورقة زنبق صغيرة، يخفي نصف جسده خلف زهرة بيضاء، ويراقب أفواه المغنين وهي تنفتح في وقت واحد، بينما تتحرك أقدامهم على إيقاع منظم يجعل قطرات الندى ترتعش فوق الأوراق.

المقعد الفارغ في الصف الأخير

في صباح رطب تفوح فيه رائحة الطين الطازج، قفز قائد الجوقة، الضفدع نغّوم، إلى صخرة مرتفعة، وضرب عصاه على صدفة حلزون ثلاث ضربات حادة، فسكت الجميع وانتبهت حتى اليعاسيب الطائرة.

قال نغّوم وهو يمرر عينيه بين الصفوف:

أصيب الضفدع نقنوق بزكام شديد، ولدينا مقعد فارغ في الصف الأخير.

من يجرؤ على الغناء معنا في مهرجان البركة؟

شعر فرفور بأن قلبه يقفز داخل صدره أسرع من ساقيه، فرفع يده قبل أن تتمكن مخاوفه من جذبها إلى أسفل، ثم خرج صوته مرتجفًا:

أنا، أريد أن أجرب.

تبادلت الضفادع النظرات، وانطلقت همسات رقيقة مثل حفيف الأعشاب، فقد كان فرفور معروفًا بصمته الطويل وجلوسه منفردًا عند الحافة المظلمة من البركة.

أشار إليه نغّوم بالاقتراب، ثم قال:

سنختبر صوتك.

عندما أرفع العصا، غنِّ النغمة التي يغنيها الجميع، لا أعلى ولا أخفض.

رفع القائد عصاه، فملأت الجوقة الهواء بنقيق مرتفع ومشرق، يشبه قفز قطرات المطر فوق سطح ساخن، أما فرفور فأطلق نغمته فخرجت عميقة، دافئة، وممتدة كصوت يأتي من جوف الأرض.

توقفت الجوقة فجأة، وسقط الصمت على البركة حتى إن فرفور سمع قطرة ماء تنزلق من ورقة زنبق وتغوص قرب قدميه.

قال ضفدع نحيل يدعى رنان وهو يكتم ضحكة:

هل كان ذلك غناءً، أم أن جذع شجرة يتثاءب تحت الماء؟

ضحك بعض أعضاء الجوقة، بينما أحس فرفور بحرارة تتصاعد إلى وجهه، فانخفض رأسه حتى كاد ذقنه يلامس صدره.

غير أن نغّوم لم يضحك، بل ضرب العصا برفق على الصخرة وقال:

صوته ليس سيئًا، لكنه لا يسير مع طبقتنا.

عليه أن يتعلم الصعود، وإلا بقي المقعد فارغًا.

نظر فرفور إلى المقعد الأخير، ثم إلى الأضواء الملونة التي بدأ النمل يعلقها استعدادًا للمهرجان، وقال في نفسه إن حلمًا اقترب منه إلى هذا الحد لا يجوز أن يتركه يهرب.

حين يتحول التقليد إلى ألم

منذ ذلك اليوم، ظل فرفور يتدرب حتى غابت الشمس وارتفع القمر فوق البركة كصدفة لؤلؤية كبيرة، فكان يمد عنقه، ويرفع ذقنه، ويحاول دفع صوته إلى الطبقات التي تصل إليها الجوقة بسهولة.

كلما حاول الصعود، خرج النقيق حادًّا ومخنوقًا، كقصبة يابسة تعصف بها الريح، ثم اشتعل حلقه بألم لاذع، وشعر كأن شوكة صغيرة استقرت خلف لسانه.

وصفة رنان السرية

اقترب منه رنان ذات مساء، يحمل كوبًا مصنوعًا من قشرة جوز، وفي داخله شراب أخضر تفوح منه رائحة النعناع والطحالب.

قال وهو يناوله الكوب:

اشرب هذا، ثم حاول أن تجعل صوتك رفيعًا مثل صوتي.

لا أحد يريد سماع نقيق يشبه دحرجة الصخور.

شرب فرفور الشراب، وشعر ببرودة عابرة تمر في حلقه، ثم وقف فوق حجر أملس وبدأ يقلد طريقة رنان في الغناء.

ضغط على حنجرته، وحبس أنفاسه، ورفع صوته حتى برزت عروق عنقه، فخرجت نغمة عالية للحظة واحدة، لكنها انكسرت في منتصفها وتحولت إلى سعال جاف.

جلس فرفور وهو يلهث، وانهمرت الدموع من عينيه دون أن يعرف أكانت بسبب الألم أم الخجل، بينما ارتد صدى السعال بين الأشجار كأنه يفضح محاولته أمام البركة كلها.

قال رنان وهو يتراجع خطوة:

لا تضغط كثيرًا.

حاول مرة أخرى غدًا.

لكن الغد جاء، ولم يعد حلق فرفور قادرًا على إخراج سوى همسة خشنة، وحين بدأ التدريب المسائي، فتح فمه مع الجوقة ولم يظهر صوته إلا متأخرًا ومبحوحًا.

ضرب نغّوم عصاه بعصبية، فتوقفت الموسيقى.

الإيقاع يتهاوى كلما وصلنا إلى المقطع الأخير! أين النبضة الرابعة؟

رفع فرفور عينيه بصعوبة، فقد كان يعرف أن النبضة المفقودة تأتي في اللحظة نفسها التي يفترض أن يؤدي فيها نغمته.

إنذار مالك الحزين

كان مالك الحزين رمّاح مسؤولًا عن تنظيم مهرجان البركة، وهو طائر طويل الساقين، يمشي ببطء يجعل كل خطوة تبدو كأنها حكم لا رجعة فيه.

خرج من بين ستائر الصفصاف، وريشه الرمادي يلمع تحت ضوء المغيب، ثم وقف أمام الجوقة وحدق فيهم بعينين صفراوين ثابتتين، حتى انكمشت الضفادع فوق أوراقها.

ليلة واحدة قبل الإلغاء

قال رمّاح بصوت منخفض، لكنه نفذ إلى كل زاوية من زوايا البركة:

وصلت الدعوات إلى السلاحف وعائلات البط وخنافس الحقول، ولا يمكنني تقديم عرض يتعثر إيقاعه كل أربع نبضات.

أشار بمنقاره الطويل نحو فرفور، فشعر الضفدع الصغير بأن الظلال كلها قد اتجهت إليه.

أمامكم ليلة واحدة لإصلاح الخلل.

إن بقي الإيقاع ناقصًا عند شروق شمس الغد، فسألغي العرض وأطفئ فوانيس المهرجان.

تحرك رمّاح مبتعدًا، وكانت مخالبه الرفيعة تغوص في الطين ثم تخرج منه بصوت رطب، إلى أن ابتلعته الأعشاب الطويلة وبقي تهديده معلقًا في الهواء.

اقترب نغّوم من فرفور وقال بنبرة حاول أن يجعلها لطيفة:

ربما كان عليك أن ترتاح غدًا، وسنقسم مقطعك بين بقية المغنين.

لم تكن الكلمات قاسية، لكنها سقطت في قلب فرفور أثقل من السخرية، فقد رأى المقعد الفارغ يعود أمامه كفم مظلم يبتلع حلمه ببطء.

غادر التدريب دون أن يودع أحدًا، وقفز بين الأوراق حتى وصل إلى أقدم جزء من البركة، حيث تتشابك الجذور تحت الماء ويصبح الليل كثيفًا كالحبر.

النغمة التي سمعها قاع البركة

جلس فرفور فوق جذع نصف غارق، وأراح كفيه على حلقه المتورم، بينما كانت أصوات الجوقة البعيدة تواصل التدريب من دونه، مرتفعة ومنتظمة، لكنها خفيفة كأن شيئًا خفيًا ينقصها.

لم يحاول هذه المرة أن يغني مثلهم، بل أغمض عينيه وترك صوته يخرج كما يريد؛ نغمة منخفضة هادئة، بلا ضغط ولا خوف، فاهتز الجذع تحت قدميه وظهرت دوائر صغيرة على سطح الماء.

الإجابة القادمة من الظلام

قبل أن تنتهي نغمته، جاءه من تحت الماء صوت خافت، دُم.

فتح فرفور عينيه، وحبس أنفاسه، ثم أعاد النغمة العميقة مرة أخرى، فجاءه الصوت ذاته أقوى قليلًا، دُم، دُم.

انحنى فوق الماء فرأى قوقعة حلزون فارغة عالقة بين الجذور، وكانت تهتز كلما وصلت نغمته إليها، فتضرب حجرًا صغيرًا في قاع البركة وتطلق تلك النبضة المكتومة.

جرب فرفور أن يغني وفق إيقاع الجوقة الذي يحفظه، فخرج صوته في الموضع الذي كانوا يعدّونه خطأ، لكنه حين امتزج بدقات القوقعة صنع نبضًا ثابتًا يحمل اللحن بدل أن يعطله.

لم تكن نغمته خارج الأغنية، بل كانت أسفلها؛ جسرًا خفيًا لا تسمعه الآذان المنشغلة بالقمم العالية.

قفز فرفور من فوق الجذع، ونسي ألم حلقه ووحل الطريق، وظل يعدو حتى وصل إلى ساحة التدريب، حيث كانت الجوقة تحاول للمرة الأخيرة إنقاذ المقطع الأخير.

صاح وهو يلهث:

لا توزعوا مقطعي! لقد وجدت النبضة الرابعة.

قال رنان ساخرًا:

وهل كانت مختبئة تحت حجر؟

أجابه فرفور دون أن يخفض عينيه:

نعم، تقريبًا.

ولهذا لم تسمعوها.

تجربة أخيرة قبل شروق الشمس

أحضر فرفور القوقعة القديمة وثبتها فوق حجر مجوف قرب منصة الغناء، ثم طلب من نغّوم أن يسمح له بأداء نغمته بطبيعته، لا بالصوت المرتفع الذي أرهق حلقه.

تردد القائد، فقد بدأ لون السماء يتحول إلى الرمادي، ولم يبق أمامهم سوى وقت قصير قبل عودة مالك الحزين وإعلان قراره.

الجوقة تتعلم الاستماع

رفع نغّوم عصاه، وانطلقت الأصوات العالية من أفواه الضفادع مثل سرب من الطيور الصغيرة، ثم جاء دور فرفور، فأطلق نغمته المنخفضة دون أن يدفعها أو يشد عنقه.

اهتزت القوقعة وردت عليه بدقة عميقة، فاستقرت أصوات الجوقة فوقها، وتحول اللحن من خيط رفيع متطاير إلى نسيج كامل، له قمة تلمع في الهواء وجذور تنبض في الماء.

اتسعت عينا نغّوم، لكنه واصل قيادة الجوقة، وعندما وصلوا إلى المقطع الأخير لم يسقط الإيقاع، بل ازداد قوة حتى بدأت أوراق الزنابق تتحرك مع كل نبضة.

خرج مالك الحزين رمّاح من بين الأعشاب في اللحظة التي انتهت فيها الأغنية، ولم يقل شيئًا أول الأمر، بل ظل واقفًا ومنقاره مائل قليلًا، كما لو أنه يبحث عن الخطأ الذي جاء من أجله.

ثم سأل:

من أضاف ذلك الصوت العميق؟

تقدم فرفور خطوة، ولم يختبئ هذه المرة خلف أحد.

لم أضفه يا سيدي.

كان موجودًا منذ البداية، لكنني كنت أحاول التخلص منه.

اقترب رمّاح من القوقعة، ثم ضرب الأرض بطرف منقاره أربع مرات، فسمع الجميع الإيقاع كاملًا وواضحًا.

قال وهو يعود إلى وقفته المستقيمة:

لن يُلغى المهرجان.

سنفتح البوابات عند غروب الشمس، ولن تبدأ الجوقة أغنيتها قبل أن يكون فرفور في مكانه.

خفض رنان رأسه، ثم اقترب من فرفور وهمس:

يبدو أن الصخور تعرف الغناء أفضل مني.

ابتسم فرفور وقال:

وربما تحتاج الأصوات العالية إلى صخرة تسندها أحيانًا.

العرض الذي أضاءت له اليراعات

مع حلول المساء، تجمعت حيوانات البركة حول المنصة؛ جلست السلاحف في الصفوف الأمامية، واصطف البط عند الحافة، بينما صنعت اليراعات قوسًا مضيئًا فوق رؤوس المغنين.

كانت رائحة الياسمين البري تختلط برائحة الماء، وانعكست الفوانيس على صفحة البركة حتى بدا كأن النجوم هبطت من السماء لتشاهد العرض.

حين انحنى اللحن لصاحبه

رفع نغّوم عصاه، فهدأ الجمهور، وبدأت الجوقة تغني بصوت واحد مشرق، ثم وصل المقطع الذي أخافهم طويلًا.

شعر فرفور بنظرات المئات تتجه إليه، وعاد الخوف لحظة يطرق صدره، لكنه لم ينظر إلى أفواه الضفادع الأخرى، بل نظر إلى الدوائر الصغيرة التي تصنعها أنفاسه فوق الماء.

أطلق نغمته كما خرجت منه أول مرة، منخفضة، عميقة، وصادقة.

اهتزت القوقعة، وردت البركة بنبضتها المكتومة، فارتفع غناء الجوقة فوق صوت فرفور واتسع حتى أحاط بالمكان كله، كأن الأشجار والقصب والماء قد دخلت في الأغنية.

لم يضحك أحد، ولم يبدُ الصوت غريبًا، بل شعر الحاضرون به في صدورهم قبل أن تسمعه آذانهم، وراحت السلاحف تضرب الأرض بأقدامها بينما خفقت أجنحة اليعاسيب على الإيقاع.

عندما انتهت النغمة الأخيرة، بقي الصمت لحظة قصيرة، ثم انفجر التصفيق من كل جانب، وقفزت الضفادع الصغيرة في الماء حتى تناثرت القطرات تحت أضواء اليراعات.

المقعد الذي لم يعد في الخلف

بعد انتهاء المهرجان، بدأ أعضاء الجوقة يجمعون أوراق الموسيقى ويطفئون الفوانيس، بينما ظل فرفور واقفًا قرب المقعد الأخير الذي حلم طويلًا بالوصول إليه.

اقترب نغّوم وحمل المقعد بيديه، ثم وضعه في منتصف الصف أمام القوقعة القديمة، وثبّت أمامه لافتة صغيرة كتب عليها، صوت البركة العميق.

قال القائد:

لم تعد مهمتك أن تتبع أصواتنا يا فرفور، بل أن تمنحها الأرض التي تقف عليها.

نظر فرفور إلى القوقعة، ثم إلى صورته المرتجفة فوق سطح الماء، فلم يرَ الضفدع الذي كان يخفي صوته خلف زهرة زنبق، بل رأى مغنيًا تعلم أن بعض الألحان لا تحتاج إلى الصعود كي تصل بعيدًا.

ومنذ ذلك المساء، كلما بدأت جوقة الضفادع أغنيتها، كانت الأصوات العالية تنتظر نغمة فرفور أولًا، وحين تنطلق عميقة من صدره، تستيقظ البركة كلها من القاع إلى السماء.

قد يمضي المرء عمرًا وهو يرهق صوته ليشبه أصوات الآخرين، غير منتبه إلى أن اللحن الكامل لا يُصنع من نغمة واحدة مهما بلغت نقاءها.

فبعض الأصوات خُلقت لتحلق، وبعضها خُلق ليمنح الأجنحة فضاءً ثابتًا، وما يبدو نشازًا في العزلة قد يصبح، حين يجد موضعه الصحيح، النبضة التي تنقذ الأغنية بأكملها.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد