قصة حارس الليل اللطيف سر العملاق الذي كان يكسو المدن ببطانية من النجوم

الراوي
0

في الليلة التي انطفأت فيها جميع نجوم السماء، استيقظت مدينة وادي السكون على صوتٍ لم تسمعه من قبل؛ صوت خطوات هائلة تخترق الضباب، ثم تتوقف فجأة عند كل منزل، كأن مخلوقاً مجهولاً كان يفتش بين النوافذ عن شيء ضائع.

لم يرَ أحدٌ صاحب الخطوات، غير أن الأسطح عند الفجر كانت تتلألأ بذرات فضية دافئة، وكانت البيوت التي ارتجفت طوال الشتاء تنبض بحرارة لطيفة، كأن السماء نفسها انحنت فوقها واحتضنتها.

وحدها الطفلة ليان لم تنم في تلك الليلة، لأنها رأت خلف الستارة إصبعاً عملاقاً يهبط من بين السحب، ويضع نجمة حقيقية فوق نافذتها.

قصة حارس الليل اللطيف سر العملاق الذي كان يكسو المدن ببطانية من النجوم

المدينة التي كان البرد ينهش جدرانها

كانت مدينة وادي السكون تستلقي بين جبلين رماديين، لا تصل إليهما الشمس إلا متأخرة، ثم ترحل قبل أن تجف قطرات الندى عن الحجارة.

وفي الشتاء، كانت الرياح تعوي في الأزقة كذئاب جائعة، وتندس من شقوق النوافذ لتعض أصابع الأطفال النائمين.

كانت المداخن تنفث دخاناً أسود طوال الليل، ومع ذلك لم يكن الحطب يكفي الجميع.

وكان سكان الطرف الشمالي من المدينة، حيث البيوت القديمة والأسقف المهشمة، ينامون بملابسهم الثقيلة ويضعون الجرائد تحت الأبواب كي يمنعوا الهواء المتجمد من التسلل.

عاشت ليان مع جدتها في منزل صغير ذي باب أزرق باهت.

وكان سقفه يميل قليلاً نحو اليمين، حتى إن الجدة كانت تقول ضاحكة إن المنزل يشعر بالنعاس، لكن ليان كانت تعرف أن العوارض الخشبية لم تعد قادرة على احتمال الثلج.

النافذة التي لا تُغلق

في غرفة ليان نافذة مستديرة لا تنغلق تماماً، وكلما هبّت الريح أطلقت صفيراً طويلاً كأنها تستغيث.

كانت الجدة تحشو الفجوة بقطعة صوف قديمة، لكن الصوف كان يسقط قبل منتصف الليل، فيتسلل البرد إلى الفراش ويوقظ الطفلة.

في تلك الليلة، كانت الجدة مريضة، تتنفس بصعوبة تحت ثلاث بطانيات ثقيلة.

وضعت ليان كفيها الصغيرتين فوق يدها، فوجدتها باردة كحجر أُخرج تواً من قاع بئر.

قالت الجدة بصوت خافت:

نامي يا صغيرتي، سيطلع الصباح سريعاً.

لكن ليان لم تجب، لأن الصباح في وادي السكون لم يكن يأتي سريعاً أبداً، ولأن عيني جدتها كانتا تغلقان بطريقة جعلت قلبها ينقبض كقبضة مذعورة.

الخطوات التي هزّت أكواب المطبخ

بعد منتصف الليل بقليل، سكتت الريح فجأة، وانطفأ صفير النافذة، حتى بدا الصمت ثقيلاً إلى حد أن ليان سمعت دقات الساعة في الطابق السفلي، وسمعت حبات الثلج تنزلق فوق السقف واحدة تلو الأخرى.

ثم جاء الصوت.

دَوْيٌ عميق ارتجفت له أرض الغرفة، وتحرك كوب الماء فوق الطاولة الصغيرة، ثم جاء دَوْيٌ ثانٍ، وثالث، تفصل بينها فترات طويلة، كأن شخصاً ضخماً يسير ببطء شديد كي لا يوقظ المدينة.

اقتربت ليان من النافذة، وأزاحت الستارة بطرف إصبعها.

لم ترَ في البداية إلا الضباب وهو يزحف بين المنازل، لكنها لاحظت أن أعمدة الإنارة اختفت خلف ظل هائل يتحرك في الشارع.

وجه بين السحب

ارتفع الظل حتى لامس طبقات الغيم، ثم انحنى، فظهر وجه عملاق ذي لحية بيضاء تلمع فيها نقاط زرقاء كبلورات الثلج.

كانت عيناه واسعتين بلون الليل قبل الفجر، وفيهما حزن هادئ لا يشبه وجوه الوحوش في حكايات الأطفال.

كان العملاق يسير على أطراف أصابعه، حاملاً فوق كتفه لفافة سوداء هائلة مرصعة بالضوء.

وكلما توقف عند منزل، قطع من اللفافة قطعة شفافة، ثم نشرها فوق السقف بحنان من يغطي طفلاً نائماً.

ما إن تلامس القطعة المنزل حتى تتوهج آلاف النجوم الصغيرة داخلها، وتذوب طبقة الثلج، ويتصاعد من النوافذ بخار دافئ تفوح معه رائحة الخبز والقرفة.

حبست ليان أنفاسها، وراحت تراقبه ينتقل من بيت إلى آخر، إلى أن وصل أمام منزلها.

النجمة التي سقطت في يد ليان

انحنى العملاق فوق السقف، ومدّ يداً أكبر من ساحة المدينة.

كانت أصابعه مغطاة بقفازات داكنة، غير أن أحدها ارتجف حين حاول فرد البطانية النجمية، فسقطت منها نجمة صغيرة واستقرت فوق حافة النافذة.

فتحت ليان النافذة بحذر، فاندفع الهواء البارد إلى الغرفة، لكنها لم تشعر به.

كانت النجمة أمامها بحجم حبة جوز، تنبض بضوء ذهبي وتصدر طنيناً رقيقاً يشبه غناءً بعيداً.

مدّت يدها، وما إن لامستها حتى انتقلت الحرارة إلى أصابعها، ثم إلى ذراعيها، ثم إلى صدرها.

شعرت كأنها تجلس قرب موقد مشتعل، وشمّت رائحة الصيف والتراب بعد المطر.

قال صوت عميق من الخارج:

أعيديها إليّ، أرجوك.

حارس الليل يكشف اسمه

رفعت ليان رأسها، فوجدت عين العملاق تملأ النافذة.

تراجعت خطوة، لكن النظرة التي قابلتها لم تحمل غضباً، بل رجاءً خافتاً جعل خوفها يتراجع.

سألته وهي تضم النجمة إلى صدرها:

هل أنت من يدفئ البيوت؟

تنهد العملاق، فاهتزت الستارة كأن نسمة قوية مرت بالغرفة، ثم قال:

اسمي عمر، وأنا حارس الليل.

منذ مئات الأعوام أجمع النجوم التي تسقط خلف الجبال، وأنسج منها أغطية للمدن التي يشتد عليها الشتاء.

نظرت ليان إلى جدتها، ثم إلى النجمة في يدها، وقالت:

جدتي مريضة، ومنزلنا أبرد من كل المنازل.

هل تستطيع أن تضع فوقه نجمتين؟

خفض عمر عينيه، وبدا الحزن فيهما أعمق من السماء نفسها.

كنت سأفعل، لكنني لم أعد أملك ما يكفي.

السرّ المخفي داخل لفافة النجوم

فتح العملاق جزءاً من اللفافة التي يحملها، فرأت ليان أن معظمها صار أسود وخالياً، ولم يبقَ فيه سوى بقع قليلة من الضوء.

كانت بعض النجوم تنطفئ ببطء، تاركة وراءها رماداً فضياً يتطاير في الهواء.

قال عمر:

كل نجمة تحتاج إلى حلم دافئ كي تظل مشتعلة.

كان الناس قديماً ينامون وهم يتمنون الخير لبعضهم، فتصل أحلامهم إلى السماء وتغذي النجوم.

مرر كفه فوق اللفافة، فانطفأت نجمة أخرى بين أصابعه.

أما الآن، فقد صار كثيرون يغلقون أبوابهم قبل أن يسألوا عن جيرانهم.

صارت البيوت متقاربة، لكن القلوب بعيدة، ولذلك تذبل النجوم قبل أن أصل بها إلى المدن المحتاجة.

شعرت ليان أن النجمة التي تحملها خفت ضوؤها قليلاً.

ونظرت إلى الشارع، فرأت خلف النوافذ ستائر محكمة، وأبواباً مغلقة، ومداخن يتصاعد منها الدخان في بيوت دافئة، بينما كان الجيران الفقراء يرتجفون على بعد خطوات.

الخطر القادم من الجبل

فجأة دوّى صوت تشقق هائل من ناحية الجبل الشمالي، وانزلقت كتلة ضخمة من الثلج على السفح، ثم توقفت فوق المدينة كوحش أبيض يستعد للانقضاض.

قال عمر مذعوراً:

عاصفة الجبل استيقظت قبل موعدها.

حين تصل، لن تصمد الأسقف القديمة حتى الفجر.

أشار إلى لفافته الخافتة وأضاف:

كنت أحتاج إلى مئة نجمة كي أغطي المدينة كلها، ولم يبقَ لدي سوى سبع عشرة.

إن وزعتها، ستدفأ بيوت قليلة، وسيبتلع الصقيع ما سواها.

قبضت ليان على النجمة بقوة حتى وخز الضوء راحة يدها.

كانت تستطيع أن تطلب منه إنقاذ منزلها وجدتها، ثم تترك بقية المدينة لمصيرها، لكن صورة الأطفال في الحي الشمالي مرت أمامها، وصوت الريح في نوافذهم بدا كأنه يصرخ داخل رأسها.

قالت:

أعطني لحظة واحدة.

الأجراس التي أيقظت القلوب قبل البيوت

ركضت ليان إلى أسفل المنزل، وارتدت معطفها فوق ثوب النوم، ثم فتحت الباب واندفعت إلى الشارع.

كان الثلج يلسع وجهها، لكنها تابعت الجري نحو البرج القديم في وسط المدينة.

صعدت السلالم الحجرية وهي تلهث، حتى وصلت إلى الحبل المعلق أسفل الجرس النحاسي الكبير.

أمسكت به بكلتا يديها، وقفزت إلى الخلف، فانطلق صوت الجرس عالياً، عميقاً، مزلزلاً، وانتشر بين الأزقة كالبرق.

رنت ضربة ثانية، ثم ثالثة، فبدأت النوافذ تفتح، وظهرت وجوه ناعسة وغاضبة.

خرج الخباز وهو يلف حول كتفيه بطانية، وخرج الحداد حاملاً مصباحاً، وراحت الأصوات تتساءل إن كان حريق قد اندلع.

طلب واحد تحت سماء بلا نجوم

وقفت ليان فوق درجات البرج، وصاحت بأعلى صوتها:

العاصفة قادمة، والنجوم لا تستطيع حمايتنا لأننا نسينا كيف نحلم لبعضنا!

ضحك بعض الناس، وظن آخرون أن البرد أربك عقلها، لكن عمر خرج من خلف الضباب في تلك اللحظة، فغطى ظله ساحة المدينة كلها، وسقط الصمت على الوجوه المفتوحة.

انحنى العملاق، ووضع لفافته السوداء أمامهم.

رأى الجميع النجوم وهي تحتضر داخل النسيج، ورأوا كتلة الثلج فوق الجبل تتحرك ببطء نحو الوادي.

قالت ليان:

لا أطلب منكم مالاً ولا حطباً.

أغمضوا أعينكم فقط، وتمنوا الدفء لبيت غير بيتكم، ولطفل غير أطفالكم، ولشخص ربما لا تعرفون اسمه.

تردد الناس لحظات، ثم أغمضت الجدة رؤى عينيها وتمنت الشفاء لامرأة تسكن في آخر الشارع.

وتمنى الخباز أن يجد أطفال الحي الشمالي خبزاً ساخناً عند الصباح، بينما تمنى الحداد أن يصمد سقف منزل الأرملة التي لم يكن يكلمها منذ سنوات.

حين اشتعلت السماء من داخل المدينة

بدأ الأمر بوميض صغير داخل لفافة عمر، ثم اشتعلت نجمة، تلتها أخرى، ثم عشرات النجوم دفعة واحدة.

ارتفع الضوء من الساحة كنافورة ذهبية، وصار الثلج حول أقدام الناس يذوب في دوائر واسعة.

كل أمنية صادقة تحولت إلى خيط من النور، يصعد من صدر صاحبها ويلتف حول اللفافة.

ومع كل خيط، كانت نجمة جديدة تولد، حتى امتلأ النسيج الأسود بمجرات صغيرة تتحرك كعيون مضيئة.

ضحك عمر للمرة الأولى، وكان ضحكه يشبه الرعد البعيد حين لا يحمل عاصفة.

رفع البطانية النجمية بيديه، فامتدت فوق المدينة من الجبل إلى النهر، وراحت تتسع حتى غطت الأسطح والشوارع والأشجار.

المواجهة فوق الأسطح

في اللحظة نفسها، اندفعت عاصفة الجبل نحو الوادي، حاملة جداراً من الثلج والريح.

اصطدمت بالبطانية النجمية، فارتفعت ألسنة ضوء زرقاء وذهبية، واهتزت المدينة حتى تساقط الغبار من الجدران.

ضغط عمر بكل قوته على أطراف البطانية، لكن العاصفة شقت جزءاً منها فوق الحي الشمالي.

اندفع الهواء المتجمد عبر الفتحة، وتحطمت نوافذ عدة منازل، وبدأت الأسقف تئن تحت الثقل.

رأت ليان النجمة الصغيرة لا تزال في يدها، وقد صارت أكثر سطوعاً من قبل.

فهمت أنها النجمة التي طلب عمر استعادتها، وأنها ربما تكون القطعة الأخيرة اللازمة لإغلاق الشق.

صعدت فوق حافة البرج، ومدت يدها نحو العملاق قائلة:

خذها، لكن اجعلها فوق بيوت الذين لا يملكون شيئاً.

تناول عمر النجمة بطرف إصبعه، ووضعها في قلب الفتحة.

انفجرت دائرة من الضوء الأبيض، وانغلقت البطانية فوق المدينة، ثم ارتدت العاصفة إلى السماء وتحولت حبات الثلج في الهواء إلى أسراب من الفراشات اللامعة.

الفجر الذي جاء دافئاً لأول مرة

عندما طلع الصباح، لم يكن ثلج واحد يغطي الأسطح.

كانت قطرات الماء تنساب من المزاريب، وكانت النوافذ معتمة ببخار الدفء، فيما انتشرت في الأزقة رائحة الخبز والحساء والخشب المشتعل.

عاد الناس إلى بيوتهم، لكنهم لم يغلقوا أبوابهم كما اعتادوا.

حمل الخباز سلال الخبز إلى الحي الشمالي، وأصلح الحداد سقف الأرملة، ووزعت العائلات الحطب على المنازل التي نفد وقودها.

ركضت ليان إلى منزلها، فوجدت الجدة جالسة قرب النافذة، وقد عاد اللون إلى خديها.

كانت البطانيات الثقيلة ملقاة جانباً، وفوق السقف تلألأت نجمة أكبر من سائر النجوم، ترسل خيطاً من الضوء إلى الغرفة.

قالت الجدة مبتسمة:

رأيت حلماً غريباً الليلة.

رأيت المدينة كلها تحت بطانية واحدة.

أمسكت ليان يدها، فوجدتها دافئة، ولم تقل شيئاً، لأن بعض الأسرار تصبح أجمل حين تبقى معلقة بين القلب والسماء.

الهدية الأخيرة من حارس الليل

قبل أن يختفي عمر خلف الجبل، انحنى فوق برج المدينة ووضع شيئاً صغيراً قرب الجرس.

وحين صعدت ليان لتراه، وجدت بكرة من خيط فضي، وفي طرفها إبرة مصنوعة من ضوء ناعم.

ظهر صوت العملاق من بين السحب:

لن أستطيع زيارة كل مدينة وحدي يا ليان.

حين ترين بيتاً بارداً، أو قلباً أغلق بابه، استخدمي هذا الخيط.

لا تحتاج بطانيات النجوم إلى أيدٍ عملاقة، بل إلى شخص يتذكر أن الدفء لا ينقص حين نتقاسمه.

ومنذ ذلك اليوم، كان أهل وادي السكون يرون أحياناً فتاة صغيرة تمشي ليلاً بين المنازل، تحمل إبرة مضيئة وتصلح الثقوب غير المرئية في سماء المدينة.

أما عمر، فظل يزورهم كل شتاء، يسير على أطراف أصابعه كي لا يوقظ الأطفال، لكنه لم يعد يحمل لفافته وحيداً؛ فقد كانت مئات الخيوط المضيئة ترتفع من البيوت نحوه، قبل أن يطلبها.

لم تكن النجوم التي دفأت وادي السكون كرات من نار معلقة في الفضاء فحسب، بل كانت الأمنيات التي خرجت من القلوب حين توقفت عن الانغلاق على خوفها.

فالبيت الذي يحتفظ بدفئه لنفسه قد ينجو ليلة، لكنه يظل محاطاً بمدينة باردة.

وحين يتذكر الإنسان أن نافذة جاره قد ترتجف من الريح نفسها، يصبح الضوء أكثر من زينة في السماء، ويصير اللطف بطانية خفية، واسعة بما يكفي لتغطية العالم كله, قصة الشجرة المتحدثة سر الضحكة التي أعادت الطيور إلى الغناء من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد