الشجرة الغامضة على أطراف القرية، في أقصى طرف القرية، حيث ينتهي الطريق الترابي عند تل تكسوه الأعشاب البرية، وقفت شجرة عتيقة لم يعرف أحد متى نبتت، ولا كيف ظلت أوراقها خضراء حتى في أشد أيام الشتاء قسوة، كان جذعها عريضا كأنه باب قلعة قديمة، تتلوى فوقه الشقوق كخطوط وجه حكيم عاش مئات السنين، بينما امتدت أغصانها في السماء مثل أذرع طويلة تبحث عن شيء ضاع منها منذ زمن بعيد.
غير أن أغرب ما في تلك الشجرة لم يكن عمرها، ولا ظلها الواسع، ولا ثمارها الذهبية الصغيرة، بل الصوت الذي كان يتسلل من بين أوراقها كلما حل المساء، صوت دافئ يضحك بهدوء ثم يسأل عن العصفور الذي لا يضيع طريقه أبدا لأنه يسأل الريح دوما قبل أن يطير، ولم يكن أحد يدري أن تلك المزحة البسيطة ستغير القرية بأكملها.
القرية التي نسيت صوت التغريد
كانت قرية السهل الأخضر تعرف قديما باسم قرية الألحان، لأن الطيور كانت تستيقظ قبل الشمس، فتملأ النوافذ بأغنيات رقيقة تشبه قطرات الندى حين تسقط فوق أوراق النعناع، لكن ذلك كله تغير بعد عاصفة سوداء اجتاحت الوادي، فاقتلعت أعشاشا كثيرة، وبددت أغصانا، وتركت وراءها سماء ثقيلة ورائحة طين بارد تلتصق بالبيوت والقلوب.
منذ تلك الليلة، توقفت الطيور عن الغناء، وصارت تجلس فوق الأسوار في صمت، نافشة ريشها، منكسة رؤوسها، كأن كل واحدة منها تحمل حجرا صغيرا في صدرها، حتى الأطفال شعروا بأن القرية لم تعد كما كانت، فغابت ضحكاتهم من الأزقة، وصاروا يعبرون الطريق إلى المدرسة بخطوات بطيئة، لا يتسابقون ولا يتبادلون الحكايات.
وكان أكثرهم حزنا صبي يدعى يامن، في العاشرة من عمره، له عينان واسعتان تميلان إلى لون البندق، وشعر أسود لا يستقر مهما حاولت أمه ترتيبه، كان يامن يحب الاستيقاظ على تغريد العصافير، ويؤمن أن لكل طائر أغنية تخصه وحده، لذلك بدا له صمتها كأن جزءا من الصباح قد اختفى.
عصفورة لا تفتح منقارها
في صباح رمادي، لمح يامن عصفورة زرقاء صغيرة تقف فوق سور منزله، تنظر إلى الحديقة بعينين ذابلتين، ولا تحرك جناحيها إلا قليلا، اقترب منها ببطء ووضع بعض الحبوب فوق كفه، وطمأنها أنه لن يؤذيها، وتمنى فقط أن يسمع منها لحنا واحدا، نظرت العصفورة إليه، والتقطت حبة صغيرة، لكنها لم تغن، بل أطلقت زفرة خفيفة لم يسمعها إلا لأن المكان كان ساكنا إلى حد مؤلم.
قالت شقيقته الصغيرة سلمى، التي كانت تقف خلف الباب، إن الطيور ربما نسيت كيف تغرد، فهز يامن رأسه وأجاب أنه لا يظن أن الأصوات تنسى، لكنها ربما تختبئ عندما يكون القلب حزينا، بقيت كلماته معلقة في الهواء، بينما رفرفت العصفورة بعيدا نحو التل، واتجهت إلى الشجرة العتيقة التي لم يكن الأطفال يقتربون منها بعد الغروب.
اللقاء الأول مع الشجرة الناطقة
الهمسة التي خرجت من الجذع
في ذلك المساء، قرر يامن أن يتبع العصفورة الزرقاء، فصعد التل وحده بينما كانت الشمس تغرق خلف الحقول، وتصبغ الغيوم بلون نحاسي داكن، كانت الأعشاب تلامس ساقيه وتصدر حفيفا غريبا، أما الشجرة العتيقة فبدت أكبر من المعتاد، وقد تجمعت فوق أغصانها عشرات الطيور الصامتة.
وقف يامن بعيدا يراقبها، ثم سمع صوتا خشنا يعلق على وجوه الطيور الطويلة ويمازحها بأنها لو طالت أكثر لوصلت مناقيرها إلى الأرض قبل أقدامها، رفع يامن رأسه بسرعة، وبحث بين الأغصان عن الرجل الذي تكلم، لكنه لم ير أحدا، تكرر الصوت محذرا إياه من النظر إلى الأعلى كثيرا حتى لا تسقط منه دهشته.
تراجع يامن خطوة، واتسعت عيناه، وهمس متسائلا عمن يتحدث، اهتزت أوراق الشجرة دون أن تهب الريح، وانفتح شق صغير في الجذع كأنه فم عجوز يبتسم، قالت الشجرة إنها هي التي تتحدث، ولا داعي لأن يفتح فمه هكذا، فالذباب قد يظنه منزلا شاغرا، تجمد يامن لحظة، ثم انفجر ضاحكا رغم خوفه، وكانت ضحكته أول صوت مرح يسمعه التل منذ العاصفة.
أول نكتة للطيور الحزينة
اقترب يامن بحذر، ومرر أصابعه فوق الجذع الخشن، فشعر باهتزاز خفيف يشبه نبضا بطيئا تحت اللحاء، سألها إن كانت تتحدث منذ زمن طويل، فأجابت أنها تتحدث منذ أن كانت جدته تركض حافية خلف الفراشات، لكنها كانت آنذاك مشغولة بسرقة التوت فلم تسمعها.
ثم التفتت الشجرة بصوتها نحو الطيور وسألتها عن الديك الذي وقف فوق ساعة القرية، فأجابت بنفسها أنه أراد أن يعرف متى يحين وقت الصياح بعدما مل الاستيقاظ مبكرا دون موعد، أطلقت عصفورة صفراء صوتا قصيرا يشبه العطسة، ثم هزت جناحيها كأنها تحاول إخفاء ابتسامة.
أما العصفورة الزرقاء، ففتحت منقارها وأصدرت نغمة صغيرة مرتجفة، لم تكن أغنية كاملة، لكنها كانت أشبه بأول شعاع شمس يدخل غرفة مظلمة، قالت الشجرة بسرور إنهم بدأوا للتو، وإن الضحكة الصغيرة لا تقل شأنا عن الكبيرة، فالنهر نفسه يبدأ بقطرة.
سر الشجرة وحكمتها
جلس يامن تحت أغصانها، وسألها كيف تستطيع الكلام، ولماذا لا يسمعها أهل القرية، ساد الصمت للحظة، وانسابت رائحة خشب رطب من الجذع، ثم قالت إنها لا يسمعها إلا من جاء وفي قلبه رغبة صادقة في إسعاد غيره.
رفرفت بعض الطيور فوق رأسه، بينما تابعت الشجرة حديثها، فروت أنه منذ سنوات بعيدة كان أطفال القرية يجلسون تحت ظلها، يتبادلون الحكايات والكلمات الطيبة، وكانت ضحكاتهم تسقيها مثل المطر، لكن الناس صاروا يمرون سريعا، يحملون همومهم ولا يتركون منها شيئا على الطريق، حتى نسوا أن الكلمة الجميلة قد تكون جناحا لمن أثقله الحزن.
سأل يامن إن كانت تستطيع إعادة الطيور إلى الغناء، فأجابت أنها تستطيع أن تفتح نافذة في حزنها، لكن عليها هي أن تختار الطيران منها.
الحزن لا يخاف الصمت
أشارت الشجرة بأحد أغصانها إلى غراب أسود كان يقف منفردا عند الطرف، يحدق في الوادي ولا يلتفت إلى بقية الطيور، أخبرته أن ذلك الغراب فقد عشه في العاصفة، ومنذ ذلك الحين يظن أن الضحك خيانة لما خسره.
اقترب يامن من الغراب واعتذر له عن ضياع عشه، فلم يتحرك الغراب، لكن عينيه السوداوين لمعتا في ضوء الغروب، أضاف يامن أنه لن يطلب منه أن ينسى، لكن ربما يستطيع أن يبني عشا جديدا عندما يكون مستعدا، اهتز جناح الغراب، وأصدر نعيقا منخفضا، فأثنت الشجرة على يامن، وقالت إن الحزين أحيانا لا يحتاج إلى نكتة، بل إلى شخص يعترف بأن ألمه حقيقي.
ثم رفعت غصنا رفيعا وسألت الغراب بمرح لماذا لا يكتب رسائل، وأجابت بنفسها أنه كلما أمسك القلم ظنه غصنا وبدأ يبني به عشا، صدر عن الغراب صوت غريب، نصفه نعيق ونصفه ضحكة، ثم فرد جناحيه للمرة الأولى منذ أيام.
حين وصلت الضحكة إلى القرية
عاد يامن إلى منزله متأخرا، وقد التصق الطين بحذائه، وامتلأ رأسه بأصوات الشجرة وكلماتها، في صباح اليوم التالي، جمع سلمى وعددا من أطفال القرية، وقادهم نحو التل، رغم اعتراض بعضهم وخوف البعض الآخر من الحكايات القديمة التي تصف الشجرة بأنها مسكونة.
تساءلت طفلة تدعى ليان عما لو كانت الشجرة شريرة، فابتسم يامن وأجابها أن الشجرة الشريرة لا تروي نكاتا عن الديوك، عندما وصل الأطفال، لم تقل الشجرة شيئا في البداية، وظلت أوراقها ساكنة، فشعر يامن بالإحراج وهمس لها ألا تجعله يبدو كاذبا بعدما أخبرهم عنها.
خرج صوتها فجأة موضحا أنها كانت تختبر صبرهم، ويبدو أن بعضهم يحتاج إلى صبر أطول من ذيل القطة، شهق الأطفال، ثم تراجعوا، لكن سلمى تقدمت وسألتها إن كانت تعرف نكتة عن القطط، أجابت الشجرة بالتأكيد، وروت لماذا جلست القطة قرب الحاسوب، لأنها كانت تبحث عن الفأرة، انفجر الأطفال بالضحك، وسقط أحدهم على العشب، بينما اهتزت الأغصان كأن الشجرة تضحك معهم.
صندوق الكلمات المضيئة
بعد أن هدأ الأطفال، طلبت منهم الشجرة ألا يكتفوا بالنكات، بل تريد من كل واحد منهم أن يقول كلمة طيبة لطائر حزين، تقدم الأطفال واحدا تلو الآخر، فمدحت سلمى ريش العصفورة الزرقاء، وقالت ليان للحمامة إن صوت جناحيها يشبه المطر الخفيف.
أما فتى يدعى نادر، فوقف أمام الغراب وقال بتردد إنه كان يظن أن لونه مخيف، لكنه الآن يراه مثل سماء الليل التي تخفي نجومها في الداخل، رفع الغراب رأسه، ورفرف فوقهم في دائرة واسعة، ثم أطلق نغمة قوية ترددت بين التلال.
اقترحت الشجرة أن يصنع الأطفال صندوقا خشبيا، ويضعوا فيه كل يوم أوراقا تحمل كلمات جميلة يكتبونها لبعضهم، كتب يامن أول ورقة يقول فيها إن الابتسامة لا تحل كل المشكلات، لكنها تجعل الطريق إليها أقل وحشة، وكتبت سلمى أن الإنسان حين يقول لشخص كلمة طيبة، فإنه يزرع شجرة صغيرة في قلبه، علق الأطفال الصندوق في أحد فروع الشجرة، وصاروا يسمونه صندوق الكلمات المضيئة، لأنهم كانوا يشعرون بأن الأوراق داخله تلمع حتى في الظلام.
الخطر الذي هدد الشجرة العتيقة
لم يستمر الهدوء طويلا، فقد قرر عمدة القرية شق طريق جديد يمر من فوق التل، وقال إن الشجرة تقف في مكان غير مناسب ويجب قطعها، وصل رجال يحملون فؤوسا ومناشير، وتقدموا نحو الجذع في صباح بارد، بينما طارت الطيور مذعورة في جميع الاتجاهات.
ركض يامن والأطفال إلى التل، ووقفوا أمام الشجرة، رافعين أذرعهم رغم أن ركبهم كانت ترتجف، أصر العمدة على ابتعادهم، قائلا إن الشجرة قديمة والطريق أهم منها، صاح يامن معترضا بأنها ليست مجرد شجرة، فهي تتحدث، وتساعد الطيور، وتعلمهم كيف يسعدون الآخرين، ضحك بعض الرجال، وسخر أحدهم متسائلا إن كانت الشجرة سترويهم نكتة قبل أن يقطعوها، انتظر الجميع أن تتكلم، لكن الشجرة التزمت الصمت، ولم تتحرك منها ورقة واحدة.
الكلمة التي كانت أقوى من الفأس
شعر يامن بالخوف، لكنه تذكر قول الشجرة إن الكلمات الجميلة تكون أحيانا جناحا لمن أثقله الحزن، التفت إلى رجال القرية وقال إنهم حتى إن لم يسمعوها، فقد علمتهم الشجرة شيئا لم يستطيعوا تعلمه من الصمت، فقد أعادت الطيور إلى الغناء، وأعادتهم هم إلى الضحك.
تقدمت سلمى وأخرجت صندوق الكلمات المضيئة، ثم فتحت الغطاء، فتطايرت الأوراق بفعل الريح وانتشرت حول الرجال، التقط العمدة ورقة كتب عليها طفل صغير شكرا لأبيه لأنه يعمل كثيرا حتى لا ينقصهم شيء، وكانت الورقة مكتوبة بخط ابنه، تغير وجه العمدة، وخفتت القسوة في عينيه، ثم طوى الورقة بعناية ووضعها في جيبه.
التقط رجل آخر رسالة موجهة إلى عمه سالم، تقول إنه رغم أنه لا يبتسم كثيرا، فهو أول من يساعدهم عندما يحتاجون إليه، ساد صمت عميق، وأخفض الرجال فؤوسهم واحدا بعد الآخر، في تلك اللحظة، اهتزت الشجرة، وضحكت ضحكة عميقة جعلت الأوراق تتراقص فوق رؤوسهم، وعلقت أن الفؤوس كانت تحتاج إلى سماع كلمات طيبة أيضا.
تراجع الرجال بدهشة، بينما جلس العمدة على الأرض من شدة المفاجأة، ثم سألته الشجرة عن سبب عدم صلاحية المنشار ليكون عازف موسيقى، وأجابت بنفسها أنه يقطع اللحن قبل أن يكتمل، لم يتمالك الأطفال أنفسهم، فضحكوا، ثم ضحك الرجال، وأخيرا ضحك العمدة حتى ظهرت الدموع في عينيه.
أغنية فوق الأغصان
قرر أهل القرية تغيير مسار الطريق، وأقاموا حول الشجرة مقاعد خشبية وحديقة صغيرة، وصاروا يجتمعون تحتها عند الغروب، في اليوم الأول من الربيع، امتلأت أغصانها بمئات الطيور، من العصافير والحمام والبلابل والغربان، حتى بدا تاجها كمدينة صغيرة من الريش.
وقف يامن وسلمى وبقية الأطفال تحتها، وأمسك كل واحد منهم بورقة تحمل كلمة طيبة، قالت الشجرة إنها اليوم لن تروي نكتة، فاليوم الأطفال هم من سيصنعون الفرح، قرأ الأطفال رسائلهم بصوت مرتفع، فكانت الكلمات ترتفع في الهواء مثل فراشات مضيئة، وتدور حول الأغصان.
وفجأة، فتحت العصفورة الزرقاء منقارها وأطلقت لحنا صافيا، ثم انضمت إليها الطيور واحدة بعد أخرى، ارتفعت الأغنية فوق القرية، وانسابت بين البيوت والحقول، وتسللت من النوافذ المفتوحة، حتى خرج السكان إلى الطرقات يتطلعون نحو التل، لم تكن أغنية حزينة ولا مرحة فقط، بل كانت تحمل شيئا من الحزن الذي شفي، وشيئا من الأمل الذي ولد، وشيئا من الضحكات التي أعادت القلوب إلى الحياة.
نظر يامن إلى الشجرة، فرأى على جذعها ابتسامة واسعة، وسألها إن كانت ستظل تتحدث دائما، أجابته أنها ما دامت في القرية كلمة طيبة لم تقل بعد، فلن ينتهي حديثها، ثم أسقطت فوق رأسه ثمرة صغيرة، وحذرته مازحة ألا يظن أنها ستعفيه من إعادة الثمرة، فهي شجرة منظمة جدا، ضحك يامن، وضحكت القرية كلها معه.
منذ ذلك اليوم، لم تعد قرية السهل الأخضر تعرف بألحان طيورها فقط، بل بما يقوله أهلها بعضهم لبعض عندما يثقل التعب خطواتهم، فقد أدركوا أن القلب، مثل العصفور، قد يطوي جناحيه حين يحزن، لكنه لا يفقد قدرته على الطيران، بل ينتظر صوتا حنونا يذكره بالسماء.
ولم تكن الشجرة هي التي صنعت المعجزة وحدها، فقد كانت كلمات الأطفال الصغيرة، وابتساماتهم الصادقة، واعترافهم بأحزان الآخرين هي الجذور الخفية التي أعادت الحياة إلى المكان، فربما لا نملك دائما ما يمحو ألم إنسان، لكننا نملك كلمة تخففه، وابتسامة تبدد بعض ظلمته، ويدا تفتح له نافذة يرى منها الضوء من جديد.
