حكاية هدية البحر الصياد الذي رفض كنوز الدنيا وطلب أمنية لم تتوقعها السمكة السحرية

الراوي
0

لم يكن البحر في تلك الليلة يشبه البحر الذي عرفه سالم طوال أربعين عاماً؛ فقد تمددت فوق مياهه غلالة زرقاء باهتة، وبدت الأمواج كأنها أنفاس مخلوق هائل نائم في العتمة، بينما راحت الريح تمر بين ألواح قاربه الخشبي مصدرة أنيناً خافتاً يوقظ في القلب مخاوف بلا أسماء.

وعندما سحب سالم شبكته قبيل الفجر، لم يجد فيها سرباً من السردين ولا أخطبوطاً عالقاً بخيوطها، بل رأى ضوءاً أخضر ينبض تحت الحبال المبللة، ورأى عينين ذهبيتين تحدقان فيه من بين قطرات الماء، ثم سمع صوتاً واضحاً يخرج من جوف الشبكة ويقول:

أطلق سراحي يا سالم، وسأجعل أفقر صياد على الساحل أغنى رجل تحت السماء.

حكاية هدية البحر الصياد الذي رفض كنوز الدنيا وطلب أمنية لم تتوقعها السمكة السحرية

الرجل الذي كان يحمل البحر فوق كتفيه

كان سالم يعيش في كوخ صغير عند الطرف الشرقي من قرية المرسى، حيث تتراجع البيوت عن الشاطئ كأنها تخشى غضب المد، وحيث تفوح في الأزقة رائحة الملح والقطران والأسماك المجففة، وتمتزج بأصوات النوارس وصياح الباعة منذ الساعات الأولى للصباح.

لم يكن كوخه يملك من الزينة سوى نافذة ضيقة تواجه الأفق، ومصباح نحاسي أكل الصدأ حوافه، وصورة قديمة لزوجته مريم معلقة فوق رف من الخشب، تبتسم فيها ابتسامة هادئة لا تشبه شيئاً من قسوة الأيام التي جاءت بعد رحيلها.

منذ أن اختطف المرض مريم قبل سبعة أعوام، أصبح الصمت رفيق سالم الوحيد؛ يأكل معه، وينام إلى جواره، ويخرج معه إلى البحر، ثم يعود قبله فيجلس في الكوخ منتظراً كضيف ثقيل لا يعرف كيف يودع صاحبه.

كان يملك ابنة وحيدة تدعى ليلى، تزوجت وانتقلت إلى بلدة بعيدة خلف الجبال، وكانت ترسل إليه الرسائل كل شهر، تدعوه فيها إلى الإقامة معها، لكنه كان يطوي أوراقها بعناية ويضعها في صندوق صغير قرب سريره.

كان يقول لنفسه إن البحر يحتاج إليه، غير أن الحقيقة التي لم يجرؤ على الاعتراف بها كانت أشد مرارة؛ فقد كان يخشى أن يترك الكوخ الذي ما زالت جدرانه تحتفظ بصوت مريم، ويخشى أكثر أن يذهب بعيداً فلا يجد مكاناً يليق بوحدته.

ديون لا يراها أحد

لم يكن سالم جائعاً بالمعنى الذي يعرفه الفقراء، فقد كان البحر يمنحه ما يكفيه من السمك والخبز، لكنه كان مثقلاً بديون أخرى لا تكتب في دفاتر التجار، ولا يسددها الذهب مهما كثر.

كان مديناً لنفسه بسنوات من النوم الهادئ، ومديناً لقلبه بليال لم يرتجف فيها كلما هبت عاصفة، ومديناً لذكرى مريم باعتذار لم يقله حين تشاجرا في صباح يومها الأخير بسبب أمر تافه لم يعد يتذكره.

كل ليلة، كان يستلقي فوق فراشه الخشن، ويغمض عينيه، فتعود إليه الجملة ذاتها كشوكة تحت الجلد، كان ينبغي أن أودعها بلطف.

ولذلك، لم تكن الأمواج هي التي أنهكته، ولا الحبال التي شققت كفيه، ولا الشمس التي لوحت وجهه حتى صار أشبه بخشب قديم؛ كان ما يسحقه حقاً بحراً آخر يسكن صدره ولا ينحسر.

ليلة بلا نجوم

في مساء اليوم الذي بدأت فيه الحكاية، خرج سالم بقاربه رغم تحذيرات الصيادين، فقد كانت السماء ملبدة بسحب كثيفة، وكان شيخ الميناء قد وقف عند الرصيف رافعاً مصباحه وصاح فيه:

عد إلى كوخك يا سالم، البحر لا يفتح فمه هكذا إلا عندما يريد أن يبتلع شيئاً.

لكن سالم أدار المجداف ودفع القارب بعيداً، فقد كان مديناً لبائع الحبوب، ولم يبق في جرته سوى قبضة من الدقيق، كما أن السكون داخل كوخه كان أثقل عليه من هدير الريح في عرض الماء.

كلما تقدم، اختفت أضواء القرية خلف الضباب، وصار البحر كتلة سوداء لا يقطعها إلا لمعان الزبد على رؤوس الموج، فيما راحت قطرات المطر تضرب وجهه كحبات رمل باردة.

وحين بلغ المنطقة التي يسميها الصيادون بئر الزرقة، شعر بأن الماء من حوله قد هدأ فجأة، كأن العاصفة توقفت عند حدود دائرة خفية لا تجرؤ على عبورها.

النور العالق في الشبكة

ألقى سالم شبكته، وانتظر طويلاً دون أن يسمع ارتطام سمكة واحدة بالحبال، ثم أحس بثقل مفاجئ جذب القارب إلى جانب واحد حتى كادت حافته تغوص تحت الماء.

ثبت قدميه، وقبض على الحبل بكلتا يديه، وراح يسحب ببطء، بينما كانت عضلات ذراعيه ترتجف، وكان شيء في الأعماق يقاومه دون حركة عنيفة، كما لو أنه سمح له بإخراجه بإرادته.

ظهرت الشبكة أخيراً، يقطر منها ماء يتلألأ بلون أخضر غريب، ثم انكشف داخلها جسد سمكة بحجم ذراع رجل، ذات حراشف فضية تتبدل ألوانها كلما لامسها الضوء.

لم تكن زعانفها تتحرك، ومع ذلك لم تبد مختنقة، وكانت عيناها الواسعتان تشعان بوهج ذهبي جعل سالم يتراجع خطوة، قبل أن يسمع صوتها يخرج هادئاً وواضحاً:

تأخرت كثيراً أيها الصياد.

تجمد سالم، وحدق حوله باحثاً عن قارب قريب أو شخص مختبئ بين الضباب، لكن البحر كان خالياً، والصوت عاد ينبعث من فم السمكة:

نعم، أنا التي تكلمك، فلا تهدر الوقت في إنكار ما تراه.

عرض يتجاوز أحلام الملوك

حمل سالم السمكة بحذر ووضعها في صندوق خشبي مملوء بماء البحر، ثم جلس أمامها وهو لا يعرف أيسمي ما يحدث معجزة أم خدعة من خدع التعب والجوع.

قالت السمكة وهي تحرك ذيلها ببطء:

أنا حارسة أحد أبواب البحر السبعة، وقد وقعت في شبكة بشرية للمرة الأولى منذ مئة عام.

أطلق سراحي، ولك ثلاث أمنيات لا يعجز عنها الذهب ولا السحر.

ابتلع سالم ريقه، وسأل بصوت متردد:

ثلاث أمنيات؟

ثلاث، ولك أن تطلب ما لم تطلبه نفس قبلك، قصراً لا تنطفئ مصابيحه، أو سفناً محملة باللؤلؤ، أو أرضاً تمتد من الجبل إلى الساحل.

ومع كل أمنية كانت تذكرها، كان سطح الماء داخل الصندوق يتحول إلى مرآة حية تظهر فيها صور مذهلة؛ قاعات واسعة تعلوها الثريات، وخزائن تتدفق منها الدنانير، وحدائق تثمر أشجارها في الشتاء والصيف.

صور تلمع ثم تتلاشى

رأى سالم نفسه في ثوب من الحرير، يجلس على كرسي مطعم بالعاج، بينما يقف أمامه التجار الذين تجاهلوه سنوات وهم يحنون رؤوسهم طالبين رضاه.

ورأى قواربه تملأ الميناء، وعلى أشرعتها اسمه مكتوباً بخيوط ذهبية، ورأى الناس يتحدثون عن ثروته في الأسواق، ويرسلون أبناءهم إلى بابه حاملين الهدايا.

ثم رأى كوخاً جديداً مكان كوخه القديم، واسعاً دافئاً، لا تتسرب إليه الريح ولا تنقر الأمطار سقفه، وفي وسطه مائدة عامرة بما لم يذقه طوال حياته.

كانت الصور فاتنة إلى حد جعل أصابعه تتشبث بحافة الصندوق، لكن شيئاً خفياً داخل صدره ظل ساكناً، كأن كل ذلك البريق لم يجد الباب الذي يدخل منه إليه.

قالت السمكة بفخر:

قل كلمة واحدة، وستعود إلى قريتك سيداً لا صياداً.

الأمنية الأولى التي لم يطلبها

رفع سالم عينيه إلى السمكة وسأل:

وهل يستطيع الذهب أن يمنع القلب من الخوف؟

رمشت السمكة بعينيها الذهبيتين، وقالت:

يستطيع أن يبني لك حراساً وأسواراً وقصوراً لا تبلغها العواصف.

هز سالم رأسه ببطء:

سأخاف عندئذ على القصر والحراس والذهب، وسيصبح ما أملكه باباً جديداً للخوف.

تبدل الضوء على حراشف السمكة، وظهرت في صوتها نبرة ضيق:

إذن اطلب القوة، واجعل الناس يهابونك فلا ينازعك أحد.

ابتسم سالم ابتسامة شاحبة، وقال:

من يخافه الناس يظل مستيقظاً يتساءل أيهم سيطعنه حين يدير ظهره.

حين صمت البحر ليستمع

بدت السمكة كأنها لم تسمع جواباً كهذا من قبل، فتوقفت زعانفها عن الحركة، وسكن الماء من حول القارب حتى إن سالم سمع صوت المطر البعيد خلف الدائرة الهادئة.

قالت بعد لحظة:

اطلب عمراً طويلاً، شباباً يعود إلى جسدك، أو عودة من فقدتهم.

ارتجفت يد سالم عند العبارة الأخيرة، واتجهت عيناه دون إرادة إلى صورة مريم الصغيرة التي كان يحتفظ بها داخل جيبه، ملفوفة بقطعة قماش حتى لا يفسدها الملح.

أخرج الصورة، وظل يتأملها، بينما ارتفعت رائحة الخبز الذي كانت تخبزه في ذاكرته، وسمع ضحكتها القديمة كأنها جاءت من مقدمة القارب.

همست السمكة:

أعدها إليك، وستفتح عينيها قبل أن يبلغ قاربك الشاطئ.

الباب الذي لا ينبغي فتحه

انقبض قلب سالم حتى شعر بالألم في أضلعه، وتخيل مريم واقفة عند باب الكوخ، بثوبها الأزرق وشعرها المربوط خلف رأسها، تعاتبه لأنه تأخر في البحر.

مد يده نحو السمكة، وكاد يقول ما أرادته، لكن الصورة في ذهنه تغيرت؛ رأى مريم تنظر حولها مذعورة، تبحث عن سبع سنوات سُرقت منها، وتسأل عن جنازتها وعن جسدها الذي أعاده السحر من التراب.

سأل سالم بصوت منخفض:

هل ستعود كما كانت، أم ستعود لأنني لم أحتمل فراقها؟

لم تجبه السمكة فوراً، بل غاص رأسها قليلاً في الماء، فتأكد سالم أن وراء الوعد ثمناً لم تذكره.

قالت أخيراً:

يعود الموتى لأن الأحياء يطلبونهم، لا لأن الموتى يريدون العودة.

أعاد سالم الصورة إلى جيبه، وأغمض عينيه، ثم قال:

إذن لن أجرها من راحتها لأداوي وجعي.

غضب الحارسة

اضطرب الماء داخل الصندوق فجأة، وارتفع الضوء الأخضر حتى غمر القارب، فيما صفعت موجة قوية جانبه، رغم أن البحر حوله ظل ساكناً.

قالت السمكة بصوت صار أكثر حدة:

عرضت عليك ما قتل البشر بعضهم من أجله، فرفضت المال والقوة والعمر، ثم رفضت من تحب.

أتسخر مني؟

أجاب سالم:

لا أسخر منك، لكنك تعرضين علي أشياء تزيد ما أحمله، وأنا لم أعد أريد أن أحمل شيئاً.

اقتربت السمكة من سطح الماء، وحدقت فيه طويلاً، ثم قالت:

كل إنسان يريد شيئاً.

حتى الزاهد يريد أن يُقال عنه زاهد.

انطق بما تخفيه، وإلا تركتك هنا حتى تأتي العاصفة وتأخذك.

في تلك اللحظة، عاد هدير البحر يقترب، وظهرت على أطراف الدائرة الهادئة موجات سوداء مرتفعة، كأنها جدران تتحرك نحوه من الجهات كلها.

الأمنية التي أدهشت السمكة

أمسك سالم بحافة القارب، وشعر بالبرد يسري في عظامه، ثم نظر إلى السمكة وقال بهدوء لم يعرف من أين جاءه:

أريد ليلة واحدة أنام فيها دون أن أندم على الأمس أو أخاف من الغد.

خفت الضوء الأخضر، وكأن البحر نفسه شهق من الدهشة.

تابع سالم:

لا أريد قصراً، ولا سفناً، ولا أن يعود الموتى.

أريد أن أجلس في كوخي وأسمع المطر دون أن أتخيل سقفي ينهار، وأن أغلق عيني دون أن أرى الكلمات التي كان ينبغي أن أقولها.

ظلت السمكة صامتة، فيما اقتربت العاصفة حتى صار رذاذ الموج يلسع وجهه، لكن سالم لم يغير طلبه.

قالت أخيراً:

تستطيع أن تطلب راحة لا تنتهي، فلماذا تطلب ليلة واحدة؟

ابتسم سالم وقال:

لأن من يعرف ليلة واحدة حقيقية من السلام، قد يتعلم الطريق إليها في الليالي الأخرى.

ما لا تمنحه الكنوز

اختفت صور القصور والذهب من سطح الماء، وحل مكانها انعكاس وجه سالم المتعب، بتجاعيده العميقة وعينيه اللتين أكل السهر حواشيهما.

قالت السمكة بصوت تغيرت فيه النبرة، فلم يعد صوت حارسة متعالية، بل صوت مخلوق قديم أنهكته معرفة رغبات البشر:

مر ملوك وتجار وقادة من أمامي، وكان كل واحد منهم يطلب المزيد، حتى أولئك الذين ظنوا أنهم يملكون كل شيء.

أنت أول من يطلب أن ينقص ما في داخله بدلاً من أن يزيد ما في يده.

قال سالم:

اليد الممتلئة لا تهدئ قلباً مضطرباً.

رفعت السمكة رأسها، وظهرت فوق جبينها علامة صغيرة تشبه هلالاً من نور، ثم قالت:

لا أستطيع أن أمحو حزنك، فالحزن الذي يُمحى يمحو معه المحبة التي صنعته.

لكنني أستطيع أن أبارك قلبك حتى يحمل ذكرياته دون أن تنغرس فيه كالسكاكين.

بركة لا تُرى بالعين

طلبت السمكة من سالم أن يضع كفه فوق الماء، فتردد لحظة ثم مد يده، وحين لامست أصابعه سطح الصندوق شعر بدفء لطيف يتسلل تحت جلده، كأنه حرارة شمس شتوية عبرت إليه من قاع البحر.

دارت السمكة حول يده ثلاث مرات، وبدأت حراشفها تتساقط منها كذرات ضوء، ثم ذابت في الماء دون أن تترك أثراً.

قالت:

سأمنحك راحة البال، لكن لا كما يتخيلها الناس؛ لن تختفي المصائب، ولن تتوقف الرياح، ولن يمتنع أحباؤك عن الرحيل يوماً.

رفع سالم عينيه إليها، فأكملت:

سأمنحك القدرة على رؤية اللحظة قبل أن يلوثها خوفك، وعلى قبول ما لا تستطيع تغييره، وعلى تغيير ما تستطيع دون أن يحطمك القلق.

ثم أضافت:

وستحمل بركتي إلى كل بيت تدخله بقلب صادق، لكن البركة تضعف إن استعملتها لتنال المال أو النفوذ.

انفتاح الطريق في قلب العاصفة

حل سالم عقد الشبكة وأمسك السمكة بين كفيه، وكانت دافئة على نحو عجيب، كأن في جوفها شعلة لا تطفئها المياه.

قبل أن يلقيها في البحر، سألها:

ما اسمك؟

قالت:

كان البشر يسمونني بأسماء كثيرة، لكن البحر لا يحتاج إلى الأسماء.

تذكر فقط أن أعظم الهدايا لا تصدر صوتاً حين تصل.

أطلقها، فانزلقت من بين يديه وتحولت تحت سطح الماء إلى خط أخضر مضيء، ثم غاصت في الأعماق حتى اختفى أثرها.

وفي اللحظة ذاتها، انشقت السحب، وظهر شريط من النجوم فوق الأفق، بينما تراجعت الأمواج السوداء عن القارب كوحوش تلقت أمراً بالانسحاب.

العودة إلى كوخ لم يتغير

بلغ سالم المرسى مع شروق الشمس، فاستقبله شيخ الميناء غاضباً، وأمسك كتفيه وهو يصيح:

ظننا أنك غرقت! بحثنا عنك حتى انطفأت مصابيحنا.

كان سالم قديماً سيشعر بالضيق من الصياح، أو بالخجل لأنه أثار قلقهم، لكنه هذه المرة نظر إلى الوجوه المتعبة من حوله ورأى المحبة المختبئة تحت الغضب.

قال لهم:

سامحوني، لقد أخطأت حين خرجت وحدي.

ساد الصمت لحظة، فقد اعتاد رجال الميناء عناد سالم وقلة اعتذاره، ثم ربت الشيخ على كتفه وقال:

عد إلى بيتك قبل أن تجمد عظامك.

حمل سالم شبكته الفارغة وسار في الطريق الرملي، ولم يكن في جيبه ذهب ولا لؤلؤ، ومع ذلك بدت خطواته أخف من أي يوم مضى.

الليلة الأولى

في المساء، أشعل سالم مصباحه النحاسي، وأعد لنفسه حساءً بسيطاً من العدس والكمون، ثم جلس قرب النافذة يستمع إلى المطر وهو يطرق السقف.

تسربت قطرة ماء من شق قديم وسقطت قرب قدمه، لكنه لم يلعن فقره، بل وضع تحتها وعاءً صغيراً، وعاد إلى طعامه قبل أن يبرد.

وعندما وقعت عيناه على صورة مريم، شعر بالحزن ينهض في صدره، لكنه لم يتحول هذه المرة إلى وحش ينهش قلبه، بل مر فيه كنسمة تحمل رائحة بيت بعيد.

قال للصورة:

كنت غاضباً في صباحك الأخير، ولم أقل إنني أحبك.

لكنني أحببتك، وأظنك كنت تعرفين.

ثم أطفأ المصباح، واستلقى فوق فراشه، ولم يرَ القصور ولا الذهب ولا السمكة ذات العينين الذهبيتين؛ رأى فقط ظلاماً هادئاً، وسرعان ما غرق في نوم عميق لم يقطعه شيء حتى الصباح.

القرية التي سمعت الحكاية

لم يخبر سالم أحداً عن السمكة في الأيام الأولى، فقد خشي أن يسخر منه الرجال أو يطارد الصيادون البحر بحثاً عن أمنياتهم، لكنه لم يستطع إخفاء التغيير الذي ظهر في ملامحه.

صار يصغي إلى الناس دون أن يقاطعهم، ولا يرد على الإهانة بانفعال، وإذا اشتعل خلاف بين الصيادين عند تقسيم الرزق، جلس بينهم حتى تنخفض أصواتهم، ثم سأل كل واحد عما يخشاه حقاً.

جاءه ذات يوم تاجر غاضب يشكو من ابنه الذي يرفض العمل معه، وبعد أن تحدث طويلاً، سأله سالم:

أأنت غاضب لأنه لا يحب تجارتك، أم خائف لأنك ترى أنه لم يعد يحتاج إليك؟

توقف الرجل، وتحولت الكلمات في فمه إلى دموع، ثم عاد في اليوم التالي ليقول إن ابنه جلس معه لأول مرة منذ سنوات دون شجار.

تكررت الزيارات، وأصبح كوخ سالم مكاناً يقصده من ضاقت به نفسه، لا بحثاً عن سحر ظاهر، بل عن رجل تعلم أن يستمع إلى الألم دون أن يزيده ضجيجاً.

الطامعون في بركة البحر

انتشرت الحكاية أخيراً حين روى شيخ الميناء أنه رأى ضوءاً أخضر يحيط بقارب سالم ليلة العاصفة، فبدأ الناس ينسجون القصص، وأضاف كل راوٍ إليها ما يشتهيه قلبه.

قال بعضهم إن سالم أخفى صندوقاً من الجواهر تحت أرض كوخه، وقال آخرون إنه يعرف موضع مدينة غارقة، بينما أقسم تاجر لؤلؤ أن الصياد يحتفظ بسمكة سحرية داخل بئر خلف منزله.

جاء رجال من مدن بعيدة يحملون الهدايا، وطلبوا منه أن يدلهم على موقع السمكة، فعرض أحدهم عليه بيتاً كبيراً، وعرض آخر سفينة جديدة، ووعده ثالث بنصف ما يناله من الأمنيات.

كان سالم يبتسم ويقول:

وجدتها حين لم أكن أبحث عنها، ولن يجدها من يفتش عنها طمعاً.

غضب الطامعون واتهموه بالكذب، لكنهم رحلوا في النهاية، لأن الرجل الذي لا يريد ما في أيديهم لا يتركون في يده وسيلة لشرائه.

هدية وصلت إلى مستحقها

مرت أعوام، وشاب شعر سالم حتى صار أبيض كالزبد، وفي صباح ربيعي وصلته رسالة من ابنته ليلى تخبره أن حفيده الصغير مريض، وأنها تتمنى وجوده إلى جانبها.

نظر سالم إلى الكوخ وإلى صورة مريم وإلى البحر الذي قضى عمره فوقه، ثم جمع ثيابه في كيس صغير، وأعطى قاربه لصبي يتيم كان يساعده في إصلاح الشباك.

قال له الصبي بدهشة:

ألن تعود إلى البحر؟

أجاب سالم وهو ينظر إلى الأفق:

البحر علمني ما احتجت إليه، وحان الوقت لأتعلم كيف أكون جداً.

وقبل أن يغادر، سار إلى الشاطئ عند الفجر، ووقف طويلاً أمام الماء الصافي، ثم ألقى فيه حراشفة فضية صغيرة كان قد وجدها عالقة في كمه ليلة لقائه بالسمكة.

دارت الحراشفة فوق السطح لحظة، ثم صدر من الأعماق وميض أخضر بعيد، وسمع سالم صوتاً خافتاً لا يكاد يعلو على حفيف الموج:

هل ما زلت راضياً عن أمنيتك؟

ابتسم سالم، وقد امتلأت عيناه بدموع هادئة، وقال:

لم تكوني هدية البحر لي وحدي، بل جعلتني أرى أن قلبي كان الهدية منذ البداية، وما كان ينقصني إلا أن أتوقف عن محاربته.

اختفى الضوء، واندفعت موجة صغيرة حتى قدميه، ثم تراجعت تاركة فوق الرمل صدفة بيضاء كاملة الاستدارة، حملها سالم ووضعها في جيبه، ومضى نحو الطريق المؤدي إلى الجبال دون أن يلتفت خلفه.

قد يظن الإنسان أن نجاته تسكن وراء باب قصر، أو في صندوق من المال، أو في عودة أيام انقضت، فيظل يركض خلف ما يزيد حياته ازدحاماً، بينما يترك قلبه واقفاً في مكانه، متعباً من كثرة ما يحمل.

لم تمنح السمكة سالم حياة بلا حزن، لأن الحياة الخالية من الحزن لا تعرف المحبة، ولم تمنحه عالماً بلا خوف، لأن الشجاعة لا تولد إلا حين يوجد ما نخشى فقدانه.

منحته فقط بصيرة يرى بها أن السلام ليس بحراً ساكناً إلى الأبد، بل قارباً يتعلم صاحبه قيادته وسط الموج، وأن راحة البال لا تأتي عندما نملك كل ما نشتهي، وإنما حين نتوقف عن مطالبة الحياة بأن تكون شيئاً غير ما هي عليه، حكاية قصر الساعات قصة رحلة عبر أبواب الزمن لإنقاذ عائلته من الغرفة الأخيرة من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد