حكاية قصر الساعات قصة رحلة عبر أبواب الزمن لإنقاذ عائلته من الغرفة الأخيرة

الراوي
0

عندما دقّت الساعة الثالثة عشرة، اختفى صوت الريح من القرية، وانطفأت المصابيح في البيوت دفعة واحدة، ثم ظهر القصر فوق التل كأنه خرج لتوّه من ذاكرة ميتة.

وقف أحمد أمام بوابته الحديدية، والرسالة التي وجدها على سرير أمه ترتجف بين أصابعه، عائلتك في الغرفة الأخيرة، ولك حتى شروق الشمس.

لم يكن للقصر وجود في خرائط القرية، لكن كل طفل كان يعرف حكايته؛ بناء أسود لا يظهر إلا لمن سرق الزمن منه شيئاً لا يستطيع تعويضه.

رفع أحمد عينيه إلى النوافذ الطويلة، فرأى خلف كل نافذة سماء مختلفة؛ شمساً حمراء، وعاصفة ثلجية، وليلاً تلمع فيه نجوم لم يعرفها البشر بعد.

ثم انفتحت البوابة وحدها، وخرج من أعماق القصر رنين ساعة بطيء، يشبه صوت قلب ضخم يستيقظ تحت الأرض.

دخل أحمد، فانغلقت البوابة خلفه، وبدأ الزمن يطارده.

حكاية قصر الساعات قصة رحلة عبر أبواب الزمن لإنقاذ عائلته من الغرفة الأخيرة

البهو الذي لا تعترف ساعاته بالحاضر

كان البهو فسيحاً إلى حد بدا معه السقف غارقاً في ظلام بلا نهاية، بينما غطّت الجدران مئات الساعات المختلفة؛ ساعات جيب مذهبة، وساعات رملية، وأقراص حجرية تحرك ظلالاً بلا شمس.

لم تتفق ساعتان على توقيت واحد، ومع ذلك كانت عقاربها تتحرك بإيقاع متطابق، كأنها فرقة جنائزية تتبع قائداً لا يُرى.

تقدّم أحمد فوق أرضية رخامية باردة، فشعر باهتزاز خفيف يصعد من باطن القصر إلى قدميه، ثم توقفت جميع الساعات فجأة.

ظهر رجل نحيل عند نهاية البهو، يرتدي معطفاً رمادياً قديماً، وقد غطّت عينيه عدستان مستديرتان تعكسان وجه أحمد ولا تكشفان شيئاً من ملامحه.

قال الرجل بصوت جاف:

تأخرت سبع دقائق.

قبض أحمد على مصباحه النحاسي، وسأل:

أين عائلتي؟

رفع الرجل مفتاحاً طويلاً تتدلّى منه اثنتا عشرة قطعة فضية، ثم أشار إلى باب خشبي نُقش فوقه الرقم واحد.

خلف اثني عشر باباً، وفي كل باب زمن لا يسمح للغرباء بالمرور إلا إذا دفعوا مقابلاً.

وما المقابل؟

مال الرجل برأسه، فصدر من عنقه طقطقة تشبه دوران ترس صدئ.

شيء من وقتك، أو شيء من ذاكرتك، أو شيء من قلبك.

حارس العقارب

اقترب أحمد خطوة، فلاحظ أن أصابع الرجل لم تكن أصابع بشرية، بل قضباناً معدنية دقيقة تتحرك عند المفاصل بأسلاك سوداء.

قال الحارس:

عندما تدق ساعة الفجر، تُغلق الغرفة الأخيرة، ويصبح كل من فيها جزءاً من القصر.

أخرج أحمد ساعة والده القديمة من جيبه، وكانت الساعة الوحيدة التي توقفت منذ اختفاء أسرته قبل ثلاثة أيام.

هل تكفي هذه ثمناً؟

توقفت ابتسامة صغيرة على فم الحارس، ثم مد يده ببطء، لكنه سحبها قبل أن يلمس الساعة.

هذه ليست ساعة، بل وعد.

احتفظ بها، فقد تحتاج إليها عندما لا يبقى منك شيء آخر.

فتح الباب الأول، فانفجرت من خلفه رائحة دخان وخشب محترق، واندفع إلى البهو ضوء برتقالي حار.

ابدأ، يا أحمد.

القصر لا ينتظر أحداً، حتى أولئك الذين يحبهم.

الغرفة الأولى مدينة تشتعل منذ مئة عام

خطا أحمد عبر الباب، فوجد نفسه في شارع حجري مزدحم بعربات تجرها الخيول، ورجال يركضون بين أبنية تلتهمها النيران.

كان الهواء ثقيلاً بالرماد، وصفير القذائف يمزق السماء، بينما تتساقط شظايا الزجاج حوله كأمطار لامعة.

أدرك من الملابس والرايات أنه يقف في زمن حرب قديمة، لكن المدينة لم تكن من مدن التاريخ التي قرأ عنها؛ كانت مدينة محكوم عليها أن تحترق إلى الأبد.

في نهاية الشارع ظهر باب القصر الثاني داخل واجهة متجر مشتعل، غير أن الطريق إليه كان محاصراً بجدار من النار.

سمع أحمد بكاء طفلة تحت عربة مقلوبة، ورآها تمد يدها من بين الخشب، بينما اقتربت ألسنة اللهب من ثوبها.

كان يستطيع تجاهلها والركض نحو الباب، إلا أن وجه أخته الصغيرة مر في ذهنه، واضحاً ومؤلماً.

اندفع إلى العربة، ورفعها بكتفه حتى صرخت عضلاته، ثم سحب الطفلة إلى الخارج قبل أن ينهار السقف المحترق خلفهما.

قالت الطفلة وهي تسعل:

لن تجد الباب ما دمت تنظر إلى النار.

ماذا أنظر إذن؟

أشارت إلى بركة ماء سوداء وسط الطريق.

الباب المنعكس

انحنى أحمد فوق البركة، فرأى فيها المدينة سليمة بلا حريق، ورأى باباً أزرق في المكان الذي تشتعل فيه واجهة المتجر.

وضع يده على سطح الماء، فتحول انعكاسه إلى ممر بارد ابتلعه دفعة واحدة، بينما بقيت الطفلة على الطرف الآخر تلوّح له وسط الدخان.

قبل أن يختفي، سمعها تقول:

القصر يختبر ما تنقذه في طريقك، لا ما تبحث عنه في نهايته.

سقط أحمد على أرض مغطاة بالثلج، وشعر أن الحرارة غادرت جسده في لحظة واحدة.

كان قد عبر الباب الأول، لكنه لاحظ أن عقرب الدقائق في ساعة أبيه تحرك للمرة الأولى منذ سنوات.

الغرفة الثانية الشتاء الذي نسي نهاية العالم

امتدت أمامه غابة بيضاء تحت سماء بنفسجية، وكانت الأشجار متجمدة في أوضاع ملتوية كأنها حاولت الفرار قبل أن يدركها الصقيع.

لم يكن في المكان صوت سوى أنفاس أحمد، لكنها كانت تخرج من فمه على هيئة سحب صغيرة تتجمد في الهواء وتسقط كقطع زجاج.

في قلب الغابة وقف بيت حجري تتصاعد من مدخنته خيوط دخان، وفوق بابه عُلقت ساعة خشبية بلا عقارب.

طرق أحمد الباب، ففتحته امرأة مسنة ترتدي ثوباً من الفراء، وفي يدها فأس صغيرة يكسو نصلها الجليد.

قالت دون دهشة:

أنت القادم من الغرفة المشتعلة.

أبحث عن الباب التالي.

أفسحت له الطريق، وقالت:

الجميع يبحثون عن الباب، ولا أحد يسأل لماذا أُغلق.

في الداخل اشتعل موقد ضعيف، وجلست قربه ثلاثة تماثيل جليدية على هيئة رجال ونساء، بملامح مذعورة وعيون مفتوحة.

وضعت العجوز إناء حساء أمام أحمد، لكن رائحته ذكّرته بطعام أمه، حتى كاد يمد يده إليه.

قالت المرأة:

كل من يأكل هنا ينسى سبب مجيئه، ثم ينتظر الربيع الذي لن يأتي.

دفع أحمد الإناء بعيداً، فاختفى البخار فجأة، وتحول الحساء إلى ماء أسود تمتلئ صفحته بوجوه نائمة.

دفء الذكرى

أشارت العجوز إلى جدار البيت، حيث ظهر باب من الجليد الشفاف، وخلفه تتحرك عقارب ساعة ضخمة.

لا يُفتح إلا بدفء حقيقي.

أشعل أحمد المصباح، لكن لهيبه انطفأ عند ملامسة الجليد، ثم حاول كسر الباب بالفأس، فارتد النصل وكاد يشق يده.

عندها أخرج ساعة والده، وضمها بين كفيه، واستعاد ذكرى ليلة بعيدة كان فيها أبوه يصلحها قرب المدفأة.

تذكر يد والده فوق يده، وصوته الهادئ يقول:

الساعة لا تقيس ما نعيشه، يا بني، بل ما نخشى أن نفقده.

سرت حرارة مفاجئة في راحتيه، وبدأ الجليد يذوب حول الساعة، ثم انشق الباب ببطء، كاشفاً عن ممر تغمره رائحة البحر.

قالت العجوز خلفه:

لقد دفعت ذكرى ثمينة.

نظر أحمد إلى الساعة، وحاول استعادة ملامح والده، فلم يتذكر إلا صوته.

شعر كأن جزءاً من صدره صار غرفة فارغة، لكنه عبر الباب قبل أن يسمح للحزن بتجميد قدميه.

الغرفة الثالثة سفينة تبحر فوق بحر بلا قاع

وجد أحمد نفسه فوق سطح سفينة خشبية تتأرجح تحت سماء خضراء، بينما ارتفعت الأمواج حولها كجدران سوداء تلمع في جوفها مخلوقات مضيئة.

كان البحارة يرتدون ملابس من قرن مجهول، ووجوههم مغطاة بأقنعة فضية لا تحمل سوى ثقوب ضيقة للعينين.

تقدم نحوه القبطان، وكان نصف جسده بشرياً، أما نصفه الآخر فمكوّن من حبال وعوارض خشبية تتحرك مع أنين السفينة.

قال القبطان:

لا باب هنا.

كل غرفة لها باب.

بابنا في قاع البحر، والبحر لا قاع له.

انحنى أحمد فوق الحافة، فرأى تحت الماء قصراً مقلوباً يطفو بعيداً في الأعماق، وفي إحدى نوافذه وقفت أمه تضرب الزجاج بكفيها.

صرخ باسمها، لكنها لم تسمعه، ثم اختفت الصورة عندما ارتفعت موجة وابتلعت سطح الماء.

أمسك القبطان بذراعه، وقال:

ما رأيته ليس أمك، بل خوفك مرتدياً وجهها.

انتزع أحمد ذراعه، وسأل:

كيف أصل إلى الأسفل؟

ناول القبطان إليه مرساة صغيرة من الفضة.

ارمِ أثقل شيء تحمله، وستسحبك المرساة نحوه.

ما هو أثقل من الحديد؟

فتش أحمد جيوبه، فلم يجد سوى الساعة ورسالة القصر ومنديل أخته، ولم يكن أي منها أثقل من حفنة معدن.

لكن القبطان أشار إلى صدره.

الأثقال الحقيقية لا توضع في الجيوب.

أغمض أحمد عينيه، واعترف بصوت مرتجف أنه كان يلوم نفسه على اختفاء عائلته؛ ففي الليلة السابقة لظهور القصر، تشاجر معهم وغادر البيت غاضباً، متمنياً في لحظة طيش لو يختفون من حياته.

ما إن نطق باعترافه حتى ظهرت فوق صدره سلسلة سوداء، تتدلّى منها كتلة حجرية ضخمة تحمل صورته.

ربط المرساة بالسلسلة، ثم قفز إلى البحر، فابتلعته المياه الباردة وسحبته نحو الأعماق بسرعة مرعبة.

مرّ بين حيتان شفافة وساعات غارقة، ورأى سفناً محطمة تطفو إلى الأعلى بدلاً من السقوط.

عندما بلغ القصر المقلوب، اصطدمت المرساة بنافذة زجاجية فانفتحت، واندفع أحمد إلى الغرفة التالية.

أما الكتلة السوداء فقد بقيت في البحر، ومعها خفّ الألم في صدره، دون أن يختفي الندم تماماً.

الغرف المتتابعة رحلة عبر ما لم يحدث بعد

لم تعد الأبواب تمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه، فقد اندفعت الغرف التالية نحوه كصفحات كتاب تقلبها عاصفة.

دخل سوقاً صحراوية من القرن الثاني، حيث حاول تاجر بلا ظل أن يشتري اسمه، فهرب بعدما اكتشف أن من يبيع اسمه يفقد القدرة على مغادرة زمنه.

وعبر مختبراً في مستقبل بعيد، كانت فيه آلات بيضاء تحفظ أحلام البشر داخل أوعية زجاجية، وكاد أحد الأجهزة ينتزع حلمه بعودة أسرته.

ثم وجد نفسه في حديقة فرعونية عند لحظة كسوف، حيث قامت تماثيل الآلهة من قواعدها، وطالبته بأن يختار فرداً واحداً فقط من عائلته لينقذه.

رفض أحمد الاختيار، فتحولت الحديقة إلى رمال، وظهر الباب تحت قدميه قبل أن تبتلعه الأرض.

وفي غرفة أخرى، عاش يوماً كاملاً من طفولته، ورأى والده حياً ووجهه واضحاً كما كان قبل أن يدفع ذكراه في الغرفة الثلجية.

أراد أن يبقى، لكن الساعة في جيبه أخذت تحترق، فعرف أن القصر يمنحه الماضي كي يسرق منه المستقبل.

عانق والده للمرة الأخيرة، ثم ترك الذكرى تنهار خلفه مثل بيت من الضوء.

الغرفة الحادية عشرة القرية بعد خمسين عاماً

خرج أحمد إلى ساحة قريته، لكن البيوت كانت مهدمة، والأشجار نمت عبر النوافذ، وتمثال حجري ضخم وقف في منتصف الميدان.

اقترب من التمثال، فرأى أنه يصوره شيخاً يحمل ساعة مكسورة، وتحت قدميه لوحة كتب عليها، أحمد الذي دخل القصر ولم يعد.

سمع وقع عصا خلفه، فالتفت إلى رجل مسن يشبهه إلى حد مخيف؛ العينان نفسيهما، والندبة الصغيرة فوق الحاجب، وحتى الساعة القديمة معلقة في جيبه.

قال الشيخ:

كنت أعرف أنك ستصل.

تراجع أحمد، وشعر أن الهواء ضاق حول عنقه.

من أنت؟

ابتسم الرجل بأسنان قليلة، وقال:

أنا ما ستصبحه عندما تفشل.

مستقبل يطلب أن يولد

أخبره الشيخ أنه وصل إلى الغرفة الأخيرة منذ خمسين عاماً، لكنه خاف من الثمن، فعاد إلى الغرفة الحادية عشرة وظل فيها حتى شاخ.

ماذا يوجد في الغرفة الأخيرة؟

خفض الشيخ رأسه.

صانع القصر، والثمن الذي لا يستطيع إنسان عاقل دفعه.

وعائلتي؟

ما زالوا هناك، لأن الزمن لا يمر عليهم كما مر عليّ.

أمسك الشيخ بكتفي أحمد، وغرس أصابعه فيهما بعنف.

عد من حيث أتيت.

انسهم.

عش حياتك، وتزوج، وأنجب، ودع الزمن يدفن ذنبك.

نظر أحمد إلى وجهه العجوز، فرأى فيه حياة طويلة بلا معنى، وأياماً كثيرة لم تكن سوى عقوبة مؤجلة.

قال بهدوء:

أنت لست مستقبلي.

بل أنا نجاتك.

النجاة التي تجعلني أستيقظ كل صباح وأنا أكره نفسي ليست نجاة.

دفع أحمد الشيخ جانباً، فاتسعت شقوق في جسد الرجل، وتساقط جلده الحجري، ثم انهار التمثال في الساحة في اللحظة نفسها.

ظهر الباب الثاني عشر بين أنقاض التمثال، أسود بلا مقبض، وفوقه ساعة لا تحمل أرقاماً، بل أسماء أفراد عائلته.

كانت العقارب قد اقتربت من الفجر.

الغرفة الأخيرة قلب القصر

انفتح الباب عندما وضع أحمد ساعة أبيه في التجويف الموجود وسطه، ثم جذبه ظلام كثيف لا رائحة له ولا صوت.

وجد نفسه في قاعة دائرية معلقة فوق فراغ مليء بالتروس العملاقة، وفي مركزها جلس رجل على عرش من عقارب الساعات.

كان الرجل شاباً وشيخاً وطفلاً في وقت واحد؛ تتبدل ملامحه مع كل دقة، بينما يمتد من ظهره آلاف الخيوط إلى جدران القصر.

خلفه وقفت عائلة أحمد داخل ساعة زجاجية ضخمة، مجمدة في اللحظة نفسها التي اختفت فيها؛ أمه تمد يدها نحو أخته، وأخوه يلتفت إلى الباب، ووالده الغائب يقف بينهم.

شهق أحمد عندما رأى أباه، فقد مات قبل سبع سنوات، أو هكذا كان يظن.

قال سيد القصر:

مرحباً بمن أتم الرحلة.

أطلق سراحهم.

كانوا هم من طلبوا المجيء.

حدق أحمد في وجهه، فتابع الرجل بصوت تتداخل فيه أصوات كثيرة:

أمك أرادت استعادة زوجها، وأختك أرادت ألا تكبر أبداً، وأخوك أراد محو أخطائه، وأنت تمنيت اختفاءهم.

كل أمنية صادقة تفتح باباً، وكل ندم يبني غرفة.

اقترب أحمد من الساعة الزجاجية، فرأى الدموع معلقة في عين أمه دون أن تسقط.

ما الثمن؟

ابتسم سيد القصر، وتوقفت التروس لحظة واحدة.

حياتك خارج القصر.

سيعودون جميعاً، لكنك ستبقى هنا حارساً للغرف، لا تشيخ ولا تموت، وتفتح الأبواب لكل من يستدعي القصر بندمه.

وهل هناك طريق آخر؟

دائماً يوجد طريق آخر، لكنه أكثر قسوة.

صفقة العقرب الأخير

رفع سيد القصر يده، فظهرت في الهواء صورتان؛ في الأولى، خرجت عائلة أحمد إلى القرية وبقي هو على العرش إلى الأبد.

وفي الثانية، عاد أحمد وحده، بينما تحولت أسرته إلى ساعات معلقة في البهو، كل واحدة تدق باسمه حتى نهاية الزمن.

قال سيد القصر:

اختر.

التضحية بنفسك، أو التضحية بهم.

نظر أحمد إلى أبيه خلف الزجاج، فلاحظ أن عينيه تتحركان، رغم تجمد جسده.

حرّك الأب شفتيه ببطء، واستطاع أحمد قراءة كلمة واحدة، الساعة.

أخرج أحمد الساعة القديمة، فرأى عقاربها تشير إلى الثالثة عشرة، وتذكر قول الحارس إنها ليست ساعة، بل وعد.

فتح غطاءها الخلفي، فوجد نقشاً لم يره من قبل، الوقت لا يُمتلك، لذلك لا يحق لأحد أن يبيعه.

رفع رأسه نحو سيد القصر، وقال:

صفقتك باطلة.

ضحك الرجل، فاهتزت القاعة وتكسرت بعض التروس.

القصر أقدم من قوانين البشر.

لكنه مبني من رغباتهم، ويعيش على موافقتهم.

ثم ضرب أحمد الساعة على أرض القاعة.

لم تنكسر، بل أطلقت رنيناً واحداً عميقاً، فتوقفت كل ساعة في القصر، وسقطت الخيوط من ظهر سيده كأفاعٍ ميتة.

صرخ الرجل، وتبدلت وجوهه بسرعة جنونية، بينما تشققت الجدران واندفع منها ضوء أبيض.

ماذا فعلت؟

قال أحمد وهو يتقدم نحو الساعة الزجاجية:

سحبت موافقتي.

الدقيقة التي تحررت من القصر

تحطم الزجاج، وسقط أفراد عائلة أحمد إلى الأرض وهم يلتقطون أنفاسهم، لكن والده بقي واقفاً داخل الضوء، شفافاً كذكرى في طريقها إلى الزوال.

احتضنت الأم زوجها، وبكت دون صوت، بينما عرف أحمد الحقيقة؛ القصر لم يُعد الأب إلى الحياة، بل احتفظ باللحظة الأخيرة من روحه.

قال الأب لأحمد:

لم تكن مهمتك أن تنقذني، بل أن تتوقفوا عن العيش داخل غيابي.

اقترب منه أحمد، محاولاً حفظ ملامحه قبل أن تختفي مرة أخرى.

لقد نسيت وجهك في الغرفة الثانية.

وضع الأب يده فوق قلبه.

الوجوه تمضي، أما ما تتركه فينا فلا يحتاج إلى ذاكرة كي يبقى.

بدأت القاعة تنهار، فركضت العائلة نحو الباب بينما كان سيد القصر يذوب فوق عرشه، ويتحول إلى كومة عقارب صدئة.

تأخر أحمد لحظة، ونظر إلى أبيه للمرة الأخيرة، فرآه يبتسم قبل أن يبتلعه الضوء.

عبر الجميع الباب في اللحظة التي دوّت فيها دقة الفجر الأولى.

استيقظ أحمد على العشب فوق التل، وأفراد أسرته حوله، بينما لم يبق من القصر سوى ساعة صغيرة مدفونة نصفها في التراب.

رفعها، فوجدها بلا عقارب.

وفي القرية، كانت جميع الساعات تشير إلى اللحظة نفسها التي اختفت فيها الأسرة، كأن الأيام الثلاثة لم تمر قط.

عادت أمه إلى بيتها، وتوقفت أخته عن الخوف من الكبر، واعترف أخوه بأخطائه بدلاً من تمني محوها.

أما أحمد، فقد وضع ساعة أبيه فوق المدفأة دون أن يحاول إصلاحها.

وفي بعض الليالي، عندما تهب الريح من جهة التل، يسمع رنيناً بعيداً لا يتكرر، لكنه لا يذهب للبحث عنه.

لقد فهم أخيراً أن بعض الأبواب لا تُغلق بالمفاتيح، بل بالسلام مع ما حدث خلفها.

ليس الزمن سجناً إلا حين نحاول إجباره على إعادة ما أخذ، وليس الماضي وحشاً إلا حين نطعمه أعمارنا في الخفاء.

خرج أحمد من قصر الساعات لأنه أدرك أن الحب لا يعني الاحتفاظ بمن نحب إلى الأبد، بل أن نحمل أثرهم دون أن نحبس أنفسنا في لحظة رحيلهم.

فالحياة لا تمنحنا دائماً فرصة لإصلاح ما انكسر، لكنها تمنحنا كل صباح فرصة ألا نكسر ما بقي، عودة الغائب رجل يبحث عن هويته في قرية لم تعد تعرف اسمه من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد