قصر الساعات حكاية مشوقة لشاب ينقذ عائلته من الزمن

الراوي
0

بوابة القصر الغامض، عندما دقت الساعة الثالثة عشرة، خفت صوت الريح فجأة في القرية، وانطفأت جميع المصابيح في البيوت دفعة واحدة، ثم برز القصر فوق التل وكأنه انبعث للتو من ذاكرة دفينة منسية.

وقف أحمد أمام بوابته الحديدية الضخمة، والرسالة التي عثر عليها فوق سرير أمه ترتجف بين أصابعه المرتعشة، وكانت كلماتها القاسية واضحة، عائلتك في الغرفة الأخيرة، ولك حتى شروق الشمس لتصل إليهم.

لم يكن لهذا القصر أي ذكر في خرائط القرية الرسمية، لكن كل طفل فيها كان يعرف حكايته المخيفة، بناء أسود اللون لا يظهر إلا لمن سرق منه الزمن شيئا لا يقدر على تعويضه أبدا.

رفع أحمد عينيه إلى النوافذ الطويلة الشاهقة، فرأى خلف كل نافذة سماء مختلفة تماما عن الأخرى، شمسا حمراء ملتهبة، وعاصفة ثلجية عاتية، وليلا تلمع فيه نجوم لم يعرفها البشر بعد.

ثم انفتحت البوابة من تلقاء نفسها، وخرج من أعماق القصر رنين ساعة بطيء وثقيل، يشبه صوت قلب ضخم يستيقظ ببطء تحت الأرض.

دخل أحمد مترددا، فانغلقت البوابة خلفه بصوت حاد، وبدأ الزمن يطارده منذ تلك اللحظة.

قصر الساعات حكاية مشوقة لشاب ينقذ عائلته من الزمن


البهو الذي لا تعترف ساعاته بالحاضر

كان البهو فسيحا إلى حد بدا معه السقف غارقا في ظلام بلا نهاية، بينما غطت الجدران مئات الساعات المختلفة، ساعات جيب مذهبة، وساعات رملية، وأقراص حجرية تحرك ظلالا بلا شمس تلقيها.

لم تتفق ساعتان في المكان على توقيت واحد، ومع ذلك كانت عقاربها جميعا تتحرك بإيقاع متطابق، وكأنها فرقة جنائزية تسير خلف قائد لا يرى.

تقدم أحمد فوق أرضية رخامية باردة، فشعر باهتزاز خفيف يصعد من باطن القصر إلى قدميه، ثم توقفت جميع الساعات فجأة دفعة واحدة.

ظهر عند نهاية البهو رجل نحيل يرتدي معطفا رماديا قديما، وقد غطت عينيه عدستان مستديرتان تعكسان وجه أحمد ولا تكشفان شيئا من ملامحه الحقيقية.

قال الرجل بصوت جاف بارد، تأخرت سبع دقائق.

قبض أحمد على مصباحه النحاسي بقوة، وسأله بصوت متوتر، أين عائلتي؟

رفع الرجل مفتاحا طويلا تتدلى منه اثنتا عشرة قطعة فضية، ثم أشار بيده نحو باب خشبي نقش فوقه الرقم واحد بوضوح.

قال له، خلف اثني عشر بابا، وفي كل باب زمن لا يسمح للغرباء بالمرور إلا إذا دفعوا مقابلا.

سأله أحمد، وما المقابل؟

مال الرجل برأسه جانبا، فصدر من عنقه طقطقة تشبه دوران ترس صدئ قديم، ثم أجاب، شيء من وقتك، أو شيء من ذاكرتك، أو شيء من قلبك.

حارس العقارب

اقترب أحمد خطوة نحوه، فلاحظ أن أصابع الرجل ليست أصابع بشرية على الإطلاق، بل قضبانا معدنية دقيقة تتحرك عند المفاصل بأسلاك سوداء رفيعة.

قال الحارس، عندما تدق ساعة الفجر، تغلق الغرفة الأخيرة، ويصبح كل من فيها جزءا من هذا القصر إلى الأبد.

أخرج أحمد ساعة والده القديمة من جيبه، وهي الساعة الوحيدة التي توقفت عن العمل منذ اختفاء أسرته قبل ثلاثة أيام، وسأله، هل تكفي هذه ثمنا؟

ارتسمت ابتسامة صغيرة على فم الحارس، ثم مد يده ببطء نحوها، لكنه سحبها قبل أن يلمسها، وقال، هذه ليست ساعة، بل وعد، احتفظ بها، فقد تحتاج إليها عندما لا يبقى منك شيء آخر.

فتح الباب الأول، فانفجرت من خلفه رائحة دخان وخشب محترق، واندفع إلى البهو ضوء برتقالي حار لاهب، وقال له الحارس، ابدأ يا أحمد، فالقصر لا ينتظر أحدا، حتى أولئك الذين يحبهم.

الغرفة الأولى مدينة تشتعل منذ مئة عام

خطا أحمد عبر الباب، فوجد نفسه فجأة في شارع حجري مزدحم بعربات تجرها الخيول، ورجال يركضون بذعر بين أبنية تلتهمها النيران المتصاعدة.

كان الهواء ثقيلا بالرماد المتطاير، وصفير القذائف يمزق السماء، بينما تتساقط حوله شظايا الزجاج اللامعة وكأنها أمطار من نار.

أدرك من طبيعة الملابس والرايات أنه يقف في زمن حرب قديمة، لكن هذه المدينة لم تكن من مدن التاريخ التي قرأ عنها في كتبه، بل كانت مدينة محكوم عليها أن تحترق إلى الأبد بلا نهاية.

في نهاية الشارع ظهر باب القصر الثاني داخل واجهة متجر مشتعلة، غير أن الطريق إليه كان محاصرا بجدار كامل من النار المتأججة.

سمع أحمد بكاء طفلة صغيرة تحت عربة مقلوبة، ورآها تمد يدها من بين الخشب المتناثر، بينما اقتربت ألسنة اللهب من ثوبها بشكل خطير.

كان بإمكانه تجاهلها والركض مباشرة نحو الباب، إلا أن وجه أخته الصغيرة مر في ذهنه فجأة، واضحا ومؤلما في آن واحد.

اندفع نحو العربة، ورفعها بكتفه حتى صرخت عضلاته من الألم، ثم سحب الطفلة إلى الخارج قبل أن ينهار السقف المحترق خلفهما مباشرة.

قالت الطفلة وهي تسعل بشدة، لن تجد الباب ما دمت تنظر إلى النار.

سألها، ماذا أنظر إذن؟

أشارت بيدها الصغيرة إلى بركة ماء سوداء في وسط الطريق.

الباب المنعكس

انحنى أحمد فوق البركة، فرأى فيها المدينة سليمة تماما من دون حريق، ورأى بابا أزرق في المكان نفسه الذي تشتعل فيه واجهة المتجر في الواقع.

وضع يده على سطح الماء، فتحول انعكاسه إلى ممر بارد ابتلعه دفعة واحدة، بينما بقيت الطفلة على الطرف الآخر تلوح له وسط الدخان المتصاعد.

قبل أن يختفي تماما، سمعها تقول له، القصر يختبر ما تنقذه في طريقك، لا ما تبحث عنه في نهايته.

سقط أحمد على أرض مغطاة بالثلج، وشعر أن الحرارة غادرت جسده كله في لحظة واحدة خاطفة.

كان قد عبر الباب الأول بنجاح، لكنه لاحظ أن عقرب الدقائق في ساعة أبيه قد تحرك للمرة الأولى منذ سنوات طويلة.

الغرفة الثانية الشتاء الذي نسي نهاية العالم

امتدت أمامه غابة بيضاء شاسعة تحت سماء بنفسجية غريبة، وكانت الأشجار متجمدة في أوضاع ملتوية كأنها حاولت الفرار قبل أن يدركها الصقيع القاتل.

لم يكن في المكان صوت سوى أنفاس أحمد نفسه، لكنها كانت تخرج من فمه على هيئة سحب صغيرة تتجمد في الهواء وتسقط كقطع من الزجاج المتناثر.

في قلب الغابة وقف بيت حجري صغير تتصاعد من مدخنته خيوط دخان رقيقة، وفوق بابه علقت ساعة خشبية بلا عقارب على الإطلاق.

طرق أحمد الباب بحذر، ففتحته امرأة مسنة ترتدي ثوبا من الفراء الكثيف، وفي يدها فأس صغيرة يكسو نصلها الجليد.

قالت دون أي دهشة تذكر، أنت القادم من الغرفة المشتعلة.

أجابها، أبحث عن الباب التالي.

أفسحت له الطريق بصمت، وقالت، الجميع يبحثون عن الباب، ولا أحد يسأل لماذا أغلق من الأساس.

في الداخل اشتعل موقد ضعيف اللهب، وجلست قربه ثلاثة تماثيل جليدية على هيئة رجال ونساء، بملامح مذعورة وعيون مفتوحة على اتساعها.

وضعت العجوز إناء حساء ساخنا أمام أحمد، لكن رائحته ذكرته فورا بطعام أمه، حتى كاد يمد يده إليه بلا تفكير.

قالت المرأة محذرة، كل من يأكل هنا ينسى سبب مجيئه، ثم ينتظر الربيع الذي لن يأتي أبدا.

دفع أحمد الإناء بعيدا عنه، فاختفى البخار المتصاعد فجأة، وتحول الحساء إلى ماء أسود تمتلئ صفحته بوجوه نائمة صامتة.

دفء الذكرى

أشارت العجوز إلى جدار البيت، حيث ظهر باب من الجليد الشفاف، وخلفه تتحرك عقارب ساعة ضخمة ببطء شديد، وقالت له، لا يفتح إلا بدفء حقيقي.

أشعل أحمد المصباح النحاسي، لكن لهيبه انطفأ فور ملامسة الجليد، ثم حاول كسر الباب بالفأس، فارتد النصل بقوة وكاد يشق يده.

عندها أخرج ساعة والده من جيبه، وضمها بين كفيه بحرارة، واستعاد ذكرى ليلة بعيدة كان فيها أبوه يصلحها قرب المدفأة الدافئة.

تذكر يد والده فوق يده الصغيرة، وصوته الهادئ يقول له، الساعة لا تقيس ما نعيشه يا بني، بل ما نخشى أن نفقده حقا.

سرت حرارة مفاجئة في راحتيه، وبدأ الجليد يذوب حول الساعة، ثم انشق الباب ببطء، كاشفا عن ممر تغمره رائحة البحر المالحة.

قالت العجوز خلفه بأسى، لقد دفعت ذكرى ثمينة جدا.

نظر أحمد إلى الساعة، وحاول استعادة ملامح والده في ذهنه، فلم يتذكر منها سوى صوته فقط.

شعر كأن جزءا من صدره قد صار غرفة فارغة تماما، لكنه عبر الباب قبل أن يسمح للحزن بتجميد قدميه في مكانهما.

الغرفة الثالثة سفينة تبحر فوق بحر بلا قاع

وجد أحمد نفسه فوق سطح سفينة خشبية تتأرجح تحت سماء خضراء غريبة، بينما ارتفعت الأمواج حولها كجدران سوداء تلمع في جوفها مخلوقات مضيئة غامضة.

كان البحارة يرتدون ملابس من قرن مجهول تماما، ووجوههم مغطاة بأقنعة فضية لا تحمل سوى ثقوب ضيقة للعينين.

تقدم نحوه القبطان ببطء، وكان نصف جسده بشريا، أما نصفه الآخر فمكون من حبال وعوارض خشبية تتحرك مع أنين السفينة المستمر.

قال القبطان بجدية، لا باب هنا، كل غرفة لها باب، لكن بابنا يقع في قاع البحر، والبحر لا قاع له على الإطلاق.

انحنى أحمد فوق الحافة الخشبية، فرأى تحت الماء قصرا مقلوبا يطفو بعيدا في الأعماق، وفي إحدى نوافذه وقفت أمه تضرب الزجاج بكفيها بيأس.

صرخ باسمها بأعلى صوته، لكنها لم تسمعه، ثم اختفت الصورة عندما ارتفعت موجة عاتية وابتلعت سطح الماء كله.

أمسك القبطان بذراعه بقوة، وقال، ما رأيته ليس أمك، بل خوفك مرتديا وجهها فقط.

انتزع أحمد ذراعه منه، وسأله، كيف أصل إلى الأسفل إذن؟

ناوله القبطان مرساة صغيرة من الفضة اللامعة، وقال، ارم أثقل شيء تحمله، وستسحبك المرساة نحوه فورا.

ما هو أثقل من الحديد؟

فتش أحمد جيوبه بسرعة، فلم يجد سوى الساعة ورسالة القصر ومنديل أخته، ولم يكن أي منها أثقل من حفنة معدن صغيرة.

لكن القبطان أشار بإصبعه إلى صدره مباشرة، وقال، الأثقال الحقيقية لا توضع في الجيوب أبدا.

أغمض أحمد عينيه، واعترف بصوت مرتجف أنه كان يلوم نفسه على اختفاء عائلته، ففي الليلة السابقة لظهور القصر، تشاجر معهم وغادر البيت غاضبا، متمنيا في لحظة طيش لو يختفون من حياته إلى الأبد.

ما إن نطق باعترافه المؤلم حتى ظهرت فوق صدره سلسلة سوداء ثقيلة، تتدلى منها كتلة حجرية ضخمة تحمل صورته بالذات.

ربط المرساة بالسلسلة بإحكام، ثم قفز إلى البحر، فابتلعته المياه الباردة وسحبته نحو الأعماق بسرعة مرعبة ومفاجئة.

مر بين حيتان شفافة وساعات غارقة في القاع، ورأى سفنا محطمة تطفو إلى الأعلى بدلا من السقوط، في مشهد يخالف قوانين الطبيعة.

عندما بلغ القصر المقلوب، اصطدمت المرساة بنافذة زجاجية فانفتحت على الفور، واندفع أحمد بقوة إلى الغرفة التالية.

أما الكتلة السوداء الثقيلة فقد بقيت غارقة في البحر، ومعها خف الألم في صدره كثيرا، دون أن يختفي الندم تماما من قلبه.

الغرف المتتابعة رحلة عبر ما لم يحدث بعد

لم تعد الأبواب تمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه بعد ذلك، فقد اندفعت الغرف التالية نحوه كصفحات كتاب تقلبها عاصفة هوجاء.

دخل سوقا صحراوية من القرن الثاني، حيث حاول تاجر بلا ظل أن يشتري اسمه منه، فهرب بعدما اكتشف أن من يبيع اسمه يفقد القدرة على مغادرة زمنه إلى الأبد.

وعبر مختبرا في مستقبل بعيد جدا، كانت فيه آلات بيضاء تحفظ أحلام البشر داخل أوعية زجاجية شفافة، وكاد أحد الأجهزة ينتزع حلمه بعودة أسرته منه.

ثم وجد نفسه في حديقة فرعونية عند لحظة كسوف نادرة، حيث قامت تماثيل الآلهة من قواعدها فجأة، وطالبته بأن يختار فردا واحدا فقط من عائلته لينقذه من الجميع.

رفض أحمد الاختيار بشدة، فتحولت الحديقة كلها إلى رمال متطايرة، وظهر الباب تحت قدميه مباشرة قبل أن تبتلعه الأرض تماما.

وفي غرفة أخرى، عاش يوما كاملا من طفولته البعيدة، ورأى والده حيا ووجهه واضحا كما كان قبل أن يدفع ذكراه ثمنا في الغرفة الثلجية.

أراد أن يبقى في تلك اللحظة السعيدة، لكن الساعة في جيبه أخذت تحترق فجأة، فعرف أن القصر يمنحه الماضي كي يسرق منه المستقبل خلسة.

عانق والده للمرة الأخيرة بحرارة، ثم ترك الذكرى تنهار خلفه مثل بيت من الضوء المتلاشي.

الغرفة الحادية عشرة القرية بعد خمسين عاما

خرج أحمد إلى ساحة قريته المألوفة، لكن البيوت كانت مهدمة تماما، والأشجار نمت عبر النوافذ المكسورة، وتمثال حجري ضخم وقف في منتصف الميدان الفارغ.

اقترب من التمثال بحذر، فرأى أنه يصوره شيخا يحمل ساعة مكسورة، وتحت قدميه لوحة كتب عليها بوضوح، أحمد الذي دخل القصر ولم يعد منه أبدا.

سمع وقع عصا خلفه فجأة، فالتفت إلى رجل مسن يشبهه إلى حد مخيف، العينان نفسهما تماما، والندبة الصغيرة فوق الحاجب، وحتى الساعة القديمة معلقة في جيبه بالطريقة ذاتها.

قال الشيخ بهدوء غريب، كنت أعرف أنك ستصل يوما ما.

تراجع أحمد للخلف، وشعر أن الهواء ضاق حول عنقه فجأة، وسأله، من أنت؟

ابتسم الرجل بأسنان قليلة متبقية، وقال، أنا ما ستصبحه عندما تفشل في مهمتك.

مستقبل يطلب أن يولد

أخبره الشيخ أنه وصل إلى الغرفة الأخيرة منذ خمسين عاما كاملة، لكنه خاف من الثمن المطلوب، فعاد إلى الغرفة الحادية عشرة وظل فيها حتى شاخ وهرم.

سأله أحمد بقلق، ماذا يوجد في الغرفة الأخيرة بالضبط؟

خفض الشيخ رأسه بحزن، وقال، صانع القصر نفسه، والثمن الذي لا يستطيع إنسان عاقل دفعه أبدا.

سأله، وعائلتي، ماذا حل بهم؟

أجابه، ما زالوا هناك تماما، لأن الزمن لا يمر عليهم كما مر علي أنا وحدي.

أمسك الشيخ بكتفي أحمد فجأة، وغرس أصابعه فيهما بعنف شديد، وقال بإلحاح، عد من حيث أتيت، انسهم تماما، عش حياتك، وتزوج، وأنجب أطفالا، ودع الزمن يدفن ذنبك إلى الأبد.

نظر أحمد إلى وجهه العجوز المتغضن، فرأى فيه حياة طويلة بلا معنى حقيقي، وأياما كثيرة لم تكن سوى عقوبة مؤجلة باستمرار.

قال بهدوء تام، أنت لست مستقبلي أبدا.

رد عليه الشيخ بحدة، بل أنا نجاتك الوحيدة.

أجابه أحمد بحسم، النجاة التي تجعلني أستيقظ كل صباح وأنا أكره نفسي ليست نجاة حقيقية على الإطلاق.

دفع أحمد الشيخ جانبا بقوة، فاتسعت شقوق كبيرة في جسد الرجل فجأة، وتساقط جلده الحجري قطعة تلو الأخرى، ثم انهار التمثال بالكامل في الساحة في اللحظة نفسها تماما.

ظهر الباب الثاني عشر بين أنقاض التمثال المتناثرة، أسود اللون بلا مقبض، وفوقه ساعة لا تحمل أرقاما، بل أسماء أفراد عائلته بالكامل.

كانت العقارب قد اقتربت كثيرا من موعد الفجر.

الغرفة الأخيرة قلب القصر

انفتح الباب عندما وضع أحمد ساعة أبيه في التجويف الموجود في وسطه، ثم جذبه ظلام كثيف لا رائحة له ولا صوت على الإطلاق.

وجد نفسه في قاعة دائرية معلقة فوق فراغ مليء بالتروس العملاقة، وفي مركزها جلس رجل على عرش مصنوع من عقارب الساعات المتشابكة.

كان الرجل شابا وشيخا وطفلا في وقت واحد بشكل غريب، تتبدل ملامحه مع كل دقة تمر، بينما يمتد من ظهره آلاف الخيوط الرفيعة إلى جدران القصر جميعها.

خلفه وقفت عائلة أحمد داخل ساعة زجاجية ضخمة، مجمدة تماما في اللحظة نفسها التي اختفت فيها، أمه تمد يدها نحو أخته، وأخوه يلتفت نحو الباب، ووالده الغائب يقف بينهم جميعا.

شهق أحمد بذهول عندما رأى أباه، فقد مات قبل سبع سنوات كاملة، أو هكذا كان يظن طوال الوقت.

قال سيد القصر بصوت متعدد النبرات، مرحبا بمن أتم الرحلة كاملة.

طلب منه أحمد بحزم، أطلق سراحهم فورا.

أجابه الرجل، كانوا هم من طلبوا المجيء أساسا.

حدق أحمد في وجهه بصمت، فتابع الرجل بصوت تتداخل فيه أصوات كثيرة متزامنة، أمك أرادت استعادة زوجها، وأختك أرادت ألا تكبر أبدا، وأخوك أراد محو أخطائه القديمة، وأنت تمنيت اختفاءهم في لحظة غضب.

وأضاف، كل أمنية صادقة تفتح بابا جديدا، وكل ندم يبني غرفة أخرى في هذا القصر.

اقترب أحمد من الساعة الزجاجية ببطء، فرأى الدموع معلقة في عين أمه دون أن تسقط أبدا.

سأله، ما الثمن المطلوب؟

ابتسم سيد القصر بغموض، وتوقفت التروس لحظة واحدة فقط، ثم قال، حياتك خارج القصر بالكامل، سيعودون جميعا سالمين، لكنك ستبقى هنا حارسا للغرف، لا تشيخ ولا تموت أبدا، وتفتح الأبواب لكل من يستدعي القصر بندمه الخاص.

سأله أحمد، وهل هناك طريق آخر غير هذا؟

أجابه، دائما يوجد طريق آخر، لكنه أكثر قسوة بكثير.

صفقة العقرب الأخير

رفع سيد القصر يده ببطء، فظهرت في الهواء صورتان متقابلتان، في الأولى خرجت عائلة أحمد إلى القرية سالمة وبقي هو على العرش إلى الأبد وحيدا.

وفي الثانية، عاد أحمد وحده إلى دياره، بينما تحولت أسرته كلها إلى ساعات معلقة في البهو، كل واحدة تدق باسمه حتى نهاية الزمن بلا توقف.

قال سيد القصر بحزم، اختر الآن، التضحية بنفسك، أو التضحية بهم جميعا.

نظر أحمد إلى أبيه خلف الزجاج بتمعن، فلاحظ أن عينيه تتحركان بوضوح، رغم تجمد جسده تماما.

حرك الأب شفتيه ببطء شديد، واستطاع أحمد قراءة كلمة واحدة منهما فقط، الساعة.

أخرج أحمد الساعة القديمة من جيبه بسرعة، فرأى عقاربها تشير إلى الثالثة عشرة بالضبط، وتذكر قول الحارس إنها ليست ساعة عادية، بل وعد حقيقي.

فتح غطاءها الخلفي بيد مرتجفة، فوجد نقشا لم يره من قبل قط، الوقت لا يمتلك، لذلك لا يحق لأحد أن يبيعه لغيره.

رفع رأسه نحو سيد القصر بثقة، وقال بحزم، صفقتك باطلة تماما.

ضحك الرجل بصوت مرعب، فاهتزت القاعة كلها وتكسرت بعض التروس المحيطة بها.

قال له، القصر أقدم من قوانين البشر بكثير.

رد عليه أحمد بثبات، لكنه مبني من رغباتهم فقط، ويعيش على موافقتهم وحدها لا غير.

ثم ضرب أحمد الساعة بقوة على أرض القاعة الرخامية.

لم تنكسر الساعة، بل أطلقت رنينا واحدا عميقا ومدويا، فتوقفت كل ساعة في القصر بأكمله فجأة، وسقطت الخيوط من ظهر سيده كأفاع ميتة تماما.

صرخ الرجل بذعر، وتبدلت وجوهه بسرعة جنونية متلاحقة، بينما تشققت الجدران المحيطة واندفع منها ضوء أبيض ساطع.

صرخ فيه، ماذا فعلت بي؟

أجابه أحمد وهو يتقدم نحو الساعة الزجاجية بثبات، سحبت موافقتي منك تماما.

اللحظة التي تحررت من القصر

تحطم الزجاج بصوت عال، وسقط أفراد عائلة أحمد إلى الأرض وهم يلتقطون أنفاسهم بصعوبة، لكن والده بقي واقفا داخل الضوء، شفافا كذكرى في طريقها إلى الزوال التام.

احتضنت الأم زوجها بحرارة، وبكت دون صوت يسمع، بينما عرف أحمد الحقيقة المؤلمة كاملة، القصر لم يعد الأب إلى الحياة فعليا، بل احتفظ فقط باللحظة الأخيرة من روحه الطاهرة.

قال الأب لأحمد بصوت هادئ، لم تكن مهمتك أن تنقذني أنا، بل أن تتوقفوا جميعا عن العيش داخل غيابي المستمر.

اقترب منه أحمد ببطء، محاولا حفظ ملامحه في ذاكرته قبل أن تختفي مرة أخرى إلى الأبد.

قال له بحزن، لقد نسيت وجهك في الغرفة الثانية.

وضع الأب يده فوق قلبه بحنان، وقال، الوجوه تمضي وتزول، أما ما تتركه فينا فلا يحتاج إلى ذاكرة كي يبقى حيا فينا إلى الأبد.

بدأت القاعة تنهار حولهم بسرعة، فركضت العائلة نحو الباب بينما كان سيد القصر يذوب فوق عرشه ببطء، ويتحول إلى كومة عقارب صدئة بلا حياة.

تأخر أحمد لحظة واحدة، ونظر إلى أبيه للمرة الأخيرة، فرآه يبتسم قبل أن يبتلعه الضوء الساطع تماما.

عبر الجميع الباب في اللحظة ذاتها التي دوت فيها دقة الفجر الأولى في أرجاء القصر.

عودة إلى القرية والسلام الأخير

استيقظ أحمد على العشب فوق التل، وأفراد أسرته حوله جميعا، بينما لم يبق من القصر كله سوى ساعة صغيرة مدفونة نصفها في التراب.

رفعها بيده المرتجفة، فوجدها بلا عقارب على الإطلاق.

وفي القرية، كانت جميع الساعات تشير إلى اللحظة نفسها التي اختفت فيها الأسرة، كأن الأيام الثلاثة كلها لم تمر قط في الحقيقة.

عادت أمه إلى بيتها بسلام، وتوقفت أخته عن الخوف من الكبر والنضج، واعترف أخوه بأخطائه بصراحة بدلا من تمني محوها من ذاكرته.

أما أحمد، فقد وضع ساعة أبيه فوق المدفأة دون أن يحاول إصلاحها مجددا.

وفي بعض الليالي، عندما تهب الريح من جهة التل، يسمع رنينا بعيدا لا يتكرر أبدا، لكنه لا يذهب للبحث عنه بتاتا.

لقد فهم أخيرا أن بعض الأبواب لا تغلق بالمفاتيح، بل بالسلام الداخلي مع ما حدث خلفها من أحداث.

فليس الزمن سجنا إلا حين نحاول إجباره على إعادة ما أخذه منا، وليس الماضي وحشا إلا حين نطعمه أعمارنا في الخفاء دون أن ندري.

خرج أحمد من قصر الساعات وقد أدرك أخيرا أن الحب لا يعني الاحتفاظ بمن نحب إلى الأبد، بل أن نحمل أثرهم فينا دون أن نحبس أنفسنا في لحظة رحيلهم عنا.

فالحياة لا تمنحنا دائما فرصة لإصلاح ما انكسر فينا، لكنها تمنحنا كل صباح فرصة جديدة كي لا نكسر ما تبقى لدينا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.