قصة راعية الجاذبية الضائعة سقوط القرية

الراوي
0

عند الفجر، حين فتحت أروى باب الحظيرة المنحوتة في خاصرة الجبل، لم تجد آثار أقدام غريبة، ولا قفلاً مكسوراً، ولا نافذة مفتوحة على الريح؛ وجدت فقط فراغاً دائرياً بين كرات الجاذبية، فراغاً أسود بدا كعين اقتُلعت من وجه الليل.

وفي اللحظة نفسها، ارتفع إبريق نحاسي من مطبخ القرية، ثم تبعته مائدة كاملة، وصرخت امرأة من الشرفة حين شعرت بأن بيتها الحجري يئن تحت قدميها، كأن الجبل الذي حمله مئات الأعوام قد بدأ ينساه.

رفعت أروى رأسها نحو السماء، فرأت الكرة الهاربة تلمع فوق السحب، صغيرة كحبة توت زرقاء، لكنها كانت تحمل في جوفها قوة تكفي لانتزاع قرية كاملة من جذورها.

حكاية راعية الجاذبية الضائعة الرواية حين بدأت قرية كاملة تسقط نحو السماء قصة خيالية

حظيرة الأشياء التي لا تُرى

كانت حظيرة الجاذبية أقدم من بيوت قرية السُّرى، وأعمق من آبارها، إذ حُفرت في صخر أسود لا يتفتت، ثم بُطنت جدرانها بخيوط من النحاس والفضة كي لا تتسرب منها القوى الساكنة في الكرات.

لم تكن الكرات أكبر من ثمار البرتقال، لكنها لم تكن زجاجاً ولا حجراً؛ كانت قطعاً مستديرة من ليل كثيف، تسبح داخلها نقاط ضوء دقيقة، كنجوم حُبست في مياه عميقة لا قرار لها.

كل كرة كانت موصولة بقرية معلقة فوق أحد الجبال، تحفظ حجارتها ملتصقة بالسفوح، وتُبقي الأنهار في مجاريها، والأشجار في ترابها، والناس تحت سقوفهم بدلاً من أن تتبعثر حياتهم في الفضاء.

الراعية ذات اليدين المرتجفتين

ورثت أروى الحظيرة عن أبيها، كما ورث هو المهمة عن جدتها، ولم تكن الرعاية عملاً يشبه حراسة الأغنام، بل كانت إصغاءً دائماً لما لا يسمعه سواها.

كانت تضع أذنها كل صباح على سطح كل كرة، فتسمع من خلالها خفق البيوت، وصرير الجسور، وضربات المعاول في الحقول، وحتى وقع أقدام الأطفال وهم يركضون فوق الطرق الجبلية.

أما الكرة السابعة، الموصولة بقرية السُّرى نفسها، فكان صوتها مختلفاً في الأسابيع الأخيرة؛ نبضها أسرع من المعتاد، وحرارتها ترتفع كلما اكتمل القمر، كأن شيئاً في داخلها يضرب الجدران طالباً الخروج.

أخبرت أروى مجلس القرية، لكن الشيوخ اكتفوا بهز رؤوسهم، وقال كبيرهم إن كرات الجاذبية لم تهرب منذ ثلاثة قرون، وإن الأشياء القديمة لا تتغير لمجرد أن فتاة سمعت همساً في الظلام.

في ذلك الصباح، فهمت أروى أن الهمس لم يكن خوفاً، بل تحذيراً.

القرية التي بدأت تنسى الأرض

خرجت أروى من الحظيرة تركض نحو الساحة، فوجدت الحجارة الصغيرة ترتفع عن الطرقات، تدور ببطء حول رؤوس الناس، بينما امتدت جذور الأشجار خارج التراب كأصابع مذعورة تحاول الإمساك بالجبل.

كان خباز القرية متشبثاً بعمود دكانه، وقد طارت أرغفة الخبز حوله مثل طيور بنية دافئة، فيما ارتفع صبي صغير نصف ذراع عن الأرض، وظلت أمه تجذبه من كاحليه وهي تستغيث.

اقتربت أروى منهما، أخرجت من حزامها مسمار جذب فضياً، وغرسته في التراب، ثم ربطت به الصبي بحبل قصير حتى عاد جسده إلى مستوى الطريق.

قالت الأم وهي تضم ولدها:

ماذا يحدث يا أروى؟ لماذا لا يمسكنا الجبل؟

نظرت أروى إلى البيوت التي بدأت شقوق رفيعة تظهر بينها وبين الأساسات، وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتاً:

الجبل ما زال يمسكنا، لكن القوة التي تساعده تهرب نحو السماء.

أول بيت يطير

صدر من أعلى القرية صوت عميق يشبه انكسار باب ضخم، ثم انفصل منزل الحداد عن الأرض، لا بعنف، بل ببطء مخيف، كأنه سفينة تُرفع عن مرساها في بحر لا ماء فيه.

تساقط الغبار من أسفل البناء، وتدلت الجذور اليابسة والأحجار المكسورة، بينما راحت النوافذ ترتجف، وظهر الحداد خلف إحداها يحمل طفلته ويضرب الزجاج بقبضته.

ركض أهل القرية تحت المنزل، لكنهم لم يستطيعوا الوصول إليه؛ كان يصعد متهادياً، وكلما ارتفع ازداد ميلانه، حتى بدأت الأواني والأثاث تتدحرج داخله من غرفة إلى أخرى.

أطلقت أروى حبلاً ذا خطاف نحاسي، فتعلق بشرفة المنزل، ثم لفته حول صخرة كبيرة، لكن الصخرة نفسها تحركت من مكانها، وبدأت تنزلق صاعدة فوق التراب.

صرخت أروى:

أحضروا سلاسل الطواحين! اربطوا كل شيء بالجذوع والصخور، ولا تسمحوا لأحد بالصعود إلى الأسطح!

انتشر الرجال والنساء في الطرقات، يثبتون الأبواب، ويربطون عربات القمح، ويجمعون الأطفال داخل مخزن الحبوب المنخفض، بينما كانت القرية كلها تصدر أنيناً خافتاً من الخشب والحجر والحديد.

وفي الأفق، راحت الكرة الزرقاء ترتفع فوق طبقة السحاب، ويجر خلفها خيط باهت من الضوء يمتد حتى قلب الجبل.

وصول الأمير وسهامه السوداء

قبل الظهيرة بقليل، دوى بوق عند الممر الشرقي، وظهر الأمير حسام على رأس فرقة من الفرسان، مرتدياً درعاً أسود تلمع على صدره شارة الشمس ذات الرماح الستة.

كان قد رأى من قصره البعيد البيوت تحوم فوق السفح، فجاء حاملاً أقواساً طويلة وسهاماً ذات رؤوس مسننة صُنعت لصيد مخلوقات السماء.

ترجل الأمير وسط الساحة، وألقى نظرة سريعة على أروى، ثم على الكرة البعيدة، وقال بثقة من اعتاد أن تفسح المشكلات طريقها أمام سيفه:

سنثقبها، فتفقد قوتها، ويعود كل شيء إلى موضعه.

اقتربت أروى منه حتى صارت في مواجهته، وكان الغبار الصاعد يلتصق بجبينها وشعرها.

لن يعود شيء إلى موضعه يا مولاي، بل سيسقط.

رفع الأمير حاجبه.

السقوط أفضل من الضياع في السماء.

قالت:

هذه الكرة لا ترفع البيوت وحدها، بل تحمل الآن حجارة وأسقفاً وأشجاراً وأناساً.

إن ثقبتها، فستتحرر الجاذبية المختزنة فيها دفعة واحدة، وسيسقط كل ما رفعته كما يسقط المطر من سحابة ممزقة.

الحل الذي يشبه الكارثة

أشار حسام إلى المنزل المعلق فوق القرية، وقد صار على ارتفاع عشرات الأذرع.

وإن تركناها، فسيواصل الصعود حتى يختفي، ثم تتبعه بقية البيوت.

كم لدينا من الوقت؟

نظرت أروى إلى الخيط الضوئي الواصل بين الكرة والجبل، فرأته يرتجف ويزداد نحولاً.

حتى غروب الشمس، ربما أقل.

حين ينقطع الخيط، لن تتذكر الكرة القرية أبداً.

قال قائد الفرسان:

إذن نطلق السهام الآن، ونفرش الساحة بالقش والحبال لامتصاص السقوط.

هزت أروى رأسها.

لن يسقط المنزل وحده.

ستسقط معه الصخور التي ارتفعت خلف الجبل، والمياه التي بدأت تنفصل عن الينابيع، وربما أجزاء من القمة نفسها.

ساد الصمت لحظة، ثم سمع الجميع صوتاً كالرعد، ورأوا برج المراقبة القديم يميل قبل أن ينفصل عن حافته الصخرية، مرتفعاً في الهواء ومحاطاً بسرب من الحجارة.

قبض الأمير على قوسه وقال:

لا يمكننا الوقوف والمشاهدة.

أجابته أروى:

ولن نفعل، لكن الجاذبية لا تُهزم بالقوة.

يجب أن نعرف لماذا هربت.

أثر خفي داخل الحظيرة

عادت أروى إلى الحظيرة، وتبعها الأمير على الرغم من اعتراض حراسه، بينما ظلت الأرض تحت أقدامهما أخف من المعتاد، كأن كل خطوة قد تتحول إلى قفزة لا تنتهي.

أضاءت أروى المصابيح الزرقاء المعلقة في السقف، فظهرت أماكن الكرات الست الباقية، كل واحدة مستقرة داخل عش من المعدن، نابضة بضوء خافت يشبه التنفس.

اقتربت من الفراغ الذي تركته الكرة السابعة، ومررت أصابعها فوق الحافة النحاسية، فشعرت بخشونة لم تكن موجودة في الليلة الماضية.

كان هناك مسحوق أبيض رقيق عالق عند قاعدة العش، تفوح منه رائحة لاذعة تشبه رائحة الثلج حين يضربه البرق.

قال حسام:

هل هذا ما حررها؟

جمعت أروى قليلاً من المسحوق على طرف سكينها، ثم قربته من إحدى الكرات، فتراجعت الكرة داخل عشها وارتج سطحها كما ترتجف قطرة ماء فوق معدن ساخن.

همست أروى:

ملح الفراغ.

لم يفهم الأمير الاسم، لكن ملامحها جعلته يشد قبضته على القوس.

من يستطيع الحصول عليه؟

قالت:

من يملك مفاتيح مناجم السحاب، أو من يتاجر مع الرُّحّل الذين يعبرون الطبقات العليا من السماء.

هذا الملح لا يقتل الجاذبية، بل يجعلها تنفر من المكان الذي رُشَّت فيه.

الخيانة التي جاءت من الأرض

انحنت أروى تفحص الأرض، ولاحظت أثراً نصف دائري لحذاء ذي كعب معدني، يبدأ عند باب الحظيرة وينتهي قرب العش الفارغ.

كان الحذاء قد ترك في الغبار علامة شمس ذات ستة رماح.

رفع الأمير حسام قدمه ببطء، ونظر إلى العلامة المنقوشة أسفل حذائه، ثم قال ببرود يخفي اضطراباً واضحاً:

هذه شارة جنود القصر، لكنها مستخدمة في ثلاث سرايا.

أجابته أروى:

أحد رجالك دخل إلى هنا، أو رجل أراد أن نعتقد أنه من رجالك.

وقبل أن يرد، سمعا صريراً خلف الجدار، ثم اندفع ظل طويل نحو الباب الخلفي للحظيرة.

ركض الأمير وراءه، بينما رفعت أروى مصباحها، فرأت طرف عباءة رمادية يختفي في ممر الصيانة الضيق الذي يؤدي إلى المنحدرات الشمالية.

خرج الاثنان إلى الضوء، لكن المتسلل كان قد قفز فوق حاجز صخري، وفي يده كيس أبيض يترك خلفه خيطاً من المسحوق.

أطلق حسام سهماً، فمر قرب كتف الرجل وشق عباءته، إلا أن المتسلل لم يسقط؛ فتح مظلة جلدية سوداء، فحملته الريح بعيداً عن السفح حتى اختفى بين الغيوم.

قال الأمير وهو يراقبه:

لم يكن هدفه سرقة الكرة فقط.

كان يتأكد من أن بقية الكرات ستلحق بها.

حين صار المطر يصعد

مع انتصاف النهار، بدأت قطرات الماء تنفصل عن النوافير والآبار، ترتفع كحبات زجاج شفافة، ثم تتجمع فوق أسطح البيوت في أنهار مقلوبة تتدفق نحو السماء.

صارت أنفاس الناس ثقيلة، لا لقلة الهواء، بل لأن أجسادهم نفسها بدأت تفقد وزنها، فأصبح كل تحرك سريع يدفع صاحبه خطوات إلى أعلى.

أمرت أروى الجميع بربط أحزمتهم بالحبال الممتدة بين البيوت، ثم صعدت إلى برج الجرس الذي ظل ثابتاً لأنه محفور في قلب الجبل، وأخرجت منظاراً قديماً تركه لها أبوها.

رأت الكرة الهاربة بوضوح؛ لم تكن تصعد وحدها، بل كانت تجر حولها دائرة واسعة من الحطام، وداخل تلك الدائرة تحوم ثلاثة منازل وشجرة صنوبر ضخمة وبرج المراقبة.

لكن شيئاً آخر ظهر خلفها، شيء أسود رفيع يتحرك مثل جناح بعيد.

ركزت عدسة المنظار، فاكتشفت جسراً معدنياً معلقاً تحت منطاد داكن، وعلى متنه الرجل الهارب وعدة أشخاص يثبتون آلة تشبه شبكة ضخمة.

قال الأمير حسام حين أخذ المنظار منها:

إنهم ينتظرون الكرة في الأعلى.

أجابت أروى:

لم يريدوا تدمير القرية.

أرادوا سرقة جاذبيتها.

قلب الجبل المعروض للبيع

كانت كرات الجاذبية نادرة إلى حد أن مملكة كاملة قد تُباع مقابل واحدة منها، إذ يستطيع من يملكها بناء قصور في الهواء، أو رفع سفن ضخمة فوق الحصون، أو اقتلاع أسوار مدينة من أساساتها.

قال حسام:

سأرسل صقور النار لإحراق منطادهم.

أمسكت أروى بذراعه قبل أن يعطي الإشارة.

إن احترق المنطاد قرب الكرة، فقد تنفجر خزانات الوقود وتثقبها.

إذن ماذا تقترحين؟

نظرت إلى الخيط الضوئي النحيل، ثم إلى الحظيرة في عمق الجبل، وقالت:

لا يمكن إجبار الكرة على العودة، لكن يمكن إقناعها بأن لها مرعى جديداً أقرب من السماء.

حدق الأمير فيها.

أتتكلمين عن الجاذبية كأنها حيوان خائف.

قالت:

لأنها كذلك، بطريقتها.

لقد نفرت من عشها بسبب الملح، فهربت تبحث عن نقطة أثقل تتعلق بها.

علينا أن نصنع نقطة كهذه.

مرساة من أجراس القرية

طلبت أروى جمع كل معدن ثقيل في القرية؛ أجراس المعابد، وسلاسل الجسور، وأحجار الرحى المرصعة بالحديد، ودروع الجنود، وحتى تاج الأمير المصنوع من الذهب الداكن.

صهر الحدادون المعادن في ساحة الجبل داخل فرن واسع، بينما كان بيتهم يحوم فوقهم، وظل الحداد يرفع رأسه بين ضربة مطرقة وأخرى ليتأكد أن ابنته لا تزال ظاهرة خلف النافذة.

صنعت أروى من المعدن المذاب حلقة ضخمة، ونقشت عليها أسماء العائلات التي عاشت فوق الجبل منذ تأسيس القرية، ثم وضعت في مركزها شظية من كل كرة من الكرات الست الباقية.

قال حسام حين رآها تكسر شظايا دقيقة من الكرات:

ألن يُضعف ذلك القرى الأخرى؟

أجابت وهي تلف أصابعها المحروقة بقطعة قماش:

سيجعلها أخف قليلاً لساعات، لكنه سيمنح مرساتنا صوتاً تعرفه الكرة الهاربة.

ثمن لا يحمله الحديد

حين اكتملت الحلقة، حاول عشرون رجلاً تحريكها، لكنها ظلت فوق الأرض بلا وزن تقريباً، فالقرية لم تعد تملك جاذبية كافية لتجعل المرساة ثقيلة.

قال الأمير:

فشلت الخطة.

وضعت أروى يدها على النقوش، وأغمضت عينيها، ثم قالت:

الحديد لا يكفي.

الجاذبية لا تتعلق بالمادة فقط، بل بما تربطه المادة من حياة وذكريات.

طلبت من أهل القرية أن يضع كل واحد منهم شيئاً لا يستطيع مغادرة الجبل من دونه؛ وضعت امرأة مفتاح بيتها، ووضع الخباز أول قالب خشبي صنعه له أبوه، وألقى طفل حجراً أملس احتفظ به منذ تعلم المشي.

أضاف الحداد مطرقة جده، وأضاف الأمير حسام خاتم أمه، ثم وضعت أروى في قلب الحلقة صفارة أبيها النحاسية، التي كان يستدعي بها الكرات حين تبتعد داخل الحظيرة.

ما إن لامست الصفارة المعدن حتى ارتجت المرساة، وسقطت فجأة على الأرض بقوة أحدثت حفرة عميقة، وامتد منها نبض أسود عبر الصخور.

في السماء، توقفت الكرة الهاربة عن الصعود.

الصعود إلى حيث لا ينبغي للبيوت أن تكون

كان لا بد من رفع المرساة نحو الكرة حتى تشعر بها بوضوح، لكن لا منطاد في القرية يستطيع حمل وزنها بعد أن استعادت ثقلها.

عندها أمر الأمير بربطها بأسفل المنزل الطائر الأقرب، وهو بيت الحداد، ثم أصر على أن يصعد مع أروى لإنقاذ العائلة وتوجيه المرساة.

تعلقا بحبل طويل، وأطلق الجنود بكرات السحب، فارتفعا تدريجياً فوق القرية، فيما كانت الريح تضرب وجهيهما ببرودة حادة، وتحمل حولهما قطع الخشب والبلاط وأسراب الأوراق.

وصلت أروى إلى شرفة المنزل، كسرت النافذة، وساعدت الحداد وزوجته وطفلته على الانتقال إلى سلة حبال رُبطت أسفل السقف.

قال الحداد:

انزلي معنا.

نظرت إلى الكرة فوقهم، وقد بدأت تستأنف صعودها ببطء نحو منطاد اللصوص.

ليس بعد.

معركة فوق السحب

هبطت من المنطاد الأسود حبال تحمل رجالاً مقنعين، وانقض أحدهم على سطح المنزل الطائر، يحمل قاطعاً معدنياً يريد به فصل المرساة.

قفز الأمير حسام أمامه، وتصادمت سيوفهما فوق القرميد المائل، بينما كانت قطع السقف تتطاير مع كل ضربة وتسقط إلى أعلى بدلاً من الأسفل.

ظهر الرجل ذو العباءة الرمادية عند حافة المنطاد، ورفع قوساً قصيراً موجهاً نحو الكرة مباشرة.

صرخت أروى:

إنه سيثقبها!

أطلق الرجل السهم، فانحنى حسام وانتزع درعاً من ظهر أحد المهاجمين، ثم دفعه في مسار السهم؛ اصطدم الرأس المسنن بالدرع، غير أن قوته دفعت الأمير خارج السقف.

امتدت يد أروى في اللحظة الأخيرة، وأمسكت معصمه، لكن جسده ظل معلقاً في الهواء، يتأرجح فوق فراغ يمتلئ بالحجارة والأنهار الصاعدة.

قال حسام وهو ينظر إلى أصابعها التي بدأت تنزلق:

اتركيني وأعيدي الكرة.

أجابته من بين أسنانها:

لن أثبت قرية بدم رجل.

غرست خنجراً في خشب السقف وربطت حزامه به، ثم اندفعت نحو المرساة، فيما عاد الأمير يتسلق الحبل خلفها.

نداء الراعية الأخير

وقفت أروى فوق الحلقة المعدنية، وقد صارت الكرة على بعد عشرين ذراعاً فقط، تفصلها عنها دوامة من الأثاث والحجارة والمياه المعلقة.

أخرجت صفارة أبيها، ووضعتها بين شفتيها، ثم نفخت فيها، لكن الصوت الذي خرج لم يكن صفيراً عادياً؛ كان نغمة عميقة ارتجت لها السحب، كأن الجبل نفسه ينادي طفلاً ضائعاً.

توقفت الكرة، وبدأ الضوء داخلها يدور بسرعة، ثم تحركت نحو أروى خطوة صغيرة في الهواء.

هتف حسام:

إنها تستجيب!

لكن الرجل الرمادي قطع أحد حبال المرساة، فمالت الحلقة بعنف، وتدحرجت أروى فوق سطح المنزل حتى اصطدمت بالحافة، وسقطت الصفارة من يدها.

راحت الصفارة تحوم بعيداً، إلا أن طفلة الحداد، التي ظلت في سلة الإنقاذ، مدت يدها والتقطتها قبل أن تبتلعها الدوامة.

نفخت الطفلة فيها بكل ما تملك من نفس، فخرج صوت ضعيف متقطع، لكنه كان كافياً.

ما سمعته الكرة في الصوت

لم تسمع الكرة صفيراً فقط؛ سمعت مطرقة الحداد، ورائحة خبز الصباح، وضحكات الأطفال في الأزقة، ووقع أقدام الرعاة، وأسماء الموتى المحفورة في المرساة.

سمعت كل ما حملته طوال ثلاثة قرون، فعرفت أن القرية لم تكن سجناً، بل مكاناً اختار أن يثق بها كي لا يسقط.

اندفعت الكرة فجأة نحو المرساة، وارتطمت بمركز الحلقة دون أن تنكسر، ثم غاصت داخل المعدن كما تغوص قطرة حبر في ماء صافٍ.

في اللحظة نفسها، استعادت القرية جاذبيتها كاملة.

بدأ المنزل الطائر يسقط.

السقوط الذي استغرق نبضة واحدة

لم يكن هناك وقت للصراخ؛ انقلب كل ما كان يطفو إلى كتلة تهوي نحو الجبل، البيوت والصخور والمياه والأشجار والناس المعلقون بالحبال.

لكن أروى كانت قد توقعت هذه اللحظة، ولهذا نقشت أسماء العائلات على المرساة، وربطت شظايا الكرات الست بها.

حين بدأت الأشياء تسقط، أطلقت المرساة موجة جذب معاكسة، لم تمنع الهبوط، بل أبطأته كما تُبطئ اليد الحانية سقوط طفل متعب.

هبطت المنازل فوق أساساتها بانحرافات صغيرة، واستقرت الأشجار مائلة، وانسكبت المياه على الساحات كمطر غزير، بينما سقط برج المراقبة عند طرف القرية وتحطم دون أن يصيب أحداً.

أما منزل الحداد، فقد هبط فوق كومة ضخمة من القش والسلاسل التي أعدها أهل القرية، وانهار نصف سقفه، لكن العائلة خرجت منه حية.

سقط الأمير قرب النافورة، وغاص حتى ركبتيه في الطين، ثم رفع رأسه باحثاً عن أروى.

وجدها مستلقية قرب المرساة، ويداها فوق الكرة الزرقاء التي عادت تنبض ببطء، كقلب صغير أنهكه السفر.

السهم الذي لم يُطلق

وقف الرجل الرمادي على حافة المنطاد البعيد، وأدرك أن السرقة فشلت، فأمر رجاله بالانسحاب نحو السحب.

رفع حسام قوسه، وثبت سهماً طويلاً، وكان يستطيع إصابة المنطاد وإحراقه، لكنه لمح خزانات الوقود المتدلية فوق الأحياء السفلى من القرية.

ظل السهم مشدوداً لحظة، ثم خفض الأمير القوس.

نظرت إليه أروى وقالت:

ظننت أنك لا تترك عدواً يهرب.

أجاب وهو يراقب المنطاد يختفي:

تعلمت اليوم أن بعض الانتصارات تسقط فوق الأبرياء.

ثم التفت إلى قائد حرسه، وأمره بتتبع بائعي ملح الفراغ، وحراسة طرق السحاب، والتحقيق مع كل من حمل شارة القصر في الأسابيع الأخيرة.

عودة الكرة إلى مرعاها

أعيدت الكرة السابعة إلى الحظيرة، لكن أروى لم تضعها في العش القديم؛ فقد ظل ملح الفراغ عالقاً في مسامه، مهما غُسل بالماء أو النار.

صنعت لها عشا جديداً من بقايا المرساة، ووضعت حوله الأشياء التي قدمها أهل القرية، فصار المكان أشبه بمزار صغير للذكريات التي منعت الجبل من فقدان أبنائه.

دخل الأمير حسام الحظيرة قبل رحيله، ووضع تاجه بجوار الكرة.

قالت أروى:

يمكنك استعادته الآن.

أجاب:

ليظل هنا.

من يحكم أرضاً يجب أن يتذكر أن التاج أثقل حين يحمله الناس معه، وأخف حين يحاول حملهم بالقوة.

ابتسمت أروى للمرة الأولى منذ الفجر، ثم وضعت أذنها على سطح الكرة.

لم تسمع ضربات مذعورة، ولا ارتجاجاً غاضباً؛ سمعت البيوت تستقر، والمسامير تعود إلى أماكنها، وطفلة الحداد تضحك وهي تنفخ في الصفارة النحاسية.

جرس معلق بين الأرض والسماء

بعد سبعة أيام، اجتمع أهل القرية عند الساحة لترميم برج الجرس، لكنهم لم يعيدوه إلى موضعه القديم، بل علقوا جرسه الكبير فوق الحظيرة بسلاسل متصلة بالمرساة الجديدة.

كان الجرس يظل ساكناً معظم الوقت، لكنه يهتز كلما اضطربت إحدى كرات الجاذبية، فينطلق صوته عميقاً عبر الجبل، محذراً الراعية قبل أن تتحول الهمسات إلى كارثة.

وفي أول ليلة اكتمل فيها القمر، استيقظت أروى على رنين خافت، فركضت إلى الحظيرة، ووجدت الكرة السابعة تتحرك قليلاً داخل عشها.

لم تحاول الهرب هذه المرة؛ كانت فقط ترتجف من كابوس قديم.

جلست أروى إلى جوارها، وضعت كفها فوق سطحها البارد، وأخذت تحدثها عن البيوت التي عادت إلى أساساتها، وعن الأشجار التي أخرجت براعم جديدة، وعن طفلة الحداد التي صارت تحلم بأن تصبح راعية للجاذبية.

هدأت الكرة ببطء، وخفت رنين الجرس، بينما ظل الجبل تحت القرية ثابتاً، لا لأنه أقوى من السماء، بل لأن أحداً أصغى أخيراً إلى خوف صغير قبل أن يتحول إلى سقوط عظيم.

ليست كل الأشياء الهاربة خائنة، فقد يكون الهرب صرخة لا تجد من يسمعها، وليست كل الحلول الحاسمة حكيمة، فبعض السهام تصيب المشكلة ثم تواصل طريقها نحو من لم يكن جزءاً منها.

وقد بقيت قرية السُّرى فوق جبلها لأن راعيتها لم تسأل كيف تُخضع القوة، بل سألت لماذا خافت؛ فالروابط التي تُبنى على الفهم قد تحمل بيوتاً كاملة، أما الروابط التي تُشد بالقسر، فلا تحتاج إلا إلى ثقب صغير كي تسقط، الحكاية بين دعامتين للجسر القصة التي كشفت الشق الذي كاد يغرق مدينة كامله من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد