حارس الغابة المضيئة حكاية حمزة وسر أبيه المفقود

الراوي
0

النداء القادم من بين الأشجار، لم تكن الغابة المجاورة للقرية تتوهج في كل ليلة، ولم يكن أحد من أهلها يجرؤ على النظر إليها حين تصطبغ أشجارها بلون أزرق شاحب، وكأن آلاف النجوم قد هبطت من السماء واختبأت بين أغصانها، غير أن حمزة، في تلك الليلة بالذات، لم يكتف بالمشاهدة من بعيد.

كان واقفا عند نافذة غرفته حين رأى ضوءا أخضر يتحرك بين الأشجار، ثم يتوقف فجأة عند حافة الغابة، كأنه يراقب البيت وينتظر أن يراه الفتى وحده، وما إن التصقت عيناه بذلك الضوء حتى سمع همسا رقيقا يتسلل بين صفير الريح، واضحا رغم المسافة، ينادي اسمه للمرة الأولى، ثم انطفأت مصابيح القرية كلها دفعة واحدة.

ظل حمزة واقفا في الظلام، وقد انعكس ضوء القمر على وجهه الشاحب، بينما تسارعت دقات قلبه حتى خيل إليه أن الغرفة بأكملها تسمعها، عاد الهمس من جهة الغابة أكثر وضوحا هذه المرة، كأن صاحبه يقف خلف زجاج النافذة مباشرة: حمزة، لقد وجدونا.

ابتعد الفتى خطوة مذعورا، فاصطدمت ساقه بطرف السرير، لكنه لم يصرخ، كان في الخامسة عشرة من عمره، وقد اعتاد منذ صغره سماع حكايات الشيوخ عن الغابة المضيئة، إلا أن أحدا لم يقل له إنها تعرف أسماء الناس، ارتدى معطفه الصوفي على عجل، وأخفى مصباحا صغيرا في جيبه، ثم تسلل خارج البيت دون أن يوقظ أمه، كان الهواء باردا حتى تحولت أنفاسه إلى سحب بيضاء صغيرة، بينما غطى الضباب طرقات القرية الضيقة.

عند آخر منزل في أطراف القرية، سمع صوت باب يغلق خلفه بقوة، التفت سريعا فلم ير أحدا، غير أن ظلا طويلا انزلق فوق جدار حجري ثم اختفى، تاركا خلفه رائحة غريبة تشبه الحديد المحترق.

حارس الغابة المضيئة حكاية حمزة وسر أبيه المفقود


آثار لا تنتمي إلى بشر

عند مدخل الغابة، انحنى حمزة يتفحص الأرض الرطبة، كانت هناك آثار أحذية عميقة وواسعة تتجه نحو الداخل، وفي قلب كل أثر حبة رماد سوداء لا تذوب في الطين، مد يده ليلمس إحداها، فتوهجت تحت إصبعه بلون أحمر داكن، ولسعته حرارة حادة جعلته يسحب يده على الفور.

وفي تلك اللحظة، اشتعلت في ذاكرته صورة قديمة لم يعرف مصدرها، رجل مقنع يحمل قوسا أسود، وخلفه أقفاص حديدية تمتلئ بأجنحة صغيرة تضرب القضبان في هلع، تراجع حمزة حتى التصق ظهره بجذع شجرة، وهمس لنفسه أن كل هذا لا بد أنه محض حكايات، لكن الأوراق فوق رأسه اهتزت من دون ريح، وانحنى غصن طويل حتى لامس كتفه، كأنه يجيبه، ومن أعماق الغابة ارتفع صرير معدني ثقيل، تلاه صوت كائن صغير يطلق صرخة ألم، عندها انطلق حمزة راكضا بين الأشجار.

قلب الغابة الذي لا يعرفه أحد

كلما توغل حمزة في الغابة تغير العالم من حوله، اختفت أصوات القرية، وخفت صفير الريح، حتى لم يبق سوى حفيف خطواته وقطرات الماء المتساقطة من الأوراق، كانت جذوع الأشجار مكسوة بخطوط فضية نابضة تسري فيها كالدم في العروق، بينما انتشرت بين الجذور أزهار شفافة تفتح بتلاتها عند اقترابه وتغلقها بعد مروره.

فجأة ظهر الضوء الأخضر من جديد، لكنه لم يكن مصباحا ولا شعلة، بل مخلوقا صغيرا بحجم كف اليد، نحيل الجسد كطفل من زجاج، له جناحان تتدفق داخلهما خيوط من النور، وعينان واسعتان بلون العسل، حلق أمام وجه حمزة وقال له إنه تأخر كثيرا أيها الحارس، أنكر حمزة أن يكون حارسا، فعبس المخلوق ودار حول رأسه دورة كاملة تاركا خط ضوء أخضر خلفه، وقدم نفسه باسم نوير من شعب الوهاجين، وأخبره أنه يحمل العلامة التي انتظروا ظهورها خمسة عشر عاما.

العلامة النائمة تحت الجلد

هبط نوير فوق يد حمزة اليسرى ولمس معصمه بإصبع دقيق، فشعر الفتى بحرارة تنتشر في ذراعه، وظهر تحت جلده رسم دائري لشجرة تتوسطها عين مفتوحة تحيط بها سبع نقاط متوهجة، تذكر حمزة أن والده، قبل اختفائه بسنوات، كان يمسك معصمه أحيانا ويقول إن بعض الأبواب لا تفتح بالمفاتيح بل بالأسماء والدماء.

سأل بصوت مبحوح إن كان أبوه يعرف هذه الغابة، فأجابه نوير أن أباه لم يكن يعرفها فحسب، بل كان حارسها من قبله، شعر حمزة أن الأرض تميل تحت قدميه، فأهل القرية كانوا يظنون أن أباه ضل طريقه في عاصفة ومات بين الجبال، لكن عيني نوير لم تحملا شفقة من يروي قصة وفاة، بل خوف من يخفي نهاية أسوأ، وقبل أن يسأل حمزة سؤاله التالي، دوى انفجار في عمق الغابة، وارتجت الأشجار حتى تساقطت الأوراق المضيئة كالمطر، صاح نوير أنهم كسروا الحاجز الأول، واندفع في الهواء يطلب من حمزة أن يتبعه.

صيادو السحر المظلم

وصلا إلى فسحة واسعة تتوسطها بحيرة سوداء ساكنة، وعلى ضفتها قوس حجري قديم تتوهج فوقه رموز زرقاء، جزء منه محطم وشظاياه متناثرة بين الأعشاب، وراء الحطام وقف ثلاثة رجال بعباءات جلدية طويلة وأقنعة معدنية بلا ملامح، يحمل كل منهم سلاحا من الحديد والعظام، وخلفهم رجل رابع أطول قامة، يتدلى من عنقه عقد بسبعة مخالب سوداء، ويحمل عصا يعلوها حجر أحمر ينبض كقلب حي.

أمامهم تراصت أقفاص حديدية حشرت فيها عشرات الكائنات المتوهجة، طيور بأجنحة بلورية، وأرانب ذات قرون مضيئة، ومخلوقات صغيرة شبيهة بنوير، اقترب الرجل الطويل من أحد الأقفاص ومرر حجر عصاه فوقه، فانطفأ ضوء الكائنات وازدادت حمرة الحجر، همس نوير أن هؤلاء صيادو السحر المظلم، يمتصون نور الكائنات ليصنعوا منه سلاحا لا يقهر، اختبأ حمزة خلف جذع عريض وسأل ماذا يريدون منه وهو لا يملك سلاحا، فأجابه نوير أن الحارس لا يحتاج سلاحا، فالغابة كلها سلاحه إن قبلته.

الرجل ذو القناع الفضي

رفع قائد الصيادين رأسه فجأة نحو مخبأ حمزة كأنه شم خوفه، وطلب منه أن يخرج حتى لا تدفع الأشجار ثمن جبنه، تجمد حمزة، فضرب الرجل عصاه بالأرض فانطلقت موجة حمراء اقتلعت الجذع الذي يختبئان خلفه، تدحرج حمزة فوق الأعشاب وسقط نوير بجانبه وقد انطفأ نصف ضوئه.

اقترب القائد وخلع قناعه، فظهر وجه هزيل تملؤه ندوب سوداء وعينان مختلفتان، إحداهما رمادية بشرية والأخرى حمراء لامعة كحجر عصاه، سخر من جبن ابن حارس الغابة، فسأله حمزة عن مكان أبيه، أشار الرجل نحو البحيرة السوداء، فظهرت تحت سطحها هيئة رجل مقيد بالسلاسل، ساكنة وسط الظلام، لكن عينيه مفتوحتان، صرخ حمزة مناديا أباه، فتحركت أصابع الرجل الغارق ببطء وارتفع صوت خافت مشوه يحذره ألا يثق به.

الصفقة التي تحمل وجه الخيانة

قدم قائد الصيادين نفسه باسم رافد، وادعى أنه لم يقتل والد حمزة بل أبقاه حيا لأن الغابة لا تسمح بموت حارسها السابق قبل أن يسلم قوته لحارس جديد، عرض عليه صفقة، أن يحرر له قلب الغابة مقابل أن يعيد إليه أباه، وإلا أطفأ المخلوقات المحاصرة واحدا تلو الآخر أمام عينيه، وحين ضرب أحد الصيادين قفصا بعصاه، انطفأ طائر بلوري بداخله وسقط بلا حراك، فارتفع صوت بكاء حاد من بين الكائنات.

شعر حمزة بغضب ممزوج بالعجز، ونظر إلى أبيه خلف الماء الأسود، ثم إلى الكائنات المحاصرة، فبدت له كل الطرق تنتهي بخسارة أحدهم، طرح عليه رافد السؤال بهدوء ماكر، حياة رجل يعرفه أم حياة مخلوقات لم يرها إلا تلك الليلة، عندها رفعت إحدى الوهاجات الصغيرة رأسها من قفصها رغم إصابة جناحها، وأومأت له ببطء وكأنها تطلب منه ألا يختارها على حساب أبيه، فهم حمزة عندها أن رافد لم يمنحه خيارا حقيقيا، بل أراد أن يزرع في قلبه أول بذرة للظلام.

صوت الأب من تحت الماء

اقترب حمزة من البحيرة حتى لامست المياه مقدمة حذائه، تحركت صورة أبيه في الأعماق وارتفعت كلماته متقطعة بين الفقاعات: الحارس لا يملك الغابة، انحنى حمزة يحاول فهم كلامه، فأضاف الأب بصعوبة أن الغابة هي التي تختار الحارس، حين يختارها هو، ضرب رافد سطح البحيرة بعصاه فتلاشت صورة الأب وسط دوامة سوداء، وأعلن أن وقت الكلام قد انتهى، ومد يده المغطاة ببقع داكنة متحركة تحت الجلد يطلب من حمزة أن يفتح له الطريق إلى قلب الغابة.

نظر حمزة إلى العلامة المضيئة في معصمه، ثم أغلق عينيه ووضع كفه على الأرض كما كان يفعل صغيرا حين يحاول سماع النمل تحت التراب، لم يسمع شيئا في البداية، ثم جاءه نبض عميق من باطن الأرض.

حين استيقظت الأشجار

كان النبض بطيئا هائلا، أقدم من القرية وأقدم من أسماء الجبال، ارتفع عبر ذراع حمزة إلى صدره حتى بدأ قلبه يخفق بالإيقاع نفسه، توالت في رأسه أصوات حفيف أوراق بعيدة، وانكسار غصن تحت قدم صياد، وبكاء الكائنات، وماء يتدفق في جذور تمتد لأميال، فشعر للحظة أنه لم يعد يقف داخل الغابة، بل أصبح هو الغابة.

فتح عينيه فوجد رافد يتراجع خطوة، فقد امتدت العلامة في معصمه كخيوط مضيئة حتى كتفه، وتوهجت عيناه بلون أخضر صاف، أعلن حمزة أنه لن يمنحه قلبا ليس ملكه، فانشقت الأرض تحت أقدام الصيادين وخرجت منها جذور ضخمة التفت حول سيقانهم، أطلق أحد الصيادين سهما أسود نحوه، فتلقاه غصن شجرة بدلا منه، أمر رافد رجاله بتحطيم الأقفاص وقتل ما فيها، فرفع حمزة كفه وتطايرت أوراق مضيئة من جميع الأشجار، ودارت كإعصار أخضر تحولت حوافه إلى شفرات نور قطعت الأقفال دون أن تمس ما بداخلها، انطلقت الكائنات حرة، وامتلأ الليل بألوان لم يرها حمزة من قبل.

معركة الضوء والرماد

حلقت الطيور البلورية فوق الصيادين وعكست بأجنحتها ضوء القمر في عيونهم، بينما قفزت الأرانب ذات القرون بين الأعشاب وأطلقت ومضات أربكتهم، أما الوهاجون فداروا حول الأسلحة السوداء ولمسوها بأصابعهم الصغيرة، فتحول الحديد إلى رماد تذروه الريح.

صرخ رافد غاضبا ووجه عصاه نحو نوير، فانطلقت منها سلسلة حمراء التفت حوله وسحبته من الهواء، سقط نوير أمام قدمي رافد، الذي وضع طرف عصاه فوق صدره مهددا بإطفائه إلى الأبد إن تحرك حمزة خطوة أخرى، توقف حمزة وقد أحاطت به الكائنات المضيئة، بينما ظل نبض الغابة يدوي داخله كطبل حرب، تراجع رافد نحو البحيرة ساخرا من قدرته على تحريك الأشجار وعجزه عن تجاوز خوفه من الخسارة، ثم رفع حجر عصاه فأعاد ظهور صورة والد حمزة تحت الماء، بينما أخذت السلسلة حول نوير تمتص ضوءه حتى بهت جسده كجمرة تحت المطر، طلب رافد منه أن يختار، أباه أم ذلك المخلوق، فأجاب حمزة بهدوء لم يتوقعه من نفسه أنه لن يمنحه ضحية أخرى.

سر البحيرة السوداء

ضرب حمزة الأرض بكلتا يديه فاندفعت الجذور نحو البحيرة، لكنها توقفت عند حافتها كأن حاجزا خفيا يمنعها، سخر رافد من خوف الغابة نفسها من تلك المياه، لكن حمزة لاحظ أن البحيرة لا تعكس الأشجار ولا القمر ولا الكائنات المضيئة، بل صورة أبيه المقيد وحدها، أدرك عندها أن الرجل الغارق لم يكن جسدا حقيقيا بل ذكرى مسروقة أعيد تشكيلها لخداعه، وتذكر رائحة الحديد المحترق عند مدخل الغابة وحبات الرماد في الآثار والعين الحمراء في وجه رافد، فأيقن أن كل ما يصنعه الصيادون يقوم على تحويل الخوف إلى صورة وإجبار ضحاياهم على تصديقها.

صرخ حمزة أن أباه ليس في البحيرة، وأن رافد لا يعرف مكانه أصلا ولذلك استخدم صورته ليجعله يفتح له الطريق، ارتج سطح البحيرة وبدأت الصورة تتشقق كمرآة رقيقة، فتشوه وجه رافد غضبا ودفع عصاه داخل الماء الأسود، فارتفعت منه أيد دخانية كثيرة امتدت نحو حمزة والكائنات.

الضوء الذي يولد من الحقيقة

ركضت الأيدي السوداء فوق الأرض، وكل عشب لمسته ذبل وتحول إلى تراب، فتراجعت الكائنات المضيئة بينما ازدادت قوة الحجر الأحمر فوق عصا رافد، أغمض حمزة عينيه، لكنه هذه المرة لم يبحث عن قوة الأشجار، بل عن الشيء الذي كان يخشاه أكثر من رافد نفسه، فرأى صورة أبيه وهو يغادر البيت في صباح بعيد، وتذكر أنه ظل سنوات يلوم نفسه لأنه لم يطلب منه البقاء، وسؤاله المؤلم إن كان أبوه قد تركهم بمحض إرادته.

فتح عينيه وقال بصوت مرتجف إنه لا يعرف لماذا اختفى أبوه ولا إن كان حيا، لكنه لن يسمح لخوفه من الحقيقة أن يجعله يخدم كذبة رافد، توهجت العلامة في معصمه بلون أبيض ساطع، وخرج منه ضوء لا كالنار بل كماء صاف انتشر فوق الأرض، وحين لامس الأيدي الدخانية لم يحرقها بل كشف ما بداخلها من ذكريات مسروقة ووجوه مذعورة وأحزان استغلها رافد لصناعة سحره، تحررت الذكريات في الهواء كطيور شفافة وانهارت الأيدي السوداء، فصرخ رافد حين تشقق الحجر الأحمر فوق عصاه واندفعت منه أصوات ظل حابسا إياها سنوات، وتحطمت السلسلة حول نوير فطار مترنحا نحو حمزة.

المواجهة الأخيرة عند قلب الغابة

سقط رجال رافد واحدا تلو الآخر بعدما التفت الجذور حول أسلحتهم وأقنعتهم، وحين نزعت الأقنعة ظهرت وجوه بشرية شاحبة فقدت بريق عيونها منذ زمن، أما رافد فرفض السقوط، وغرس شظية الحجر الأحمر في صدره، فاندفع الظلام في عروقه وتضخم جسده حتى مزقت العضلات عباءته، وامتدت من ظهره نتوءات سوداء وتحولت يده إلى مخلب طويل، زمجر أنه إن لم يحصل على نور الغابة فسيدفنها في ظلام أبدي، وانقض على حمزة بسرعة خاطفة، حاولت الجذور إيقافه فقطعها بمخالبه، ثم ضرب الفتى بقوة قذفته نحو القوس الحجري المحطم.

ارتطم حمزة بالأرض وفقد إحساسه بذراعه للحظات، بينما اقترب رافد وكل خطوة منه تترك بقعة سوداء فوق العشب، حاول نوير والكائنات مهاجمته لكن رافد بعثرهم بموجة مظلمة، ورفع مخلبه فوق حمزة قائلا إن أباه كان أكثر حكمة منه، فقد عرف أن الغابة لا تستحق التضحية، توقف المخلب قبل أن يهبط، حين سأله حمزة بذهول إن كان قد قابل أباه فعلا، فصمت رافد لحظة كانت كافية لتغيير كل شيء.

رسالة الحارس السابق

أمسك حمزة بإحدى شظايا القوس الحجري، فاشتعلت الرموز المحفورة عليها فور ملامسة دمه، وانطلق منها شعاع أصاب صدر رافد ودفعه إلى الخلف، في الوقت نفسه ارتفعت بقية الشظايا من الأرض والتحمت في الهواء حتى عاد القوس كاملا، وظهر وسطه ضوء ذهبي تشكلت داخله هيئة والد حمزة، لا كصورة البحيرة المظلمة بل كذكرى حية محفوظة في الغابة.

قال الأب إن ظهور هذه الرسالة يعني أن رافد قد عاد، وأن حمزة اختار الغابة بإرادته، حاول رافد التقدم غاضبا نحو القوس فأمسكت به جذور الأشجار من كل اتجاه، تابع الأب قوله إنه لم يمت، لكنه اضطر لمغادرة عالمهم ليغلق بوابة الصيادين من الجهة الأخرى، ولم يستطع العودة لأن الحاجز يحتاج حارسا في كل جانب، سالت دموع حمزة الساخنة وهو يستمع إلى أبيه يقول إن الشجاعة ليست ألا تخاف، بل أن يعرف المرء ما يمكن أن يخسره ثم يختار رغم ذلك ألا يصبح نسخة ممن يؤلمونه، بدأ الضوء الذهبي يخفت، ومد حمزة يده نحو الصورة فمرت أصابعه عبرها، وقبل أن يختفي أبوه وعده باللقاء حين تتفتح الزهرة السابعة، انغلق الضوء داخل القوس، وسقطت في كف حمزة بذرة صغيرة ذهبية.

سقوط صياد الظلام

تمكن رافد من تمزيق بعض الجذور واندفع نحو القوس محاولا عبوره قبل أن يغلق، وشظية الحجر الأحمر لا تزال مغروسة في صدره تضخ الظلام في جسده وتلتهم ما بقي من إنسانيته، وقف حمزة أمام البوابة ووضع البذرة الذهبية داخل العلامة المضيئة في معصمه، فانبثقت من الأرض شجرة بيضاء هائلة ارتفعت في لحظات حتى اخترقت أغصانها الضباب، وبدت أوراقها كآلاف المصابيح الصغيرة التي تحمل ذكريات الغابة.

ظهر فوق أحد الأغصان مشهد لرافد وهو صبي صغير يجلس بجوار مخلوق متوهج مصاب يحاول إنقاذه، ثم رجل مقنع ينتزع المخلوق منه ويجبره على مشاهدة نوره وهو يمتص داخل حجر أحمر، توقف رافد مصعوقا، فهمس حمزة أنه لم يولد صيادا، ارتجف مخلب رافد وسقطت منه قطرة سوداء، وعاد وجهه البشري للحظة خلف التشوهات وظهرت في عينه الرمادية دمعة واحدة، لكن الحجر الأحمر نبض بعنف ومد جذورا سوداء داخل صدره فصرخ محاولا انتزاعها دون جدوى.

أدرك حمزة أن الحجر لم يكن أداة في يد الصياد، بل كان الصياد نفسه أداة في يد الحجر، رفع كفه فامتدت أغصان الشجرة البيضاء حول رافد دون أن تسحقه، وأضاءت ذكرياته القديمة واحدة تلو الأخرى حتى غمره النور الذي ظل يسرقه من الآخرين طوال حياته، انفجرت الشظية الحمراء في صدره وتحولت إلى غبار، وسقط رافد على ركبتيه وقد عاد جسده بشريا، ونظر إلى حمزة بعينين خاليتين من الغضب وقال إنه كان يجب أن يأتي حارس مثله منذ زمن، انفتح القوس لحظة واحدة وخرجت منه ريح قوية جذبت الرماد الأسود والأسلحة الملعونة وبقايا الحجر إلى الجهة الأخرى، فحاول رافد الابتعاد لكنه توقف ثم سار نحو البوابة بنفسه، واعدا أن يخبر والد حمزة بأنه قادم يوما، انغلقت البوابة خلفه بصوت يشبه زفرة جبل، وعاد السكون إلى الغابة.

صباح الحارس الجديد

بدأت خيوط الفجر تتسلل بين الأغصان، فاختفت الألوان الزرقاء والخضراء تدريجيا، إلا أن الكائنات المضيئة بقيت متجمعة حول حمزة في دائرة واسعة، انحنت الطيور البلورية بأجنحتها وخفضت الأرانب ذات القرون رؤوسها، بينما حلق الوهاجون فوقه ورسموا في الهواء شكل الشجرة ذات النقاط السبع، هبط نوير فوق كتفه وقد عاد ضوؤه أكثر إشراقا، وأخبره أن الغابة لم تعد تنتظر حارسها.

نظر حمزة إلى العلامة في معصمه، فوجد ست نقاط تضيء حول الشجرة بينما بقيت السابعة مظلمة، أخرج البذرة الذهبية فوجدها قد تحولت إلى زهرة صغيرة مغلقة البتلات، وتذكر وعد أبيه باللقاء حين تتفتح الزهرة السابعة، فوضعها في جيبه بعناية.

نظر نحو الطريق المؤدي إلى القرية، عالما أن أمه ستغضب، وأن أهلها لن يصدقوا نصف ما حدث، وأن حياته القديمة لن تعود كما كانت، لكنه حين خطا خارج الغابة، انحنت الأشجار خلفه كما لو أنها تودعه، وبقي خط رفيع من الضوء الأخضر ملتفا حول معصمه.

وفي المساء التالي، حين جلس أهل القرية في بيوتهم وأغلقوا نوافذهم خوفا من توهج الغابة، وقف حمزة عند حافتها وحده، لم يعد ينظر إليها كشيء مجهول يختبئ في الظلام، بل كما ينظر المرء إلى بيت طال غيابه عنه، ثم دخل بين الأشجار دون مصباح.

لم يصبح حمزة حارسا لأنه كان الأقوى، ولا لأنه عرف أسرار السحر، ولا لأنه امتلك شجاعة لا تهتز، بل لأنه رفض أن يجعل الخوف سيدا لاختياراته، فبعض أنواع الظلام لا تبدأ حين ينطفئ الضوء، وإنما تبدأ عندما نقبل أن نؤذي غيرنا لنحمي أنفسنا من الفقد، أما النور الحقيقي فلا يحتاج دائما سيفا يهزم أعداءه، فقد يكفيه قلب يرى الحقيقة، ويد تمتد إلى الجريح، وقرار صغير بألا تتحول جراح الإنسان إلى سلاح في صدور الآخرين.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.