حارس الغابة المضيئة وسر معركة الكائنات المتوهجة ضد الصيادين السحره

الراوي
0

لم تكن الغابة تضيء في كل ليلة، ولم يكن أهل القرية يجرؤون على النظر نحوها حين تتوهج أشجارها بلون أزرق شاحب، كأن آلاف النجوم قد هبطت من السماء واختبأت بين الأغصان.

لكن حمزة، في تلك الليلة، لم يكتفِ بالنظر.

كان واقفًا عند نافذة غرفته حين لمح ضوءًا أخضر يتحرك بين الأشجار، ثم توقف فجأة عند حافة الغابة، كما لو أنه يراقب البيت وينتظر أن يراه الفتى وحده.

وما إن التصقت عينا حمزة بذلك الضوء حتى سمع همسًا رقيقًا يتسلل من بين صفير الريح، واضحًا رغم المسافة، ينادي اسمه للمرة الأولى.

ثم انطفأت مصابيح القرية كلها دفعة واحدة.

حكاية حارس الغابة المضيئة وسر معركة الكائنات المتوهجة ضد الصيادين السحره قصة خيالية

النداء القادم من بين الأشجار

ظل حمزة واقفًا في الظلام، وقد انعكس ضوء القمر على وجهه الشاحب، بينما راحت دقات قلبه تتسارع حتى خُيّل إليه أن الغرفة بأكملها تسمعها.

عاد الهمس من جهة الغابة، أكثر وضوحًا هذه المرة، كأن صاحبه يقف خلف زجاج النافذة مباشرة.

حمزة، لقد وجدونا.

ابتعد الفتى خطوة مذعورًا، فاصطدمت ساقه بطرف السرير، لكنه لم يصرخ.

كان في الخامسة عشرة من عمره، وقد اعتاد منذ صغره أن يسمع الحكايات التي يرويها الشيوخ عن الغابة المضيئة، إلا أن أحدًا لم يقل إن الغابة تعرف أسماء الناس.

ارتدى معطفه الصوفي على عجل، وأخفى مصباحًا صغيرًا في جيبه، ثم تسلل خارج البيت دون أن يوقظ أمه.

كان الهواء باردًا لدرجة أن أنفاسه تحولت إلى سحب بيضاء صغيرة، بينما غطى الضباب طرقات القرية الضيقة.

عندما بلغ آخر منزل عند أطراف القرية، سمع صوت باب يُغلق خلفه بقوة.

التفت سريعًا، فلم يرَ أحدًا، غير أن ظلاً طويلاً انزلق فوق جدار حجري ثم اختفى، تاركًا وراءه رائحة غريبة تشبه الحديد المحترق.

آثار لا تنتمي إلى بشر

عند مدخل الغابة، انحنى حمزة يتفحص الأرض الرطبة.

كانت هناك آثار أحذية عميقة، واسعة وثقيلة، تتجه نحو الداخل، وفي قلب كل أثر حبة رماد سوداء لا تذوب في الطين.

مد يده ليلمس إحداها، فتوهجت تحت إصبعه بلون أحمر داكن، ولسعته حرارة حادة جعلته يسحب يده.

وفي اللحظة ذاتها، اشتعلت في ذاكرته صورة قديمة لم يعرف من أين جاءت؛ رجل مقنّع يحمل قوسًا أسود، وخلفه أقفاص حديدية تمتلئ بأجنحة صغيرة تضرب القضبان في هلع.

تراجع حمزة وقد التصق ظهره بجذع شجرة، ثم همس لنفسه:

إنها مجرد حكايات، لا يمكن أن تكون حقيقية.

اهتزت الأوراق فوق رأسه من دون ريح، وانحنى غصن طويل حتى لامس كتفه، كأنه يجيبه.

ومن أعماق الغابة، ارتفع صرير معدني ثقيل، تبعه صوت كائن صغير يطلق صرخة ألم.

عندها توقف حمزة عن محاولة إقناع نفسه بأن ما يحدث وهم، وانطلق راكضًا بين الأشجار.

قلب الغابة الذي لا يعرفه أحد

كلما توغل حمزة في الغابة، تغير العالم من حوله.

اختفت أصوات القرية، ثم خفت صفير الريح، حتى لم يبقَ سوى حفيف خطواته وصوت قطرات الماء المتساقطة من الأوراق.

كانت جذوع الأشجار مكسوة بخطوط فضية نابضة، تسري فيها مثل الدم داخل العروق، بينما انتشرت بين الجذور أزهار شفافة تفتح بتلاتها عند اقترابه وتغلقها بعد مروره.

فجأة، ظهر الضوء الأخضر من جديد.

لم يكن مصباحًا ولا شعلة، بل مخلوقًا صغيرًا بحجم كف اليد، له جسد نحيل يشبه طفلًا من زجاج، وجناحان رقيقان تتدفق داخلهما خيوط من النور.

حلق المخلوق أمام وجه حمزة، وكانت عيناه واسعتين بلون العسل.

تأخرت كثيرًا أيها الحارس.

شهق حمزة وتراجع حتى كاد يسقط.

أنا لست حارسًا.

أنا لا أعرف حتى ما أنت.

عبس المخلوق، ثم دار حول رأسه دورة كاملة، تاركًا خلفه خطًا أخضر مضيئًا.

اسمي نُوَير، وأنا من شعب الوهّاجين.

أما أنت، فتحمل العلامة التي انتظرنا ظهورها خمسة عشر عامًا.

العلامة النائمة تحت الجلد

هبط نُوَير فوق يد حمزة اليسرى، ثم لمس معصمه بإصبع دقيق.

في الحال، شعر الفتى بحرارة تنتشر في ذراعه، وظهر تحت جلده رسم دائري لم يره من قبل.

كان الرسم يشبه شجرة تتوسطها عين مفتوحة، وتحيط بها سبع نقاط متوهجة.

حدق حمزة في العلامة عاجزًا عن الكلام، ثم تذكر أن والده، قبل اختفائه بسنوات، كان يمسك معصمه أحيانًا ويقول له إن بعض الأبواب لا تفتح بالمفاتيح، بل بالأسماء والدماء.

سأل بصوت مبحوح:

هل كان أبي يعرف هذه الغابة؟

خفت ضوء نُوَير للحظة.

لم يكن يعرفها فقط، بل كان حارسها قبلك.

شعر حمزة كأن الأرض مالت تحت قدميه.

كان أهل القرية يقولون إن أباه ضل طريقه في العاصفة ومات بين الجبال، لكن عيني نُوَير لم تحملَا شفقة من يروي قصة وفاة، بل خوف من يخفي نهاية أسوأ.

قبل أن يطرح حمزة سؤاله التالي، دوى انفجار في عمق الغابة، وارتجت الأشجار حتى تساقطت الأوراق المضيئة من فوقها كالمطر.

قال نُوَير بفزع:

كسروا الحاجز الأول.

ثم اندفع في الهواء، وصاح بحمزة أن يتبعه.

صيادو السحر المظلم

وصلا إلى فسحة واسعة تتوسطها بحيرة سوداء ساكنة، وعلى ضفتها انتصب قوس حجري قديم تتوهج فوقه رموز زرقاء.

كان جزء من القوس محطمًا، وتناثرت شظاياه بين الأعشاب.

وراء الحطام وقف ثلاثة رجال يرتدون عباءات جلدية طويلة وأقنعة معدنية بلا ملامح، يحمل كل واحد منهم سلاحًا غريبًا مصنوعًا من الحديد والعظام.

أما الرجل الرابع، فكان أطولهم قامة، يتدلى من عنقه عقد تزينه سبعة مخالب سوداء.

أمسك بيده عصًا يعلوها حجر أحمر ينبض كقلب حي.

أمامهم تراصت أقفاص حديدية، حُشرت داخلها عشرات الكائنات المتوهجة.

كانت بينها طيور بأجنحة بلورية، وأرانب ذات قرون مضيئة، ومخلوقات صغيرة شبيهة بنُوَير تضرب القضبان بأيديها.

اقترب الرجل الطويل من أحد الأقفاص، ثم مرر حجر عصاه فوقه.

انطفأ ضوء الكائنات قليلًا، وازدادت حمرة الحجر.

همس نُوَير:

إنهم صيادو السحر المظلم.

يمتصون نورنا ليصنعوا منه سلاحًا لا يمكن إيقافه.

اختبأ حمزة خلف جذع عريض، وشعر ببرودة الخوف تزحف إلى معدته.

ماذا تريدون مني أن أفعل؟ أنا لا أملك سلاحًا.

نظر نُوَير إلى العلامة في معصمه.

الحارس لا يحتاج إلى سلاح.

الغابة كلها سلاحه، إن قبلته.

الرجل ذو القناع الفضي

رفع قائد الصيادين رأسه فجأة نحو مكان اختباء حمزة، كأنه التقط رائحة خوفه.

اخرج أيها الفتى.

لا تجعل الأشجار تدفع ثمن جبنك.

تجمد حمزة في مكانه، بينما أشار نُوَير إليه ألا يتحرك.

ضرب الرجل عصاه بالأرض، فانطلقت منها موجة حمراء شقت التراب واقتلعت الجذع الذي يختبئان خلفه.

تدحرج حمزة فوق الأعشاب، وسقط نُوَير بجواره وقد انطفأ نصف ضوئه.

اقترب القائد بخطوات بطيئة، ثم خلع قناعه الفضي.

ظهر وجه هزيل تملؤه ندوب سوداء، وعينان مختلفتان؛ إحداهما بشرية رمادية، والأخرى حمراء لامعة تشبه الحجر فوق عصاه.

ابتسم الرجل وقال:

ظننت أن ابن حارس الغابة سيكون أشجع من ذلك.

نهض حمزة بصعوبة.

أين أبي؟

اتسعت ابتسامة الرجل، ثم رفع يده وأشار نحو البحيرة السوداء.

تحت سطح الماء ظهرت هيئة رجل مقيدة بسلاسل، ساكنة وسط الظلام، لكن عينيه كانتا مفتوحتين.

شهق حمزة:

أبي!

تحركت أصابع الرجل الغارق ببطء، وارتفع من الماء صوت خافت مشوه:

لا، تثق، به.

الصفقة التي تحمل وجه الخيانة

قدم قائد الصيادين نفسه باسم رافِد، وقال إنه لم يقتل والد حمزة، بل أبقاه حيًا لأن الغابة لا تسمح بموت حارسها السابق قبل أن يسلّم قوته إلى الحارس الجديد.

أشار بعصاه إلى الأقفاص، ثم إلى البحيرة.

حرر لي قلب الغابة، وسأعيد إليك أباك.

ارفض، وسأطفئ هذه المخلوقات واحدًا بعد الآخر أمام عينيك.

اهتز أحد الأقفاص حين ضربه صياد بعصاه، فانطفأ طائر بلوري داخله وسقط بلا حراك.

انطلق من بين الكائنات صوت بكاء حاد، بينما غطى نُوَير فمه بيديه.

شعر حمزة بالغضب يصعد في صدره، لكنه كان غضبًا ممزوجًا بالعجز.

نظر إلى أبيه خلف الماء الأسود، ثم إلى الكائنات المحاصرة، وبدت له كل الطرق وكأنها تنتهي بخسارة أحدهم.

قال رافد بهدوء:

القرار بسيط.

حياة رجل واحد تعرفه، أم حياة مخلوقات لم ترها قبل هذه الليلة؟

رفعت إحدى الوهّاجات الصغيرة رأسها من داخل القفص.

كانت مصابة في جناحها، ومع ذلك لم تتوسل إليه، بل أومأت نحوه ببطء وكأنها تخبره ألا يختارها على حساب أبيه.

عندها فهم حمزة أن رافد لم يقدم له خيارًا حقيقيًا، بل أراد أن يزرع في قلبه أول بذرة للظلام.

صوت الأب من تحت الماء

اقترب حمزة من البحيرة حتى لامست المياه مقدمة حذائه.

تحركت صورة أبيه في الأعماق، ثم ارتفعت كلماته متقطعة بين الفقاعات.

الحارس، لا يملك الغابة.

انحنى حمزة محاولًا سماعه.

ماذا تقول؟

فتح الأب فمه بصعوبة، وسحبت السلاسل جسده إلى عمق أكبر.

الغابة، هي التي تختاره، حين يختارها هو.

ضرب رافد سطح البحيرة بعصاه، فتلاشت صورة الأب وسط دوامة سوداء.

انتهى وقت الكلمات.

مد يده نحو حمزة، وكانت أصابعه مغطاة ببقع داكنة تتحرك تحت الجلد.

افتح الطريق إلى قلب الغابة.

نظر حمزة إلى العلامة المضيئة في معصمه، ثم أغلق عينيه.

لم يعرف كيف يستدعي قوة لا يفهمها، لذلك وضع كفه على الأرض كما كان يفعل وهو صغير حين يحاول سماع النمل يتحرك تحت التراب.

في البداية لم يسمع شيئًا.

ثم جاءه نبض عميق من باطن الأرض.

حين استيقظت الأشجار

كان النبض بطيئًا، هائلًا، أقدم من القرية وأقدم من أسماء الجبال.

ارتفع عبر ذراع حمزة إلى صدره، حتى بدأ قلبه يخفق بالإيقاع نفسه.

توالت الأصوات في رأسه؛ حفيف أوراق بعيدة، انكسار غصن تحت قدم صياد، بكاء الكائنات داخل الأقفاص، وصوت ماء يتدفق في جذور تمتد لأميال.

شعر حمزة للحظة أنه لم يعد يقف داخل الغابة، بل أصبح هو الغابة.

فتح عينيه، فوجد رافد يتراجع خطوة.

كانت العلامة في معصمه قد امتدت كخيوط مضيئة حتى كتفه، وتوهجت عيناه بلون أخضر صافٍ.

قال حمزة، لكن صوته خرج ممزوجًا بأصوات آلاف الأوراق:

لن أعطيك قلبًا لم يكن ملكي.

انشقت الأرض تحت أقدام الصيادين، وخرجت منها جذور ضخمة التفّت حول سيقانهم.

أطلق أحدهم سهمًا أسود نحو حمزة، فانحنى غصن من أعلى الشجرة وتلقى السهم بدلًا منه.

ضرب رافد الأرض بعصاه، فانفجرت نار حمراء أحرقت الجذور، ثم صاح برجاله:

حطموا الأقفاص واقتلوا كل ما فيها!

اندفع الصيادون نحو الكائنات، لكن حمزة رفع كفه.

تطايرت أوراق مضيئة من جميع الأشجار، ودارت في الفسحة كإعصار أخضر، ثم تحولت حوافها إلى شفرات من نور قطعت أقفال الأقفاص دون أن تمس من بداخلها.

انطلقت الكائنات إلى الخارج، وامتلأ الليل بألوان لم يرها حمزة من قبل.

معركة الضوء والرماد

حلقت الطيور البلورية فوق الصيادين، وعكست بأجنحتها ضوء القمر في عيونهم، بينما قفزت الأرانب ذات القرون بين الأعشاب وأطلقت ومضات أربكتهم.

أما الوهّاجون، فداروا حول الأسلحة السوداء ولمسوها بأصابعهم الصغيرة، فتحول الحديد إلى رماد تذروه الريح.

صرخ رافد بغضب، ثم وجه عصاه نحو نُوَير.

انطلقت منها سلسلة حمراء التفّت حول المخلوق الصغير وسحبته من الهواء.

سقط نُوَير أمام قدمي رافد، الذي وضع طرف العصا فوق صدره.

خطوة أخرى، وسأطفئه إلى الأبد.

توقف حمزة، وقد أحاطت به الكائنات المضيئة، بينما ظل نبض الغابة يدوي داخله مثل طبل حرب.

ابتسم رافد وهو يتراجع نحو البحيرة.

تستطيع تحريك الأشجار، لكنك ما زلت فتى يخشى أن يخسر من يحب.

رفع حجر العصا، فظهر والد حمزة مرة أخرى تحت الماء.

في الوقت نفسه، بدأت السلسلة حول نُوَير تمتص ضوءه، حتى أخذ جسده يبهت مثل جمرة تحت المطر.

قال رافد:

اختر الآن.

والدك أم هذا المخلوق؟

أجاب حمزة بهدوء لم يتوقعه من نفسه:

سأختار ألا أمنحك ضحية أخرى.

سرّ البحيرة السوداء

ضرب حمزة الأرض بكلتا يديه، فاندفعت الجذور نحو البحيرة، لكنها توقفت عند حافتها كأن حاجزًا خفيًا يمنعها من الدخول.

ضحك رافد.

حتى الغابة تخاف هذه المياه.

لكن حمزة لاحظ شيئًا لم يره من قبل؛ لم تكن البحيرة تعكس الأشجار ولا القمر ولا الكائنات المضيئة.

الشيء الوحيد الذي ظهر على سطحها كان صورة أبيه المقيد.

أدرك عندها أن الرجل الغارق لم يكن جسدًا حقيقيًا، بل ذكرى مسروقة أُعيد تشكيلها لخداعه.

تذكر رائحة الحديد المحترق عند مدخل الغابة، وحبات الرماد في آثار الأقدام، والعين الحمراء داخل وجه رافد.

كل ما يصنعه الصيادون يقوم على تحويل الخوف إلى صورة، ثم إجبار ضحاياهم على تصديقها.

صرخ حمزة:

أبي ليس في البحيرة.

تجمدت ابتسامة رافد.

تابع حمزة، وعيناه مثبتتان على المياه:

أنت لا تعرف أين هو، ولهذا استخدمت صورته لتجعلني أفتح الطريق لك.

ارتج سطح البحيرة، وبدأت صورة الأب تتشقق مثل مرآة رقيقة.

تشوه وجه رافد بالغضب، ثم دفع عصاه داخل الماء الأسود.

ارتفعت من البحيرة أيدٍ دخانية كثيرة، امتدت نحو حمزة والكائنات.

الضوء الذي يولد من الحقيقة

ركضت الأيدي السوداء فوق الأرض، وكلما لمست عشبًا ذبل وتحول إلى تراب.

تراجعت الكائنات المضيئة، بينما ازدادت قوة الحجر الأحمر فوق عصا رافد.

أغمض حمزة عينيه للحظة، لكنه لم يبحث هذه المرة عن قوة الأشجار، بل عن الشيء الذي كان يخشاه أكثر من رافد نفسه.

رأى صورة أبيه وهو يغادر البيت في صباح بعيد، ثم تذكر أنه ظل سنوات يلوم نفسه لأنه لم يطلب منه البقاء.

كان يحمل في صدره سؤالًا مؤلمًا، هل تركهم والده بمحض إرادته؟

فتح حمزة عينيه وقال بصوت مرتجف:

لا أعرف لماذا اختفى أبي، ولا أعرف إن كان حيًا، لكنني لن أسمح لخوفي من الحقيقة أن يجعلني أخدم كذبتك.

توهجت العلامة فوق معصمه بلون أبيض ساطع.

خرج الضوء من جسده لا كالنار، بل كماء صافٍ انتشر فوق الأرض.

وعندما لامس الأيدي الدخانية، لم يحرقها، وإنما كشف ما بداخلها؛ ذكريات مسروقة ووجوه مذعورة وأحزان استغلها رافد ليصنع سحره.

تحررت الذكريات في الهواء كطيور شفافة، وانهارت الأيدي السوداء.

صرخ رافد حين تشقق الحجر الأحمر فوق عصاه، واندفعت منه عشرات الأصوات التي ظل حابسًا إياها سنوات.

تحطمت السلسلة حول نُوَير، فطار مترنحًا نحو حمزة.

المواجهة الأخيرة عند قلب الغابة

سقط رجال رافد واحدًا تلو الآخر، بعدما التفت الجذور حول أسلحتهم وأقنعتهم.

وحين نزعت الكائنات الأقنعة المعدنية، ظهرت وجوه بشرية شاحبة فقدت بريق عيونها منذ زمن.

أما رافد، فرفض السقوط.

غرس شظية الحجر الأحمر في صدره، فاندفع الظلام داخل عروقه، وتضخم جسده حتى مزقت العضلات عباءته.

امتدت من ظهره نتوءات سوداء، وتحولت يده إلى مخلب طويل.

زمجر بصوت لم يعد بشريًا:

إن لم أحصل على نور الغابة، فسأدفنها في ظلام أبدي.

انقض على حمزة بسرعة خاطفة.

حاولت الجذور إيقافه، لكنه قطعها بمخالبه، ثم ضرب الفتى بقوة قذفته نحو القوس الحجري المحطم.

ارتطم حمزة بالأرض، وفقد إحساسه بذراعه للحظات.

اقترب رافد، وكل خطوة منه تركت بقعة سوداء فوق العشب.

حاول نُوَير والكائنات مهاجمته، لكن رافد أطلق موجة مظلمة بعثرتهم في الهواء.

رفع مخلبه فوق حمزة.

كان أبوك أكثر حكمة منك.

لقد عرف أن الغابة لا تستحق التضحية.

توقف المخلب قبل أن يهبط.

اتسعت عينا حمزة.

إذن أنت قابلته فعلًا.

صمت رافد لحظة واحدة، وكانت تلك اللحظة كافية.

رسالة الحارس السابق

أمسك حمزة بإحدى شظايا القوس الحجري، فاشتعلت الرموز المحفورة عليها فور ملامسة دمه.

انطلق منها شعاع أصاب صدر رافد ودفعه إلى الخلف.

في الوقت نفسه، بدأت بقية شظايا القوس ترتفع من الأرض، ثم التحمت في الهواء حتى عاد البناء الحجري كاملًا.

وسط القوس ظهر ضوء ذهبي، وتشكلت داخله هيئة والد حمزة، لا كصورة البحيرة المظلمة، بل كذكرى حية محفوظة داخل الغابة.

قال الأب:

إن كنت ترى هذه الرسالة، فهذا يعني أن رافد عاد، وأنك اخترت الغابة بإرادتك.

تقدم رافد غاضبًا نحو القوس، لكن جذور الأشجار أمسكت به من كل اتجاه.

تابعت الصورة:

لم أمت يا حمزة، لكنني اضطررت إلى مغادرة عالمنا لأغلق بوابة الصيادين من الجهة الأخرى.

لم أستطع العودة، لأن الحاجز يحتاج إلى حارس في كل جانب.

شعر حمزة بدموع ساخنة تنساب فوق وجهه، لكنه لم يصرف عينيه عن أبيه.

كنت أتمنى أن أخبرك بنفسي أن الشجاعة ليست ألا تخاف.

الشجاعة أن تعرف ما يمكن أن تخسره، ثم تختار رغم ذلك ألا تصبح نسخة ممن يؤلمونك.

بدأ الضوء الذهبي يخفت.

رفع حمزة يده نحو الصورة، إلا أن أصابعه مرت عبرها.

قال الأب قبل أن يختفي:

سنلتقي حين تتفتح الزهرة السابعة.

انغلق الضوء داخل القوس، وبقيت في وسطه بذرة صغيرة ذهبية سقطت في كف حمزة.

العنصر الأخير سقوط صياد الظلام

تمكن رافد من تمزيق بعض الجذور، وانطلق نحو القوس محاولًا عبوره قبل أن يُغلق.

كانت شظية الحجر الأحمر لا تزال مغروسة في صدره، تضخ الظلام في جسده وتلتهم ما بقي من إنسانيته.

وقف حمزة أمام البوابة، ووضع البذرة الذهبية داخل العلامة المضيئة في معصمه.

انبثقت من الأرض شجرة بيضاء هائلة، ارتفعت في لحظات حتى اخترقت أغصانها الضباب.

لم تكن أوراقها خضراء، بل بدت كآلاف المصابيح الصغيرة التي تحمل داخلها ذكريات الغابة.

ظهر فوق أحد الأغصان مشهد لرافد حين كان صبيًا صغيرًا، يجلس بجوار مخلوق متوهج مصاب ويحاول إنقاذه.

ثم ظهر رجل مقنع ينتزع المخلوق منه ويجبره على مشاهدة نوره وهو يُمتص داخل حجر أحمر.

توقف رافد، وحدق في المشهد كأن سكينًا اخترقت ما تبقى من قلبه.

همس حمزة:

لم تولد صيادًا.

ارتجف مخلب رافد، وسقطت منه قطرة سوداء.

لوهلة قصيرة، عاد وجهه البشري خلف التشوهات، وظهرت في عينه الرمادية دمعة واحدة.

لكن الحجر الأحمر نبض بعنف، ومدت الشظية جذورًا سوداء داخل صدره.

صرخ رافد وحاول انتزاعها، إلا أنها تشبثت بعظامه.

أدرك حمزة أن الحجر لم يكن أداة في يد الصياد، بل كان الصياد نفسه أداة في يد الحجر.

رفع الفتى كفه، فامتدت أغصان الشجرة البيضاء حول رافد دون أن تسحقه.

أضاءت ذكرياته القديمة واحدة تلو الأخرى، حتى غمره النور الذي ظل يسرقه من الآخرين طوال حياته.

انفجرت الشظية الحمراء في صدره وتحولت إلى غبار.

سقط رافد على ركبتيه، وقد عاد جسده بشريًا، ثم نظر إلى حمزة بعينين خاليتين من الغضب.

قال بصوت خافت:

كان يجب أن يأتي حارس مثلك منذ زمن.

بعدها انفتح القوس الحجري لحظة واحدة، وخرجت منه ريح قوية جذبت الرماد الأسود والأسلحة الملعونة وبقايا الحجر الأحمر إلى الجهة الأخرى.

حاول رافد الابتعاد، لكنه توقف، ثم نهض بصعوبة وسار نحو البوابة بنفسه.

قال قبل أن يعبر:

سأخبر أباك أنك قادم يومًا.

انغلقت البوابة خلفه بصوت يشبه زفرة جبل، وعاد السكون إلى الغابة.

صباح الحارس الجديد

بدأت خيوط الفجر تتسلل بين الأغصان، فاختفت الألوان الزرقاء والخضراء تدريجيًا، إلا أن الكائنات المضيئة لم تختفِ.

تجمعت حول حمزة في دائرة واسعة، وانحنت الطيور البلورية بأجنحتها، بينما خفضت الأرانب ذات القرون رؤوسها.

وحلق الوهّاجون فوقه، ورسموا في الهواء شكل الشجرة ذات النقاط السبع.

هبط نُوَير فوق كتف حمزة، وقد عاد ضوؤه أكثر إشراقًا.

لم تعد الغابة تنتظر حارسها.

نظر حمزة إلى العلامة في معصمه.

كانت ست نقاط تضيء حول الشجرة، بينما بقيت النقطة السابعة مظلمة.

أخرج البذرة الذهبية، فوجدها قد تحولت إلى زهرة صغيرة مغلقة البتلات.

تذكر كلمات أبيه، سنلتقي حين تتفتح الزهرة السابعة.

وضع حمزة الزهرة في جيبه بعناية، ثم نظر نحو الطريق المؤدي إلى القرية.

كان يعرف أن أمه ستغضب، وأن أهل القرية لن يصدقوا نصف ما حدث، وأن حياته القديمة لن تعود كما كانت.

لكن حين خطا خارج الغابة، انحنت الأشجار خلفه كما لو أنها تودعه، وبقي خط رفيع من الضوء الأخضر ملتفًا حول معصمه.

وفي المساء التالي، عندما جلس أهل القرية في بيوتهم وأغلقوا النوافذ خوفًا من توهج الغابة، وقف حمزة عند الحافة وحده.

لم يعد ينظر إليها كشيء مجهول يختبئ في الظلام.

بل نظر إليها كما ينظر المرء إلى بيت طال غيابه عنه، ثم دخل بين الأشجار دون مصباح.

لم يصبح حمزة حارسًا لأنه كان الأقوى، ولا لأنه عرف أسرار السحر أو امتلك شجاعة لا تهتز، بل لأنه رفض أن يجعل الخوف سيدًا لاختياراته.

فبعض أنواع الظلام لا تبدأ حين ينطفئ الضوء، وإنما تبدأ عندما نقبل أن نؤذي غيرنا حتى نحمي أنفسنا من الفقد.

أما النور الحقيقي، فلا يحتاج دائمًا إلى سيف يهزم أعداءه؛ فقد يكفيه قلب يرى الحقيقة، ويد تمتد إلى الجريح، وقرار صغير بألا تتحول جراح الإنسان إلى سلاح في صدور الآخرين، حكاية رسائل مجهولة بين رفوف المكتبة قصة حب بدأت من هامش كتاب من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد