ساعة الصمت قصة قصيرة عن مدينة استعادت الحب حين فقدت الكلام

الراوي
0

اليوم الذي انطفأت فيه الأصوات، عند السادسة مساء بالتمام، كان جرس برج البلدية يرفع مطرقته النحاسية استعدادا للضربة الأولى، فتتعطل الكلمات في حناجر أهل مدينة نورس كما تتوقف الطيور فجأة أمام عاصفة لا ترى، لم تكن هناك بحة تسبق الصمت ولا ألم ينذر به، بل كانت الأصوات تختفي دفعة واحدة، كأن يدا هائلة تمر فوق المدينة فتغلق أفواه البشر وتترك عيونهم مفتوحة على خوف لا يعرفون كيف يسمونه.

في الساعة الأولى من الظاهرة، وقف الطبيب نادر السالمي وسط غرفة الطوارئ يحدق في فم طفل يصرخ بلا صوت، بينما كانت أمه تضرب صدرها بكفيها عاجزة عن إخراج أنين واحد، لم يكن أحد يعرف يومها أن المدينة لم تفقد القدرة على الكلام عقابا، بل لأنها أفرطت في استخدام الكلمات حتى نسيت الغاية التي خلقت من أجلها.

كانت مدينة نورس مزدحمة بالأصوات منذ الفجر، أبواق السيارات تتعارك في الشوارع، والباعة يتبارون في تمزيق الهواء بمناداة الزبائن، والمذياع يسكب الأخبار من النوافذ حتى تبدو البيوت وكأنها تتحدث كلها في وقت واحد، كان الناس يتكلمون أكثر مما يصغون، يقطع أحدهم حديث الآخر، ويعد المسؤولون بما لا ينوون فعله، ويعتذر المخطئون بألسنة باردة ثم يعودون إلى الخطأ ذاته كأن الاعتذار ممحاة لا تنفد.

أما نادر، طبيب القلب في مستشفى المدينة المركزي، فكان يؤمن بأن الكلمات لا تنقذ أحدا، وأن القلب ليس سوى مضخة عضلية لا تفهم الحب ولا تتأثر بالندم، منذ وفاة زوجته ليلى قبل ثلاث سنوات، أغلق باب غرفتها ووضع مفتاحه في درج مكتبه، وكان يخبر ابنته الصغيرة سلمى كل ليلة أن العمل كثير وأن الحزن سينتهي قريبا، لكن سلمى كانت تعرف أن أباها يكذب، فقد رأته أكثر من مرة يقف أمام الباب المغلق، يمد يده نحو المقبض ثم يعيدها إلى جيبه كأن وراء الباب وحشا ينتظر لمسته.

في ذلك اليوم غادر نادر المنزل دون أن يودعها، مكتفيا بالقول من خلف كتفه إن لديه عملية معقدة، وأن عليها أن تتناول عشاءها دون أن تنتظره، جلست سلمى على كرسي المطبخ تراقب الباب بعد انغلاقه، ثم رسمت بإصبعها فوق غبار الطاولة دائرة صغيرة تشبه الساعة، دائرة بلا عقارب.

ساعة الصمت قصة قصيرة عن مدينة استعادت الحب حين فقدت الكلام


لحظة الصمت الأولى داخل غرفة العمليات

قبيل السادسة بدقائق، كان نادر داخل غرفة العمليات يثبت صماما اصطناعيا في قلب رجل مسن يدعى منصور، بينما تتحرك أجهزة المراقبة حوله بإيقاع منتظم يشبه تنفس حيوان معدني، طلب من الممرضة هدى أن تثبت الضغط وتناوله الملقط الرفيع، وحين همت بالرد دوى جرس البلدية في الخارج، فاخترقت ضربته الأولى زجاج المستشفى السميك.

فتحت هدى فمها فلم يخرج منه حرف، حاول نادر تكرار أمره فتحرك لسانه في فراغ كامل، وكأن الكلمات تحولت إلى دخان داخل صدره قبل أن تبلغ شفتيه، تبادل الفريق الطبي نظرات مذعورة، وتوترت الأيدي فوق الأدوات، بينما أطلق جهاز القلب صفيرا حادا كان الصوت الوحيد الذي بقي، فالآلات وحدها احتفظت بأصواتها.

أشار نادر بعينيه إلى الضغط، ثم رفع إصبعين وخفض كفه ببطء، محاولا اختراع لغة فورية وسط جسد مفتوح وقلب يتباطأ، فهمت هدى الإشارة وعدلت الدواء، والتقط طبيب التخدير أنفاسه حين عاد الخط الأخضر إلى انتظامه، طوال الدقائق التالية لم ينطق أحد، لكن الأيدي تحركت بتناغم لم يعرفه الفريق من قبل، فكل نظرة كانت سؤالا، وكل حركة جوابا، وكل خطأ محتمل يمنع بانتباه كامل لا تقطعه الأوامر ولا النقاشات.

عند السابعة تماما ارتج جرس البرج من جديد، فانفجرت الأصوات في الغرفة دفعة واحدة، شهقت هدى وسقطت إحدى الأدوات من يدها، وسأل طبيب التخدير عما حدث، بينما ظل نادر يراقب القلب الذي واصل نبضه آمنا، وشعر للمرة الأولى أن الصمت لم يعطلهم، بل أجبرهم على أن يرى بعضهم بعضا.

مدينة تتعلم لغة جديدة

انتشرت الأخبار قبل منتصف الليل، إذ لم تكن الظاهرة محصورة في المستشفى، فقد فقد كل سكان نورس أصواتهم في اللحظة ذاتها، من الرضيع الذي كان يبكي في مهده إلى العمدة الذي كان يلقي خطابا على منصة عامة، راح بعضهم يتحدث عن غاز سام تسرب إلى الهواء، وزعم آخرون أن موجات غامضة انطلقت من برج الاتصالات، بينما أقسم رجل مسن أن البحر غضب لأن المدينة بنت فنادقها فوق مقبرة قديمة للصيادين.

في صباح اليوم التالي امتلأت العيادات بمن يخضعون لفحوص الحناجر والأعصاب، لكن النتائج جاءت سليمة على نحو أثار رعبا أشد من المرض نفسه، لم يجد الأطباء التهابا ولا تلفا ولا أثرا لمادة كيميائية، فالحناجر كانت قادرة على النطق طوال اليوم ثم تغلق في السادسة كما تغلق النوافذ قبل هبوب الريح، أصدرت البلدية بيانا طالبت فيه السكان بالبقاء في منازلهم من السادسة إلى السابعة، وتجنب قيادة السيارات وتشغيل الآلات الخطرة خلال ما أسمته ساعة الانقطاع الصوتي المؤقت، وسرعان ما اختصر الناس الاسم إلى ساعة الصمت.

الحياة بلا كلمات

في اليوم الثالث، ظهرت لوحات ورقية في كل شارع تحمل جملا ضرورية، مثل انتبه، وساعدني، وأنا بخير، واتصل بالطوارئ، ولا أستطيع التنفس، باع التجار دفاتر صغيرة معلقة في الأعناق، وصمم المبرمجون تطبيقات تحول الكتابة إلى عبارات مضيئة، وبدأت المدارس تعلم الأطفال إشارات سريعة للأسئلة والاحتياجات الأساسية.

لكن الفوضى لم تختف، فقد اكتشف الناس أن كتابة الكلمات أبطأ من إطلاقها، وأن الغضب يفقد نصف قوته حين يضطر صاحبه إلى ترتيب حروفه قبل أن يقذفها في وجه الآخرين، وقف الأزواج الذين اعتادوا الصراخ متقابلين بأفواه مغلقة، فرأوا للمرة الأولى ارتجاف الذقن واحمرار العينين واليدين اللتين لا تعرفان أين تستقران، وتردد الآباء الذين اعتادوا توبيخ أبنائهم بسرعة قبل كتابة كلمات قاسية، ثم محوا بعضها واستبدلوا بها سؤالا صغيرا عن سبب ما فعله الطفل.

أما نادر فكان يقضي ساعة الصمت داخل المستشفى كل يوم، متذرعا بحاجة المرضى إليه، رغم أن الحقيقة كانت أبسط وأقسى، فهو لم يكن يريد العودة إلى منزل تصير فيه عينا سلمى الصوت الوحيد.

الطفلة التي تحدثت بيديها

كانت سلمى في العاشرة من عمرها، صغيرة الجسد واسعة العينين، تمشط شعرها بنفسها منذ وفاة أمها، وتحمل في حقيبتها دائما شريطا أزرق كانت ليلى تربط به شعرها، قبل الظاهرة، اعتاد نادر أن يسألها من خلف شاشة هاتفه عن المدرسة فتجيبه بأنها بخير، ثم يسألها إن كانت تحتاج شيئا فتنفي، وينتهي الحوار كما ينطفئ عود ثقاب في غرفة باردة، لكن ساعة الصمت لم تعد تسمح له بالاكتفاء بتلك الأسئلة المحفوظة.

في مساء اليوم الخامس، عاد إلى البيت عند السادسة وعشر دقائق على غير عادته، فوجد سلمى جالسة على الأرض في غرفة المعيشة وإلى جوارها صندوق خشبي صغير، رفعت رأسها حين دخل، وأشارت إلى المقعد المقابل لها، جلس مترددا، ففتحت الصندوق وأخرجت عشرات الأوراق المطوية، ووضعتها أمامه واحدة تلو الأخرى، كأنها تعرض أدلة في محكمة لا قاضي فيها.

فتح الورقة الأولى فوجد رسما له واقفا في المستشفى بينما تقف هي خارج نافذة بعيدة، وفي الورقة الثانية رسمت مائدة بثلاثة كراس، جلست هي على أحدها وبقي كرسي أمها فارغا، أما كرسيه فكان مستديرا نحو الباب، رفع نادر عينيه إليها فوجدها تحدق فيه دون اتهام، وهذا ما جعله يشعر بوخز أشد من أي لوم، أشارت سلمى إلى صدرها ثم إلى باب الغرفة المغلق في نهاية الرواق، فتصلبت ملامحه وهز رأسه بعنف، مدت يدها نحو يده فسحبها، وكتب على دفتره أن الوقت ليس مناسبا الآن، فأخذت القلم منه وكتبت تحت جملته أنها قالت الشيء نفسه منذ ثلاث سنوات.

خلف الباب المغلق

لم يحتمل نادر النظر إلى العبارة، فنهض متجها إلى المطبخ، لكنه توقف حين سمع صوتا خافتا في الرواق، لم يكن صوتا بشريا بل احتكاكا بطيئا كأن شيئا يتحرك خلف باب غرفة ليلى، نظر إلى الساعة المعلقة فوجدها تشير إلى السادسة وثلاث وعشرين دقيقة، أي أن الصمت ما زال يملأ المدينة، لكن الاحتكاك تكرر، أو ربما تخيله لأن الخوف يحسن تقليد الأصوات.

سارت سلمى نحو الباب وأخرجت مفتاحا صغيرا من جيب ثوبها، فاتسعت عينا نادر واندفع نحوها وأمسك معصمها قبل أن تدخل المفتاح في القفل، لم تصرخ، ولم تكن تستطيع ذلك حتى لو أرادت، فاكتفت بأن فتحت كفها الأخرى وفيها ورقة صفراء مطوية تحمل خط ليلى، ارتجفت أصابع نادر وهو يفتحها، وقرأ ما كتبته زوجته قبل وفاتها بأيام، أن يدخلا غرفتها معا حين يعجزان عن الكلام عنها، فالأشياء التي أحباها تعرف كيف تكمل الحديث، ظل واقفا أمام الباب يحدق في الكلمات بينما كانت سلمى تسحب يدها برفق من قبضته، ثم أدار المفتاح.

ما احتفظ به الغياب

اندفعت رائحة اللافندر من الغرفة، ضعيفة لكنها حية، كأن الجدران حبست آخر أنفاس ليلى وقررت إطلاقها حين يصبح نادر مستعدا لاستقبالها، غطى الغبار سطح المرآة، وبقيت الكتب مصطفة قرب السرير، بينما تدلى وشاح بنفسجي من حافة الخزانة كما تركته صاحبته في صباح بعيد، خطت سلمى إلى الداخل بحذر ومررت أصابعها فوق غطاء السرير فرسمت خطا نظيفا وسط الغبار.

بقي نادر عند العتبة، وعادت إليه مشاهد حاول دفنها تحت المناوبات الطبية، ليلى تسعل قرب النافذة، ليلى تبتسم كي لا تخيف طفلتها، وليلى تسأله أن يجلس معها فيجيبها بأن لديه مرضى يحتاجون إليه، في آخر ليلة قالت له بصوت واهن ألا يجعل خوفه من خسارتها يسرق منه ما تبقى لهما، لكنه أخبرها أن العلاج سينجح واستمر يتحدث عن التحاليل والأدوية لأنه لم يعرف كيف يقول إنه خائف.

تقدمت سلمى نحو منضدة صغيرة ورفعت جهاز تسجيل قديما وضغطت زره، فلم يخرج صوت، ليس لأن الجهاز معطل بل لأن ساعة الصمت كانت تبتلع كل صوت بشري مسجل أيضا، كأن الظاهرة تميز النبرة الإنسانية أينما اختبأت، ظهر ضوء أحمر صغير فوق الجهاز وتحرك الشريط في الداخل، بينما حدق الأب وابنته في مكبر الصوت الصامت، ثم مدت سلمى يدها نحو نادر، وهذه المرة لم يتراجع، بل أمسك يدها وشعر بأصابعها الباردة تنغلق حول كفه، وجلسا قرب الجهاز ينتظران نهاية الساعة دون أن يعرفا ما الذي سجلته ليلى.

الرسالة التي انتظرت ثلاث سنوات

عند السابعة ضرب جرس البرج، وانسحب الصمت من المدينة كما ينسحب المد عن الشاطئ، صدر من جهاز التسجيل تشويش قصير، ثم انبعث صوت ليلى خافتا ودافئا ومحملا بأنفاس متقطعة، تقول فيه إنها ربما تسمعهما معا، وربما يستغرق الأمر وقتا أطول مما تتمنى، غطت سلمى فمها بيدها، وانحنى نادر كأن الصوت ضغط على كتفيه.

تابعت ليلى حديثها قائلة إنها لا تريد منهما أن يحولا غيابها إلى غرفة مغلقة، وطلبت منهما أن يفتحا النوافذ ويستخدما عطرها ويقرآ كتبها ويضحكا حين يتذكران أخطاءها، توقف التسجيل ثوان وسمعا سعالها، ثم عادت تخاطب نادر بأنه ينقذ قلوب الغرباء، لكن القلب الذي لا يصغى إليه يتحول إلى بيت مهجور، وطلبت منه ألا يشرح لسلمى أنه يحبها بل أن يدعها ترى ذلك، انتهت الرسالة بصوت قبلة أرسلتها ليلى إلى طفلتها، ثم توقف الشريط.

امتلأت الغرفة بصمت مختلف، لم يكن صمت الظاهرة بل ذلك الصمت الذي يأتي حين تكون الكلمات الأخيرة صادقة إلى درجة تجعل الرد عليها مستحيلا، قالت سلمى بصوت مرتجف إنها كانت تخاف أن تنسى صوت أمها، فجلس نادر على ركبتيه أمامها ووضع يديه على كتفيها، ولم يقل العبارة السهلة التي رددها كثيرا دون أن يثبتها، بل احتضنها، وبقي يحتضنها حتى ابتلت سترته بدموعها، وحتى خرجت من صدره شهقة قديمة ظل يحبسها ثلاث سنوات.

حين بدأ الصمت يفضح الأسرار

مرت الأسابيع واستمرت ساعة الصمت كل مساء، لكن المدينة تغيرت حولها كما تتغير ضفاف النهر حين يبدل الماء مجراه، في البداية تعامل السكان معها كمرض، ثم أصبحت مرآة تكشف ما كانت الضوضاء تخفيه، في الحي القديم، لاحظ الخباز عارف أن الصبي الذي كان يسرق الأرغفة لا يهرب خلال ساعة الصمت، بل يجلس خلف متجر مهجور ويقسم الخبز بين طفلين أصغر منه، في اليوم التالي، لم يستدع عارف الشرطة، بل ترك كيسا من الخبز قرب الباب الخلفي مع ورقة تدعوه إلى أخذ ما يحتاج وتطلب منه المساعدة صباحا إن استطاع، فجاء الصبي عند السادسة وغسل يديه وبدأ يحمل أكياس الدقيق دون أن يطلب منه أحد ذلك.

وفي شارع النخيل، رأت امرأة عجوز جارتها التي خاصمتها أعواما تسقط فوق الدرج، فهرعت إليها ورفعت رأسها على ركبتيها وظلت تمسح العرق عن جبينها حتى وصلت سيارة الإسعاف، وحين عادت الأصوات لم تتبادلا اعتذارا طويلا، بل أمسكت كل واحدة بكف الأخرى ودخلتا المنزل معا، حتى رجال البلدية اضطروا إلى تغيير أساليبهم، فقد كان العمدة يخصص ساعة الصمت سابقا للبقاء في مكتبه، لكنه وجد ذات مساء مئات السكان واقفين أمام المبنى يحملون أوعية ماء فارغة، يطرقونها بأصابعهم ويشيرون نحو الحي الجنوبي الذي انقطعت عنه المياه منذ شهور، رأى العمدة طفلة ترفع كوبا خاليا إلى فمها ثم تقلبه أمامه، وفي صباح اليوم التالي بدأت فرق الصيانة إصلاح الأنابيب.

الرجل الذي أراد كسر الساعة

لم يقبل الجميع التحول الذي صنعه الصمت، فقد كان مالك السالمي رئيس شبكة الإذاعة المحلية وشقيق نادر الأكبر يرى في الظاهرة تهديدا لكل ما بناه، امتلك مالك صوتا عريضا يملأ القاعات، وكان يعرف كيف يقنع الناس بأن المشكلة ليست في وعوده بل في ضعف ذاكرتهم، خلال ساعة الصمت كانت محطاته تتوقف عن بث البرامج الحوارية وتخسر الإعلانات، ويجلس المذيعون أمام الكاميرات عاجزين عن أداء عملهم.

قال مالك لنادر في اجتماع عائلي إن ما يحدث ليس معجزة أخلاقية كما يتوهم الناس، بل كارثة اقتصادية يجب أن يجدوا سببها وينهوها، أجابه نادر بأنهم فحصوا الهواء والماء والأجهزة العصبية ولم يجدوا تفسيرا علميا حتى الآن، فضرب مالك الطاولة قائلا إن لكل شيء مصدرا، وحتى اللعنة تحتاج إلى باب تدخل منه، كان قد لاحظ أن الظاهرة تبدأ مع ضربة جرس برج البلدية، فاستعان بمهندس يدعى فارس لفحص آلية البرج القديمة.

وجد فارس في قلب الساعة أسطوانة سوداء صغيرة مثبتة خلف التروس، لا تحمل اسما ولا رقما صناعيا، وحين لمسها شعر ببرودة اخترقت قفازه وسمع في رأسه همسا لم يسمعه أحد غيره يحذره من كسر ما لم يتعلم سببه، لكنه أخفى الأمر عن مالك، وأخبره أن الجهاز ربما يطلق موجة منخفضة تؤثر في مراكز النطق، فحدد مالك مساء الجمعة موعدا لإزالته.

إنذار بلا صوت

في عصر الجمعة، وصل نادر إلى المستشفى فوجد فارس ينتظره قرب المدخل شاحب الوجه يضغط كفيه بعضهما ببعض، أخبره أن أخاه سيصعد إلى البرج قبل السادسة ليحطم الجهاز، وحين سأله نادر عن سبب مجيئه إليه، خفض فارس صوته وقال إنه رأى شيئا حين لمس الأسطوانة، رأى المدينة بعد كسرها، وأن الأصوات لم تكن قد عادت فقط بل ارتفعت بصورة جنونية، صراخ في كل مكان وحوادث وشجارات وانفجارات، وكأن الساعة لا تمنع الكلام بل تحبس شيئا أسوأ.

لم يؤمن نادر بالرؤى، لكنه آمن بالخوف في عيني الرجل، فاتصل بمالك ولم يجبه، وحين نظر إلى ساعة المستشفى وجد العقارب تشير إلى الخامسة وخمسين دقيقة.

سباق إلى برج البلدية

انطلق نادر بسيارته عبر الشوارع تحت سماء ملبدة بسحب رمادية منخفضة، بينما دفعت الرياح الأوراق على الإسفلت في دوائر صغيرة، تجاوز الإشارة الأولى، ثم اضطر إلى التوقف حين عبر أمامه حشد من المارة المتجهين إلى منازلهم قبل بدء ساعة الصمت، كانت الساعة الخامسة وثمانيا وخمسين دقيقة حين ترك سيارته في منتصف الطريق وركض نحو الساحة، فلمح مالك في أعلى البرج من خلال نافذة مستديرة يحمل مطرقة حديدية قرب قلب الساعة.

دخل نادر المبنى وصعد السلالم الحجرية درجتين في كل خطوة، بينما كان جرس البرج يستعد لضربته اليومية، ووصل إلى الغرفة العليا عند السادسة تماما، دوى الجرس واختفى صوتهما، فاستدار مالك نحوه ورفع المطرقة، ثم أشار إلى الأسطوانة السوداء المثبتة بين التروس، هز نادر رأسه ومد كفه محذرا، فكتب مالك على شاشة هاتفه أنه سيعيد للمدينة صوتها، فرد نادر كتابة بأنهم لا يعرفون ما سيحدث، ابتسم مالك بسخرية وكتب متسائلا منذ متى يخشى نادر المخاطر، ولم يكن السؤال عاديا، فقد عرف نادر أن شقيقه لا يتحدث عن البرج وحده بل عن ليلى وعن السنوات التي هرب فيها من غرفتها ومن ابنته ومن حزنه.

اقترب نادر خطوة وأشار إلى الأسطوانة ثم إلى المدينة الممتدة خلف النافذة، حيث كان الناس في الساحة يعيشون ساعة الصمت كعادتهم، رجل يساعد ضريرا على عبور الطريق، وفتاة تضع معطفها فوق كتفي امرأة مشردة، وطفلان يصلحان عجلة دراجة دون شجار، لكن مالك لم ينظر إليهم، ورفع المطرقة، فاندفع نادر نحوه واصطدما قرب التروس، وسقطت المطرقة فوق الأرض ثم تدحرجت حتى استقرت بين أسنان عجلة معدنية ضخمة، ارتجت الآلة بعنف، وتوقفت العقارب عند السادسة وسبع دقائق.

الصمت الذي لم ينته

شعر سكان المدينة بالوقت يمر، لكن جرس السابعة لم يدق، عند السابعة ودقيقة حاول الناس الكلام فلم تخرج أصواتهم، وعند السابعة وعشر دقائق بدأ الذعر يتسرب إلى الوجوه، فركض بعضهم إلى الساحة وضرب آخرون أبواب البلدية، بينما ارتفعت شاشات الهواتف تحمل سؤالا واحدا عن سبب غياب الصوت.

في غرفة البرج، حاول نادر ومالك سحب المطرقة من بين التروس لكنها كانت محشورة بعمق، وكل حركة عنيفة تهدد بتكسير الآلية كاملة، أشار فارس، الذي وصل خلفهما، إلى سلسلة معلقة قرب الجرس، وكتب على ذراعه أن العقرب يجب أن يحرك يدويا حتى السابعة، نظروا إلى العجلات المتشابكة، وكان الوصول إلى الذراع الرئيسية يتطلب عبور منصة ضيقة فوق فراغ يمتد حتى أسفل البرج.

تقدم مالك ليعبر، لكن نادر أمسكه، فأشار مالك إلى نفسه ثم إلى الخطأ وكأنه يقول إنه هو من فعل ذلك، هز نادر رأسه وأشار نحو يد شقيقه المرتجفة، إذ كان مالك قد أصيب قبل سنوات في كتفه ولم يكن قادرا على التعلق طويلا، خلع نادر سترته ولف حبلا حول خصره، وأعطى طرفه لمالك وفارس، قبل أن يعبر، كتب رسالة إلى سلمى يعتذر فيها عن خروجه دون وداع، ويطلب منها أن تفتح غرفة أمها وتنتظره هناك، وأضاف أنه سيعود.

فوق المدينة الصامتة

خطا نادر فوق المنصة، وكانت الرياح تتسلل من النوافذ المفتوحة وتحرك الحديد تحت قدميه، في الأسفل بدت المدينة كبحر من الوجوه المرفوعة نحو البرج، آلاف الأشخاص يراقبونه بلا هتاف وبلا صراخ وبلا كلمة تشجعه، ومع ذلك لم يشعر أنه وحيد، رفع طفل في الساحة كفيه إلى صدره مقلدا إشارة تعلمها في المدرسة تعني أنهم معه، فتبعته امرأة ثم رجل ثم ارتفعت مئات الأيدي بالإشارة ذاتها حتى بدت الساحة كحديقة تنفتح فيها أزهار بشرية.

وصل نادر إلى الذراع وأمسكها بكلتا يديه، لكنها قاومت كأن السنوات المتوقفة داخل الساعة تحولت إلى معدن، شد بقوة فانزلقت قدمه، وتدلى جسده فوق الفراغ، واحتك الحبل بحافة حديدية حادة، بينما اندفع مالك وفارس إلى الخلف لتثبيته، رأى نادر الساحة مقلوبة تحت قدميه، ولمح بين الناس فتاة تحمل شريطا أزرق في شعرها، كانت سلمى، لم يعرف كيف وصلت، لكنه رأى في عينيها الخوف ذاته الذي تركها تواجهه وحدها طوال ثلاث سنوات، ثبت قدمه من جديد ودفع الذراع بكل ما بقي في جسده، فتحرك العقرب دقيقة ثم دقيقتين، ثم واصل طريقه البطيء نحو السابعة.

الضربة الأخيرة

حين لامس العقرب الرقم اثني عشر، انطلقت مطرقة الجرس من موضعها وارتطمت بالنحاس في ضربة هائلة هزت البرج والساحة والشوارع المحيطة، لكن أحدا لم يسمع الجرس، خرجت من الأسطوانة السوداء موجة غير مرئية مرت عبر المدينة كنسمة باردة، فتوقفت السيارات وارتجفت النوافذ وانطفأت المصابيح للحظة، ثم عاد الصوت.

بدأ الأمر بشهقة واحدة في الساحة، أعقبتها بكاء امرأة، ثم نداء طفل لأمه، ثم انفجرت آلاف الأصوات في وقت واحد، لم يصرخ الناس فرحا كما توقع مالك، بل نظر بعضهم إلى بعض وكأنهم يخشون إفساد شيء هش تعلموه خلال الصمت.

نزل نادر من البرج فركضت سلمى نحوه، ففتح ذراعيه قبل أن تصل إليه فاصطدمت بصدره وتشبثت به بكل قوتها، وقالت وهي تبكي إن رسالته وصلتها، فأجابها أنه هذه المرة لم يرد أن يترك الكلام وحده يقوم بالعمل، كان مالك يقف خلفهما يحمل الأسطوانة السوداء التي انفصلت عن التروس بعد تحرك الساعة، فوجد على سطحها نقشا صغيرا لم يره من قبل، لم يكن كلمات بل صورتين ليدين متقابلتين بينهما قلب مفتوح، رفعها إلى فارس، لكنها ما إن تركها حتى تحولت إلى مسحوق داكن حملته الريح خارج البرج ونثرته فوق الساحة، ومنذ ذلك اليوم لم تفقد المدينة أصواتها مرة أخرى.

ساعة اختارها الناس

بعد شهر من انتهاء الظاهرة، اجتمع مجلس المدينة لمناقشة مصير ساعة الصمت، واقترح بعض الأعضاء محو كل أثر لها من السجلات حتى لا تبقى ذكرى لأيام الخوف، لكن سكان نورس رفضوا، وفي مساء الجمعة الأول من كل شهر، عند السادسة تماما، أغلق التجار مكبرات الصوت وأطفأت الإذاعات برامجها وتوقفت المدارس والمقاهي عن تشغيل الموسيقى لمدة ساعة كاملة، فلم يعد الصمت مفروضا عليهم بل صار اختيارا، خلال تلك الساعة، كان الناس يزورون المرضى ويتركون الطعام أمام أبواب المحتاجين، ويجلس الآباء قرب أبنائهم دون هواتف، ويمسك الأزواج بأيدي بعضهم قبل أن يبحثوا عن الكلمات.

أما نادر فكان يعود إلى البيت قبل السادسة، يفتح نوافذ غرفة ليلى، ويجلس مع سلمى بين كتبها وصورها، وكانا أحيانا يشغلان التسجيل القديم وأحيانا لا يحتاجان إليه، في إحدى الأمسيات سألته سلمى إن كان يعتقد أن أمها هي من أرسلت ساعة الصمت، فابتسم نادر ونظر إلى الغروب الذي صبغ الجدران بلون العسل، ولم يجبها مباشرة، بل وضع إبريق الشاي بينهما وربط لها الشريط الأزرق في شعرها، ثم جلس قريبا بما يكفي لتشعر أن بقاءه هو الإجابة.

لم تعرف مدينة نورس يوما من صنع الأسطوانة، ولا لماذا اختارتها الظاهرة دون غيرها، لكن أهلها أدركوا أن الصمت لم يأت ليعاقب ألسنتهم، بل لينقذ ما دفنته الضوضاء في داخلهم، فالكلمات تستطيع أن تقول أحبك ألف مرة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمسح دمعة أو تحمل متعبا أو تفتح بابا ظل مغلقا خوفا من الذكريات، ومنذ ذلك الحين صار أهل المدينة يقيسون صدق الكلام بما يتركه خلفه من أفعال، لأن الصوت قد يصل إلى الأذن في لحظة، أما الرحمة فتصل إلى موضع أعمق، حيث لا تحتاج القلوب إلى حناجر كي يسمع بعضها بعضا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.