الليلة التي توقفت فيها الموسيقى، في الليلة التي انقطع فيها صوت الكمان، احترق أول رغيف خبز في مخبز ليلى منذ سبع سنوات، لم يكن ذلك بسبب غفلة منها، ولا لأن النار في الفرن ارتفعت أكثر من اللازم، بل لأن الصمت الذي هبط فجأة على الزقاق كان أثقل من أن تتحمله، تجمدت يداها فوق صينية العجين، وبقيت عيناها معلقتين بالنافذة المقابلة، كأنها تنتظر أن يفتح منها باب إلى عالم آخر.
منذ شهر كامل، كان اللحن يتسلل كل مساء من الطابق العلوي لبيت حجري عتيق، حزينا مرتجفا، ينساب بين شرفات البلدة كرائحة المطر فوق التراب، ثم يستقر في صدرها دون استئذان، أما تلك الليلة، فلم يخرج من النافذة سوى ظلام كثيف وستارة رمادية تتحرك ببطء، كأن خلفها إنسانا يحاول التنفس ولا يفلح.
اللحن الذي كان يوقظ الأرغفة
كان مخبز ليلى يعرف باسم رغيف الصباح، رغم أنه لم يكن يهدأ في المساء، إذ ظلت رائحة القرفة والزبدة والعسل تفوح من بابه الخشبي حتى بعد أن تنطفئ أضواء السوق، ورثت ليلى المخبز عن أمها، وورثت معه ضحكة عالية ترتجف لها أكواب الشاي فوق الرفوف، ويدين تعرفان كيف تحولان حفنة دقيق إلى بيت صغير من الطمأنينة، كانت تقول لزبائنها إن العجين يشبه البشر، يقسو إن عومل بعجلة، ويتمدد إن منح الدفء، ولا ينهض حقا إلا إذا ترك وحيدا بعض الوقت، أما العازف الساكن في البيت المقابل، فبدا لها كعجين ترك في العتمة أطول مما ينبغي.
نافذة لا تفتح
لم تره ليلى بوضوح قط، لكنها كانت تلمح ظله خلف الستارة كل مساء، طويلا نحيلا، يحمل كمانه تحت ذقنه كما يحمل المرء سرا يخشى سقوطه، كان يبدأ العزف عند التاسعة تماما، بعد أن يغلق بائع الأقمشة متجره، ويهدأ وقع الأقدام فوق الحجارة القديمة، وحين لاحظت ليلى أن اللحن يتغير بحسب ما تخبزه، خفت النغمات مع كعك البرتقال، وهبطت دافئة مع خبز الجوز والعسل، وتوقف اللحن مترددا كلما أعدت فطائر التفاح، وكأن العازف يتذكر شيئا فقده، لم تكن تعرف إن كان يشم الروائح حقا أم أن الأمر محض مصادفة، لكنها بدأت تختار وصفاتها بحسب ما ترغب في سماعه، وحده لم يكن يعرف أنه بات يعزف لها.
الصمت الذي دفعها إلى الباب المقابل
في تلك الليلة، انتظرت ليلى خمس دقائق ثم عشرا، وتركت العجين يلتصق بأصابعها دون أن تنتبه، رفعت النافذة فصفعها هواء بارد حمل رائحة غبار ورطوبة، ولم يحمل أثرا لأي لحن، نادت دون أن تعرف اسمه، فلم يجبها أحد، وحين حاولت العودة إلى عملها، سمعت ارتطاما مكتوما يليه صوت انكسار زجاج قادم من البيت المقابل، نزعت مئزرها، وأخرجت من الفرن رغيفا صغيرا محشوا بالجبن والزعتر، وعبرت الزقاق قبل أن تجد لنفسها سببا مقنعا.
كان باب البيت الحجري نصف مفتوح، يدفعه الهواء فيصدر أنينا حادا، وتغطي عتبته طبقة غبار لا تقطعها إلا آثار أقدام قليلة، طرقت الباب ثلاث مرات، ثم دخلت رافعة الرغيف الساخن أمامها كأنه مصباح يحميها، في الداخل، كان الهواء باردا على نحو غريب، مشبعا برائحة خشب قديم وورق مبتل، وامتلأت الجدران بصور ممزقة لفرق موسيقية ومسارح لامعة، وفي نهاية الممر، وجدت الكمان ملقى على الأرض.
الرجل خلف الستارة
كان العازف جالسا قرب النافذة، ظهره إلى الحائط، ويداه متدليتان على جانبيه، وحوله شظايا كأس زجاجي، رفع رأسه حين دخلت، فرأت وجها شاحبا تحته لحية داكنة غير مرتبة، وعينين رماديتين تشبهان سماء تسبق العاصفة، سألها بصوت خفيض من سمح لها بالدخول، فأجابت أن الباب كان مفتوحا وأن سوء حظه أن مخبزها قريب، ووضعت الرغيف على الطاولة.
حين اقتربت من الكمان، انحنى جسده فجأة وتوتر صوته وهو يطلب منها ألا تلمسه، لم يكن في نبرته غضب رجل يخشى على آلته الثمينة، بل خوف إنسان يظن أن شيئا ميتا قد يستيقظ إن اقترب منه أحد، سألته إن كان قد انكسر، فأجابها أنه هو من انكسر، لم تشفق عليه، لأنها تعلمت من أمها أن الشفقة الباردة تؤذي أكثر مما تنفع، فدفعت الرغيف نحوه وطلبت منه أن يأكل قبل أن تتناثر بقية أجزائه فوق الأرض، وللمرة الأولى، تحرك شيء صغير في عينيه يشبه دهشة نسيت طريقها إلى وجهه.
اسم عرفته من الملصقات
بينما كان يأكل ببطء، مشت ليلى بين الصور المعلقة وقرأت أسماء المدن والمسارح والتواريخ المطبوعة تحتها، في أحد الملصقات، ظهر وجهه نفسه أصغر سنا وأكثر امتلاء بالحياة، يحمل كمانه أمام جمهور ضخم، وتحت الصورة اسمه، آدم النجار، تذكرت ليلى الاسم فورا، فقد كان عازفا مشهورا قبل سنوات، تحدثت الصحف عن أصابعه التي تجعل الأوتار تبكي، ثم اختفى فجأة في ذروة نجاحه.
حين أخبرته أنها لم تكن تعرف أنه ذلك العازف، رفع عينيه نحو الصورة ثم أشاح بوجهه قائلا إن ذلك الرجل قد مات، فردت أنه مع ذلك يأكل خبزها الآن، فأجاب أن الجوع لا يعني الحياة، وحين رفعت إطارا مقلوبا فوق الموقد، وجدت صورة لامرأة شابة ذات شعر أسود تقف بجواره فوق خشبة مسرح، فانتزع آدم الصورة من يدها بعنف وطلب منها أن تخرج، لم تجادله، لكن وجه المرأة بقي عالقا في ذاكرتها، وعلى ظهر الصورة كانت هناك عبارة باهتة، إلى آدم، حين تعجز الموسيقى عن إنقاذنا، دع الحب يحاول.
سلة الخبز التي فتحت بابا مغلقا
في الصباح التالي، أرسلت ليلى إلى آدم سلة صغيرة فيها خبز باليانسون وقطعة كعك مغطاة بالسكر، مع ورقة تقول إن هذه تجربة لمعرفة إن كان العبوس يذوب بالزبدة، عادت السلة فارغة دون رسالة، تكرر الأمر أياما، حتى طرق آدم باب المخبز عند التاسعة مساء حاملا السلة الفارغة بيديه.
حين طلب فطيرة تفاح مقابل نقود، أخبرته أنها نفدت رغم وجود ست فطائر تلمع فوق الطاولة، وأخبرته أنها لا تباع لمن يكذب بشأن موت رجال ما زالوا يتنفسون، حين هم بالمغادرة، عرضت عليه أن يحصل عليها مقابل لحن واحد، فتصلبت ملامحه وقال إنه لا يستطيع، أعطته الفطيرة بالدين، وقالت له إنه سيعزف حين يتوقف عن الهرب.
حكاية سلمى
عاد آدم في الليالي التالية، وصار يجلس قرب الفرن بينما تعمل ليلى، تحدثه عن زبائنها وعن الطفل الذي يسرق حبات الزبيب والعجوز الذي يشتري رغيفين رغم أنه يعيش وحده، بينما كان هو يصغي ويداه ملتفتان حول كوب الشاي، بعد أسبوع، سألته عن المرأة في الصورة، فأخبرها أن اسمها سلمى، وأنها كانت عازفة بيانو وزوجته، وأنها ماتت مرتين، المرة الأولى حين أخبرها الطبيب أن قلبها لن يحتمل جولة موسيقية أخرى، والثانية حين ماتت فعلا ليلة حفله الأخير، بعدما أصرت أن يذهب إلى المسرح ووعدته بالاستماع من سريرها، انقطع الاتصال في منتصف الحفل، لكنه واصل العزف متخيلا أنها ما زالت تسمعه، وحين انتهى وصفق الجمهور، كانت قد أغمضت عينيها للمرة الأخيرة، منذ ذلك الحين، صار التصفيق في أذنيه يشبه صوت التراب فوق نعش.
قال إنه كلما رفع القوس يسمع أنفاسها الأخيرة فيعجز عن لمس الوتر، لم تقل له ليلى إن الزمن يشفي الجراح، بل وضعت أمامه قطعة عجين صغيرة وطلبت منه أن يضغط عليها، فخرج الهواء المحبوس بصوت خافت، أخبرته أن العجين لو احتفظ بكل الهواء في جوفه لتمزق داخل الفرن، وأننا أيضا نحتاج أن نخرج ما يخنقنا، ولو خرج على هيئة لحن.
مقطوعة لم تكتمل
في اليوم التالي، وجدت ليلى آدم واقفا في منتصف الغرفة يحدق في أوتار كمانه دون أن يعزف، على الطاولة، كانت أوراق موسيقية قديمة كتب في أعلاها مقطوعة لسلمى، وحين سألته إن كان قد كتبها لها، أومأ، وحين سألته لماذا لم يعزفها، أجاب أنه لا يعرف كيف تنتهي.
اقترحت ليلى أن يعزفها داخل المخبز بعد الإغلاق، بعيدا عن المسارح والجمهور، فوافق بشرط ألا يحضر أحد وألا تفتح الباب مهما سمعت، أطفأت الأضواء وتركت وهج الفرن وحده يملأ الجدران، ووقفت خلف طاولتها بينما جلس هو على كرسي خشبي ووضع الكمان تحت ذقنه، مر القوس فوق الوتر الأول فخرج صوت خشن مرتجف، فتوقف فورا، قالت له إن الفرن لا يحكم على الرغيف من أول دقيقة، فحاول من جديد، وانكسر اللحن في المنتصف، وهمس أنها هنا، وضعت في الفرن فطيرة تفاح، وحين تسللت رائحة القرفة والزبدة إلى المكان، تنفس آدم بعمق ورفع القوس، ولم يتوقف هذه المرة.
اللحن الذي جمع الزقاق
تدفقت الموسيقى بطيئة محملة بالحزن، ثم ارتفعت شيئا فشيئا واختلطت بفرقعة الحطب وصفير الريح، شعرت ليلى أن اللحن لا يرثي امرأة ماتت، بل يودع قلبا اختار أن يدفن معها، حين وصل آدم إلى الصفحات الفارغة، تردد القوس، فالتقت عيناه بعيني ليلى وابتسمت له ابتسامة دافئة، فأغمض عينيه وبدأ يعزف نغمات لم تكن مكتوبة، خفيفة مترددة، ثم اتسعت كنافذة تفتح بعد سنوات طويلة.
في الخارج، تجمع أهل الزقاق أمام المخبز بعدما جذبتهم موسيقى ظنوها ميتة، فتحت ليلى الباب رغم الشرط، وحين ارتبك آدم لرؤية الوجوه، اقتربت منه وهمست أن يعزف لأنه ما زال هنا، لا لهم، وحين انتهت النغمة الأخيرة، ساد صمت قصير قبل أن يصفق طفل صغير، ثم امرأة عجوز، ثم انفجر الزقاق كله بالتصفيق، للمرة الأولى منذ سنوات، لم يسمع آدم في التصفيق صوت التراب، بل سمع شيئا يشبه المطر.
السطر المطوي في الرسالة
بعد تلك الليلة، عاد آدم إلى العزف كل مساء من مقعد خشبي وضعته ليلى قرب باب المخبز، وصار أهل البلدة يشترون الخبز ويبقون للاستماع، حين طلبت منه ليلى أن يسمي المقطوعة الجديدة، اقترحت مازحة اسم فطيرة التفاح، فابتسم وهو يخرج من جيب معطفه رسالة سلمى الأخيرة التي قرأها عشرات المرات، ولاحظ فيها سطرا مطويا لم يظهر من قبل، كتبت فيه ألا يجعل وفاءه لها خيانة للحياة التي أحبتها فيه.
جلس آدم طويلا والرسالة بين أصابعه، ثم بكى للمرة الأولى أمام ليلى، بهدوء، كقطرات ماء تحرر حبرا ظل أسيرا لسنوات، جلست بجانبه دون كلام، وحين هدأ قال إنه كان يظن أن الحب يعني ألا يتابع حياته بعدها، فأجابته أن الحب ربما يعني أحيانا أن يحمل المرء ما تركه له من رحل، بدل أن يحمل موته فقط.
حفل العودة
مر الربيع، وعاد اسم آدم يظهر في الصحف، ووصلته دعوات للعزف في مسارح كبيرة، لكنه لم يقبل أول دعوة إلا بشرط أن يقام الحفل الأول داخل البلدة، وأن تقدم للجمهور فطائر تفاح من مخبز ليلى، في ليلة الحفل، وقفت ليلى خلف الكواليس تحمل سلة خبز، فأخبرها آدم أنه ما زال خائفا، فناولته رغيفا دافئا وقالت إن الخوف مثل الخميرة، قليله يرفعنا وكثيره يفسدنا.
صعد آدم إلى المسرح ورفع كمانه أمام جمهور صامت، وبدأ بمقطوعة سلمى، وحين وصل إلى الجزء الذي ألفه داخل المخبز، نظر إلى ليلى وأخبر الحاضرين أن اسم هذه المقطوعة رغيف الصباح، لأنها بدأت حين ظن أن حياته انتهت، ثم جاءت امرأة تحمل خبزا ساخنا أثبتت له أن بعض النهايات ليست سوى أبواب أغلقت لنسمع طرقا جديدا.
حين صار للموسيقى بيت
بعد عام، لم يغلق آدم بيته القديم، بل فتح نوافذه كلها وأزال الستائر الرمادية، وحول الغرفة التي كادت تبتلع موسيقاه إلى مدرسة صغيرة للأطفال، أما ليلى فوسعت المخبز، ووضعت فوق بابه لافتة جديدة كتبت عليها رغيف الصباح والموسيقى المسائية، كان آدم يعزف قرب الفرن كل ليلة خميس، وكانت ليلى تترك له دائما فطيرة تفاح على الطاولة.
وفي إحدى الليالي، بينما كان المطر ينقر الزجاج، وضع آدم الكمان جانبا وأخرج خاتما صغيرا من علبة خشبية، حدقت فيه ليلى وسألته إن كان سيطلب يدها أم يعزف لها أولا، فضحك وأخبرها أنه ظن أنه فقد آخر ألحانه، ثم اكتشف أنها اللحن الذي لم يكن يعرف كيف يكتبه، لم تجبه بكلمات، بل مدت يدها إليه بينما ارتفعت رائحة الخبز من الفرن وانسكب ضوء دافئ فوق الكمان.
في الخارج، مر أحد الغرباء وسأل طفلا يقف قرب النافذة عن هوية الرجل الذي يعزف بكل هذا الفرح، فأجابه الطفل أنه كان عازف الكمان الحزين، ثم أضاف مبتسما أنه لم يعد كذلك.
لا تعود القلوب المنكسرة إلى الحياة بضربة واحدة، ولا يكفيها أن تؤمر بالنسيان، فهي تحتاج أحيانا إلى نافذة تفتح، ويد تبقى قريبة دون أن تقتحم الألم، ورائحة بسيطة تذكرها بأن العالم ما زال يصنع أشياء دافئة، وقد لا يستطيع الحب أن يعيد من رحلوا، لكنه يستطيع أن ينقذ ما تركوه حيا فينا، ويعلمنا أن الوفاء الحقيقي لا يعني أن نتوقف عند القبور، بل أن نحمل النور الذي عرفناه ذات يوم، ونسير به نحو حياة جديدة.
