لعنة الصياد حكاية رجل استيقظ في جسد غزال مطارد

الراوي
0

الصياد الذي لم يعرف الشفقة، اشتهر نصر بين أهالي قرية السرو بأنه أمهر صياد عرفته الغابة منذ عقود طويلة، ولم يكن أحد يجرؤ على الشك في قدرته وهو يتفاخر أمام المقهى بعدد الطرائد التي أسقطها في يوم واحد.

كان يعود عند الغروب محملا بالأرانب والثعالب والطيور، تتدلى أجسادها من حزام جلدي عريض، بينما تلطخ الدماء أطراف معطفه البني وتفوح منه رائحة البارود ممزوجة بالعرق.

لم يكن يصطاد بدافع الحاجة، فحظيرته مليئة بالمواشي، ومخزنه مكتظ بالحبوب، لكنه كان يجد لذة غريبة في اللحظة التي تنطفئ فيها الحياة داخل عيون مذعورة.

لعنة الصياد حكاية رجل استيقظ في جسد غزال مطارد


بندقية لا تخطئ الهدف

ورث نصر بندقيته عن أبيه، لكن أباه كان رجلا مختلفا تماما، فلم يكن يرفع سلاحه إلا في قسوة الشتاء، ولم يقتل صغيرا أو أما تتبعها أشبالها.

أما نصر، فكان يرى الرحمة ضعفا لا يليق برجل يعرف أسرار الغابة، وكان يسخر كلما ناشده أحد الرعاة أن يترك للحيوانات نصيبا من الحياة.

قال له الشيخ عمران ذات صباح وهو يراقبه يعلق جلد ذئبة على باب بيته، احذر يا بني فالغابة تصبر طويلا لكنها لا تنسى.

مسح نصر نصله بفراء الذئبة وأجاب بسخرية، الأشجار لا تتكلم يا شيخ، والحيوانات خلقت لمن يقدر على إسقاطها.

لم يعقب الشيخ، واكتفى بالنظر إلى ثلاثة جراء صغيرة ترتجف خلف صخرة بعيدة، تنتظر أما لن تعود إليها أبدا.

أثر الحوافر البيضاء

في صباح اليوم التالي، عثر نصر على أثر غريب قرب النهر، حوافر غزال ضخمة مطبوعة في الطين الرطب، إلا أن لون التراب داخلها كان أبيض كالرماد.

انحنى ليلمس إحدى الطبعات فشعر ببرودة قارسة تسري في جسده رغم دفء الشمس، ثم لمح خصلة شعر بيضاء عالقة بين شوكتين.

ارتسمت على وجهه ابتسامة طمع، فقد سمع قديما بحكاية غزال نادر يظهر مرة كل سنوات، ويقال إن قرنيه يعادلان وزنهما فضة.

تحذير عند حافة الغابة

قبل أن يلج الغابة، اعترضته امرأة عجوز ترتدي عباءة خضراء باهتة، تحمل سلة مليئة بأعشاب لم يعرف أسماءها من قبل.

رفعت نحوه عينيها وقالت، لا تتبع الأثر الأبيض، فما يسكن تلك الجهة ليس صيدا لك.

قبض نصر على حزام بندقيته وأجاب بضيق، ابتعدي عن طريقي، فأنا أعرف هذه الغابة قبل أن يشيب شعرك.

ابتسمت العجوز فبانت أسنانها الصفراء، ثم قالت بصوت خافت، تعرف طرقها لكنك لا تعرف غضبها.

دفع نصر غصنا جانبا ومضى في طريقه، ولم يلحظ أن المرأة اختفت فور تجاوزه إياها، كأن جسدها ذاب في ضباب النهر المتصاعد.

المطاردة الأخيرة للغزال الأبيض

قادته الآثار إلى أعماق لم يطأها من قبل، حيث تشابكت الأشجار كأصابع عمالقة، وساد الهواء سكون ثقيل جعل أنفاسه تبدو كطرقات مطرقة في سرداب مغلق.

صمتت الطيور، وغابت الحشرات، وحتى أوراق الخريف الميتة لم تصدر صوتا تحت قدميه، وكأن الأرض تبتلع وقع خطواته لتخفيه عن شيء يراقبه من بعيد.

عند الغروب، لمح الغزال الأبيض بين شجرتين، واقفا في بقعة من ضوء ذهبي، وقرناه الشاهقان تلتف حولهما أغصان صغيرة وأزهار زرقاء.

الرصاصة المحرمة

رفع نصر بندقيته وأغلق إحدى عينيه، فرأى كتف الغزال في خط التصويب، ثم أطلق النار من دون تردد.

ارتد صدى الطلقة بين الجبال، وتناثرت أسراب الغربان من الأشجار دفعة واحدة، لكن الغزال لم يسقط، بل اندفع نحو الربوة الصخرية تاركا خلفه خيطا من الدم.

طارده نصر بين الجذور والصخور حتى حاصره عند حافة جرف عميق، يلهث بينما يغمر القمر جسده الأبيض بضوء شاحب.

قال نصر وهو يلقم بندقيته، انتهى الطريق.

عندها التفت الغزال إليه، وتغير بريق عينيه، ثم انطلق من حلقه صوت العجوز، بل بدأ طريقك الآن.

أطلق نصر رصاصته الثانية، لكن الهواء اشتعل حوله بضوء أخضر، وانفجرت جذور الأشجار من التراب والتفت حول ساقيه كالأفاعي.

سقطت البندقية من يده، وشعر بعظامه تنكمش وتلتوي، بينما امتد وجهه إلى الأمام واخترقت قرون حادة جلد رأسه، وتحولت صرخته البشرية إلى صياح حيوان مذعور.

الاستيقاظ داخل جسد الطريدة

فتح نصر عينيه مع أول ضوء للفجر، فوجد وجهه قريبا من التراب، وشم رائحة الندى والفطر المتعفن بقوة لم يعرفها من قبل.

حاول النهوض فانطلقت من تحته أربع قوائم نحيلة، وتعثر فوق الحشائش قبل أن يسقط قرب بركة صغيرة تحيط بها السرخسيات.

نظر إلى صفحة الماء، فرأى رأس غزال بني بقرنين قصيرين وعينين واسعتين ترتجفان من الهلع، وحين حاول الصراخ، خرج من فمه خوار مبحوح.

الحواس التي أصبحت سجنا

كانت أذناه تلتقطان كل شيء، سقوط قطرة من ورقة بعيدة، احتكاك جناحي فراشة، وزحف حشرة صغيرة تحت طبقة الأوراق.

أما أنفه فكان يشم رائحة الثعالب قبل ظهورها، ورائحة الدخان المتصاعد من قرية تبعد أميالا، ورائحة الخوف الزاحفة من جلده كأنها عرق مر.

لم تمنحه هذه الحواس أي قوة، بل حولت العالم إلى فخ واسع، فكل صوت قد يكون خطوة صياد، وكل حركة بين الشجيرات قد تخفي نابا أو سهما.

السهم الأول في جلده

لم يكد نصر يستوعب تحوله حتى سمع نباح كلاب الصيد يقترب خلفه، ثم شق صفير سهم الهواء وغرس نفسه في جذع شجرة قرب رأسه.

اندفع يركض دون تفكير، تتخبط حوافره بين الجذور، وتضرب الأغصان وجهه بينما تتعالى صيحات رجال يعرف أصوات بعضهم من القرية.

سمع أحدهم يصيح، غزال عند الممر الشرقي، لا تدعوه يهرب.

كان الصوت لصديقه القديم حسان، الرجل الذي علمه نصر تعقب آثار الدم، وكم مرة ضحكا معا وهما يطاردان حيوانا جريحا يجر ساقه خلفه.

طعم الخوف

أصاب السهم الثاني فخذه، فاندفعت حرارة حادة عبر جسده، وتفجر الدم فوق شعره البني.

واصل الركض عارجا، وكل قفزة كانت تغرس رأس السهم أعمق في اللحم، حتى صار الهواء يخرج من رئتيه كسكين باردة.

اختبأ داخل حفرة ضيقة بين صخرتين بينما مرت الكلاب قريبا منه، تشم الأرض وتئن من شدة الحماس.

كان يسمع أنيابها تصطك، ويرى لعابها يلمع، فتذكر في تلك اللحظة عشرات الحيوانات التي حاصرها بالطريقة نفسها ولم يمنحها فرصة للنجاة.

للمرة الأولى، أدرك أن الصيد لم يكن لحظة إطلاق النار وحسب، بل ساعات من الرعب تسبقها، حين تعرف الطريدة أن الموت يتبع رائحتها ولا تعرف من أي جهة سيأتيها.

عيون الحيوانات التي تذكره

مع حلول الليل، انتزع نصر السهم بأسنانه، ثم زحف إلى كهف صغير احتمى فيه من المطر.

في الظلام، لمعت حوله عيون كثيرة، أرنب بأذن ممزقة، وثعلب فقد إحدى قوائمه، وغزالة عجوز تحمل ندبة طويلة في عنقها.

تراجع نصر مذعورا حتى اصطدم بجدار الكهف، فخرج صوت الغزالة العجوز داخل رأسه لا عبر أذنيه، نعرف رائحتك يا صاحب البندقية.

محكمة بلا قضاة

ظهرت من الظلام حيوانات أخرى تحمل آثار جراح قديمة، بعضها نجا من رصاصه، وبعضها من نسل حيوانات قتلها بيده.

وقف ثعلب أعور أمامه وقال، قتلت أمي من أجل ذيلها، وتركت جسدها للذباب.

اقترب أرنب صغير وأضاف، كسرت ساق أخي ثم ضحكت لأنه لم يستطع الهرب.

خفض نصر رأسه، لكنه حاول الدفاع عن نفسه بصوت لم يسمعه أحد إلا في داخله، أنا صياد، والصيادون يقتلون.

اهتز الكهف بهدير عميق، فأجابت الغزالة، يقتل الجائع ليعيش، أما أنت فكنت تقتل كي تشعر أنك أقوى.

لم يجد نصر جوابا، فقد رأى في عيونهم انعكاس وجهه القديم، ورأى خلفه الجثث التي تركها معلقة فوق أبواب بيته كزينة.

الشتاء الذي لا يرحم الضعفاء

مرت الأيام بطيئة، وتحول الخريف إلى شتاء قاس غطى الغابة بالثلج، فاختفت الأعشاب وتجمدت الجداول الصغيرة.

كان نصر يحفر بحوافره تحت الثلج بحثا عن أوراق يابسة، ويقضي الليالي مرتجفا بين الصخور، خائفا من الذئاب ومن البشر على حد سواء.

ذات ليلة، وجد غزالة صغيرة عالقة في فخ حديدي، وقد غاص السلك في ساقها حتى ظهر العظم تحت الجلد.

أول فعل رحيم

اقترب منها فتراجعت وهي تضرب الأرض بقوائمها، فقد كانت تشم فيه رائحة الإنسان القديمة رغم جسده الجديد.

حاول فتح الفخ بقرنيه، فمزق الحديد جلد جبهته، لكنه واصل الدفع حتى انكسر القفل وخرجت ساق الغزالة حرة.

سقطت الصغيرة على الثلج، ثم رفعت رأسها نحوه قبل أن تلعق الدم عن جبهته بحذر.

في تلك اللحظة، شعر نصر بحرارة لم يعرفها في انتصارات الصيد القديمة، لم تكن نشوة السيطرة، بل سكينة هادئة تشبه نارا صغيرة تشتعل في بيت مظلم.

رافق الغزالة إلى قطيعها، وحين حاولت أمها طرده، وقفت الصغيرة أمامه لتحميه، فسمحت له الحيوانات بالبقاء قربها طوال الليل.

عودة الصيادين إلى الوادي

عند بداية الربيع، انتشرت في الغابة رائحة دخان كثيف، ثم سمع نصر أصوات الفؤوس والكلاب والخيول تتقدم نحو الوادي.

كان رجال القرية يخططون لحملة صيد كبرى، فقد أقنعهم حسان بأن الحيوانات تكاثرت وأن جلودها ستدر مالا وفيرا.

تذكر نصر الممر الضيق المؤدي إلى الوادي، وأدرك أن القطيع إن دخله فلن يجد منفذا آخر للنجاة.

مطاردة معكوسة

ركض نصر بين الحيوانات، يدفعها بقرنيه نحو الجهة الغربية، لكنها لم تفهم في البداية سبب خوفه الشديد.

عندما دوى الرصاص، انتشر الذعر، واندفعت الغزلان والأرانب والخنازير في اتجاه الممر الذي أعد فيه الصيادون شباكهم.

قفز نصر أمام القطيع وأجبره على تغيير مساره، ثم قاده عبر مستنقع مخفي لم يعرف طريقه إلا لأنه استخدمه قديما في تعقب الطرائد.

كانت الرصاصات تخترق الأشجار من حوله، وإحداها مزقت طرف أذنه، لكنه لم يتوقف حتى عبر آخر حيوان إلى الجانب الآخر من النهر.

المواجهة مع حسان

ظهر حسان فوق ضفة النهر ممسكا ببندقية نصر القديمة، فقد اشتراها بعد اختفاء صاحبها وظل يتفاخر بأنها لا تخطئ أبدا.

نظر إلى الغزال الذي يقود الحيوانات وقال بإعجاب، قرنان جميلان، وسيبدوان رائعين فوق موقدي.

تجمد نصر حين رأى نفسه في خط التصويب، وعرف من طريقة وقوف حسان أنه سيطلق النار خلال لحظات.

الرصاصة التي عادت إلى صاحبها

انطلقت الرصاصة، فقفز نصر أمام الغزالة الصغيرة التي أنقذها في الشتاء، فاخترق الألم كتفه وأسقطه في الماء.

تحول النهر حوله إلى لون أحمر، وغرقت الأصوات بعيدا، بينما وقفت الحيوانات على الضفة تحدق فيه بصمت مطبق.

اقترب حسان ليحمل جثته، لكن جذور الأشجار انفجرت من الأرض والتفت حول قدميه، تماما كما حدث لنصر عند الجرف في الليلة الأولى.

ظهرت المرأة العجوز بين الضباب، وضربت الأرض بعصا ملتوية، فتجمد حسان في مكانه وسقطت البندقية من يده.

قالت له، هذه الغابة دفعت دما يكفي، ارحل، وأخبر قومك أن الوادي لم يعد ميدانا للقتل.

فر حسان مذعورا، بينما انحنت العجوز قرب نصر ووضعت يدها فوق جرحه.

كسر اللعنة

استيقظ نصر فوق العشب، وشعر بأصابع بشرية تتحرك قرب وجهه، ثم رأى يديه القديمتين مغطاتين بالندوب والدماء.

تحسس رأسه فلم يجد القرنين، وحاول الوقوف، لكن ساقيه ارتجفتا كأنهما ما زالتا قائمتين نحيلتين.

كانت المرأة العجوز جالسة قرب النهر، وحولها الحيوانات التي أنقذها، تراقبه من دون أن تقترب.

السؤال الأخير

قالت العجوز، عشت كما تعيش الطريدة، وتألمت كما تألمت ضحاياك، فماذا ستفعل إن عدت إلى قريتك؟

نظر نصر إلى بندقيته الملقاة على الضفة، ثم حملها بين يديه لآخر مرة.

فككها بهدوء، وألقى ماسورتها في أعمق نقطة من النهر، ثم كسر خشبها فوق صخرة حتى تناثر إلى قطع صغيرة.

قال بصوت متعب، سأتعلم كيف أحمي الحياة التي كنت أظنها ملكا لي.

لم تبتسم العجوز، لكنها أومأت برأسها، ثم تلاشى جسدها مع الضباب، ولم يبق في موضعها إلا خصلة بيضاء من شعر غزال.

حارس الغابة

عاد نصر إلى القرية بعد غياب امتد أشهرا، فظنه الناس ميتا، بينما نظر إليه حسان بخوف ولم يجرؤ على إخباره بما رآه عند النهر.

هدم نصر غرفة الجلود في بيته، وأحرق الفخاخ، ثم استخدم ماله في شراء أراضي الوادي ومنع الصيد فيها كليا.

زرع الأشجار قرب الممرات، وعالج الحيوانات الجريحة، وعلم أطفال القرية كيف يميزون آثار الكائنات من دون أن يطاردوها أو يؤذوها.

وذات فجر، لمح غزالا أبيض واقفا عند حافة الغابة يراقبه بين الضباب، وعلى كتفه أثر جرح قديم أحدثته رصاصته منذ زمن بعيد.

اقترب نصر ببطء، لكنه لم يحمل سلاحا، ولم يمد يده ليقبض عليه، بل انحنى أمامه في صمت تام.

ظل الغزال ينظر إليه لحظات، ثم استدار واختفى بين الأشجار، وفي الموضع الذي كان يقف فيه نبتت زهرة زرقاء صغيرة رغم برودة الصباح.

لم تعد الغابة بعد ذلك مكانا يذهب إليه نصر ليبرهن على قوته، بل صارت مرآة يرى فيها هشاشته، وحدود حقه في هذا العالم الواسع.

فالقوة التي لا تعرف الرحمة ليست سوى خوف يرتدي هيئة سلاح، والانتصار الحقيقي لا يكون بإسكات نبض مخلوق أضعف، بل بالقدرة على سماعه وحمايته.

وقد يظن الإنسان أن الطبيعة صامتة لأنها لا تتحدث بلغته، غير أنها تحتفظ بكل أثر، وترد الألم بطريقتها، حتى يتعلم القاسي أن الحياة ليست غنيمة، وأن كل قلب خائف يحمل الحق نفسه في النجاة.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.