حين مدَّ عبدالله يده ليمسح البخار عن مرآة الحمام، لم تتحرك صورته معه، ظلَّ انعكاسه واقفًا خلف الضباب الزجاجي، يحدق إليه بعينين ساكنتين، بينما كانت يد عبدالله الحقيقية ترتجف فوق السطح البارد.
ثم ابتسم الرجل المحبوس داخل المرآة، ابتسامة لم يرسمها وجه عبدالله قط، ورفع إصبعه إلى شفتيه كأنما يطلب منه الصمت.
قبل أن يتمكن عبدالله من التراجع، انشقَّ سطح المرآة مثل صفحة ماء داكنة، وخرجت منه يد شاحبة أمسكت معصمه بقوة.
شعر بأصابعه تنغرس في جلده، وبالبرودة تزحف إلى عظامه، ثم اندفع وجهه نحو الزجاج حتى اختفى العالم الواقعي خلف ومضة فضية خاطفة.
وعندما فتح عينيه، كان واقفًا في مدينة لا يسكنها بشر، بل انعكاسات تنتظر أصحابها.
الليلة التي توقفت فيها المرآة عن الطاعة
كان عبدالله يعيش وحيدًا في شقة قديمة ورثها عن والده في أحد أحياء القاهرة الهادئة، حيث تتقارب الشرفات حتى تكاد تتبادل الأسرار، وتظل أصوات الباعة معلقة بين الجدران مثل أغانٍ لا تنتهي.
لم يكن يحب المرايا، لكنه لم يكن يخشاها أيضًا.
كان يمر أمامها في الصباح مسرعًا، يصلح ياقة قميصه، يراقب آثار السهر تحت عينيه، ثم يغادر إلى عمله في شركة المحاسبة دون أن يمنح صورته أكثر من ثوانٍ قليلة.
في الأسابيع الأخيرة، بدأ يشعر بأن انعكاسه يتأخر عنه.
لم يكن التأخر واضحًا بما يكفي ليصدقه عقله، بل كان مجرد ارتباك خاطف؛ يرفع يده فيراها ترتفع بعده بنصف نبضة، يلتفت مبتعدًا فيظن أن صورته ظلت تنظر إليه لحظة أطول.
أقنع نفسه بأن الإرهاق هو السبب.
كان يعمل حتى ساعات متأخرة، ويعود محمّلًا بالأرقام والملفات والرسائل التي لم يجب عنها، بينما يتراكم الصمت في الشقة كالغبار فوق الأثاث.
لكن المرآة الكبيرة في الحمام لم تكن عادية.
كان إطارها الخشبي أسود، تتلوى فوقه زخارف تشبه ألسنة اللهب، وقد أوصاه والده قبل موته بألا ينقلها من مكانها مهما حدث.
لم يسأل عبدالله يومها عن السبب.
ظنها واحدة من وصايا المرضى الذين يتعلقون بالأشياء الصغيرة حين يشعرون بأن العالم يستعد لتركهم.
الصوت القادم من خلف الزجاج
قبل ثلاثة أيام من اختفائه، استيقظ عبدالله في منتصف الليل على صوت طرق خافت.
لم يكن الطرق صادرًا من الباب أو النافذة، بل من داخل الحمام.
كان منتظمًا وبطيئًا، ثلاث طرقات تتبعها لحظة صمت، ثم ثلاث طرقات أخرى، كأن شخصًا محبوسًا في مكان ضيق يحاول حفظ قوته.
اقترب عبدالله بحذر، وكانت أرضية الممر باردة تحت قدميه.
فتح باب الحمام، فوجد المصباح يومض فوق المرآة، بينما انتشر البخار على سطحها رغم أن الصنبور كان مغلقًا.
ظهرت كلمات فوق الضباب، كأن إصبعًا خفيًا كتبها من الجهة الأخرى:
لا تنظر طويلًا.
تراجع عبدالله، وارتطم كتفه بالحائط.
مد يده ليمسح العبارة، لكنها اختفت قبل أن يلمسها، وظهر وجهه مكانها شاحبًا ومتوترًا.
غير أن انعكاسه لم يكن يتنفس.
حبس عبدالله أنفاسه ليتأكد، ثم أطلقها ببطء.
ظل صدر الرجل في المرآة ساكنًا، وعيناه مثبتتين على عبدالله دون رمشة واحدة.
قال عبدالله بصوت متقطع:
من أنت؟
تحرك فم الانعكاس وحده، وخرج الصوت من خلف الزجاج مكتومًا كأنه آتٍ من قاع بئر:
أنا ما كان ينبغي لك أن تكونه.
انطفأ المصباح فجأة، وحين عاد الضوء، كان كل شيء طبيعيًا.
السقوط إلى الجهة الأخرى
لم يكن الانتقال عبر المرآة يشبه السقوط في حفرة، بل كان أشبه بالغرق داخل معدن سائل.
أحاطت بعبدالله برودة كثيفة، وضغطت على صدره حتى شعر بأن رئتيه ستنفجران.
مرّت حوله صور متقطعة من حياته؛ طفولته في حضن أمه، جنازة والده، أول يوم عمل، خطيبته السابقة وهي تعيد إليه خاتمها، وليالٍ طويلة جلس فيها أمام الحاسوب متظاهرًا بأن الوحدة اختيار.
ثم انفتحت تحته أرض سوداء لامعة، فسقط فوقها وارتد صدى ارتطامه في فضاء واسع.
رفع رأسه، فوجد نفسه في شارع مطابق لشارعه، لكنه مقلوب.
كانت الأبنية تمتد نحو السماء من أسقفها، والنوافذ معلقة قرب الأرض، والأبواب بلا مقابض.
كانت السماء رمادية مصقولة، وفيها شقوق طويلة تشبه الكسور التي تظهر في الزجاج قبل تحطمه.
أما الشمس، فلم تكن سوى دائرة بيضاء باهتة تتحرك في الاتجاه المعاكس.
وقف عبدالله بصعوبة، ونظر إلى يديه.
بدتا طبيعيتين، لكن جلده كان شفافًا قليلًا، وتحت سطحه تتحرك خيوط فضية دقيقة بدل العروق.
صرخ:
هل يسمعني أحد؟
عاد صوته إليه من كل الجهات، لكنه لم يكن وحده.
تكررت عبارته بأصوات كثيرة، بعضها حاد وبعضها عجوز، حتى تحولت الكلمات إلى همهمة مخيفة.
ثم خرجت عشرات الوجوه من واجهات المحال المغلقة، لا أجساد لها، مجرد انعكاسات عالقة فوق الأسطح اللامعة.
حدقت إليه بصمت، وتراجعت حين اقترب منها، كما تتراجع الأسماك خلف زجاج حوض مظلم.
مدينة النسخ المنسية
في نهاية الشارع، لمح عبدالله امرأة تسير نحوه.
كانت ترتدي فستانًا أبيض قديمًا، وشعرها الأسود يغطي نصف وجهها، بينما كانت خطواتها صامتة رغم حذائها ذي الكعب العالي.
توقفت أمامه على مسافة متر، ورفعت رأسها.
لم تكن لها ملامح كاملة؛ نصف وجهها بشري، أما النصف الآخر فكان سطحًا فضيًا أملس.
قالت:
أنت جديد.
ابتلع عبدالله ريقه وسأل:
أين أنا؟
أشارت إلى المدينة المحيطة به.
خلف كل مرآة توجد مساحة تنتظر أن تُملأ.
أحيانًا يمر الناس وينسون صورهم، وأحيانًا تنمو الصور حتى تتعلم كيف ترغب.
نظر عبدالله إلى سطح وجهها اللامع، فرأى نفسه مشوهًا فيه.
أريد العودة.
ضحكت المرأة، فصدر صوتها مثل انكسار كأس.
كل من يصل إلى هنا يريد العودة.
لكن المكان لا يفتح بابه لمن دخل، بل لمن استعاد انعكاسه الحقيقي.
اقترب منها عبدالله وقال:
انعكاسي أخذ مكاني.
هزت رأسها ببطء.
إذن أنت في خطر أكبر مما تظن.
حين يعيش الانعكاس حياتك سبعة أيام كاملة، يصبح هو الأصل، وتصبح أنت النسخة.
بعد ذلك لن تتذكرك أم، ولن يتعرف إليك صديق، ولن يبقى اسمك مكتوبًا في أي مكان.
شعر عبدالله بأن الأرض تميل تحت قدميه.
كم مضى من الوقت؟
أشارت المرأة إلى السماء المشققة.
هنا لا يمر الوقت كما يمر عندكم.
قد تكون دقيقة، وقد يكون يومًا.
لكن الشقوق اتسعت، وهذا يعني أن انعكاسك بدأ يثبت نفسه في عالمك.
الرجل الذي يعيش حياة عبدالله
قادته المرأة عبر أزقة ضيقة، كانت جدرانها مغطاة بمرايا لا حصر لها.
في كل واحدة مشهد من العالم الواقعي، لكنها لم تعرض الحاضر دائمًا؛ بعضها أظهر ذكريات قديمة، وبعضها كشف لحظات لم تقع بعد.
رأى عبدالله نفسه طفلًا يركض خلف والده في محطة القطار.
ورأى أمه الراحلة تجلس قرب نافذة لم يتذكرها، تحيك قميصًا أزرق وتبكي دون صوت.
ثم مر أمام مرآة كبيرة، فتجمد مكانه.
كان انعكاسه في شقته، يرتدي قميصه الرمادي، ويقف أمام المرآة نفسها التي ابتلعته.
بدا أكثر ثقة، أكثر استقامة، وكأن جسد عبدالله قد صُمم له منذ البداية.
راقبه وهو يخرج من الحمام، يعد القهوة، ويرد على هاتف عبدالله بصوت مطابق لصوته.
قال الانعكاس:
صباح الخير يا أستاذ سامح، لا تقلق، سأصل مبكرًا اليوم.
شهق عبدالله، وضرب سطح المرآة بقبضته.
اخرج من حياتي!
التفت الانعكاس فجأة نحو المرآة، كأنه سمعه.
اقترب مبتسمًا، ثم رفع فنجان القهوة في تحية ساخرة.
قالت المرأة ذات الوجه الفضي:
إنه يعرف أنك تراقبه.
كيف أوقفه؟
عليك أن تجد المرآة الأولى.
ما المرآة الأولى؟
توقفت المرأة، ونظرت حولها كمن يخشى أن تتنصت الجدران.
المرآة التي رأت وجهك قبل أن تتعلم الكذب.
ذكرى الأب الأخيرة
قادته إلى مبنى يشبه منزلًا قديمًا بلا نوافذ.
كان الباب مصنوعًا من قطع مرايا صغيرة، وكل قطعة تعكس عمرًا مختلفًا من وجه عبدالله.
حين دخل، وجد غرفة نوم والده كما كانت قبل عشرين عامًا.
رائحة الدواء، ساعة الحائط التي تتأخر خمس دقائق، المصباح الأصفر قرب السرير، وحتى صوت تنفس والده المتعب؛ كل شيء كان حاضرًا بدقة موجعة.
جلس والده فوق السرير، لكنه لم يكن شبحًا.
كان صورة محفوظة داخل المرآة، ذكرى تتكرر دون أن تعرف أنها حدثت من قبل.
كان عبدالله الصغير يقف قرب الباب، يحمل كوب ماء بكلتا يديه.
سمع والده يقول له:
لا تقف أمام المرآة غاضبًا يا عبدالله.
رد الطفل:
لماذا؟
نظر الأب نحو المرآة السوداء المعلقة في الحمام المجاور.
لأن المرايا لا تحفظ وجوهنا فقط، بل تحفظ ما نخفيه عنها.
وإن أطلت النظر إليها وأنت تتمنى حياة أخرى، قد تظن الصورة أن حياتك لا تستحقك.
تقدم عبدالله البالغ، محاولًا لمس والده، لكن يده مرت عبره كالدخان.
استمر المشهد.
اقترب الأب من الطفل ووضع يده فوق رأسه.
هناك شيء يعيش خلف تلك المرآة منذ زمن طويل.
هو لا يملك وجهًا، لذلك يستعير وجوه الذين يكرهون أنفسهم.
توقفت الذكرى فجأة، والتفت الأب مباشرة إلى عبدالله البالغ.
اتسعت عينا عبدالله، فقد أدرك أن هذه لم تعد مجرد ذكرى.
قال الأب:
تأخرت يا بني.
اهتزت الغرفة، وبدأت الجدران تتشقق.
اندفع عبدالله نحوه.
أبي، ماذا أفعل؟
أشار الأب إلى جيبه.
أدخل عبدالله يده، فوجد قطعة صغيرة من مرآة مستديرة، محاطة بإطار نحاسي صدئ.
لم يتذكر أنه حملها من قبل.
قال الأب:
هذه أول مرآة رأيت فيها وجهك.
كانت أمك تحملها فوق مهدك.
لم ترَ فيها رجلًا فاشلًا أو وحيدًا، بل طفلًا لم يتعلم بعد أن يكره صورته.
رفع عبدالله القطعة نحو عينيه، فلم يرَ وجهه الحالي.
رأى طفلًا يحدق فيه ببراءة، ويبتسم دون خوف.
قال الأب:
ابحث عن انعكاسك داخل قصر الوجوه، لكن احذر.
لن يهزمك بالقوة، بل سيعرض عليك الحياة التي تمنيت أن تعيشها.
انهارت الغرفة في صمت، وتلاشى الأب قبل أن يتمكن عبدالله من وداعه.
قصر الوجوه المسروقة
ظهر القصر عند أطراف المدينة، مرتفعًا فوق بحر ساكن من الزجاج الأسود.
لم تكن له أبواب، بل واجهة كاملة من المرايا المتداخلة، تتحرك صورها ببطء كأنها تتنفس.
اقترب عبدالله، فسمع أصواتًا تناديه من الداخل.
صوت أمه، وصوت أبيه، وصوت سلمى التي تركته منذ عامين، وحتى صوته هو حين كان أكثر شبابًا وأملًا.
وضع قطعة المرآة الأولى أمام الواجهة، فانفتح ممر ضيق بين الأسطح الفضية.
دخل عبدالله، فانغلقت المرايا خلفه.
كان القصر بلا جدران حقيقية.
كل ممر يفضي إلى ممر آخر، وكل مرآة تعرض نسخة مختلفة من عبدالله؛ رجلًا غنيًا، زوجًا وأبًا، مسافرًا، فنانًا، أو شخصًا لم يضيع سنواته في عمل يكرهه.
توقفت إحدى النسخ أمامه وقالت:
كان يمكنك أن تكونني.
ظهرت نسخة أخرى بملامح هادئة:
لو كنت أكثر شجاعة، لما تركتك سلمى.
ثم اقتربت نسخة ترتدي بدلة فاخرة:
لو لم تخشَ الفشل، لكنت صاحب الشركة لا موظفًا فيها.
غطى عبدالله أذنيه، لكن الأصوات لم تكن تدخل عبرهما.
كانت تنبع من داخله، من تلك الغرف المعتمة التي أغلقها طويلًا كي يستطيع مواصلة حياته دون أن ينظر خلفه.
الصفقة
وصل عبدالله إلى قاعة دائرية تتوسطها مرآة شاهقة تمتد من الأرض حتى السقف.
أمامها وقف انعكاسه الحقيقي مرتديًا معطفًا أسود، وكانت ملامحه أكثر حيوية مما عرفه عبدالله في نفسه.
صفق الانعكاس ببطء.
وصلت أسرع مما توقعت.
قال عبدالله:
أعد إلي حياتي.
ابتسم الآخر.
حياتك؟ أنت لم تكن تعيشها أصلًا.
كنت تستيقظ، تعمل، تأكل، تنام، وتسمّي ذلك حياة.
كنت تمر أمامي كل صباح بوجه رجل يتمنى لو كان شخصًا آخر.
اقترب عبدالله منه.
مهما كانت حياتي ناقصة، فهي لي.
رفع الانعكاس يده، فتحولت جدران القاعة إلى مشاهد من العالم الواقعي.
رأى عبدالله انعكاسه في مكتبه، يضحك مع زملائه للمرة الأولى.
رآه يطلب ترقية كان عبدالله يخشى طلبها، ويواجه مديره بثبات، ثم يخرج منتصرًا.
وفي مشهد آخر، وقف الانعكاس أمام باب سلمى يحمل باقة زهور.
فتحت له، واتسعت عيناها بدهشة ممزوجة بالحنين.
قال الانعكاس:
خلال يوم واحد فقط، أصلحت ما أفسدته أنت في سنوات.
ضغط عبدالله قبضته.
أنت تسرق الناس أيضًا، تخدعهم بوجهي.
بل أعطيهم نسخة أفضل منك.
ظهر كرسيان في وسط القاعة، وبينهما طاولة صغيرة فوقها عقد مكتوب بحبر فضي.
قال الانعكاس:
اترك لي العالم الواقعي، وسأمنحك هنا كل ما تمنيت.
يمكنك رؤية والديك، عيش أي ذكرى، واختيار أي حياة من هذه المرايا.
لن تتألم، ولن تفشل، ولن يرفضك أحد.
حدق عبدالله في المشاهد المحيطة به.
ظهرت أمه تمد ذراعيها نحوه، ووالده يجلس في الشرفة يقرأ الصحيفة، وسلمى تضحك في مطبخ مضاء بالشمس.
اهتز قلبه بعنف، وشعر بأن قدميه تتحركان نحو العقد دون إرادته.
قالت أمه من إحدى المرايا:
تعال يا عبدالله، لقد انتظرناك طويلًا.
الوجه الذي لا يريد رؤيته
مد عبدالله يده نحو القلم الفضي، لكنه لمح قطعة المرآة القديمة داخل جيبه.
أخرجها، فرأى الطفل الذي كانه يومًا يحدق إليه بصمت.
لم يبتسم الطفل هذه المرة.
كانت عيناه ممتلئتين بخيبة هادئة، كأنهما تسألان كيف استطاع الرجل الذي صار إليه أن يبادل حياته بوهم جميل.
تراجع عبدالله عن الطاولة.
قال الانعكاس بحدة:
ماذا تفعل؟
رفع عبدالله المرآة الصغيرة أمام وجهه.
أحاول أن أراك كما أنت.
تبدلت ملامح الانعكاس للحظة، ومرّ فوق وجهه تموج أسود.
قال ساخرًا:
أنا أنت.
لا.
أنت كل ما كرهته في نفسي، وكل حياة تمنيتها لأنني كنت أخشى إصلاح حياتي الحقيقية.
ارتجت القاعة، وتكسرت بعض المرايا المحيطة.
صرخ الانعكاس:
من دوني أنت ضعيف!
قال عبدالله:
نعم، كنت ضعيفًا.
ظهرت شقوق فوق وجه الآخر.
كنت جبانًا، وضيعت فرصًا كثيرة، وهربت ممن أحببت، وتركت الخوف يقرر عني.
لكنك لم تصنع تلك الأخطاء، لذلك لا تملك الحق في إصلاحها.
انكمش جسد الانعكاس قليلًا، وتحولت أصابعه إلى مخالب فضية.
اصمت!
تابع عبدالله، وصوته يزداد ثباتًا:
أنا لا أحتاج نسخة كاملة مني.
أحتاج فرصة لأعيش بما تبقى، حتى لو أخطأت من جديد.
اندفع الانعكاس نحوه بسرعة، واصطدم الاثنان فوق أرض القاعة الزجاجية.
كانت يداه باردتين كالموت، وكلما لمس عبدالله شعر بذكرياته تُنتزع منه.
رأى اسم أمه يتلاشى من ذهنه، ثم ملامح والده، ثم صوت سلمى.
صرخ عبدالله، وغرس قطعة المرآة الأولى في صدر انعكاسه.
لم يخرج دم، بل اندفع ضوء أبيض حاد ملأ القاعة.
الحقيقة داخل الشظايا
انفجر جسد الانعكاس إلى مئات القطع، لكن كل قطعة نهضت وتحولت إلى نسخة صغيرة من عبدالله.
أحاطت به النسخ من جميع الجهات، تصرخ بصوته:
أنا الحقيقي!
أنا الشجاع!
أنا الناجح!
أنا الذي تستحقه الحياة!
أغمض عبدالله عينيه.
أدرك أن النظر إليها لن يساعده، فكل صورة تستطيع تقليد وجهه وحركاته، لكنها لا تستطيع حمل ما يخجل منه.
قال بصوت مرتفع:
حين كنت في العاشرة، كسرت ساعة أبي واتهمت ابن الجيران.
توقفت بعض النسخ عن الحركة.
حين مرضت أمي، تهربت من زيارتها لأنني لم أتحمل رؤيتها ضعيفة.
بدأت نسخ أخرى تتشقق.
أحببت سلمى، لكنني جعلتها تشعر بأنها عبء لأنني كنت أخشى أن تحتاج إلي.
تساقطت النسخ واحدة تلو الأخرى، وتحولت إلى شظايا سوداء.
بقيت نسخة واحدة في نهاية القاعة، ترتجف بعنف.
كان وجهها مشوهًا، وعيناها فارغتين، وفمها واسعًا أكثر مما ينبغي.
قال عبدالله:
أنت لا تعرف هذه الأشياء، لأنك أخذت صورتي ولم تأخذ ذنبي.
أطلق المخلوق صرخة مزقت سقف القاعة، ثم اندفع نحوه.
رفع عبدالله المرآة الصغيرة، فانعكس وجه المخلوق فوقها للمرة الأولى.
لم يكن له وجه.
كان مجرد فراغ أسود محاط بملامح مستعارة.
تشقق الفراغ، وانهار المخلوق مثل ظل ضربه الضوء.
باب العودة لا يُفتح إلا من الداخل
مع موت الكائن، بدأ قصر الوجوه ينهار.
تساقطت المرايا من حول عبدالله، وتشققت الأرض تحت قدميه، بينما ارتفع بحر الزجاج الأسود حتى غمر الممرات.
ظهر باب صغير في وسط القاعة، خلفه حمام شقته.
رأى جسده الواقعي ممددًا فوق الأرض، ورأى سطح المرآة يهتز كالماء.
ركض عبدالله نحو الباب، لكنه توقف حين سمع صوت المرأة ذات الوجه الفضي خلفه.
كانت واقفة وسط الأنقاض، وقد بدأت ملامحها تتلاشى.
قالت:
حين ينهار سيد القصر، تتحرر الانعكاسات.
لكن ليس لنا أجساد نعود إليها.
نظر حوله، فرأى وجوهًا لا حصر لها تظهر فوق الشظايا، وجوه رجال ونساء وأطفال سُرقت حياتهم منذ سنوات طويلة.
سأل عبدالله:
هل يمكنني مساعدتكم؟
أجابت المرأة:
افتح الباب كاملًا.
ماذا سيحدث؟
ستعود بعض الأرواح إلى أصحابها، لكن المرايا في عالمكم ستتذكرنا.
لن تبقى صامتة كما كانت.
كان الباب يضيق بسرعة، وصوت تحطم القصر يقترب.
كان يستطيع القفز والنجاة، وتركهم خلفه إلى الأبد.
تذكر نفسه وهو يهرب من كل مسؤولية، من مرض أمه، ومن حبه، ومن أحلامه.
ثم أمسك حافة الباب بكلتا يديه، ودفعها بعكس اتجاه الإغلاق.
انغرست شظايا الزجاج في ذراعيه، وسال ضوء فضي من جروحه بدل الدم.
صرخ، لكنه واصل الدفع حتى اتسع الباب وتحول إلى صدع عظيم بين العالمين.
اندفعت آلاف الانعكاسات عبره كعاصفة من الضوء.
رأى المرأة تمر قربه، وقد عاد نصف وجهها المفقود.
ابتسمت وقالت:
الآن صرت تشبه صورتك الأولى.
اجتاز عبدالله الباب في اللحظة الأخيرة.
صباح بلا انعكاس
استيقظ فوق أرض الحمام، والشمس تتسلل من النافذة الصغيرة.
كانت المرآة الكبيرة محطمة، وشظاياها منتشرة حوله مثل طبقة من الجليد.
نهض مترنحًا، ونظر إلى هاتفه.
مرّت ثلاثة أيام منذ اختفائه.
وجد عشرات المكالمات من العمل، ورسائل من جيرانه، ورسالة واحدة من سلمى تقول:
جئت إلى بيتك أمس، لكنك تصرفت بطريقة غريبة.
هل أنت بخير؟
جلس عبدالله طويلًا يقرأ العبارة.
أدرك أن الانعكاس عاش مكانه، لكنه لم ينجح في تثبيت نفسه كاملًا.
بقيت في الآخرين فجوة صغيرة، إحساس بأن الرجل الذي قابلوه لم يكن عبدالله الذي يعرفونه.
اتصل بسلمى.
حين سمعت صوته، ساد صمت طويل.
قالت:
أنت تبدو مختلفًا.
أجاب:
ربما لأنني عدت.
لم يفهم لماذا بكت، ولم يسألها.
في الأيام التالية، قدم عبدالله اعتذاره لمديره عن غيابه، ثم طلب الترقية بنفسه.
زار قبر أمه، وجلس أمامه حتى غابت الشمس، وقال الكلمات التي ظل يؤجلها سنوات.
أما المرآة السوداء، فجمع شظاياها ووضعها في صندوق خشبي.
لكنه احتفظ بقطعة صغيرة مستديرة ذات إطار نحاسي، ووضعها قرب سريره.
لم تعد تعكس طفلًا.
كانت تعكس وجهه كما هو؛ متعبًا، ناقصًا، حقيقيًا.
ذات ليلة، مر عبدالله أمام واجهة متجر مغلق، فرأى صورته تسير معه بتطابق تام.
توقف، فتوقفت، رفع يده، فرفعتها.
ابتسم عبدالله، فابتسم انعكاسه.
لكنه قبل أن يبتعد، لمح في عمق الزجاج وجوهًا كثيرة تقف خلف صورته، رجالًا ونساءً وأطفالًا يحدقون إلى العالم الواقعي.
ثم رفع أحدهم إصبعه إلى شفتيه، طالبًا الصمت.
لا تسرق المرايا حياتنا حين تعكس عيوبنا، بل حين نقنع أنفسنا بأن الصورة التي نتمناها أحق بالوجود من الإنسان الذي نحمله داخلنا.
فالمرء لا يصبح حرًا عندما يهزم ضعفه، وإنما حين يعترف به، ويحمله معه دون أن يسمح له بقيادته.
عاد عبدالله من خلف الزجاج لأنه توقف عن البحث عن نسخة كاملة من نفسه.
وحين قبل وجهه بما فيه من ندوب وأخطاء، لم تعد المرآة سجنًا، بل صارت نافذة تذكره بأن الحياة الحقيقية لا تُمنح للأفضل، وإنما لمن يملك الشجاعة ليعيشها، قصة رسالة اعتذار أعادت أباً وابنه بعد عشرين عاماً من القطيعة من هنا.
