سيف الجليد والنار حكاية أروى وقلب الوحش المقسوم

الراوي
0

زئير يهز المملكتين، حين اخترق أول زئير أسود جدار العاصفة الشمالية، لم تتصدع الصخور وحدها، بل انطفأت المشاعل في قلاع مملكة النار، وتجمدت الأنهار في مملكة الجليد، واستيقظت ظلال الموتى تحت التراب كأنها سمعت اسما قديما كانت تخشاه منذ الأزل.

في تلك الليلة وقفت أروى فوق الجسر الذي يفصل بين المملكتين، تمسك في يدها اليمنى سيفا تحترق عروقه المعدنية، وفي يدها اليسرى نصلا يكسوه صقيع أبيض ينهش جلدها، بينما اصطف خلفها آلاف الجنود ينتظرون أن يروا أي المملكتين ستخون الأخرى في تلك الليلة الحاسمة.

لم يكن أحد من الحاضرين يعرف أن السيفين لا يمكن أن يتحدا إلا بثمن باهظ، وأن هذا الثمن لم يكن دما يراق ولا عرشا يفقد ولا حياة محاربة واحدة، بل كان الحقيقة التي قامت عليها المملكتان منذ مئات السنين.

سيف الجليد والنار حكاية أروى وقلب الوحش المقسوم


ليل يزحف من الشمال

هبط المساء على مملكة إيلفار الشمالية دون أن يحمل معه نجمة واحدة، فقد تمددت غيوم كثيفة فوق الجبال كقطيع من الغربان، وحجبت ضوء القمر حتى بدت الأرض غارقة في بئر لا قرار لها.

كانت أشجار الصنوبر تتمايل رغم سكون الريح، وتنبعث من جذوعها طقطقة خافتة تشبه احتكاك الأسنان، بينما فرت الذئاب من أوكارها واتجهت جنوبا دون أن تلتفت خلفها ولو للحظة واحدة.

في قرية حافة الصقيع استيقظ الصيادون على صوت خربشة فوق أسطح منازلهم، لكنهم حين خرجوا لم يجدوا حيوانا ولا طائرا، بل وجدوا ظلالهم واقفة أمام الأبواب منفصلة عن أجسادهم، تحدق إليهم بعيون فضية جامدة لا حياة فيها، وقبل طلوع الفجر لم يبق في القرية صوت بشري واحد.

وصل الخبر إلى قلعة الجليد مع فارس لم تكن في وجهه قطرة دم، وكان حصانه مغطى بطبقة سوداء من الصقيع، كأن الليل نفسه قد تجمد فوق جلده، انحنى الفارس أمام الملكة سيرانا ليتكلم، فانسكب من فمه دخان أسود كثيف، وسقط جسده على أرض القاعة كوعاء فارغ لا روح فيه.

تراجعت الملكة خطوة وانغرست أظافرها في مسند عرشها البلوري، بينما تجمع الدخان في الهواء حتى صنع رأسا هائلا بلا ملامح واضحة، وقال بصوت خرج من الجدران والسقف وعظام الواقفين إنه يريد أن يعاد إليه القلب الذي قسم، وإلا جعل من المملكتين قبرا واحدا، ثم انفجر الدخان، وتحولت النوافذ إلى ألواح من الجليد الأسود.

النبوءة التي محي نصفها

استدعت الملكة سيرانا كاهنة القلعة العجوز، وكانت امرأة ضريرة تدعى ميهار، تحفظ ما لم يعد مكتوبا في الكتب وتسمع ما تخفيه الحجارة تحت صمتها الطويل، وضعت ميهار كفها على الأرض فارتعش جسدها، وانسابت من أنفها قطرة دم قاتمة، ثم أعلنت أن وحش الظل لم يعد حكاية تروى للأطفال، فقد استيقظ نيرغال آكل النور.

ساد الصمت في القاعة حتى بدا صوت تساقط بلورات الثلج من السقف كوقع سهام صغيرة، ذكرت الملكة الكاهنة بأن نيرغال قتل قبل سبعمائة عام، فرفعت ميهار وجهها الأعمى نحوها وابتسمت ابتسامة خالية من الطمأنينة، وقالت إنه لم يقتل، بل قسم قلبه إلى نصفين صيغ كل منهما في سيف، نظرت سيرانا عندها إلى سيف أزراك المعلق فوق عرشها، نصل الجليد الذي توارثه ملوك الشمال جيلا بعد جيل.

وفي اللحظة ذاتها، وعلى بعد مئات الأميال جنوبا، كان ملك النار رادان يتلقى النبوءة نفسها، بينما يتوهج سيف فالور فوق عرشه بلون الدم، عرف الحاكمان الحقيقة في ساعة واحدة، فالسيفان اللذان رمزا إلى مجد المملكتين لم يكونا سلاحين مقدسين، بل سجنا ممزقا لقلب وحش ينتظر أن يلتئم من جديد.

غير أن النبوءة لم تقل إن جمع السيفين سيقضي على نيرغال، بل قالت إن يدا لا تنتمي إلى الجليد ولا إلى النار وحدها هي القادرة على صهرهما في نصل واحد، ولم يكن في المملكتين سوى شخص واحد يحمل دم الشمال والجنوب معا، وكانت تلك الشخص أروى.

ابنة الحد الفاصل

عاشت أروى معظم حياتها في حصن رمادي أقيم فوق الوادي الذي يفصل المملكتين، فلا أرض الجليد اعترفت بها ابنة لها، ولا مملكة النار قبلتها واحدة من أهلها، كان أبوها قائدا من الجنوب، وكانت أمها معالجة من الشمال، وقد أعدما معا بتهمة الخيانة حين حاولا إيقاف حرب الحدود قبل عشرين عاما.

تركت الحرب لأروى ندبة رفيعة تمتد من أسفل أذنها إلى عظمة الترقوة، وتركت في روحها ما هو أعمق من الندوب، نفورا من الرايات ومن الرجال الذين يقتلون باسم ألوان لم تخترها الأرض قط.

حين وصل رسولا المملكتين إلى حصنها، كانا يحملان أمرين مختومين بخاتمين مختلفين، غير أن الكلمات في داخلهما كانت واحدة، إذ طلب منها أن تحضر إلى جسر الرماد لأن مصير المملكتين يتوقف عليها، قرأت أروى الرسالتين قرب نار صغيرة ثم ألقت بهما في اللهب، ولما علق نائبها يامن قائلا إنها أحرقت أوامر ملكين، أجابته وهي تنهض وتشد حزام درعها أن الأوامر تحرق، أما الكوارث فعليهم أن يروها بأعينهم.

أثر الوحش في الثلج

في طريقها إلى الجسر مرت أروى بقرية حافة الصقيع، فرأت الأبواب مفتوحة والطعام باقيا فوق الموائد، ورأت أقداح الماء متجمدة وفي داخلها فقاعات سوداء صغيرة، لم تجد جثثا، لكنها عثرت على آثار أقدام بشرية تخرج من كل منزل وتتجه نحو الغابة، ثم تتوقف فجأة عند خط واحد كأن أصحابها ارتفعوا إلى السماء فجأة.

ركعت قرب الخط ومدت يدها إلى الثلج، فشعرت بنبض عميق تحت الأرض، بطيء وثقيل كخفق قلب عملاق نائم، طلب منها يامن أن تغادر، لكنها لم تجبه، إذ لفت انتباهها ظل شجرة ميتة كان يمتد عكس اتجاه الضوء، اقتربت منه فسمعت همسا ينبعث من داخله يخاطبها بوصفها ابنة الخائنين، ويقول إنها ستجمع ما كسر.

سحبت أروى خنجرها وغرسته في الظل، فاهتزت الشجرة كلها واندفع من شقوق جذعها سائل أسود تفوح منه رائحة حديد محترق، تراجع الظل إلى الغابة تاركا على الثلج كلمة واحدة مكتوبة بسواد لامع هي كلمة العودة، وعندها فهمت أروى أن نيرغال لم يكن ينتظر استعادة قوته فحسب، بل كان ينتظرها هي بالذات.

اجتماع العدوين فوق جسر الرماد

امتد جسر الرماد فوق هوة سحيقة تملؤها أبخرة حمراء وبيضاء، فمن جهة الشمال هبت رياح تحمل شظايا الثلج، ومن جهة الجنوب صعد هواء ساخن مشبع برائحة الكبريت، وقف جيش الجليد عند الطرف الشمالي بدروع فضية وفراء أبيض، بينما اصطف جيش النار جنوبا خلف تروس نحاسية تعكس وهج البراكين البعيدة.

في منتصف الجسر نصب سندان أسود نحت من حجر سقط من السماء في الأزمنة الأولى، وإلى جواره وقف حداد مسن يدعى آسر، قيل إنه آخر من يعرف لغة المعادن القديمة، دخلت أروى الممر الفاصل بين الجيشين فتتبعتها آلاف العيون، بعضها رآها خلاصا وبعضها رآها ابنة خيانة ينبغي أن تموت بعد انتهاء مهمتها.

تقدمت الملكة سيرانا من الشمال وشعرها الأبيض يتطاير حول تاجها البلوري، بينما أقبل الملك رادان من الجنوب مرتديا درعا قرمزيا تتصاعد الحرارة من مفاصله، وضعت سيرانا سيف الجليد فوق السندان فغطاه الصقيع في لحظة، ووضع رادان سيف النار إلى جواره فتوهج الحجر الأسود حتى ظهرت داخله عروق حمراء.

طلب الملك من أروى أن تدمجهما مقابل ما تشاء، فردت بأنها تطلب انسحاب الجيوش من الحدود، وفتح الطرق بين المملكتين، وإلغاء حكم الخيانة الصادر بحق والديها، اشتدت ملامح رادان، بينما بقي وجه سيرانا باردا كواجهة قصرها، واتهمته الملكة بأنها تساومهما والعالم ينهار، فأجابتها أروى أن العالم ينهار لأنهما لم يعرفا طوال حياتهما سوى المساومة بدم الآخرين.

انتشر الهمس بين الصفوف وتقدمت الأيدي نحو مقابض السيوف، لكن زئيرا قادما من الشمال قطع الجدال، ورأى الجميع الجبال البعيدة تختفي الواحدة تلو الأخرى داخل موجة من الظلام تتحرك نحوهم، فأعلن الحداد آسر أنه لم يعد لديهم حتى الغروب.

المعدن الذي يرفض الاتحاد

أشعل الحداد الموقد الكائن في قلب الجسر، لكنه لم يستخدم حطبا ولا فحما، بل وضع داخله حجرا أبيض من الشمال وحجرا أحمر من الجنوب، وطلب من أروى أن تقطر فوقهما من دمها، ما إن لامست القطرة الحجرين حتى اشتعلت نار زرقاء، وصعد منها صوت يشبه بكاء طفل بعيد.

أمسكت أروى بسيف النار بيدها اليمنى فلدغها المعدن حتى تصاعد الدخان من قفازها، ثم أمسكت بسيف الجليد بيسراها فتجمدت أصابعها وسمعت فرقعة الجلد تحت القماش، وضعت النصلين داخل النار الزرقاء فضربت موجة من الحرارة والبرد جسدها معا حتى شعرت بأن عظامها تتشقق من الداخل.

طرق الحداد المعدن فانفجرت شرارات حمراء وبيضاء، لكن السيفين ابتعدا عن بعضهما كما يتنافر عدوان قديمان، فأوضح آسر أن السيفين لا يرفضان الاتحاد بل يرفضان اليد التي تحاول إجبارهما، ولما صاح رادان مطالبا بضربة أقوى رد عليه الحداد بأن هذا ما فعلوه طوال سبعمائة عام، ولهذا وصل الوحش إلى أبوابهم.

طلب آسر من أروى أن تغلق عينيها وتستحضر ذكرى واحدة تجمع الجليد والنار دون أن يهزم أحدهما الآخر، فتذكرت أمها وهي تضع الأعشاب الباردة فوق جراح الجنود، وتذكرت أباها وهو يدفئ تلك الأصابع بين كفيه قرب الموقد، ورأت بيت طفولتها الصغير حيث الثلج يطرق النافذة والنار ترقص في الموقد وأمها تضحك بينما يروي أبوها قصة لا تتذكر نهايتها، وداخل اللهب الأزرق بدأ السيفان يلينان أخيرا.

غير أن صرخة عالية انطلقت من جيش الشمال، ثم سقط أحد الجنود على ركبتيه وانفصل ظله عن جسده ليمسك بعنقه، وتتابعت الصرخات وارتفعت الظلال من الأرض كجنود سود اندفعت نحو السندان، فوصل نيرغال قبل الغروب.

جيش بلا وجوه

تدفقت موجة الظلام فوق الجسر تبتلع الضوء تحتها، وكلما مرت بجندي انتزعت ظله وحولته إلى مخلوق طويل الأطراف بلا وجه ولا صوت، أمر رادان رجاله بإشعال سهام الزيت فانطلقت مئات الشعلات كأسراب شهب حمراء، لكنها انطفأت لحظة دخولها قلب السواد.

رفعت سيرانا عصاها فتجمدت أرض الجسر واندفعت منها رماح جليدية اخترقت أجساد مخلوقات الظل، غير أن الثقوب أغلقت نفسها وكأنها لم تكن، صرخ آسر في أروى محذرا إياها ألا تخرج النصلين من النار مهما سمعت أو رأت، ثم اندفع نحو أول مخلوق وصل إلى السندان فضربه في صدره فانفجر كسحابة حبر.

لكن ثلاثة ظلال أخرى أحاطت بالحداد، واخترقت مخالبها درعه وجلده ثم رفعته عن الأرض، رأت أروى الدم يسيل من فمه، ورأت المخلوقات تمزق جسده أمامها، لكن قبضتيها بقيتا حول السيفين داخل الموقد، وقبل أن يموت أشار آسر إلى قلبها لا إلى النار.

اقتربت موجة الظلام وتراجع الجيشان نحو منتصف الجسر حتى اختلطت صفوفهما للمرة الأولى، فوقف جنود الشمال خلف تروس الجنوب، وأشعل جنود النار مشاعلهم ليحموا رماة الجليد، لم تصدر الأوامر من ملك أو ملكة، بل فرض الخوف تعاونا عجزت عنه المعاهدات طوال قرون.

الصوت الذي ارتدى وجه أمها

ارتفع عمود أسود أمام أروى ثم انحنى وتشكل ببطء، حتى ظهر وجه امرأة شاحبة ذات شعر فضي وعينين تعرفهما المحاربة جيدا، فتجمد نفس أروى في صدرها، قالت الصورة بصوت أمها إنها تريد منها أن تترك السيفين، فاهتزت أصابعها وبدأ نصل الجليد ينسحب من النار، وأضافت الصورة أنهما هما من قتلوهما وهم من تركوها وحيدة، فلماذا تموت لتنقذهم.

ظهرت إلى جانب الأم صورة الأب مرتديا الدرع نفسه الذي أعدم فيه وعلى عنقه أثر الحبل، وطلب منها أن تدع الظل يأخذهم لأن هذه عدالة تأخرت كثيرا، تراجعت النار الزرقاء وبدأ السيفان يتصلبان قبل اكتمال اتحادهما.

نظرت أروى إلى الملكة سيرانا فرأت في عينيها خوفا حاول التاج إخفاءه، ثم نظرت إلى الملك رادان فرأت رجلا عجوزا يرتجف داخل درع شديد اللمعان، وأدركت أنهما كانا يستحقان الحساب وربما السقوط، لكن الجنود خلفهما لم يكونوا من قتل والديها، والأطفال في المدن لم يختاروا الحروب التي ورثوها.

أغمضت أروى عينيها وقالت للصورتين إن أمها لم تطلب منها الانتقام، وأباها لم يعلمها أن تترك الأبرياء يموتون، فتحت عينيها فاختفى الوجهان، وظهر خلفهما رأس ضخم بلا ملامح سوى فم يمتد من جانب إلى آخر، سألها نيرغال إذن أن تختارهم بدلا منه، فأجابته أنها لا تختارهم، بل تختار ما يمكن أن يصبحوا عليه بعد أن ينتهي خوفهم منه، ثم دفعت السيفين أعمق داخل النار.

الثمن المخفي في النبوءة

ذاب النصلان أخيرا وامتزج المعدن الأبيض بالأحمر في السندان، لكن اللهب الأزرق انطفأ فجأة وبقيت الكتلة المعدنية باردة بلا شكل، تذكرت أروى إشارة الحداد الأخيرة إلى قلبها، وفهمت ما لم تقله النبوءة المكتوبة، فلم يكن دمها هو المفتاح، بل الشيء الذي جعل دم الشمال والجنوب حيا داخلها، كان على السيف الجديد أن يصاغ بإرادة لا تنتمي إلى مملكة، وإرادة كهذه لا تولد من الطاعة بل من التضحية.

وضعت أروى كفها فوق المعدن فالتصق بها كأنه جلد حي، وسرت حرارة هائلة في ذراعها اليمنى وبرودة قاتلة في ذراعها اليسرى، شاهدت خطوطا حمراء وبيضاء تصعد تحت جلدها نحو صدرها، وكلما اقتربت من قلبها تشكل النصل فوق السندان طويلا ومزدوج اللون، صرخت سيرانا محذرة إياها من أنه يلتهم حياتها، أما رادان فتقدم خطوة ثم توقف حين نظر إلى جنوده يسقطون واحدا بعد آخر.

قالت أروى بصوت متقطع إنها إن أرادا السيف فلن تصنعه وحدها، ومدت يدها نحو الحاكمين لا طلبا للمساعدة بل أمرا، اقتربت سيرانا أولا ونزعت قفازها ووضعت كفها فوق يد أروى فامتد الصقيع على ذراعها حتى شهقت من الألم، تردد رادان وكانت مخلوقات الظل على بعد خطوات من السندان، ثم خلع تاجه وألقاه أرضا ووضع يده فوق يديهما، فاندفعت النار من عروقه وامتزجت بالصقيع حتى اشتعل السندان كله بنور أبيض جعل الليل يتراجع للحظة.

وفي صفوف الجنود تقدم يامن ووضع سيفه على الأرض ووضع يده على كتف جندي من الشمال، فتبعه آخرون، وسرت بين الجيشين سلسلة بشرية طويلة تحمل الدفء والبرد والخوف والأمل نحو قلب الجسر، كان السيف يصاغ من قوة الجميع، لا من دم أروى وحدها.

ميلاد النصل الثالث

انفجر السندان بصوت دوى بين الجبال، وارتفع من شظاياه سيف لم يشبه أيا من السيفين القديمين، نصفه شفاف كجليد الفجر، ونصفه الآخر متوهج كجمر تحت الرماد، وبينهما خط ذهبي رفيع ينبض كما ينبض شريان حي، قبضت أروى على مقبضه فلم يحرقها ولم يجمدها، بل شعرت بدفء بيتها القديم وبرودة الثلج خلف نافذته في آن واحد.

حين لوحت به اندفعت من النصل دائرة من الضوء اجتاحت الجسر، فتلاشت مخلوقات الظل كالدخان تحت الريح، وعادت ظلال الجنود إلى أقدامهم، غير أن نيرغال لم يتراجع، بل تجمع السواد فوق الهوة حتى صار جسدا عملاقا يتجاوز ارتفاع الأبراج، له جناحان من دخان ومخالب تتدلى منها وجوه أهل القرى المختفين.

فتح الوحش فمه فاندفعت منه عاصفة أطفأت كل نار وجمدت كل ماء، وانشقت الحجارة تحت أقدام الواقفين، وقال داخل عقولهم إن ذلك النصل ليس سلاحا ضده بل هو بابه، توهج السيف في يد أروى بعنف وبدأ يجذب الظلام نحوه، فأدركت متأخرة أن جمع شظيتي القلب جعل نيرغال قادرا على استعادة جوهره كاملا، وأن السيف الجديد صار الوعاء الذي يحتاج إليه، ضحك الوحش وهو يخبرها أنها أحسنت صنعا إذ أعادت إليه قلبه، فاهتز الجسر تحت وقع صوته.

المعركة فوق الهاوية

اندفع نيرغال نحو السيف، وتحولت أطرافه إلى رماح سوداء اخترقت الجسر من حول أروى، فتطاير الحجر وسقط عشرات الجنود في الهوة، قفزت أروى بين الشقوق وضربت إحدى الرماح فانقسمت إلى نصف متجمد ونصف مشتعل قبل أن يتحولا إلى رماد.

هاجمها الوحش من كل اتجاه، لا بجسده وحده بل بذكرياتها، فظهر وجه أمها داخل السواد ثم وجه أبيها ثم وجهها هي طفلة تجلس وحيدة خارج بوابة الحصن، كل ضربة من السيف مزقت صورة، لكن كل صورة تركت خلفها وخزة ألم لا تقل حدة عن الجراح.

صاح يامن من خلفها محذرا أن قلبه داخل النصل، وأنه إذا أخذ السيف اكتمل جسده، فصرخت أروى وهي تتصدى لمخلب هائل أنها إذا كسرته انقسم القلب من جديد، كان عليها أن تجد طريقا ثالثا، طريقا لا يعيد الماضي ولا يسلم المستقبل للوحش.

نظرت إلى الخط الذهبي في منتصف السيف فرأته يزداد توهجا كلما اقترب جنود المملكتين من بعضهم، ويخفت كلما عادت الكراهية إلى وجوههم، وأدركت أن هذا الخط لم يكن جزءا من قلب نيرغال، بل شيئا جديدا ولد لحظة امتزجت إرادات الشمال والجنوب، قوة لم يعرفها الوحش من قبل، قوة الاتحاد الذي لا يمحو الاختلاف.

الضربة التي لم تستهدف القلب

ثبتت أروى قدميها في منتصف الجسر، ورفعت السيف أمام وجهها بينما انقض نيرغال عليها بجناحين ابتلعا السماء، كان الجنود يصرخون طالبين منها أن تضرب قلب الوحش، لكنها أدارت النصل في اللحظة الأخيرة وغرسته في أرض الجسر.

اندفعت النار داخل الحجر من جهة الجنوب، وامتد الجليد من جهة الشمال، ثم التقيا تحت أقدام الجيشين في شبكة هائلة من الخطوط الذهبية، اهتزت المملكتان كما لو أن الأرض استيقظت، وارتفع من القلاع والمدن والقرى ضوء خافت تشكل من كل موقد مشتعل وكل نافذة متجمدة وكل يد امتدت في تلك اللحظة لإنقاذ أخرى.

تراجع نيرغال وبدأ جسده يتمزق من الداخل، وصرخ قائلا إنه ولد من انقسامهم وأنهم لن يستطيعوا قتله ما داموا مختلفين، فنزعت أروى السيف من الأرض وأجابته أنهم لن يقتلوا اختلافهم كي يهزموه، بل سيقتلون خوفهم منه، ثم رفعت النصل نحو السماء، فانطلقت من السيف موجة ذهبية اخترقت صدر نيرغال، لا لتدمر القلب، بل لتفصل عنه الظلام المتراكم حوله عبر القرون.

تساقطت من جسد الوحش أصوات الحروب القديمة وصرخات المظلومين وأوامر الملوك وأكاذيب الكهنة، وكل كلمة استخدمت يوما لتجعل الشمال يخشى الجنوب والجنوب يكره الشمال، انكمش الجسد العملاق وتحول إلى كتلة سوداء صغيرة معلقة أمام أروى، ثم تشققت وانبعث منها ضوء أبيض خرجت منه ظلال أهل القرى المختفين، فعادت إليهم أجسادهم على أطراف الجسر يتنفسون كما لو أنهم استيقظوا من كابوس طويل.

أما قلب نيرغال فقد بقي داخل السيف، لكنه لم يعد ينبض بالغضب، بل صار معدنا صامتا محاطا بالخط الذهبي الذي صنعه اتحاد المملكتين، انتهى الوحش لا لأنه ذبح، بل لأن الشيء الذي كان يغذيه لم يعد موجودا.

العرش الذي انقسم إلى رماد وثلج

مع بزوغ الفجر وقف الملك رادان والملكة سيرانا في منتصف الجسر، وقد غطى الرماد تاجه وتشقق تاجها البلوري حتى سقط نصفه على الأرض، كانت الجيوش منهكة، لكن رجال الشمال والجنوب جلسوا جنبا إلى جنب يعالجون جراح بعضهم ويتقاسمون الماء والخبز دون أن يسأل أحدهم عن الراية التي يحملها الآخر.

رفعت أروى السيف الجديد فظن الجميع أنها ستقدمه إلى أحد الحاكمين، غير أنها غرسته في قلب الجسر حيث ظل واقفا بين المملكتين، ادعى رادان أن السيف من حقه لأن نصفه صيغ من فالور، فردت سيرانا أن نصفه الآخر من أزراك، لكن أروى نظرت إليهما وأعلنت أنه لهذا السبب بالذات لن يملكه أي منهما.

اقتربت من التاجين ورفعت تاج رادان من الرماد، ثم أخذت نصف تاج سيرانا المتشقق ووضعتهما معا عند قاعدة السيف، وقالت بصوت سمعه الجيشان إن من أراد حكم أرضين بسيف واحد فعليه أولا أن يتعلم كيف يعيش بلا سيف فوق عنقه، أعلن رادان أمام جنوده سحب جيشه من الحدود وفتح الممرات الجنوبية أمام تجار الشمال، بينما ألغت سيرانا أحكام الخيانة الصادرة في حروب الانقسام، وكان من بينها الحكم الذي لطخ اسم والدي أروى عشرين عاما كاملة.

لم يصبح الحاكمان صديقين في ذلك الصباح، ولم تختف الضغائن القديمة بلمسة سحرية، لكنهما وقعا أول عهد لا يقسم الأرض إلى غالب ومغلوب، أما جسر الرماد فقد تغير اسمه إلى جسر العهد، وأقيم حول السيف ميدان لا تدخله الجيوش، بل يأتي إليه أطفال المملكتين كل عام ليشاهدوا النصل الذي يجمع النار والجليد دون أن يطفئ أحدهما الآخر.

رفضت أروى العرش الذي عرضه عليها الطرفان، وعادت إلى حصنها الرمادي، لكنها لم تعد حارسة حدود تفصل بين شعبين، بل أصبحت حارسة طريق مفتوح يصل بينهما، وقبل رحيلها سألتها طفلة من الشمال كانت تمسك بيد صبي من الجنوب إن كان وحش الظل قد مات إلى الأبد.

انحنت أروى حتى صار وجهها قريبا من وجه الطفلة، ثم نظرت إلى السيف اللامع في منتصف الجسر، وقالت إن الوحوش التي تولد من الكراهية لا تموت مرة واحدة، لكنها تظل ضعيفة ما دام الناس يعرفون أين تختبئ، ثم نهضت وسارت نحو شروق الشمس، بينما ذاب الثلج على جانب الطريق وهدأت النار في الجانب الآخر، والتقى البخار الصاعد منهما فوق الجسر كغيمة بيضاء جديدة.

لم يكن أعظم ما صنعته أروى سيفا جمع بين عنصرين متناقضين، بل كان لحظة أدرك فيها شعبان أن الاختلاف لا يتحول إلى لعنة إلا حين يستخدم جدارا، وأن القوة التي تنشأ من محو الآخر لا تخلف سوى ظل ينتظر فرصة للعودة، فالنار بلا جليد تلتهم كل ما حولها، والجليد بلا دفء يحفظ الأشياء ميتة إلى الأبد، أما حين يعرف كل منهما حدوده وقيمة الآخر، فيولد بينهما نور لا تستطيع أكثر الوحوش ظلمة أن تبتلعه.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.