رواية الخيميائي الأخير الذي حوّل أحزان مدينته إلى ذهب وسرق منها إنسانيتها

الراوي
0

في الليلة التي أمطرت فيها السماء رماداً ذهبياً، لم يصرخ أحد في مدينة أورفال.

خرج الناس من بيوتهم، رفعوا وجوههم إلى الغيوم، وتركوا الحبيبات اللامعة تستقر على رموشهم وألسنتهم وراحات أيديهم، لكن الدهشة لم تُشعل في أعينهم بريقاً، والخوف لم يدفعهم إلى الاحتماء تحت السقوف؛ كانوا يتأملون المعجزة بوجوه ساكنة، كما يتأمل الموتى نافذةً فُتحت في جدار قبر.

وحده رجل عجوز كان يركض في الأزقة، يضرب الأبواب بقبضتيه الملطختين بالسخام، ويصيح بصوت تمزقه الأنفاس:

ابكوا، أرجوكم، حاولوا أن تبكوا قبل أن ينتهي كل شيء!

كان اسمه قيصر فالين، آخر الخيميائيين، والرجل الذي أغرق مدينته بالذهب حتى لم يبق في قلبها شيء يستحق الشراء.

حكاية الخيميائي الأخير قصة العالم الذي حوّل أحزان مدينته إلى ذهب وسرق منها إنسانيتها

المدينة التي كانت تعرف كيف تحزن

قبل أن يغدو الصمت قانوناً غير مكتوب، كانت أورفال مدينةً تضج بالمشاعر كما تضج الموانئ بأصوات البحارة والسلاسل والنوارس؛ في أسواقها يتشاجر الباعة ثم يتعانقون، وفي شرفاتها تغني النساء للغائبين، وتحت أشجار السرو يجلس العشاق ليقسموا أن الزمن لن يفرق بينهم.

كانت المدينة مبنية من حجر رمادي يمتص ضوء النهار، غير أن نوافذها الملونة كانت تقذف على الطرقات بقعاً حمراء وزرقاء وخضراء، حتى بدا المار فيها كأنه يعبر حلماً مصنوعاً من الزجاج.

في قلب أورفال ارتفعت ساعة نحاسية هائلة، يقال إن مؤسس المدينة صنعها كي تذكّر الناس بأن كل لحظة لا تُعاش بمحبة تصبح ديناً في عنق المستقبل.

عند الغروب، كانت الساعة تدق سبع دقات، فتغلق المتاجر أبوابها، وتتصاعد من المنازل روائح الخبز المحمص والقرفة والحساء، وتعود المدينة إلى أحضان سكانها كما يعود طفل متعب إلى صدر أمه.

أما في الطرف الشمالي، خلف سور تغطيه اللبلابة السوداء، فكان يقوم منزل قيصر فالين؛ بناء طويل ضيق النوافذ، تتدلى من مداخنه أبخرة زرقاء، وتبقى أضواؤه مشتعلة حتى بعد أن تخمد نجوم الفجر.

الرجل الذي كره الدموع

لم يولد قيصر مولعاً بالذهب، بل وُلد خائفاً من الحزن.

حين كان في التاسعة، شاهد الطاعون يأخذ أمه خلال ثلاثة أيام؛ رآها تضم يده بقبضة تزداد برودة، وتخبره أن الألم لا ينبغي أن يُكره، لأنه آخر دليل يتركه الحب حين يرحل أصحابه.

لكنه لم يفهم كلماتها، ولم يغفر للحزن أنه جعل والده ينحني فوق قبرها كغصن مكسور، ثم دفعه بعد أشهر إلى إلقاء نفسه في النهر.

ومنذ ذلك اليوم، ترسخت في صدر قيصر قناعة مظلمة، الحزن مرض، والدموع هزيمة، والقلب آلة فاسدة ينبغي إصلاحها لا الإصغاء إليها.

كبر الصبي بين الكتب القديمة، وتعلم الطب والفلك والكيمياء، ثم انصرف إلى النصوص المحرمة التي تركها خيميائيو العصور الأولى؛ كتب مكتوبة بمداد أحمر، ومجلدات جلدية تفوح منها رائحة التراب والرطوبة، ورسوم لقلوب بشرية تتصل بأنابيب وأفران.

كان معلمه، الشيخ أوربان، يحذره كلما رآه يقلب تلك الصفحات:

الخيمياء لا تمنح شيئاً بلا ثمن يا قيصر، وما يبدو لك تحولاً في المادة قد يكون اقتطاعاً من الروح.

فيجيبه قيصر، وعيناه معلقتان بمعادلات الذهب:

كل شيء له ثمن، لكن الحمقى وحدهم يدفعونه من دون أن يعرفوا ما اشتروا.

مات أوربان بعد سنوات، تاركاً لتلميذه مفتاحاً فضياً صغيراً، ورسالة لم يفتحها قيصر قط؛ وضعها في درج مختبره، ثم أغلق عليها كما أغلق على كل صوت حاول أن يعوقه عن حلمه.

قطرة الحزن الأولى

بدأت التجربة في شتاء شديد القسوة، حين كانت الرياح تضرب نوافذ أورفال كأظافر امرأة ثكلى، وتجمد المياه في الآبار قبل أن تبلغ الدلاء قاعها.

جلس قيصر في مختبره تحت قبة زجاجية سودها الدخان، تحيط به قوارير تضم سوائل متوهجة، وأوعية فضية تنبض داخلها كتل داكنة تشبه الأعضاء الحية.

في وسط الغرفة انتصب جهاز غريب أسماه ميزان أوريوس؛ أنابيب نحاسية ملتوية تحيط بمقعد خشبي، وتتصل بوعاء بلوري موضوع فوق موقد ذي لهب أخضر.

كان قيصر يؤمن بأن المشاعر ليست إلا صوراً خفية للطاقة، وأن الحزن أكثرها كثافةً وصفاء؛ فهو يضغط الروح كما يضغط باطن الأرض الفحم حتى يصير ألماساً.

احتاج فقط إلى شخص حزين بما يكفي.

الأرملة وصوت العملة

وجد ضالته في امرأة تدعى مارا، كانت قد فقدت زوجها وطفليها حين انهار منجم الملح الشرقي، ولم يبق لها سوى كوخ بارد وصندوق خشبي يحتفظ بثلاثة قمصان صغيرة.

زارها قيصر عند المساء، فوجدها جالسةً إلى مائدة خالية، تمرر أصابعها فوق خدش قديم أحدثه أحد أطفالها في الخشب.

قال لها إن لديه علاجاً يخفف وطأة الفقد، وإن التجربة لن تستغرق أكثر من ساعة، ووضع أمامها كيساً من النقود يكفي لإطعامها عاماً.

لم تسأله عن طبيعة العلاج؛ كانت عيناها حمراوين من كثرة البكاء، وصوتها متيبساً كقماش تُرك طويلاً في الشمس.

جلست مارا على المقعد، وأحكم قيصر حول معصميها حلقتين من النحاس، ثم طلب منها أن تتذكر آخر صباح جمعها بأسرتها.

في البداية، لم يحدث شيء سوى ارتعاش خفيف في الزجاج، لكن حين همست المرأة باسم طفلها الأصغر، انطلقت من صدرها شهقة عميقة، واندفع داخل الأنابيب ضباب أسود كالمداد.

ارتفع الضباب نحو الوعاء البلوري، دار فوق اللهب الأخضر، ثم انكمش حتى تحول إلى قطرة براقة سقطت على صفيحة باردة.

رنّ صوت معدني صغير في المختبر.

أمسك قيصر القطعة بملقط، فارتجفت يداه؛ كانت حبة ذهب خالص، دافئة كأنها انتُزعت لتوها من قلب الأرض.

رفع رأسه نحو مارا، متوقعاً أن يراها منهكة أو مذعورة، لكنه وجدها تنظر إلى القمصان الصغيرة الموضوعة في حجرها بلا دمعة واحدة.

سألها بحذر:

هل تشعرين بالألم؟

تأملت الأقمشة طويلاً، ثم قالت بنبرة محايدة:

أعرف أنني فقدتهم، لكنني لا أفهم لماذا كان ذلك يؤلمني.

كانت تلك العبارة أول جرس إنذار، غير أن لمعان الذهب كان أعلى صوتاً.

حين صارت الأحزان منجماً

لم يحتفظ قيصر باكتشافه طويلاً.

عرض على مجلس المدينة سبيكة صغيرة، وأخبرهم أنه يستطيع صناعة الذهب من مادة لا تنفد، من دون حفر المناجم أو إرسال الرجال إلى باطن الجبال.

سأله رئيس المجلس، اللورد سافار، وهو رجل ممتلئ الأصابع تفوح ثيابه من العطور الثقيلة:

وما تلك المادة التي لا تنفد؟

ابتسم قيصر، وأجاب:

ما يحمله كل إنسان ولا يرغب في الاحتفاظ به.

لم يهتم المجلس بالتفاصيل؛ كانت خزائن أورفال قد فرغت بعد سنوات الجفاف والحروب التجارية، وكان الذهب قادراً على شراء القمح والسلاح والنفوذ.

حصل قيصر على مبنى المحكمة القديمة، وحوّله إلى دار واسعة للعلاج؛ عُلقت فوق بوابتها لافتة كتب عليها، هنا ينتهي الألم.

طوابير أمام أبواب الخلاص

في الأسابيع الأولى، جاء المرضى طوعاً.

جاءت الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، والجنود الذين تلاحقهم وجوه قتلاهم، والعشاق الذين مزقهم الهجر، والفقراء الذين أكل العجز أعمارهم ببطء.

كان كل واحد منهم يجلس على مقعد أوريوس، يستعيد جرحه الأعمق، ثم يخرج أخف روحاً وأبرد نظرة، بينما تسقط في خزائن المدينة قطعة ذهب جديدة.

انتشرت الحكايات في الأزقة، مارا لم تعد تبكي، الجندي رافان صار ينام بلا كوابيس، الخباز العجوز توقف عن زيارة قبر زوجته كل صباح.

قال الناس إن قيصر هزم الألم، وإن أورفال دخلت عصراً لا مكان فيه للدموع.

لكن أحداً لم ينتبه إلى أن مارا لم تعد تزور قبر طفليها أيضاً، وأن رافان صار يذبح الدجاج في السوق مستمتعاً بارتعاشه، وأن الخباز أحرق صورة زوجته لأنها تشغل حيزاً على الجدار.

كانت الآلة لا تقتلع الذكرى، بل تقطع الخيط العاطفي الذي يصلها بالقلب؛ يبقى الاسم والصوت والوجه، غير أنها تتحول إلى حقائق باردة، كتواريخ معارك وقعت في بلاد بعيدة.

أول مدينة بلا فقراء

تدفقت سبائك الذهب حتى ضاقت بها الخزائن.

اشترت أورفال حقول القمح المحيطة، وسددت ديونها، ورصفت شوارعها بالرخام الأبيض، وأقامت تماثيل لقيصر في الساحات، يظهر فيها واقفاً فوق وحش ذي وجه باكٍ.

توافد التجار والملوك والسفراء، وارتفعت أسعار البيوت، وتزينت القصور بالمرايا الشرقية والحرير والفضة، حتى صار اسم المدينة مرادفاً للثراء في خرائط العالم.

لم يعد هناك متسولون، لأن مجلس المدينة دفع لكل فقير مقابل أن يمنح الآلة أعواماً من الإهانة والجوع.

ولم يعد هناك سجناء غاضبون، لأن القضاة وجدوا أن استخراج ألمهم أكثر ربحاً من إطعامهم خلف القضبان.

ثم أصدر سافار قانوناً يُلزم كل أسرة بدفع ضريبة وجدانية مرتين في العام، بحجة أن الحزن مورد وطني لا يجوز احتكاره داخل الصدور.

كان الجنود يطرقون الأبواب حاملين سجلات سوداء، ويسألون السكان عمّن مات، ومن خان، ومن أُصيب، ومن فقد الأمل، ثم يقودون أصحاب الجراح الأعمق إلى مقاعد أوريوس.

احتج قيصر أول الأمر قائلاً إن التجربة يجب أن تكون اختيارية، لكن سافار وضع أمامه سجلاً لأرباح العام، ولمس بأصبعه الرقم الأخير.

أيمكن لرجل عاقل أن يوقف معجزة كهذه بسبب بعض الدموع؟

نظر قيصر إلى الرقم طويلاً، ثم وقّع أمر التوسعة.

الطفلة التي احتفظت بحزنها

بعد سبع سنوات، لم تعد أورفال تشبه نفسها.

اختفت الأغاني من الشرفات، لأن الأغنيات تحتاج إلى شوق، وتوقفت المشاجرات في الأسواق، لأن الغضب كان يُستخرج فور ظهوره، وصار الناس يتزوجون بعقود دقيقة تحدد النفقات والمنافع وموعد الانفصال المتوقع.

كانت الجنازات تمر في الشوارع بهدوء إداري؛ أربعة رجال يحملون النعش، وكاتب يسجل اسم الميت، وأقارب يسيرون خلفه وهم يتحدثون عن الميراث.

حتى الأطفال تغيروا؛ إذا سقط أحدهم، نهض بلا بكاء، وإذا ضاع منه لعبه لم يبحث عنها طويلاً، وإذا مات حيوانه الأليف طلب بديلاً يشبهه في اللون والحجم.

ومع ذلك، بقيت طفلة واحدة تبكي.

كان اسمها ليورا، في الثانية عشرة، ذات شعر أسود كثيف وعينين بلون العسل المحروق، تعيش مع جدها صانع الساعات في زقاق خلف البرج النحاسي.

الدموع المحرمة

مات جد ليورا في ليلة عاصفة، حين توقف قلبه بين دقتين من دقات الساعة التي أفنى حياته في إصلاحها.

وجدها رجال الضريبة جالسة قرب جسده، تضم يده الباردة إلى خدها، وتبكي بصوت مسموع حتى تجمع الجيران عند الباب، ينظرون إليها كما ينظر المرء إلى مخلوق انقرض منذ زمن.

قال قائد الجنود:

ينبغي اصطحابها إلى دار العلاج.

صرخت ليورا، وغرست أظافرها في الأرض الخشبية، لكنهم حملوها بالقوة، بينما كان الجيران يراقبون بلا شفقة ولا اعتراض.

وصلت إلى المختبر عند منتصف الليل، وما إن رآها قيصر حتى شعر باضطراب غريب؛ لم يكن بكاؤها كالبكاء الذي عرفه في بداية تجاربه، بل كان حياً وحاراً، يحمل حباً أكبر من الفقد نفسه.

جلست أمامه مكبلة، وسألته:

هل ستجعلني أنسى جدي؟

أجاب وهو يضبط الأنابيب:

لن تنسيه، لكن ذكراه لن تؤلمك.

رفعت عينيها إليه، وكانت الدموع ترتجف على رموشها كقطرات مطر علقت بأغصان محترقة.

إن أخذت ألمي، فماذا سيبقى من محبتي له؟

توقف قيصر، وبقيت يده معلقة فوق الذراع النحاسية.

كان السؤال بسيطاً، لكنه دخل صدره كإبرة وصلت إلى موضع دفنه منذ طفولته.

قال محاولاً استعادة صلابته:

الحب لا يحتاج إلى الألم كي يثبت وجوده.

هزت ليورا رأسها ببطء.

لكنه يحتاج إلى قلب يتألم حين يفقد ما يحب.

السر المختبئ في رسالة قديمة

رفض قيصر إجراء التجربة على الطفلة، وأمر الجنود بتركها، مدعياً أن حزنها غير ناضج وقد يفسد الناتج.

غادر الرجال متذمرين، لكن ليورا لم تتحرك نحو الباب؛ راحت تتأمل رفوف المختبر، حتى وقعت عيناها على درج خشبي خرجت من شقه حافة ورقة صفراء.

سألت:

ما هذه الرسالة؟

عرف قيصر خط معلمه أوربان قبل أن يفتح الدرج، وشعر بالخجل لأنه تذكر الرسالة الآن فقط، بعد أن صارت مدينته أغنى من الممالك وأفقر من قلب يتيم.

كسر الختم، فانبعثت من الورقة رائحة الأعشاب اليابسة، وقرأ تحت ضوء المصابيح المرتجفة:

يا قيصر، إن وصلتَ إلى تحويل المشاعر إلى معدن، فتذكر أن المادة لا تُخلق من العدم.

كل ذرة ذهب ستصنعها لن تكون حزنًا متجمداً، بل جزءاً من القدرة الإنسانية على الشعور.

وحين يُنتزع الحزن وحده، تتشقق بقية المشاعر تباعاً؛ لأن القلب لا يملك أبواباً منفصلة، بل بيتاً واحداً.

ارتعشت أصابعه، لكنه تابع القراءة:

سيأتي يوم يبلغ فيه المعدن حد الإشباع، وعندها يعود ما سُلب من الناس دفعةً واحدة، لا إلى أصحابه، بل إلى الذهب نفسه.

ستصبح المدينة سجناً من ذاكرة وألم، ولن يوقف الانهيار إلا إعادة المعدن إلى أصل بشري قادر على حمله.

في نهاية الرسالة، رسم أوربان دائرة تحيط بقلب، وكتب تحتها، لا يعيد الإحساس إلا من احتفظ بحزنه طوعاً، ولا يفتح الطريق إلا صانع الخطيئة.

رفعت ليورا نظرها إلى قيصر.

ماذا يعني هذا؟

لم يجب؛ كان يسمع صوتاً آخر تحت أرض المختبر، خافتاً في البداية، ثم واضحاً كنبض عملاق.

خرج الصوت من الخزائن.

كان الذهب يخفق.

ليلة استيقاظ السبائك

قبل الفجر بقليل، بدأت الكارثة.

تشققت جدران خزائن المدينة، وانسابت السبائك من الرفوف كما تنساب الحمم، لا منصهرة ولا صلبة، بل في هيئة معدن حي يتحرك ببطء ويصدر أنيناً بشرياً متداخلاً.

في القصور، ارتعشت الحلي حول أعناق النساء، وراحت الخواتم تضيق على الأصابع، بينما خرجت من العملات أصوات أطفال ينادون أمهاتهم، وجنود يستغيثون، وعشاق يتوسلون ألا يُتركوا.

كل قطعة ذهب صنعتها آلة أوريوس كانت تحمل صدى الحزن الذي وُلدت منه، وقد بلغ المعدن حد الإشباع، فلم يعد قادراً على الصمت.

خرج الناس إلى الشوارع، ورأوا الذهب يزحف على الرخام ويتسلق الجدران ويغطي التماثيل، بينما كانت الغيوم تمطر رماداً لامعاً.

ومع ذلك، لم يشعروا بالخوف.

كانوا يراقبون سقوط مدينتهم بوجوه خالية، لأن قيصر لم يسرق حزنهم وحده؛ على مدى السنوات، تآكلت قدرتهم على الرحمة والفرح والذعر والمحبة، حتى صاروا أجساداً تحفظ الذكريات ولا تسكنها الأرواح.

الثروة التي طالبت بثمنها

وصل سافار إلى المختبر مرتدياً عباءة مطرزة بخيوط الذهب، ووجهه جامد على الرغم من المعدن الذي التف حول كاحليه.

قال لقيصر:

أوقف هذا.

لا أستطيع إيقافه.

إذن اصنع آلة أكبر، أو استخرج المزيد من الناس، أو افعل أي شيء.

أشار قيصر إلى الشوارع خلف النافذة، حيث كان الذهب يغمر الساحة مثل بحر أصفر.

لم يبق فيهم شيء نستخرجه.

أمسك سافار بياقته، لكن قبضته كانت بلا غضب، وحركته أشبه بإجراء حسابي.

أنت صنعت هذه الثروة، وهي ملك المدينة.

نظر قيصر إلى وجهه الساكن، وفهم أخيراً أن الرجل الذي دفعه إلى مضاعفة التجارب لم يعد جشعاً؛ فالجشع رغبة، والرغبة شعور، أما سافار فلم يعد يملك سوى عادة جمع الذهب، كما تدور الساعة بعد موت صانعها.

فجأةً، انشقت الأرض تحت قدميه، وارتفع منها عمود ذهبي ابتلع جسده في لحظة.

ظل وجه سافار ظاهراً داخل المعدن، جامداً بلا فزع، حتى غطاه اللمعان تماماً وحوله إلى تمثال أجوف.

قلب الآلة

قاد قيصر ليورا إلى القاعة السفلى، حيث كان جهاز أوريوس الأول قائماً وسط دوائر محفورة في الأرض.

شرحت رسالة أوربان أن الحزن المسروق يمكن إعادته، لكن الذهب كله يجب أن يُصهر في قلب الآلة، وأن يمر عبر جسد شخص احتفظ بقدرته الكاملة على الإحساس.

قال قيصر:

أنت الوحيدة التي ما زالت تبكي، ولهذا يمكن أن تعيدي للمدينة ما فقدته.

تراجعت ليورا، وشحب وجهها.

وماذا سيحدث لي؟

نظر إلى الأنابيب، وإلى الكرسي الذي جلس عليه آلاف البشر، وعرف أن الكذب أمام طفلة في نهاية العالم سيكون خطيئة تافهة فوق جبل خطاياه.

ستمر أحزان المدينة كلها عبر قلبك.

قد تنجين، وقد يتحطم قلبك قبل اكتمال التحول.

اقترب هدير الذهب من القاعة، وبدأ السقف يتساقط في شظايا حجرية.

قالت ليورا:

ولماذا يجب أن أدفع أنا ثمن ما فعلته أنت؟

لم يجد قيصر جواباً.

كانت تلك هي الحقيقة التي تهرب منها طوال حياته؛ اخترع آلة كي يمنع البشر من دفع ثمن الحب، ثم انتهى به الأمر مطالباً طفلةً بريئة بدفع ثمن غروره.

نظر إلى الدائرة المرسومة في رسالة أوربان، وقرأ العبارة مرة أخرى، لا يفتح الطريق إلا صانع الخطيئة.

عندها فهم.

الاعتراف الذي تأخر سبع سنوات

جلس قيصر على المقعد الخشبي، وأغلق القيود النحاسية حول معصميه.

قال لليورا:

لن تحملي الألم وحدك.

سأكون البوابة، وستكونين أنت المرساة التي تعيد المشاعر إلى أصحابها.

قد تموت.

ابتسم لأول مرة من دون كبرياء.

لقد عشت طويلاً كما لو كنت ميتاً، وليس في موتي الآن خسارة تساوي خسارة دمعة واحدة أخرى.

طلب منها أن تقف داخل الدائرة الخارجية، وأن تضع كفيها على اللوح البلوري حين يبدأ تدفق المعدن.

ثم سحب الذراع الرئيسية.

دوّى المختبر كأن جبلاً انشق في جوفه، واندفعت أنهار الذهب من الشوارع والخزائن والقصور، عبر الأنفاق النحاسية، نحو قلب الآلة.

بدأ المعدن يذوب، وتصاعد منه بخار أسود يحمل ملايين الأصوات.

رأى قيصر أحزان المدينة كلها.

رأى مارا تعثر على خوذة زوجها بين أنقاض المنجم، ورأى الجندي رافان يطعن فتىً في ساحة معركة ثم يكتشف أنه أخوه الأصغر، ورأى الخباز يمسك يد زوجته وهي تلفظ أنفاسها.

رأى أطفالاً جائعين، وأمهات ينتظرن أبناءً لن يعودوا، وعشاقاً يُغلق بينهم الباب الأخير، وشيوخاً يموتون بلا يد تمسك أيديهم.

لم تكن الأحزان صوراً تمر أمامه، بل سكاكين تدخل جسده واحدة بعد أخرى؛ امتلأت رئتاه بصراخ الغرباء، وانكسرت عظامه تحت ثقل الفقد، وانفجرت أوعية دموية في عينيه.

صرخ، لا طلباً للنجاة، بل لأن الألم كان أكبر من أن يسكن جسداً واحداً صامتاً.

أما ليورا، فكانت تبكي داخل الدائرة، وتردد أسماء من تحبهم كي لا يبتلعها حزن الآخرين.

جدي ألدان، أمي سيرا، أبي يونان، أنا ليورا، أنا ما زلت هنا.

كان صوتها خيطاً رفيعاً في عاصفة، لكنه أبقى الآلة متوازنة.

دمعة الخيميائي

تحول الذهب الذائب داخل الوعاء العظيم إلى سائل أسود، ثم أخذ يصعد في الأنابيب على هيئة ضوء أحمر يشبه الدم حين تخترقه الشمس.

لكن الآلة توقفت قبل اكتمال الدورة.

ظهرت على اللوح البلوري كلمات قديمة:

المعادلة ناقصة، لا يمكن إعادة ما لم يعترف السارق بما سرق من نفسه.

عرف قيصر أن الأمر لا يتعلق بأحزان المدينة، بل بالحزن الأول الذي قضى حياته هارباً منه.

أغمض عينيه، وعاد إلى الغرفة الصغيرة التي ماتت فيها أمه، إلى أصابعها الباردة وهي تتمسك بيده، وإلى صوتها الهامس بأن الألم أثر الحب الأخير.

رأى والده يمشي نحو النهر، وسمع وقع خطواته فوق الجسر، وتذكر أنه لم يركض خلفه؛ ظل واقفاً خلف النافذة، غاضباً من ضعفه، بينما ابتلع الضباب جسده.

همس قيصر:

لم أكره الحزن، كنت خائفاً أن أشعر بأنني تُركت وحدي.

انكسرت العبارة داخله، وخرجت من عينيه دمعة واحدة.

كانت أول دمعة يذرفها منذ ستين عاماً.

سقطت على اللوح البلوري، فتحولت إلى نقطة ضوء شديدة الصفاء، ثم انفجرت الآلة في موجة لم تكن ناراً ولا ريحاً.

عبرت الموجة المدينة كلها.

في اللحظة نفسها، شهقت مارا في منزلها وسقطت على ركبتيها، إذ عادت إليها رائحة شعر طفليها وضحكتهما وثقل غيابهما؛ راحت تبكي حتى ابتلت الأرض تحتها، لكنها ضمت القمصان الصغيرة إلى صدرها كما لو أنها تستعيد أبناءها للحظة.

وفي السوق، ارتجف رافان حين رأى السكين في يده، وتذكر كل جسد جرحه، فألقاها وراح يصرخ طالباً الصفح من وجوه لم تعد موجودة.

وفي المقابر، وصل الناس راكضين إلى قبور أحبابهم، بعضهم يعانق الحجارة، وبعضهم يعتذر، وبعضهم يضحك ويبكي في آن واحد لأن القلوب حين تستيقظ لا تعرف كيف ترتب ضيوفها.

عادت المشاعر إلى أورفال كفيضان الربيع؛ عاد الخوف والندم والغضب، لكن عاد معها الحنان والفرح والدهشة والرحمة.

وذاب الذهب كله.

تساقطت القصور المزينة به، وانمحت العملات من الخزائن، وتحولت التماثيل إلى غبار أصفر حملته الرياح بعيداً، حتى لم يبق من ثروة المدينة سوى حلقة نحاسية صغيرة حول معصم قيصر.

حين فتحت ليورا عينيها، وجدت المختبر نصف مدمر، وقيصر ساكناً فوق المقعد.

اقتربت منه ووضعت أصابعها على عنقه، فلم تجد نبضاً.

لكن على وجهه كانت تستقر ابتسامة هادئة، وفي تجويف عينه بقايا دمعة لم تجف بعد.

المدينة التي تعلمت البكاء من جديد

احتاجت أورفال أعواماً كي تنهض من خرابها.

عادت فقيرة، وأُغلقت طرق التجارة، وتصدعت قصورها الرخامية، واضطر سكانها إلى زراعة أراضيهم وإصلاح بيوتهم بأيديهم.

غير أن النوافذ الملونة عادت تقذف بقعها على الطرقات، وعادت الأغنيات إلى الشرفات، وعاد الباعة يتشاجرون في الصباح ثم يتقاسمون الخبز عند المساء.

أعاد الناس دفن موتاهم في جنازات حقيقية، فيها بكاء وعناق وارتجاف، ولم يعد أحد يخجل من الدموع أو يصفها بالضعف.

أما مبنى المختبر، فلم يهدموه.

حولته ليورا، حين كبرت، إلى دار لتعليم الطب والفلسفة، وكتبت فوق بابه عبارة لم يفهمها الأطفال أول مرة، لكنهم كانوا يفهمونها حين يكبرون:

لا تشفِ القلب بأن تقتلع منه ما يجعله قلباً.

وضعت في القاعة الرئيسية المقعد الخشبي القديم، وإلى جواره آخر ما بقي من تجربة قيصر، حبة ذهب صغيرة عُثر عليها تحت جسده، لا يزيد حجمها على قطرة ماء.

لم يسمح أحد ببيعها أو صهرها.

كانت معتمة في معظم الأيام، لكنها تلمع كلما دخل شخص حزين إلى القاعة، كأنها تذكر أهل أورفال بأن الألم الذي يُحتضن يتحول إلى حكمة، أما الألم الذي يُدفن بالقوة فقد يعود يوماً في صورة لعنة.

لم يكن خطأ قيصر أنه أراد تخفيف عذاب البشر، بل أنه ظن أن الإنسان يمكن أن يحتفظ بنوره بعد اقتلاع ظلاله؛ فالقلب لا يختار ما يشعر به كما يختار التاجر بضاعته، ولا يستطيع أن يغلق باب الحزن من دون أن يحبس خلفه المحبة.

لقد خسر أهل أورفال ذهبهم حين استعادوا دموعهم، لكنهم اكتشفوا أن المدينة التي تعرف كيف تحزن تستطيع أن ترحم، وأن من يسمح لقلبه بالانكسار لا يصبح أضعف بالضرورة، بل قد تتسلل من شقوقه إنسانية لم يكن لها طريق آخر إلى الداخل, قصة الباب المغلق حكاية مذكرات زوج راحل أعادت أرملته إلى الحياة من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد