تصفيق يخفي مقعدا فارغا، عندما انطفأت الشاشات المعلقة في قاعة الاحتفالات، ظل وجه أدهم السيوفي مضيئا عليها لثوان إضافية، محتفظا بتلك الابتسامة الرسمية التي تدرب عليها طويلا أمام المرايا والصحفيين ومجالس الإدارة، بينما جلس الرجل الحقيقي في الصف الأول يراقب نسخة منه تحصد تصفيق القاعة.
كان أدهم قد بلغ الخامسة والستين في ذلك الصباح، وفي المساء سلمه مجلس الإدارة درعا زجاجيا نقشت عليه عبارة إلى الرجل الذي صنع المستحيل، ثم وقف مئات الموظفين يصفقون له بحرارة حتى خيل إليه أن سقف الفندق يرتجف فوق رؤوسهم، لكن وسط كل ذلك الاحتفاء بقي شيء واحد لا يستطيع تجاهله.
كان المقعد المجاور له فارغا، وفوقه بطاقة صغيرة كتبت عليها كلمة واحدة بخط أنيق، العائلة.
عندما انتهت الخطب والكلمات المنمقة، اقترب منه مساعده سامر، يحمل هاتفه وملفا جلديا كما اعتاد طوال عشرين عاما، ثم انحنى قليلا وأخبره أن السيارة تنتظره عند المدخل الخلفي.
حدق أدهم في الملف قبل أن يرفع عينيه إلى سامر، ثم سأله بصوت خافت إن كان لديه أي اجتماعات في اليوم التالي، فتردد سامر لحظة قبل أن يخبره بأنه لا توجد اجتماعات غدا ولا بعد غد.
هبطت العبارة بينهما باردة وثقيلة، ولم يدرك أدهم معناها كاملا إلا عندما غادر القاعة وابتلع المصعد آخر أصوات المهنئين، فقد انتهت الاجتماعات التي رتبت حياته لعقود، ولم يعد هناك جدول مزدحم ينتظره في الصباح.
في السيارة، خلع ربطة عنقه للمرة الأولى قبل أن يصل إلى المنزل، ووضع درع التكريم إلى جواره، وكانت أضواء الشوارع تنعكس فوق الزجاج فتحطم بصريا العبارة المنقوشة عليه، حتى بدت كلمات صنع المستحيل مشوشة وغير مكتملة.
عند مرور السيارة أمام مطعم صغير في وسط المدينة، لمح من خلف الزجاج أبا يرفع طفلته فوق كتفيه كي تطفئ شمعة عيد ميلادها، وعندما توقفت السيارة عند الإشارة ظل أدهم يراقب الطفلة حتى اختفى وجهها خلف حافلة عابرة.
سأل سائقه حاتم فجأة إن كان لديه أبناء، فأجابه الرجل بدهشة بأن لديه ثلاثة، ثم سأله أدهم إن كان يعرف أعمارهم، فابتسم حاتم وأخبره أن ابنه الأكبر في الرابعة عشرة، وابنته في التاسعة، أما الصغير فسيكمل عامه الخامس في الشهر المقبل.
انقبض فك أدهم، وأدار وجهه نحو النافذة كي لا يلاحظ السائق اضطرابه، فقد كان يعرف أعمار أبنائه أيضا، لكن بصورة تقريبية فقط.
بيت واسع ابتلعته الوحدة
فتح أدهم باب منزله ببطء، فاستقبله صمت واسع يحمل رائحة الخشب المصقول والزهور المجففة والغرف التي قلما يدخلها أحد، ولم يجد زوجته ليلى في الصالة، ولم يسمع البيانو أو خطوات حفيديه في الطابق العلوي كما تخيل طوال الطريق.
لم يجد سوى خادمة المنزل وهي ترتب وسائد لم يجلس عليها أحد منذ أيام، فتقدمت نحوه وهنأته على التقاعد، ثم أخبرته أن ليلى غادرت منذ الظهيرة، وحين سألها إلى أين ذهبت ترددت قبل أن تعترف بأنها لا تعرف.
نظر أدهم إلى الساعة المعلقة على الجدار، فوجد أنها تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل، ومع ذلك لم يسأل نفسه من قبل أين كانت زوجته، أو لماذا لم تحضر الحفل الذي ظل يتحدث عنه أمام الصحافة طوال أسبوعين.
دخل غرفة الطعام، فوجد قالب حلوى صغيرا فوق المائدة لا يحمل اسمه ولا صورته ولا شعار الشركة، وقد غرست فيه شمعة وحيدة ذابت حتى منتصفها، وإلى جواره استقرت بطاقة مطوية.
فتح البطاقة، فوجد سطرا وحيدا كتبته ليلى، تهنئه فيه بالتقاعد وتتمنى أن يجد أخيرا وقتا يلاحظ فيه أنهم رحلوا عنه منذ زمن.
بقي واقفا طويلا والبطاقة ترتجف بين أصابعه، رغم أن اليد نفسها وقعت صفقات بمليارات الجنيهات دون أن ترتعش يوما.
أول صباح بلا منصب
استيقظ أدهم عند الخامسة والنصف صباحا كعادته، وارتدى بدلته الداكنة وربط ساعته حول معصمه، لكنه توقف أمام المرآة عندما تذكر أنه لا يوجد مكتب ينتظره، ولا اجتماع سيبدأ بعد ساعة.
خلع سترته ثم ارتداها، قبل أن يخلعها مرة أخرى، وكأنه عاجز عن معرفة الملابس المناسبة لرجل لم يعد يملك جدولا يحكم يومه.
دخل المطبخ، فوجد ليلى جالسة قرب النافذة تشرب قهوتها من كوب أبيض مشروخ عند الحافة، وأدهشه أنه لم ير ذلك الكوب من قبل رغم أنه عاش في المنزل نفسه أكثر من ثلاثين عاما.
قال لها إنه لاحظ غيابها عن الحفل، فرفعت عينيها إليه وأجابته ببرود بأنها حضرت ما يكفي من حفلاته، من حفلات النجاح والجوائز والترقيات والافتتاحات إلى المقابلات التلفزيونية، حتى نسيت متى كانت آخر مرة حضرت فيها مناسبة تخص حياتهما هما.
حاول أدهم الدفاع عن نفسه قائلا إنه فعل كل ذلك من أجلهم، لكن يد ليلى توقفت فوق الكوب، وأخبرته بصوت هادئ أن هذه الجملة نفسها كانت ملاذه في كل مرة كسر فيها شيئا داخل أسرته.
دفتر الغياب الطويل
نهضت ليلى واتجهت إلى درج صغير قرب المكتبة، وأخرجت منه دفترا ذا غلاف أزرق باهت، ثم وضعته أمامه وفتحته على الصفحة الأولى.
كانت الصفحات تحمل تواريخ كثيرة وإلى جانب كل تاريخ ملاحظة قصيرة، يوم تخرج عمر من الجامعة كان أدهم في دبي، وفي أول معرض لسارة كان في اجتماع لمجلس الإدارة، وعندما خضعت ليلى لعملية جراحية أرسل السائق بدلا منه، أما في عيد ميلاد حفيده ياسين فقد اكتفى بإرسال هدية أكبر من الطفل نفسه.
قلب أدهم الصفحات بسرعة، فظهرت أمامه عشرات المناسبات الممتدة عبر سنوات طويلة، وكأن كل تاريخ نافذة صغيرة تكشف له حياة كانت تتحرك بعيدا عنه بينما يركض هو في الاتجاه الآخر.
قال بعصبية إنه كان يعمل ولم يكن يقضي وقته في اللهو، فأغلقت ليلى الدفتر بهدوء وأخبرته بأن الغياب لا يسأل صاحبه إن كان يعمل أم يلهو، بل يترك الكرسي فارغا وحسب.
ارتفع صوته وهو يذكرها بأنه وفر لهم كل شيء، فنظرت حولها إلى الرخام واللوحات والثريات، ثم قالت إنه بالفعل منحهم بيتا كبيرا إلى درجة أنهم استطاعوا العيش داخله دون أن يلتقوا به.
نهض أدهم بعنف فانزلق الكرسي خلفه وأصدر صريرا حادا، وكان مستعدا لسرد سنوات عمله وأرقامه وتضحياته، إلا أنه توقف عندما رأى في عيني زوجته شيئا لم يعرف كيف يجادله، فلم يكن غضبا بقدر ما كان شعورا بأن شيئا بينهما قد انتهى.
أبناء يحملون اسمه ولا يحملون ذكرياته
اتصل أدهم بابنه عمر في الظهيرة، فجاءه صوته مشغولا وحذرا كموظف يتحدث إلى رئيس سابق ما زال يخشى نفوذه، وطلب منه أدهم أن يأتي لرؤيته.
سأله عمر فورا إن كانت هناك مشكلة، فأجابه أبوه بالنفي وقال إنه يريد فقط أن يتحدث معه، وعندما سأله عمر عما يريد مناقشته لم يجد جوابا واضحا.
كان أدهم قد تفاوض مع رجال شديدي المراوغة، وأقنع مستثمرين مترددين، وأنقذ شركات من حافة الإفلاس، لكنه عجز عن صياغة سبب طبيعي يدفع أبا إلى رؤية ابنه، فلم يجد في النهاية سوى أن يقول إنه يريد الحديث في أي شيء.
وصل عمر مساء بمفرده مرتديا قميصا رماديا بسيطا، وعندها لاحظ أدهم للمرة الأولى كثرة الشعيرات البيضاء عند جانبي رأسه، دون أن يعرف متى ظهرت.
جلس الاثنان في المكتب المنزلي يفصل بينهما مكتب ضخم اعتاد أدهم استقبال الوزراء والشركاء خلفه، فنظر عمر إلى المكان وأشار إلى أن والده، حتى في منزله، اختار أن يجلس خلف مكتب.
ارتبك أدهم ونهض، وانتقلا إلى أريكتين قرب النافذة، ثم حاول فتح حديث بسؤاله عن العمل والأولاد وزوجته، لكن الإجابات جاءت مقتضبة ومغلقة، وكل شيء كان بخير دون تفاصيل أخرى.
سأل أدهم ابنه لماذا يتحدث معه بهذه الطريقة، فضحك عمر بمرارة وأخبره أنهما لم يتعلما الحديث معا من الأساس.
ذكرى صنعتها الصورة
أشار أدهم إلى صورة مؤطرة على رف المكتبة تجمعه بعمر عندما كان طفلا على شاطئ البحر، وقال إنه يتذكر تلك الرحلة جيدا ويتذكر حب ابنه للسباحة.
استدار عمر نحو الصورة وظل يتأملها لحظة، ثم قال بهدوء إن والده لم يكن موجودا في تلك الرحلة أصلا، فقد التقطت الصورة مع أمه، ثم أضيفت صورة أدهم إليها لاحقا كي ترسل إلى مجلة كانت تعد تقريرا عن العائلة المثالية وراء رجل الأعمال الناجح.
تجمدت ملامح أدهم واقترب من الإطار، ثم رفعه وتأمله للمرة الأولى بعين لا تبحث عن أناقة بدلته أو جودة الصورة، فاكتشف حافة غريبة حول كتفه وظلا يمتد في اتجاه يخالف بقية الظلال.
تمتم بأنه لم يكن يعرف، فرد عمر بأن تلك الجملة تلخص حياتهم معه، فقد كانت هناك أشياء كثيرة لم يعرف عنها شيئا.
حاول أدهم إعادة الإطار إلى مكانه، لكنه أخطأ حافة الرف فسقط على الأرض وتحطم زجاجه، وانشقت الصورة من المنتصف بين الأب والابن.
انحنى لالتقاطها، لكن عمر سبقه، وعندما قال أدهم إنه يريد إصلاح ما حدث، رفع ابنه الصورة الممزقة وقال إن والده لا يريد إصلاحهم بقدر ما أنه لا يعرف ماذا يفعل بوقته بعدما فقد شركته.
أصابته الكلمات في مكان داخله لم يجرؤ على الاقتراب منه، وبعد دقائق غادر عمر وترك الباب مفتوحا خلفه، وللمرة الأولى لم يناده أدهم كي يعود.
الصفقة التي لا يستطيع المال شراءها
في الأسبوع التالي، حاول أدهم التعامل مع مشكلته بالطريقة الوحيدة التي يجيدها، فوضع خطة وجدولا أسبوعيا للزيارات العائلية، واشترى الهدايا لأحفاده، وحجز جناحا فاخرا في منتجع ساحلي، ثم أرسل إلى أبنائه رسالة جماعية يقترح فيها إجازة عائلية لاستعادة الروابط.
لم يرد أحد، وبعد يومين عادت الهدايا إلى منزله كما أرسلها تماما، بعلبها المغلقة وشرائطها التي لم تمس.
كتب عمر أن أبناءه لا يحتاجون إلى مزيد من الأشياء، أما سارة فطلبت منه ألا يرسل إليها اعتذارا مغلفا، في حين لم تكتب ليلى شيئا على الإطلاق.
في تلك الليلة جلس أدهم في مكتبه حتى الفجر، يحدق في الهدايا المرتجعة المتراكمة حوله كما لو كانت صناديق بضائع عائدة من صفقة فاشلة.
أمسك هاتفه وبدأ يتصفح صوره القديمة، فوجد المئات من صور المؤتمرات والمصافحات والطائرات الخاصة وشهادات التكريم، لكنه لم يجد صورة حديثة واحدة تجمعه بعائلته بعيدا عن عدسة مصور محترف أو مناسبة رسمية.
صوت طفلة انتظرت عند الباب
بين الملفات ظهر أمامه تسجيل صوتي قديم لم يكن يتذكر وجوده، وحين شغله سمع صوت ابنته سارة وهي في العاشرة من عمرها، رقيقا ومتحمسا، تخبره أن لديها عرضا في المدرسة في السابعة، وأن والدتها أخبرتها بأنه مشغول، لكنها ستظل تنظر إلى الباب منتظرة وصوله.
انتهى التسجيل، ثم بدأ تسجيل آخر بصوت الطفلة نفسها، لكن الحماس كان قد غادره، فأخبرته بأن العرض انتهى وأن الأمر لا بأس به، وربما يستطيع الحضور في المرة القادمة.
ظل أدهم ممسكا بالهاتف فيما دقات الساعة تملأ الغرفة، فلم يكن يتذكر العرض، وكان يعرف الآن أنه لم تكن هناك مرة قادمة.
أول اعتذار بلا أعذار
في الصباح، قاد أدهم سيارته بنفسه إلى مرسم سارة، وكان يقع في شارع ضيق تعبق فيه رائحة الزيت والطلاء، وتغطي جدرانه لوحات داكنة لوجوه تنظر بعيدا، وكأن أصحابها ينتظرون شخصا لن يصل.
وجد ابنته تقف أمام لوحة كبيرة لفتاة صغيرة ترتدي فستانا أبيض وتجلس فوق خشبة مسرح فارغة، بينما يظهر باب القاعة مفتوحا في عمق اللوحة.
توقف أدهم أمامها وشعر بأن المكان يضيق من حوله، ثم أخبر سارة بأنه سمع التسجيل القديم، فتصلبت يدها حول الفرشاة وقالت إنها لم تعد تتذكره.
أدرك أنها لم تقل الحقيقة، فقد كانت الفتاة المرسومة ترتدي الفستان نفسه الذي شاهده في إحدى الصور القديمة.
اقترب منها خطوة ثم توقف، وأخبرها بأنه كان يظن سابقا أن الاعتذار يعني شرح أسباب غيابه، لذلك كان يحدث نفسه دائما عن الاجتماعات المهمة والصفقات التي لا يمكن تأجيلها، ويقنع نفسه بأن أبناءه سيفهمون عندما يكبرون.
وضعت سارة فرشاتها جانبا دون أن تنظر إليه، فتابع قائلا إنه فهم أخيرا أن الشرح لا يعيد الطفل إلى المسرح ولا يملأ المقعد الذي ظل فارغا.
استدارت إليه ببطء وعيناها رطبتان، فقال لها ببساطة إنه آسف لأنه لم يحضر، وإنه لا يملك عذرا.
طال الصمت بينهما، ثم أشارت سارة إلى مقعد خشبي قرب الحائط وطلبت منه أن يجلس دون أن يتحدث لأنها تريد إكمال اللوحة.
جلس أدهم ثلاث ساعات كاملة دون أن يفتح هاتفه أو يسأل عن الوقت أو يعرض شراء اللوحة أو إقامة معرض لابنته، واكتفى بمراقبتها وهي تمزج الألوان، وكان ذلك أول شيء صغير يقدمه لها دون أن يدفع ثمنه.
تعلم الحضور بعد سنوات الغياب
مرت الأسابيع وأدهم يحاول الاقتراب دون اقتحام حياة أسرته، وينتظر الردود دون المطالبة بها، ويبقى في الأماكن التي اعتاد مغادرتها مسرعا.
تعلم أسماء أحفاده كاملة، وعرف أن ياسين يخاف الظلام، وأن ليان لا تحب الشوكولاتة رغم أنه كان يرسلها إليها في كل عيد ميلاد، واكتشف أن عمر يعزف العود مساء كل خميس دون أن يخبر أحدا.
كان تقدمه بطيئا وهشا، مختلفا عن كل إنجاز عرفه في حياته، فقد كانت ابتسامة واحدة من حفيدته تحتاج أياما من الصبر، بينما كان يستطيع إتمام عقد تجاري ضخم في ساعة واحدة.
ذات مساء، اتصلت به سارة وأخبرته أن ليلى فقدت وعيها في منزل أختها، فانطلق مسرعا إلى المستشفى، حيث وجد عمر وسارة واقفين أمام غرفة الطوارئ.
عندما اقترب أدار عمر وجهه، فيما أخبرته سارة بأن ضغط والدتها ارتفع بشدة وأن الأطباء يجرون الفحوصات، فجلس أدهم على المقعد المعدني وظل يفرك يديه في انتظار الخبر.
بعد ساعة خرج الطبيب وأبلغهم بأن حالتها مستقرة، لكنها تحتاج إلى الراحة والمتابعة، فسأل أدهم إن كان يستطيع رؤيتها، ونظر الطبيب إلى الأبناء وكأن القرار لم يعد طبيا وحده، قبل أن تطلب سارة منه السماح لأبيها بالدخول.
الكرسي الأخير
كانت ليلى مستلقية تحت ضوء أبيض شاحب، وبدا وجهها أصغر مما يتذكر، كما لو أن السنوات التي لم ينتبه إليها تجمعت فوق وسادتها دفعة واحدة.
جلس أدهم إلى جوارها دون أن يمد يده إليها، وحين فتحت عينيها لاحظت أنه جاء بسرعة، فأجابها بأن الأمر حدث هذه المرة.
أخبرته بأنها كانت تظن أنه سيعود بعد التقاعد إلى المنزل ويبدأ في إصدار الأوامر لهم كما كان يفعل في شركته، فاعترف بأنه فعل ذلك بالفعل، قبل أن يضيف أنه اكتشف أنهم ليسوا مشروعا متعثرا يستطيع إصلاحه بخطة أو جدول أو مال.
صمت قليلا ثم قال إنهم ربما لم يكونوا هم من يحتاجون إلى الإصلاح في الأساس.
سألته ليلى عما سيفعله الآن، فنظر إلى يديه وقال إنه سيبقى، وحين سألته إلى متى رفع عينيه إليها وأجاب بأنه سيبقى حتى تطلب منه الرحيل.
لم تجبه، لكنها أخرجت يدها ببطء من تحت الغطاء وتركتها فوق السرير بينهما، ولم يسارع أدهم إلى الإمساك بها، بل انتظر لحظة كأنه يطلب الإذن منها للمرة الأولى، ثم أحاط أصابعها برفق.
عشاء بلا جوائز أو تصفيق
بعد شهرين، دعت ليلى أبناءها إلى العشاء في المنزل، ولم يكن هناك مصور أو مائدة طويلة مزينة بالفضة أو قائمة أعدها طاه مشهور، بل كانت الأطباق بسيطة، واحترق بعضها قليلا لأن أدهم أصر على المساعدة في المطبخ.
وصل عمر أولا بصحبة زوجته وأطفاله، ثم جاءت سارة وهي تحمل اللوحة التي كانت تعمل عليها يوم زارها والدها في المرسم، وعلقتها على جدار غرفة الطعام.
اقترب أدهم من اللوحة، فاكتشف أن الفتاة الصغيرة لم تعد تجلس بمفردها على خشبة المسرح، إذ ظهر رجل عند الباب المفتوح في الخلف، ولم يكن قد دخل بعد، لكنه حضر هذه المرة.
جلس الجميع حول المائدة، وظل الكرسي القريب من أدهم فارغا لبرهة، ثم جاء حفيده ياسين وجلس عليه من تلقاء نفسه.
نظر الطفل إليه وسأله إن كان صحيحا أنه كان مديرا كبيرا، فابتسم أدهم وقال إنه كان يظن ذلك، ثم سأله ياسين إن كان يخيف الناس، فضحكت سارة وحاول عمر إخفاء ابتسامته، بينما اعترف أدهم بأنه كان يفعل ذلك أحيانا.
فكر ياسين قليلا ثم سأله إن كان يعرف لعب الشطرنج، وعندما أجابه أدهم بالإيجاب طلب منه أن يعلمه بعد العشاء، فوعده جده بذلك.
نظر إليه الطفل بصرامة وطلب منه ألا يقول ذلك ثم ينسى، فتوقفت الأصوات حول المائدة للحظة، وحدق أدهم في وجه حفيده وأجابه بصوت ثابت بأنه لن ينسى.
لم يصفق أحد ولم ترفع الكؤوس احتفالا ولم يحصل أدهم على درع جديد، ومع ذلك شعر بأنه نال فرصة لم تمنحه إياها أي شركة طوال حياته، وهي فرصة ألا يفوز هذه المرة، بل أن يبقى.
صندوق الإنجازات
في صباح اليوم التالي، دخل أدهم مكتبه المنزلي وبدأ ينزع الدروع والشهادات المعلقة على الجدران، ووضعها واحدة تلو الأخرى داخل صناديق كبيرة، حتى ظهرت خلفها مساحات باهتة لم تصل إليها الشمس منذ سنوات.
دخلت ليلى فوجدته يحمل الدرع الزجاجي الذي حصل عليه في حفل تقاعده، ونظرت إلى العبارة المنقوشة عليه التي تصفه بالرجل الذي صنع المستحيل، ثم سألته أين سيضعه.
فتح أدهم أحد الصناديق وتوقف لحظة، وظل ينظر إلى الدرع طويلا قبل أن يضعه في قاع الصندوق ويغلق الغطاء، ثم أخبرها بأنه وضعه في مكانه الصحيح.
بعد ذلك رفع الصورة القديمة التي انشقت بينه وبين عمر، وكان قد أصلح إطارها من دون محاولة إخفاء أثر القطع الممتد في منتصفها، ثم علقها وحدها على الجدار.
لم تكن الصورة ذكرى حقيقية، لكنه اختار الاحتفاظ بها شاهدا على السنوات التي حاول خلالها أن يبدو حاضرا بدلا من أن يكون حاضرا بالفعل.
وضع فوق مكتبه ورقة صغيرة كتب فيها بخط يده أن لا اجتماع أهم من شخص ينتظرك.
ثمن النجاح الحقيقي
عندما ناداه ياسين من الحديقة ليبدآ مباراة الشطرنج، خرج أدهم من مكتبه وترك هاتفه فوق الطاولة، فرن الهاتف مرة ثم مرة ثانية قبل أن يصمت، أما أدهم فلم يعد إليه.
فقد أدرك أن النجاح لا يأتي دائما مرتديا هيئة الانتصار، وأن الخسائر لا تقاس فقط بما يختفي من الحسابات أو يتراجع في الأسواق، فقد يمتلئ اسم الإنسان بالضوء بينما يبهت وجهه في ذاكرة أحبته، وقد يبلغ أعلى درجات المجد ثم يكتشف أنه أمضى عمره يصعد سلما يستند إلى الجدار الخطأ.
كان أدهم يظن أن العمر ينفق في بناء مستقبل لمن يحبهم، ثم فهم متأخرا أن المستقبل الخالي من الحضور ليس هدية، وأن القلوب لا تحتفظ بالفواتير ولا تتذكر أثمان الهدايا، لكنها تحفظ المقعد الذي ظل فارغا، والباب الذي لم يفتح، والوعد الذي قيل ثم نسي.
لم يستطع استعادة السنوات التي ضاعت، لكنه تعلم أن الندم لا يصبح خلاصا إلا عندما يتحول إلى صبر، وأن الثقة المكسورة لا يعيدها اعتذار بليغ، وإنما تعيدها أيام عادية يتكرر فيها الحضور حتى يصدق الآخرون أن زمن الغياب قد انتهى حقا.
ولعل أثمن نجاح حققه أدهم في حياته لم يكن شركة بناها ولا ثروة جمعها، بل مساء بسيطا جلس فيه حفيده إلى جواره وطلب منه ألا ينسى، فلم ينس.
