قصة ثمن النجاح حكاية المدير الذي امتلك كل شيء وخسر عائلته يوم تقاعده

الراوي
0

عندما انطفأت الشاشات المعلقة في قاعة الاحتفالات، ظل وجهه مضيئًا فوقها لثوانٍ إضافية، مبتسمًا تلك الابتسامة الرسمية التي تدرب عليها أمام المرايا والصحفيين ومجالس الإدارة، بينما كان الرجل الحقيقي جالسًا في الصف الأول يراقب نسخةً منه تُصفق لها القاعة بحرارة.

كان أدهم السيوفي قد بلغ الخامسة والستين في ذلك الصباح، وفي المساء سلّمه مجلس الإدارة درعًا زجاجيًّا كُتب عليه، إلى الرجل الذي صنع المستحيل، ثم وقف مئات الموظفين يصفقون له حتى خُيّل إليه أن سقف الفندق يرتجف فوق رؤوسهم.

غير أن مقعدًا واحدًا ظل فارغًا إلى جواره.

كان المقعد يحمل بطاقة صغيرة كُتب عليها بخط أنيق، العائلة.

قصة ثمن النجاح حكاية المدير الذي امتلك كل شيء وخسر عائلته يوم تقاعده

التصفيق الذي أخفى صوت الغياب

عندما انتهت الكلمات المنمقة، اقترب منه مساعده سامر، يحمل هاتفه وملفًا جلديًّا كما اعتاد طوال عشرين عامًا، ثم انحنى قليلًا وقال إن السيارة تنتظره عند المدخل الخلفي.

حدّق أدهم في الملف قبل أن يرفع عينيه إليه، وكأن الرجل أخبره بشيء غريب لم يتوقع سماعه.

قال بصوت خافت:

لا اجتماعات غدًا، أليس كذلك؟

ارتبك سامر لحظة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة مترددة.

لا اجتماعات غدًا يا سيدي، ولا بعد غد.

هبطت العبارة بينهما باردة وثقيلة، كقطعة معدن ألقيت في بئر عميقة، ولم يسمع أدهم صداها إلا بعد أن غادر القاعة وابتلع المصعد آخر أصوات المهنئين.

في السيارة، خلع ربطة عنقه للمرة الأولى قبل أن يصل إلى المنزل، ووضع الدرع الزجاجي إلى جواره.

انعكست عليه أضواء الشوارع المتتابعة، فتكسرت الكلمات المحفورة فوق سطحه، وصارت عبارة صنع المستحيل مشوشة وغير مكتملة.

مروا أمام مطعم صغير في وسط المدينة، فرأى من خلف الزجاج أبًا يرفع طفلته فوق كتفيه لتطفئ شمعة عيد ميلادها.

تباطأت السيارة عند الإشارة، وبقي أدهم يحدق في الطفلة حتى اختفى وجهها خلف حافلة عابرة.

سأل السائق فجأة:

هل لديك أبناء يا حاتم؟

نظر السائق إليه عبر المرآة بدهشة.

ثلاثة يا فندم.

تعرف أعمارهم؟

ابتسم حاتم وهو يعيد عينيه إلى الطريق.

طبعًا.

الكبير أربعة عشر، والبنت تسعة، والصغير سيكمل خمس سنوات الشهر القادم.

انقبض فك أدهم، ثم أدار وجهه نحو النافذة كيلا يرى السائق اضطرابه.

كان يعرف أعمار أبنائه تقريبًا.

تقريبًا فقط.

بيت واسع لا يعرف صاحبه

فتح باب منزله ببطء، فاستقبله صمت واسع، صمت له رائحة الخشب المصقول والزهور المجففة والغرف التي لا يدخلها أحد.

لم يجد زوجته ليلى في الصالة، ولم يكن البيانو يعمل، ولم يسمع خطوات حفيديه الصغيرين في الطابق العلوي كما تخيل طوال الطريق، بل وجد خادمة المنزل وحدها ترتب وسائد لم يجلس عليها أحد منذ أيام.

تقدمت منه وباركت له التقاعد، ثم أخبرته أن السيدة ليلى خرجت منذ الظهيرة.

إلى أين؟

ترددت الخادمة قبل أن تقول:

لا أعرف يا سيدي.

مرّر أدهم أصابعه فوق حافة الطاولة، ثم نظر إلى الساعة المعلقة على الجدار.

كانت الواحدة بعد منتصف الليل، ومع ذلك لم يسأل أين كانت زوجته من قبل، ولماذا لم تحضر حفلًا ظل يتحدث عنه أمام الصحافة طوال أسبوعين.

في غرفة الطعام، وجد فوق المائدة قالب حلوى صغيرًا، لا يحمل اسمه ولا صورته ولا شعار الشركة، بل شمعة واحدة ذابت حتى المنتصف.

إلى جواره كانت هناك بطاقة مطوية.

فتحها، فوجد سطرًا واحدًا بخط ليلى:

مبروك التقاعد يا أدهم، لعلّك تجد الآن وقتًا لتلاحظ أننا رحلنا منذ زمن.

ظل واقفًا طويلًا، والبطاقة ترتعش بين أصابعه رغم أن يده التي وقّعت صفقات بمليارات الجنيهات لم ترتجف يومًا.

أول صباح بلا منصب

استيقظ أدهم عند الخامسة والنصف كعادته، ارتدى بدلته الداكنة، وربط ساعته حول معصمه، ثم توقف أمام المرآة حين تذكر أنه لا يوجد مكتب ينتظره ولا اجتماع سيبدأ بعد ساعة.

خلع سترته، أعاد ارتداءها، ثم خلعها مرة أخرى.

دخل المطبخ فوجد ليلى جالسة قرب النافذة، تشرب قهوتها في كوب أبيض مشروخ من الحافة، وهو كوب لم يره من قبل رغم أنه عاش في البيت نفسه أكثر من ثلاثين عامًا.

قال محاولًا أن يبدو طبيعيًّا:

لم تحضري الحفل.

رفعت عينيها إليه ببطء.

لاحظت.

جلس قبالتها، ووضع كفيه فوق الطاولة.

لماذا لم تأتِ؟

ابتسمت ابتسامة قصيرة لم تصل إلى عينيها.

لأنني حضرت حفلاتك بما يكفي، يا أدهم.

حفلات نجاحك، جوائزك، ترقياتك، افتتاحاتك، مقابلاتك التلفزيونية، حتى إنني نسيت متى كانت آخر مرة حضرت فيها شيئًا يخصنا نحن.

تنفس بعمق، ثم أمال جسده إلى الأمام.

أنا فعلت كل ذلك من أجلكم.

توقفت يدها فوق الكوب، ثم قالت بصوت خافت:

وهذه هي الجملة التي احتميت بها كلما كسرت شيئًا فينا.

قائمة المناسبات التي غاب عنها

نهضت ليلى دون غضب، واتجهت إلى درج صغير قرب المكتبة، ثم أخرجت منه دفترًا ذا غلاف أزرق باهت.

وضعته أمامه وفتحته على الصفحة الأولى.

رأى تواريخ مكتوبة بعناية، وبجوار كل تاريخ جملة قصيرة.

حفل تخرج عمر من الجامعة أدهم في دبي.

أول معرض لسارة أدهم في اجتماع مجلس الإدارة.

عملية ليلى أدهم أرسل السائق.

عيد ميلاد الحفيد ياسين أدهم أرسل هدية أكبر من الطفل.

قلب الصفحات بسرعة، فوجد عشرات التواريخ تمتد سنوات طويلة، وكل تاريخ منها يشبه نافذة صغيرة تطل على حياة كانت تتحرك بعيدًا عنه بينما كان يركض في اتجاه آخر.

قال بعصبية:

كنت أعمل.

لم أكن ألهو.

أغلقت ليلى الدفتر بهدوء.

الغياب لا يسأل صاحبه إن كان يعمل أم يلهو، يا أدهم.

الغياب يترك الكرسي فارغًا فقط.

ارتفعت نبرة صوته دون أن يقصد:

لقد وفرت لكم كل شيء.

نظرت حولها إلى الرخام واللوحات والثريات، ثم قالت:

نعم.

وفرت لنا بيتًا كبيرًا جدًّا، حتى استطعنا أن نعيش فيه دون أن نلتقي بك.

وقف أدهم فجأة، فانزلق الكرسي خلفه وأحدث صريرًا حادًّا في المطبخ.

كان مستعدًا للرد، للدفاع، لسرد الأرقام والسنوات والتضحيات، لكنه رأى في عينيها شيئًا لم يعرف كيف يجادله.

لم يكن غضبًا.

كان انتهاءً.

أبناء يحملون اسمه ولا يحملون ذكرياته

اتصل أدهم بابنه عمر في الظهيرة، فجاءه صوته مشغولًا وحذرًا، كصوت موظف يتحدث إلى رئيس سابق ما زال يخشى نفوذه.

قال أدهم:

أريد أن أراك.

ساد صمت قصير قبل أن يجيبه عمر:

هل هناك مشكلة؟

لا.

أريد فقط أن نتحدث.

عن ماذا؟

لم يجد أدهم جوابًا.

كان قد تفاوض مع رجال شديدي المراوغة، وأقنع مستثمرين مترددين، وأنقذ شركات على حافة الإفلاس، لكنه عجز عن صياغة سبب طبيعي يدفع أبًا لرؤية ابنه.

قال أخيرًا:

عن أي شيء.

وصل عمر مساءً بمفرده، مرتديًا قميصًا رماديًّا بسيطًا، وقد ازدادت الشعيرات البيضاء عند جانبي رأسه دون أن يلاحظ أدهم متى بدأت.

جلسا متقابلين في المكتب المنزلي، وبينهما الطاولة الضخمة التي كان أدهم يستقبل خلفها الوزراء والشركاء.

قال عمر وهو ينظر إلى المكان:

حتى هنا اخترت أن تجلس خلف مكتب.

نهض أدهم مرتبكًا، وانتقلا إلى أريكتين قرب النافذة.

كيف حال العمل؟ سأل الأب.

أجابه عمر بنبرة جافة:

بخير.

والأولاد؟

بخير.

وزوجتك؟

بخير.

تتابعت الإجابات قصيرة، مصقولة، مغلقة كأبواب فندق.

قال أدهم:

لماذا تتحدث معي هكذا؟

ضحك عمر ضحكة خالية من الفرح.

كيف تريدني أن أتحدث معك؟ نحن لم نتعلم الحديث معًا أصلًا.

ذكرى لم تحدث

أشار أدهم إلى صورة مؤطرة فوق رف المكتبة، تجمعه بعمر حين كان طفلًا على شاطئ البحر.

كنت تحب السباحة.

أتذكر تلك الرحلة جيدًا.

استدار عمر نحو الصورة، ثم بقي ينظر إليها لحظة طويلة.

أنت لم تكن هناك.

تجمدت ملامح أدهم.

ماذا؟

الصورة التُقطت مع أمي، وأنت أُضيفت صورتك إليها لاحقًا لتُرسل إلى مجلة كانت تنشر تقريرًا عن العائلة المثالية خلف رجل الأعمال الناجح.

اقترب أدهم من الإطار، رفعه عن الرف، وتأمل الصورة للمرة الأولى بعين لا تبحث عن أناقة بدلته أو جودة الطباعة.

رأى حافة غير طبيعية حول كتفه، وظلًّا يسقط في اتجاه مخالف لبقية الظلال.

قال بصوت مبحوح:

لم أكن أعرف.

رد عمر:

هذا هو تعريف حياتنا معك.

أشياء كثيرة لم تكن تعرفها.

أعاد أدهم الإطار إلى مكانه، لكنه أخطأ الحافة، فسقط على الأرض وتحطم الزجاج، وانشقت الصورة من المنتصف بين الأب والابن.

انحنى ليلتقطها، غير أن عمر سبقه إليها.

قال أدهم:

أريد إصلاح ما حدث.

رفع عمر الصورة الممزقة، وحدق في الشق الفاصل بينهما.

أنت لا تريد إصلاحنا.

أنت فقط لا تعرف ماذا تفعل بوقتك بعد أن فقدت شركتك.

كانت الكلمات حادة، لكنها أصابت موضعًا في داخله لم يجرؤ على لمسه.

خرج عمر بعد دقائق، تاركًا الباب مفتوحًا خلفه.

ولأول مرة، لم ينادِه أدهم ليعود.

الصفقة التي لا تُشترى

في الأسبوع التالي، حاول أدهم أن يتصرف بالطريقة الوحيدة التي يجيدها؛ وضع خطة.

أعد جدولًا أسبوعيًّا للزيارات العائلية، اشترى هدايا لأحفاده، حجز جناحًا فخمًا في منتجع ساحلي، وأرسل إلى أبنائه رسالة جماعية يعلن فيها عن إجازة عائلية لاستعادة الروابط.

لم يرد أحد.

بعد يومين، وصلت الهدايا إلى المنزل كما أرسلها تمامًا، لم تُفتح علبها ولم تُنزع عنها الشرائط.

كانت فوق كل علبة بطاقة صغيرة.

كتب عمر، أبنائي لا يحتاجون مزيدًا من الأشياء.

وكتبت سارة، لا ترسل لي اعتذارًا مغلفًا.

أما ليلى، فلم تكتب شيئًا.

في تلك الليلة، جلس أدهم في غرفة مكتبه حتى الفجر، يحدق في الهدايا المرتجعة وقد تراكمت حوله مثل صناديق بضائع فشلت صفقتها.

فتح هاتفه، وراح يقلب الصور القديمة.

وجد مئات الصور للمؤتمرات، والمصافحات، والطائرات الخاصة، وشهادات التكريم، لكنه لم يجد صورة واحدة حديثة تجمعه بعائلته دون مصور محترف أو مناسبة رسمية.

ثم ظهر أمامه تسجيل صوتي قديم لم يكن يعرف بوجوده.

ضغط عليه.

خرج صوت ابنته سارة وهي في العاشرة، رقيقًا ومتحمسًا:

بابا، اليوم عندي العرض في المدرسة.

ماما قالت إنك مشغول، لكنني سأنتظرك.

دوري الساعة سبعة.

سأظل أنظر إلى الباب حتى تأتي.

انتهى التسجيل، ثم بدأ بعده تسجيل آخر بصوتها ذاته، لكن أكثر هدوءًا:

العرض انتهى.

لا بأس يا بابا.

ربما في المرة القادمة.

ظل الهاتف في يده، بينما دقات الساعة تملأ الغرفة.

لم يتذكر العرض.

ولم تكن هناك مرة قادمة.

أول اعتذار بلا تبرير

في الصباح، قاد سيارته بنفسه إلى مرسم سارة.

كان المكان في شارع ضيق تفوح منه رائحة الزيت والطلاء، وتغطي جدرانه لوحات داكنة مليئة بوجوه تنظر بعيدًا، كأن أصحابها ينتظرون شخصًا لن يصل.

وجدها تقف أمام لوحة كبيرة لفتاة صغيرة ترتدي فستانًا أبيض، جالسة فوق خشبة مسرح فارغة، بينما يظل باب القاعة مفتوحًا في آخر المشهد.

توقف أدهم أمام اللوحة، وشعر بأن الأرض تضيق تحت قدميه.

قال:

سمعت التسجيل.

لم تستدر سارة إليه.

أي تسجيل؟

العرض المدرسي.

تصلبت يدها حول الفرشاة.

لم أعد أتذكره.

عرف أنها تكذب، لأن الفتاة في اللوحة كانت ترتدي الفستان نفسه الذي رآه في صورة قديمة.

اقترب خطوة، ثم توقف خشية أن تبتعد.

كنت أظن أن الاعتذار يعني أن أشرح لماذا غبت.

كنت أقول لنفسي إن الاجتماع كان مهمًّا، وإن الصفقة لا يمكن تأجيلها، وإنكم ستفهمون عندما تكبرون.

وضعت سارة الفرشاة جانبًا، لكنها لم تنظر إليه.

تابع:

الآن أفهم أن الشرح لا يعيد الطفل إلى المسرح، ولا يملأ المقعد الفارغ.

استدارت ببطء، وكانت عيناها رطبتين دون أن تسقط منهما دمعة.

قال أدهم:

أنا آسف لأنني لم آتِ.

لا عذر لدي.

ظل الصمت بينهما طويلًا، ثم أشارت إلى مقعد خشبي قرب الحائط.

اجلس هناك، لكن لا تتكلم.

أريد أن أنهي اللوحة.

جلس.

ولمدة ثلاث ساعات، لم يفتح هاتفه، ولم يسأل عن الوقت، ولم يقترح شراء اللوحة أو إقامة معرض لها.

اكتفى بمراقبة ابنته وهي تمزج الألوان.

وكان ذلك أول شيء صغير يمنحها إياه دون أن يدفع ثمنه.

انهيار الرجل الذي لا ينهار

مرّت الأسابيع، وأدهم يحاول الاقتراب دون أن يقتحم، ينتظر الردود دون أن يطالب بها، ويجلس في الأماكن التي اعتاد أن يغادرها سريعًا.

تعلم أسماء أحفاده كاملة، وعرف أن ياسين يخاف الظلام، وأن ليان تكره الشوكولاتة رغم أنه أرسلها إليها في كل عيد ميلاد، وأن عمر يعزف العود مساء الخميس ولا يخبر أحدًا.

كان التقدم بطيئًا، هشًّا، لا يشبه إنجازاته السابقة.

ابتسامة من حفيدته كانت تستغرق منه أيامًا من الصبر، بينما كان يستطيع توقيع عقد ضخم في ساعة واحدة.

ذات مساء، اتصلت به سارة وأخبرته أن ليلى فقدت وعيها في بيت أختها.

اندفع إلى المستشفى، فوجد عمر وسارة يقفان عند باب غرفة الطوارئ.

حين اقترب، أدار عمر وجهه، لكن سارة قالت:

ضغطها ارتفع بشدة، والأطباء يجرون فحوصات.

جلس أدهم على المقعد المعدني، وراح يفرك يديه.

بعد ساعة، خرج الطبيب وأخبرهم أن حالتها مستقرة، وأنها تحتاج إلى الراحة والمتابعة.

سأل أدهم:

هل يمكنني رؤيتها؟

نظر الطبيـب إلى الأبناء، كأن القرار ليس طبيًّا.

قالت سارة:

دعوه يدخل.

الكرسي الأخير

كانت ليلى مستلقية تحت ضوء أبيض شاحب، وقد بدا وجهها أصغر مما يتذكر، وكأن السنوات التي لم يرها تتجمع الآن فوق وسادتها دفعة واحدة.

جلس قربها، ولم يمد يده نحو يدها.

فتحت عينيها وقالت:

جئت سريعًا.

هز رأسه.

هذه المرة.

نظرت إلى السقف.

كنت أظن أنك ستعود إلى البيت بعد التقاعد وتبدأ بإصدار الأوامر لنا كما كنت تفعل في الشركة.

فعلت ذلك بالفعل.

التفتت إليه، فرأى في عينيها ظل ابتسامة متعبة.

قال:

ثم اكتشفت أنكم لستم مشروعًا متعثرًا، وأنني لا أستطيع إصلاحكم بخطة أو جدول أو مال.

سكت لحظة قبل أن يضيف:

وربما أنتم لستم من يحتاج إلى الإصلاح.

هبط الصمت ناعمًا بينهما.

قالت ليلى:

وماذا ستفعل الآن؟

نظر إلى يديه.

سأبقى.

إلى متى؟

رفع عينيه إليها.

إلى أن تطلبي مني الرحيل.

لم تجبه، لكنها أخرجت يدها ببطء من تحت الغطاء، وتركتها فوق السرير بينهما.

لم يمسكها فورًا.

انتظر لحظة، كما لو أنه يستأذنها للمرة الأولى، ثم وضع أصابعه حولها برفق.

العشاء الذي لم يكن احتفالًا

بعد شهرين، دعت ليلى أبناءها إلى العشاء في المنزل.

لم يكن هناك مصور، ولا طاولة طويلة مزينة بالفضة، ولا قائمة طعام أعدها طاهٍ مشهور.

كانت الأطباق بسيطة، وبعضها احترق قليلًا لأن أدهم أصر على المساعدة في المطبخ.

وصل عمر أولًا مع زوجته وأطفاله، ثم جاءت سارة وهي تحمل اللوحة التي كانت تعمل عليها يوم زارها أبوها في المرسم.

علقتها على جدار غرفة الطعام.

اقترب أدهم منها، فوجد أن الفتاة الصغيرة لم تعد جالسة وحدها فوق المسرح.

كان هناك رجل يقف عند الباب المفتوح.

لم يدخل بعد، لكنه حضر.

جلس الجميع حول المائدة، وبقي الكرسي القريب من أدهم فارغًا لحظات، قبل أن يأتي حفيده ياسين ويجلس عليه من تلقاء نفسه.

نظر الطفل إليه وقال:

ماما قالت إنك كنت مديرًا كبيرًا.

ابتسم أدهم.

كنت أظن ذلك.

هل كنت تخيف الناس؟

ضحكت سارة، وحاول عمر إخفاء ابتسامته.

قال أدهم:

أحيانًا.

فكر ياسين قليلًا، ثم سأله:

هل تعرف أن تلعب الشطرنج؟

أعرف.

إذن ستعلمني بعد العشاء.

هز أدهم رأسه.

بعد العشاء.

قال الطفل بصرامة:

لا تقل ثم تنسى.

توقفت الأصوات حول المائدة للحظة.

حدق أدهم في وجه حفيده، ثم قال بصوت ثابت:

لن أنسى.

لم يصفق أحد، ولم تُرفع الكؤوس احتفالًا، ولم يحصل الرجل على درع جديد.

ومع ذلك، شعر حينها أنه نال فرصة لم تمنحه إياها أي شركة في حياته.

فرصة ألا يفوز.

بل أن يبقى.

صندوق الإنجازات

في صباح اليوم التالي، دخل أدهم إلى مكتبه المنزلي، وبدأ ينزع الدروع والشهادات من فوق الجدران.

وضعها واحدة تلو الأخرى داخل صناديق كبيرة، حتى ظهرت خلفها مساحات باهتة لم تصل إليها الشمس منذ سنوات.

دخلت ليلى فوجدته يحمل الدرع الزجاجي الذي تلقاه يوم تقاعده.

قرأت العبارة المحفورة عليه:

إلى الرجل الذي صنع المستحيل.

سألته:

أين ستضعه؟

فتح صندوقًا، ثم توقف.

نظر إلى الدرع طويلًا، قبل أن يضعه في أسفل الصندوق ويغلق الغطاء.

قال:

في مكانه الصحيح.

ثم رفع الصورة القديمة التي انشقت بينه وبين عمر، وقد أصلح إطارها دون أن يخفي أثر القطع في منتصفها.

علقها على الجدار وحدها.

لم تكن ذكرى حقيقية، لكنه أبقاها بوصفها شاهدًا على السنوات التي حاول فيها أن يبدو حاضرًا بدل أن يكون حاضرًا.

وعلى المكتب، وضع ورقة صغيرة كتب فيها بخط يده:

لا اجتماع أهم من شخص ينتظرك.

حين ناداه ياسين من الحديقة كي يبدآ مباراة الشطرنج، خرج أدهم من الغرفة وأبقى هاتفه فوق الطاولة.

رن الهاتف مرة.

ثم مرتين.

ثم سكت.

أما الرجل، فلم يعد.

لا يأتي النجاح دائمًا مرتديًا هيئة الانتصار، ولا تُقاس الخسائر بما يختفي من الحسابات أو يتراجع في الأسواق؛ فقد يمتلئ اسم الإنسان بالضوء بينما يبهت وجهه في ذاكرة أحبته، وقد يقف فوق أعلى درجات المجد ليكتشف أنه صعد السلم مستندًا إلى جدار لم يكن يستحق الصعود.

كان أدهم يظن أن العمر يُنفق كي يبني مستقبلًا لمن يحب، ثم أدرك متأخرًا أن المستقبل الذي يخلو من الحضور ليس هدية، وأن القلوب لا تحتفظ بالفواتير ولا تتذكر قيمة الهدايا، بل تحفظ المقعد الذي ظل فارغًا، والباب الذي لم يُفتح، والوعد الذي قيل ثم نُسي.

لم يستطع استعادة السنوات التي ضاعت، لكنه تعلم أن الندم لا يصبح خلاصًا إلا حين يتحول إلى صبر، وأن الثقة المكسورة لا تعود باعتذار بليغ، بل بأيام عادية يتكرر فيها الحضور حتى يصدق الآخرون أن الغياب انتهى حقًّا.

ولعل أثمن نجاح حققه في حياته لم يكن شركة بناها ولا ثروة جمعها، بل مساءً بسيطًا جلس فيه حفيده إلى جواره، وطلب منه ألا ينسى.

فلم ينسَ, رحلة القطرة الندية حكاية قطرة ندى سافرت فوق ورقة شجر حتى أيقظت صمت الليل من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد