مولد قطرة تحت جناح الليل، لم يكن الليل قد اكتمل بعد، غير أن الحديقة بدت وكأنها تحبس أنفاسها انتظارا لإشارة لا يراها أحد، كانت الأشجار ساكنة، والزهور مطبقة الرؤوس، بينما امتد ضوء القمر الشاحب فوق الأوراق كوشاح فضي نسيته السماء.
على طرف ورقة خضراء عالية، تعلقت قطرة ندى صغيرة، شفافة إلى حد جعل النجوم تظهر في جوفها مقلوبة ومرتجفة، لم تكن تعرف كيف وصلت إلى هناك، لكنها أحست أن الأرض البعيدة تناديها بصوت خافت، كأن تحت التراب قلبا ينتظر نبضتها الأخيرة.
ولدت القطرة من عناق طويل بين برودة الليل وأنفاس الهواء الرطب، فتجمعت أولا كلمعة باهتة فوق سطح الورقة، ثم كبرت بهدوء تستعير من الضباب ذراته ومن القمر نوره الخجول، كانت الورقة عريضة ودافئة من أثر النهار، وقد احتفظت داخل عروقها برائحة الشمس والتراب.
وحين شعرت بثقل القطرة فوقها، ارتجف طرفها ارتجافة خفيفة، فاهتز العالم داخل القطرة كمرآة سقط فيها حجر غير مرئي، قالت الورقة بصوت لا يسمعه إلا من يصغي إلى سكون الحدائق، تمهلي أيتها الصغيرة، فالطريق إلى الأسفل طويل، وما يبدو هادئا من بعيد قد يخفي أسرارا كثيرة، لم تجب القطرة، إذ لم تكن قد تعلمت الكلام بعد، لكنها التصقت أكثر بجلد الورقة الناعم، وتحرك في أعماقها شعور غامض يشبه الخوف، أو ربما يشبه الحنين إلى مكان لم تره قط.
النجمة الحبيسة في قلب الماء
انعكس ضوء نجمة وحيدة داخل القطرة، فبدت كأنها حبست في قصر زجاجي صغير، كلما تحرك الهواء، تمايلت النجمة في جوفها، وحاولت القطرة أن تفهم إن كانت تحمل السماء أم أن السماء هي التي تحملها.
مر نسيم بارد من بين أغصان الشجرة، تسلل إلى حواف الورقة وأطلق صفيرا رقيقا لم يكن عاديا، بل بدا كهمسة تحذير قادمة من مكان بعيد في الحديقة، حين تبدأ الرحلة لن تستطيعي العودة، اهتزت القطرة، ولم تعرف من نطق بتلك الكلمات، ونظرت بطريقتها الصامتة إلى الغصن وإلى الأوراق المجاورة، لكنها لم تجد سوى ظلال متشابكة تتلوى فوق بعضها مثل مخلوقات نائمة.
الانزلاق الأول نحو المجهول
انحنت الورقة قليلا تحت ثقل القطرة، فتزحزحت الأخيرة مقدار شعرة، كان التحرك ضئيلا، لكنه فتح أمامها طريقا لامعا امتد فوق سطح الورقة كأنه نهر ضيق يقود إلى حافة مظلمة، توقفت القطرة عند أول عرق بارز، فاحتضنها الأخدود الأخضر للحظة، وشعرت بخشونة خفيفة تحت جسدها المائي، وسمعت من داخل الورقة تدفق العصارة كنبض بطيء عميق.
كانت الشجرة حية أكثر مما تبدو عليه، ففي أعماق جذعها صعد الماء من الجذور، وتحرك الغذاء بين الأغصان، وتبادلت الخلايا رسائل صامتة لا تنقطع حتى في أشد ساعات الليل سكونا، قالت الشجرة بصوت عميق خرج من الجذع إلى الورقة، كل شيء يعود إلى الأرض، حتى ما يظن نفسه جزءا من السماء، لم تفهم القطرة المعنى كاملا، لكنها أحست أن الطريق تحتها أصبح أكثر انحدارا، ومع ارتعاشة جديدة من النسيم انزلقت ببطء، تاركة خلفها أثرا فضيا ضيقا يلمع تحت القمر.
ظل يتحرك أسفل الورقة
بينما تابعت القطرة رحلتها، تحرك شيء أسود أسفل الورقة، كان ظلا صغيرا سريعا، يظهر للحظة ثم يختفي بين الأغصان، كأن مخلوقا مجهولا يتتبع مسارها من الأسفل، توقفت القطرة عند نتوء أخضر، وارتجف سطحها، فانعكس الظل داخلها مضاعفا، بدا مرة كعنكبوت طويل الأرجل، ومرة كطائر بمنقار حاد، ومرة كيد سوداء تمتد نحوها.
غير أن الظل لم يهاجمها، بل ظل يرافقها بصمت، ينتقل من غصن إلى آخر، حتى ظهر صاحبه أخيرا، يرقة صغيرة خضراء كانت تزحف تحت الورقة باحثة عن موضع آمن للنوم، رفعت اليرقة رأسها نحو القطرة وقالت، ظننتك عينا للقمر تراقبني، تموجت القطرة فوق مكانها، فضحكت اليرقة بصوت خافت وتابعت، لا تخافي مني، فأنا أبحث مثلك عن نهاية هادئة لهذا الليل.
ممر الضوء فوق الورقة
بدأ القمر يصعد أعلى في السماء، فتحول سطح الورقة إلى ممر من نور أخضر وفضي، كانت القطرة تنزلق فوقه ببطء شديد، وكأنها تعرف أن كل لحظة في الرحلة لن تتكرر، مرت بجانب حبة غبار دقيقة التصقت بالورقة منذ النهار، بدت داخل القطرة كصخرة عظيمة، وحين لامستها حملتها معها قليلا قبل أن تتركها في أخدود جانبي.
ثم عبرت قرب خدش قديم أحدثه منقار عصفور، كان عميقا بالنسبة إليها، كأنه واد مفتوح في جسد الورقة، فاضطرت إلى الالتفاف حوله بحذر، كانت كل عقبة صغيرة تتحول في عالم القطرة إلى مغامرة كاملة، فشعرة دقيقة أصبحت جسرا، وحافة ملتوية صارت جبلا، وذرة تراب غدت بابا مغلقا لا تعرف ما وراءه.
حديث العثة البيضاء
حطت عثة بيضاء قرب منتصف الورقة، ناشرة جناحيها الرقيقين تحت ضوء القمر، وكان جسدها مغطى بمسحوق ناعم حتى بدت كرسالة صغيرة أرسلتها الغيوم، اقتربت من القطرة وهمست، إلى أين تذهبين في هذا الوقت المتأخر، ظلت القطرة صامتة، لكنها تحركت نحو الحافة، ففهمت العثة الإشارة، فطوت جناحيها وقالت، الأرض لا تخيف من يعرف أنه خلق ليعود إليها.
ثم انحنت وشربت لمسة صغيرة من طرف القطرة، فتقلص حجمها قليلا، وشعرت للمرة الأولى أنها تستطيع أن تمنح جزءا من نفسها دون أن تختفي، رفرفت العثة مبتعدة، تاركة خلفها ذرات بيضاء تدور في الهواء، وحين ابتلعها الظلام بدا جناحاها كصفحتين أغلقتا في كتاب الليل.
عند الحافة التي لا عودة بعدها
وصلت القطرة أخيرا إلى نهاية الورقة، ولم يبق أمامها سوى الفراغ، وقد بدت الأرض في الأسفل بعيدة ومظلمة، مغطاة بأوراق جافة وحصى صغير وجذور بارزة، تعلقت القطرة بالحافة، فاستطال جسدها الشفاف إلى الأسفل، بينما بقي طرف منها ممسكا بالورقة، كان القمر كله يرتجف داخلها الآن، ومعه انعكست الحديقة كعالم مصغر مقلوب.
قالت الورقة بصوت حنون، لقد حملتك ما استطعت، لكن لكل مسافر لحظة يفلت فيها يد الطريق، هب نسيم أقوى من سابقه، فانحنت الورقة ثم ارتدت، فتمايلت القطرة بعنف وكادت تسقط، لكنها استعادت توازنها في اللحظة الأخيرة، وفي تلك اللحظة، جاء من الأرض صوت خافت كالتنهد، اقتربي، لقد طال انتظارك.
النداء القادم من التراب
حدقت القطرة نحو الأسفل، فرأت بقعة داكنة بين الجذور تبدو أكثر سوادا من بقية الأرض، وكان النداء يصدر منها منتظما وبطيئا، كدقات قلب مدفون، تساءلت القطرة، دون كلمات، إن كانت الأرض جائعة أم عطشى، وإن كان سقوطها نهاية أم بداية لا تستطيع رؤيتها من فوق.
تجمعت غيمة رقيقة أمام القمر، فغرق كل شيء في العتمة للحظات، واختفت الورقة، وتلاشت الجذور، ولم يبق سوى القطرة معلقة بين السماء والأرض، ثم انزاحت الغيمة، وعاد الضوء فجأة، فرأت القطرة أن البقعة السوداء لم تكن حفرة، بل تربة رخوة تتوسطها بذرة صغيرة مشققة القشرة، مستلقية تحت طبقة خفيفة من التراب، وقد خرج منها جذر أبيض دقيق بدا جافا ومتعبا، ومن داخلها جاء النداء من جديد، أضعف هذه المرة.
السقوط الذي أيقظ الحياة
تخلت القطرة عن الحافة، وسقطت في الهواء ببطء بدا أطول من عمر الليل نفسه، مرت قرب غصن رفيع، ثم بجانب خيط عنكبوت ارتجف من اندفاعها، قبل أن تخترق مساحة من ضوء القمر وتتحول إلى لؤلؤة طائرة، دارت النجمة الحبيسة داخلها بسرعة، وانقلبت صور الأشجار والسماء والورقة، لم تعد القطرة خائفة، فقد شعرت وهي تهوي أن شيئا تحتها يستقبلها، لا ليبتلعها بل ليكمل بها حكاية أخرى.
اصطدمت بالأرض بصوت ناعم لا يكاد يسمع، وتناثرت أطرافها فوق حبيبات التراب، ثم تسربت بينها باردة وصافية حتى وصلت إلى القشرة اليابسة للبذرة، شربت البذرة الماء في صمت، فانتفخت قشرتها قليلا، وامتد جذرها الأبيض داخل التراب كإصبع صغير يتحسس طريقه في الظلام.
حين دقت الحديقة جرس النوم
ما إن استقرت القطرة في الأرض حتى تبدل إيقاع الحديقة، فهدأ النسيم، وأغلقت زهرة الياسمين آخر بتلاتها، وتوقفت اليرقة تحت الورقة عن الحركة، طوت العثة البيضاء جناحيها فوق غصن قريب، وفي العش العالي دفن عصفور صغير رأسه تحت جناحه، كأن إشارة خفية وصلت إلى جميع الكائنات في اللحظة نفسها.
انخفض ضوء القمر خلف سحابة طويلة، وأصبحت الظلال أكثر نعومة، حتى أوراق الشجرة كفت عن الارتجاف واستسلمت لسكون عميق يشبه التنفس المنتظم، قالت الأرض بصوت دافئ اخترق الجذور، وصلت القطرة الأخيرة، حان الآن وقت النوم.
حلم البذرة الصغيرة
في أعماق التراب، لم تختف القطرة كما ظنت في بداية رحلتها، بل توزعت داخل البذرة، وصارت جزءا من نبضها، ومنحتها القوة لتدفع أول خيط أخضر نحو سطح الأرض، وقبل أن يستيقظ الصباح، كانت البذرة تحلم بشجرة كبيرة تمتد أغصانها نحو السماء، وتحمل فوق أوراقها قطرات ندى جديدة، وفي إحدى تلك القطرات كانت نجمة صغيرة ترتجف، تنتظر رحلتها الخاصة.
أما الورقة العالية، فقد بقي فوقها أثر فضي جاف، كأنه خط رسمته القطرة لتخبر الليل بأنها مرت من هناك، وحين أغمضت الحديقة عينيها، لم يعد السكون فراغا، بل صار غطاء واسعا يضم كل المخلوقات، فاستقر الظلام أخيرا فوق الأرض، ونامت الشجرة واليرقة والعثة والعصفور، وحدها البذرة واصلت في الخفاء عملها البطيء، تفتح باب الحياة قطرة بعد قطرة.
قد تبدو الرحلات الصغيرة بلا أثر، لأن خطواتها لا تثير الغبار ولا يسمعها أحد، غير أن قطرة واحدة تستطيع أن توقظ بذرة نائمة، وأن تمنح الجذور وعدا جديدا بالحياة، فليس كل سقوط هزيمة، ولا كل نهاية فناء، فأحيانا يكون الطريق إلى الأسفل هو السبيل الوحيد كي ينمو شيء ما إلى الأعلى.
