الليلة التي غابت فيها النجوم، في تلك الليلة التي اختفت فيها النجوم عن السماء، استيقظ الملك تميم على صوت غريب يهمس باسمه، وأدرك بذعر أن الصوت لا يصدر عن الجدران ولا عن الريح المتسللة من الشرفات، بل ينبعث من ظله الممتد تحت قدميه، الذي راح يتلوى كأنه كائن جائع يحاول التحرر من جلده.
انطفأت آخر شمعة في قاعة العرش، وارتفع خلف الملك عمود كثيف من السواد، ثم انفتح في قلبه فم بلا أسنان تفوح منه رائحة التراب والقبور، وقال بصوت أشبه باحتكاك السلاسل بالحجر إن الذي صنعهم جميعا قد عاد، ومنذ ذلك اللحظة، شعر ملك الظلال، للمرة الأولى منذ اعتلائه عرش مملكة الغسق، أن الظلام الذي أطاعه طويلا لم يعد يعرف اسمه.
المملكة التي تنام بلا شمس
امتدت مملكة الغسق خلف سلسلة جبال سوداء لا يذوب الثلج فوق قممها حتى في أشد فصول الصيف حرارة، وأضاءت شوارعها مصابيح بزيوت زرقاء، ونمت فيها أشجار بأوراق فضية تمتص ضوء القمر، بينما اعتاد أهلها أن يقيسوا الوقت بحركة الظلال لا بحركة الشمس.
حكم تميم تلك المملكة بيد ثابتة، وكان قادرا على انتزاع ظل رجل من الأرض أو تشكيله رمحا يطعن به خصومه دون أن يبرح عرشه، ورغم أن الممالك المجاورة نسجت عنه حكايات تخيف الأطفال، لم يكن رجلا شريرا، بل تعلم منذ الصغر أن الحاكم الذي يظهر خوفه يمنح أعداءه سلاحا مجانيا.
لكن الخوف تسلل إليه في تلك الليلة كماء بارد، حين اندفع قائد الحرس إلى القاعة وقد التصق الرماد بوجهه، وأخبره أن القرى الشمالية اختفت تماما، لم تحترق ولم تترك أثرا، بل كأن العالم نسي وجودها من الأساس، أرسل تميم ظله على هيئة طائر أسود ليستطلع الأمر، فعاد بعد لحظات مرتجفا ثم تفكك إلى دخان بمجرد أن لامس الأرض، وشعر الملك بوخزة حادة في صدره، إذ كانت تلك أول مرة يعود فيها ظله مذعورا بلا صورة يحملها.
رسالة من مملكة الفجر
قبل أن يصدر تميم أمره، دوت الأبواق فوق أسوار القصر، فاندفع الحراس إلى الشرفات وأشرعوا أقواسهم نحو موكب أبيض تقدم بين الأزقة كخيط من الفجر ضل طريقه إلى الليل، توقفت عربة بلورية عند البوابة، ونزلت منها امرأة بدرع ذهبي رقيق يتوهج عند حوافه، بشعر بلون القمح عند الشروق وعينين صافيتين تثيران القلق، فعرفها تميم فورا، إنها الأميرة ليان وريثة مملكة الفجر، عدوته التي أوقفت جيوشه قبل ثلاثة أعوام عند وادي المرايا.
دخلت ليان القاعة دون أن تنحني، فامتدت ظلال الحرس نحوها كأفاع متحفزة، لكن النور المنبعث من خطواتها جعلها تتراجع بهمس خافت، تبادل الاثنان كلمات حادة تنم عن عداء قديم، ثم وضعت ليان صندوقا فضيا على الأرض وفتحته، فظهر ضوء خافت كشف عن خريطة قديمة تتوسطها دائرة سوداء آخذة في الاتساع، وأخبرته أن هذا الظلام لم يهاجم مملكته وحدها، بل ابتلع ثلاثة أبراج من حدود الفجر وأخمد نورا مشتعلا منذ ألف عام، حين سألها تميم عن ماهية هذا الشيء، ترددت قليلا ثم قالت كلمتين ثقيلتين، الليل الأول، فسقط الصمت على القاعة كستار كثيف.
الأسطورة التي منعت من أن تروى
قاد تميم الأميرة إلى المكتبة السفلى للقصر، حيث لا يدخل سوى ملوك الغسق وكهنة العهد القديم، وسط رفوف منحوتة في الصخر وكتب مربوطة بسلاسل نحاسية، بينما تحرس الظلال الممرات دون أصحاب، وقف أمام باب حجري بلا مقبض، وجرح راحته وضغط دمه على رمز محفور فيه، فانفتح الباب ببطء كاشفا عن جدار مغطى بلوحة قديمة تصور العالم قبل ولادة النهار، بحاره سوداء وجباله بلا ألوان، ومخلوق هائل يلتف حول الأرض كعباءة لا نهاية لها.
قرآ معا عبارة نقشت بلغة الملوك الأوائل تقول إن الظلام الذي سبق النور والظل معا يستيقظ حين ينفصل أحدهما عن الآخر، أدركا حينها أن ملوك المملكتين أخفيا نصف الحقيقة عن شعبيهما، فالليل الأول لم يكن عدوا هزم في حرب قديمة، بل كان قوة واحدة قسمت إلى نصفين، نور وظل، حتى يستطيع العالم أن يحيا، وأن أي محاولة لإفناء أحد النصفين تعيد الأصل ليبتلعهما معا، أخبرته ليان أن قرونا من القتال بين المملكتين أضعفت الحاجز الفاصل بين عالمهما وبين ذلك الظلام القديم، وأن العالم لن يصمد أكثر من ثلاثة أيام ما لم يصلا إلى منطقة تدعى قلب الكسوف، وهي أرض مهجورة بين المملكتين لا يثبت فيها ضوء ولا يستقر فيها ظل، ولم يخرج منها أحد حيا منذ مئات السنين.
عهد بين عدوين
وقف تميم وليان أمام بوابة القصر قبل الفجر، رغم أن الفجر لم يكن يرى من أرض الغسق أصلا، رفض تميم اصطحاب جيش لأن الممر المؤدي إلى قلب الكسوف يلتهم الجموع وتزداد قوته كلما زاد عدد الداخلين، فحمل سيفا أسود من معدن سماوي، بينما حملت ليان قوسا بلوريا يشكل سهامه من الضوء الخالص، سألته إن كان يثق بها، فأجاب أنه يثق بأنها لا تريد الموت، فابتسمت وقالت إن تلك بداية لا بأس بها.
امتدت الطريق أمامهما كجرح بين الجبال، وخلفهما بقيت المملكة غارقة في صمت، وأمامهما زحف السواد على الأفق يمحو الأشجار والوديان كحبر يسيل فوق لوحة، أقسم تميم في سره ألا يسمح لذلك الشيء بالوصول إلى شعبه، لكنه أخفى عن ليان أن الظلام الزاحف من الشمال كان يناديه كلما اقتربا منه، وأن الصوت الذي يسمعه لم يكن غريبا عليه، بل كان صوت أبيه الميت.
الطريق إلى قلب الكسوف
مع حلول المساء دخلا غابة السهو، حيث تلتوي أغصان الأشجار كأصابع الغرقى، ولا طير فيها ولا حشرة، حتى وقع حوافر حصانيهما بدأ يتلاشى تدريجيا، حذرته ليان من الإصغاء لما سيسمعه هناك، موضحة أن الصمت لا يعني غياب الأصوات.
بعد دقائق بدأت الأشجار تناديهما، فسمع تميم صوت أمه الدافئ يدعوه للعودة إلى كوخ قرب البحيرة، ورأى بين الجذوع ضوءا أصفر وشم رائحة خبزها الذي توقف عن الوجود منذ ماتت بمرض الظلال، وكاد يترجل عن حصانه لولا أن أمسكت ليان بذراعه رغم أن نورها أحرق جلده قليلا، حين أصرت أن ينظر بعيدا عن اليمين، فعل عكس ذلك، فرأى طيف أمه بثوبها الأبيض تفتح ذراعيها له، واهتز شيء في صدره حتى بدأ ظله ينفصل عنه متجها نحوها، فأطلقت ليان سهما من الضوء بدد الطيف إلى سرب خفافيش سوداء.
غضب تميم للحظة ظنا أنها أخطأت، فأوضحت له أن الأم الحقيقية لا تطلب من ابنها أن يترك شعبه للموت، فسكت وسحب ذراعه منها، وتابعا الطريق دون كلام، لكن حدة عدائه لها بدأت تخف دون أن يشعر.
الوحش المصنوع من الذكريات
عند منتصف الليل وصلا إلى جسر حجري معلق فوق واد بلا قاع، والريح تحمل أصوات جنود سقطوا في حروب قديمة، وفجأة ارتفع من شقوق الجسر دخان تجمع في هيئة وحش ضخم متعدد الرؤوس البشرية، عرف تميم بين تلك الوجوه جنودا من الفجر قتلهم بنفسه في وادي المرايا، وعرفت ليان جنود الغسق الذين أحرقتهم سهامها في المعركة ذاتها، وصرخت الرؤوس معا متهمة إياهما بأنهما سبب عودة الظلام.
هاجم الوحش الاثنين، فحاول تميم تقييده بسلاسل من الظلال لكنه مزقها بسهولة وانقض على ليان، فقطعت إحدى رؤوسه بسهم من الضوء، لكن مكانها نمت ثلاث رؤوس جديدة، فأدرك تميم أن الوحش يتغذى على قتالهما لا على أسلحتهما، حين رأى إحدى الرؤوس تصرخ باسمه بوجه جندي قتله بيده، فهم أن الوحش لم يكن جسدا بل ذنبا اتخذ شكلا، فغرس سيفه في الأرض وأسقط سلاحه، واعترف بصوت مرتفع أنه أمر بالحرب وأن سقوطهم كان بأمره، وأنه لن يدعي البراءة لمجرد أنه كان ملكا.
توقف الوحش عن الهجوم، فتقدمت ليان بدورها واعترفت أنها أحرقت جنودا لم تعرف أسماءهم مقتنعة بأن النور لا يخطئ لمجرد أنه صادر عنها، بدأ الدخان يتراجع، وتحولت الرؤوس الصارخة إلى وجوه هادئة قبل أن تنحل في الهواء كرماد بارد، وحين عبرا الجسر، أعاد تميم تاجه إلى رأسه لكنه شعر أن وزنه أصبح أثقل من أي وقت مضى.
سر أميرة النور
في الفجر الثاني وصلا إلى سهل من الزجاج الأسود تعلوه شمس باهتة بلا حرارة، وكل خطوة تتركها أقدامهما تكشف شقوقا تظهر صورا متحركة في الأعماق، رأى تميم طفولته يوم أجبره أبوه على فصل ظل خادم عجوز عن جسده وهو يبكي، بينما كان الملك يخبره أن الرحمة ثقب يدخل منه الأعداء، ثم رأى مشهدا لم يعشه، ليان طفلة تجثو أمام مذبح ذهبي بينما يضع كهنة الفجر أقراصا مشتعلة على ذراعيها وهي تصرخ دون أن يسمعها أحد لأن النور ابتلع صوتها.
سألها عما فعلوه بها، فحاولت التهرب قائلة إن المكان يكشف ما لا يعنيه، لكنه رأى تحت درعها ندوبا دائرية تصل إلى كتفيها، فاعترفت أن الكهنة فتحوا في جسدها مسارات النور وهي طفلة لتصبح قادرة على حمل شمس المملكة حين تكبر، قال لها إنها كانت طفلة فحسب، فردت أن الملوك لا يملكون طفولة، وهي عبارة سمعها تميم من أبيه مرات كثيرة، أدرك كلاهما في تلك اللحظة أن آباءهما كذبا عليهما منذ البداية، جعلاهما سلاحين ثم طلبا منهما أن يشكراهما على التيجان، فامتلأ الصمت بينهما باعتراف غير منطوق، قبل أن يهتز السهل كله وترتفع جدران الظلام في الأفق البعيد، معلنة أنه لم يبق أمامهما سوى يوم واحد.
الخيانة التي ولدت قبل الرحلة
عند حافة السهل، توقفت ليان فجأة ووجهت قوسها نحو صدر تميم، فتشكل سهم من الضوء الحاد جعل ظله يتراجع، لم يمد يده إلى سلاحه، بل قال لها إنها تأخرت كثيرا في محاولة قتله، فاعترفت أن جزءا من النبوءة لم تخبره به، وهو أن إغلاق قلب الكسوف يتطلب اتحاد النور والظل، على أن أحد الحاملين لن يعود، وأن مجلس الفجر أرسلها للتأكد من أن الذي لن يعود هو هو بالتحديد.
سألها لماذا لم تقتله وهو نائم، فذكرت أنها رأته يحمل طفلا جريحا في قرية محترقة حين ظن أن لا أحد يراه، وأنها سمعت اعترافه فوق الجسر، وأخيرا اعترفت أنها لم تعد واثقة أن النور الذي يأمرها بقتله أفضل من الظلام الذي جاءا لمحاربته، تلاشى السهم بين أصابعها، فأدار تميم ظهره لها وتابع السير، وأخبرها أنه حين يصلان إلى قلب الكسوف لن يقرر مجلسها من يموت، بل سيقرران هما.
المدينة التي ابتلعها النسيان
قبل غروب اليوم الثالث ظهرت أمامهما أطلال مدينة قديمة غير موجودة على أي خريطة، ترفرف فوق أبراجها المهدمة رايات نصفها شمس ونصفها قمر، ويقف في ساحاتها أشباح بشرية شفافة بلا ملامح، كلما اقترب تميم من أحدها سمع اسما يتردد في ذهنه ثم يتلاشى، قرأ نقشا تحت تمثال محطم لرجل وامرأة يتقاسمان تاجا واحدا، فعرف أنها مملكة الاتحاد الأولى التي سبقت الفجر والغسق، ولم يدمرها عدو خارجي بل محاها أبناؤها من الذاكرة كي يبرر كل طرف كراهيته للآخر.
في وسط المدينة وجدا بوابة دائرية يحيط بها اثنا عشر عمودا، وخلفها دوامة من الظلام الخالص تتحرك في صمت مرعب، وخرج منها صوت عميق رحب بعودتهما، تقدمت ليان مهددة بأنهما لن يسمحا له بابتلاع العالم، فضحك الصوت موضحا أنه لا يبتلع عالمهما بل يستعيد ما سرق منه، ثم امتدت منه يد سوداء لامست الأرض فانفصلت الظلال عن جسد تميم والنور عن جسد ليان، ووقف أمامهما شبيهان هائلان من قوتهما، بينما أخبرهما الصوت أنهما ليسا خصمين بل سجينين.
العرض الأخير
عرض الليل الأول على كل منهما صورا لمستقبل مغر، مملكة غسق سليمة تحكم العالم، ومملكة فجر مشرقة بلا ليل ولا خوف ولا موت، بشرط أن يسلمه أحدهما الآخر، تبادلا النظر، فقال تميم إن عالما بلا ليل سيحرق نفسه، وقالت ليان إن عالما بلا فجر سيتجمد، فسألهما الليل الأول ساخرا من سيختفي منهما.
غرس تميم سيفه في الأرض ومد يده إلى ليان، موضحا أن النبوءة كتبها ملوك أرادوا دائما أن يدفع أحدهم الثمن وحده، واقترح أن يكسرا تلك النبوءة معا، وضعت يدها في يده، وفي لحظة التلامس تدفق النور في عروق تميم كحديد منصهر، واندفعت الظلال في جسد ليان كبحر جليدي، فصرخا معا دون أن يفلت أحدهما يد الآخر.
معركة النور والظل ضد الأصل
انفجر قلب الكسوف، واندفعت الدوامة إلى السماء متحولة إلى مخلوق يفوق الجبال ارتفاعا بأجنحة من العدم ووجه يتبدل بين وجوه كل من خاف الظلام يوما، ضرب تميم بسيفه فخرج منه شريط نصفه ظل ونصفه نور، وأطلقت ليان سهما فضيا بقلب مظلم، فاخترق الهجومان جسد الليل الأول وتراجع للمرة الأولى، وحين صرخ منكرا أن النور يمكن أن يحمل الظل، رد عليه تميم بأن لا ظل يولد من دون نور، وأضافت ليان أن لا نور يعرف شكله دون ظلام يحده.
اندفعت أذرع المخلوق فالتفت حول تميم وسحبته إلى الأعلى وسط برد يمزق العظام وذكريات تتفتت، فصاحت ليان باسمه ومدت يدها فانطلق ظلها عبر الأرض والتف حول معصمه، ولأول مرة كان ظلها حبلا يعيده إلى الأرض لا خصما له، نهض تميم مستندا إلى سيفه رغم الدم الأسود الذي سعله، وجمع ظلال المدينة المنسية مناديا إياها بأسماء أهلها الذين بدأ يتذكرهم، بينما سحبت ليان آخر شعاع من الشمس الباهتة ومزجته بسواده، فتشكل بينهما رمح عظيم نابض كقلب حي، حذرهما الليل الأول أن قتله يعني قتل جزء منهما، فأجاباه معا أنهما لن يقتلاه بل سيمنحانه حدودا، ثم أطلقا الرمح.
سقوط ملك الظلال
اخترق الرمح صدر الليل الأول فانشق جسده إلى موجات من السواد والنور، ولم ينفجر بل تقلص عائدا إلى مركز الدوامة مجبرا على اتخاذ شكل صغير، لكن قلب الكسوف طالب بثمنه، فظهرت شقوق مضيئة على جسد تميم وبدأت ظلاله تتساقط عنه كقطع من ثوب محترق، حاولت ليان سحب الضوء من الرمح فقذفتها قوة هائلة بعيدا، فركضت إليه وأمسكت وجهه بين كفيها رافضة أن تسمح بموته.
وضعت جبينها على جبينه وأغمضت عينيها، ففتحت داخلها كل مسارات النور التي شقها الكهنة في جسدها وهي طفلة، وتركت الضوء ينساب منه إليها بينما دفعت إليه جزءا من روحها، فلم يعد الثمن حياة واحدة بل تقاسماه معا، انطفأ تاج تميم الأسود، وتحطم قوس ليان البلوري، وسقطا معا تحت مطر بدأ يهطل على المدينة لأول مرة منذ ألف عام.
الفجر الذي صنعه اثنان
استيقظ تميم على دفء لم يعرفه من قبل، ورأى السماء زرقاء والشمس تشرق فوق الأطلال دون أن تحرق ظلالها، ووجد ليان مستلقية إلى جواره ساكنة لا تتنفس، فناداها مرات دون جواب حتى انحنى فوقها ووضع أذنه على صدرها، فسمع أخيرا ضربة قلب ضعيفة تلتها أخرى، فتحت عينيها وهمست سائلة إن كانا قد انتصرا، فأجابها وهو ينظر إلى المدينة أنهما لم ينتصرا على الليل الأول، بل تعلما كيف يعيشان معه.
لاحظت ليان أن ظله لم يعد كثيفا كما كان، وأن نورها حولها خفت قليلا، فقد كل منهما نصف قوته لكنهما احتفظا بحياتهما، حذرته من أن مجلسي الفجر والغسق لن يقبلا بما حدث وقد يعلنان الحرب، فوقف ومد يده إليها معلنا أنهما سيمنعان المجلسين من كتابة نبوءة جديدة، وفي اللحظة التي خرجا فيها من البوابة، رأى العالم لأول مرة شمسا وقمرا يشرقان معا في السماء ذاتها.
تاج المملكة الجديدة
بعد سبعة أيام عاد تميم وليان إلى حدود المملكتين، فوجدا جيش الفجر مصطفا في جهة وجيش الغسق في الجهة المقابلة، وبينهما أرض رمادية تنتظر أول قطرة دم، طالب قائد مجلس الفجر ليان بالابتعاد عن ملك الظلال، وطالب كبير كهنة الغسق تميم بأمر يطهر الحدود من أعدائه، فتبادل الاثنان النظر دون حاجة إلى كلام.
خلع تميم تاجه الأسود، ورفعته ليان بين كفيها، ثم أخرجت شظية من قوسها الذهبي المحطم، ووضعا الاثنين فوق صخرة الحدود، وأشعلت هي آخر نورها وأطلق هو آخر ظله، فانصهرت المادتان في تاج جديد بلون الفجر قبل اكتماله، أعلن تميم أمام الجيشين أن مملكة الغسق لن تبقى كما كانت، وأعلنت ليان أن مملكة الفجر لن تبقى كما عرفوها، فاعترض أحد القادة متسائلا من منحهما حق محو التاريخ، فردت ليان أن تاريخا لا ينتج سوى المقابر ليس ميراثا بل لعنة.
لم يتحرك أحد من الجيشين، فقد رأوا جميعا الشمس والقمر يتجاوران في السماء، وأدركوا أن العالم نفسه تخلى عن حدوده القديمة، غرس تميم سيفه في تراب الحدود، وغرزت ليان شظية قوسها إلى جواره، وبمرور الأيام نشأت حول السلاحين مدينة جديدة لا تطفأ مصابيحها ليلا ولا تغلق نوافذها نهارا، لم يحكمها ملك ظلال ولا أميرة نور، بل حكمها اثنان تعلما أن القوة التي لا تجد ما يوازنها تتحول مهما كان اسمها جميلا إلى نوع آخر من الظلام.
لم يكن الليل شريرا كما لم يكن النهار بريئا دائما، فالظلمة قد تمنح المتعب سترا ينام تحته، والنور قد يتحول إلى نار إن أصر على كشف كل شيء، وبقي تاج المملكة الجديدة معلقا فوق بوابة القصر لا يرتديه أحد، لأن تميم وليان أدركا أن أثقل التيجان ليست المصنوعة من الحديد أو الذهب، بل تلك التي تجعل صاحبها يظن أنه وحده يرى الحقيقة، وفي كل مساء، حين يمد الغروب خيوطه بين الشمس والليل، كان أطفال المملكة يرفعون رؤوسهم نحو السماء، ويرون أن أجمل الألوان لا تولد من انتصار النور ولا من سيادة الظلام، بل من اللحظة التي يتوقف فيها كل منهما عن محاولة محو الآخر.
