قصة النحلة الكسولة التي أنقذت زهرة ذابلة وغيرت حياتها

الراوي
0

صباح مختلف يحمل بداية غير متوقعة، لم تكن جميع النحل في ذلك المرج متشابهة كما كان يظن سكانه، ففي أقصى طرف الحقل، حيث تتراقص الأعشاب مع نسيم الفجر، عاشت نحلة صغيرة تختلف عن أخواتها اختلافا واضحا، لم يكن السبب أن جناحيها أبطأ، ولا أن لونها أقل بريقا، بل لأنها كانت تكره العمل كما يكره الليل أول خيط من ضوء الصباح.

كانت تستيقظ متأخرة عن الجميع، وتحلق بلا هدف بين الأزهار، تراقب أخواتها وهن يحملن الرحيق بصبر وإصرار، بينما تختبئ هي تحت ورقة عريضة كلما سمعت طنين قائدات الخلية يقترب، كانت تظن أن الحياة خلقت للراحة وحدها، وأن العسل سيصنع سواء عملت أم لم تعمل، حتى جاء يوم غير كل ما كانت تؤمن به.

قصة النحلة الكسولة التي أنقذت زهرة ذابلة وغيرت حياتها حكاية اطفال


نداء بين أوراق الحقل

كان الصباح يشرق ببطء، والندى يلمع فوق بتلات الزهور كحبات لؤلؤ صغيرة، وانتشرت رائحة الأزهار في الأرجاء بينما امتلأ الهواء بأصوات النحل العامل، وكل نحلة تعرف طريقها بدقة وكأنها ولدت وهي تحفظه.

أما النحلة الكسولة فكانت مستلقية فوق ورقة خضراء تتأمل الغيوم، حتى وصل إلى أذنيها صوت خافت يشبه الهمس، فتبعته بفضول حتى وجدت زهرة صغيرة تنحني نحو الأرض، وقد ذبلت أطراف بتلاتها واختفى بريق ألوانها، أخبرتها الزهرة بصوت متعب أن الرحيق يجف بداخلها، وأن أحدا لم يزرها منذ أيام، وأنها إن بقيت على هذه الحال فلن ترى شروقا آخر، تراجعت النحلة خطوة وهي تتساءل في نفسها لماذا يجب أن تهتم وهي أصلا لا تحب العمل، لكنها لم تستطع أن تتجاهل النظرة الحزينة التي كانت ترتجف في قلب الزهرة كما ترتجف قطرة ندى قبل سقوطها.

الرحلة الأولى نحو المسؤولية

غادرت النحلة المكان وهي تشعر بثقل لم تعرفه من قبل، لم يكن جناحاها أثقل مما كانا عليه، بل كان قلبها هو الذي يحمل أسئلة لم تعتد سماعها، أخذت تحلق بين الأزهار تبحث عن قطرات الرحيق التي تستطيع نقلها، وكانت الرحلة أصعب مما تخيلت، فالرياح تعاكسها، والمسافات أطول من تلك التي اعتادت رؤيتها وهي مستلقية بلا عمل.

التعب الذي يكشف قيمة الإنجاز

كلما جمعت قطرة رحيق شعرت أن جناحيها يرتجفان من الإرهاق، لكنها كانت تعود إلى الزهرة المريضة مرة بعد أخرى، تضع ما جمعته برفق وكأنها تهديها أملا جديدا، ومع كل زيارة بدأت بتلات الزهرة تستعيد شيئا من لونها، وارتفعت ساقها قليلا نحو الشمس، حتى ابتسمت الزهرة لأول مرة وقالت إن النحلة منحتها فرصة أخرى للحياة، فأحست النحلة بدفء غريب يسري في صدرها، دفء لم تمنحها إياه ساعات الراحة الطويلة من قبل.

سر العسل الذي لا يعرفه الكسالى

حين عادت النحلة إلى الخلية لم يوبخها أحد كما كانت تتوقع، بل استقبلتها رائحة العسل الدافئة الممتزجة برائحة الشمع والزهور، وكأن المكان كله يحتفل بشيء خفي، اقتربت منها نحلة كبيرة بابتسامة هادئة وطلبت منها أن تحضر ما جمعته.

أول قطرة صنعتها بجهدها

وضعت النحلة الرحيق الذي جمعته بنفسها، وشاهدت العاملات وهن يحولنه شيئا فشيئا إلى عسل ذهبي يلمع تحت أشعة الشمس، ثم قدمت لها قطرة صغيرة لتتذوقها، وما إن لامس العسل طرف لسانها حتى اتسعت عيناها دهشة، فقد كان ألذ بكثير من كل ما تذوقته من قبل، ليس لأنه مختلف في الطعم، بل لأنها شعرت أن كل قطرة تحمل تعب رحلتها، وقلقها على الزهرة، وفرحتها حين استعادت الحياة، همست لنفسها أن هذا هو سر العسل الحقيقي الذي لم تكن تعرفه من قبل.

حين تغير القلب قبل أن تتغير العادات

مع مرور الأيام أصبحت النحلة تستيقظ قبل الجميع، وتطير أولا نحو الأزهار التي تحتاج إلى المساعدة قبل أن تجمع الرحيق للخلية، لم تعد ترى العمل عبئا، بل صار رحلة مليئة بالألوان والعطور والابتسامات الصغيرة التي تتركها خلفها أينما حلقت، أما الزهرة التي كانت على وشك الذبول فقد أصبحت من أكثر زهور المرج إشراقا، وكانت كلما مرت النحلة بجوارها تميل بتلاتها في امتنان صامت، كأن الريح نفسها تعلمت لغة الشكر.

وفي مساء ربيعي هادئ اجتمع النحل حول أقراص العسل الذهبية التي امتلأت بخيرات الموسم، بينما وقفت النحلة الصغيرة تتأمل انعكاس الشمس على العسل الذي شاركت في صنعه لأول مرة بقلب مخلص، ابتسمت وهي تدرك أن الراحة تمنح الإنسان ساعات هادئة، أما العطاء فيمنحه حياة كاملة.

ومنذ ذلك اليوم لم يعد أحد في المرج يناديها النحلة الكسولة، بل أصبحت تعرف باسم نحلة الأمل، لأن جناحيها لم يعودا يحملان الرحيق فقط، بل يحملان الحياة لكل زهرة تحتاج إليها، فليست قيمة الإنسان فيما يتجنبه من مشقة، بل فيما يزرعه من أثر طيب في حياة الآخرين، وبعض الرحلات تبدأ بخطوة مترددة لكنها تنتهي بقلب أكثر امتلاء مما كانت تستطيع الراحة أن تمنحه، وحين يصبح العطاء عادة يتحول التعب إلى ذكرى جميلة، ويغدو النجاح ثمرة تنضج بهدوء، تماما كما تنضج قطرة عسل تحت شمس الربيع.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.