لم تكن بحيرة السكينة تعكس الوجوه كما تفعل البحيرات الأخرى، ولم تحفظ في صفحة مائها صورة جبل أو غيمة أو جناح طائر يعبر السماء، بل كانت تنتقي من داخل الناظر إليها فكرة واحدة هادئة، ثم تمنحها شكلاً من الضوء يتحرك فوق سطحها كأن الماء يحلم بها.
ولهذا السبب، كانت حيوانات الغابة تأتي إليها كل مساء قبل أن تلامس الشمس حافة التلال، فتجلس في صمت بين الأعشاب الرطبة، وتنتظر أن تنفصل عنها أفكار النهار المرهقة كما تنفصل الأوراق اليابسة عن الأغصان في أول هبة خريفية.
غير أن البحيرة، في مساء لم يشبه سواه، بقيت ساكنة على نحو مخيف، ولم تعكس فكرة واحدة، بينما أخذت دوائر سوداء تتسع ببطء في قلب الماء، وكأن شيئاً مجهولاً في أعماقها قد استيقظ بعد نوم طويل.
الطريق إلى الماء الذي لا يعكس الوجوه
كانت الشمس تنحدر وراء الغابة ببطء، فتغمس أطراف الأشجار في لون نحاسي دافئ، بينما تنساب ظلال الأغصان الطويلة فوق الأرض مثل أشرطة من الحبر.
وفي ذلك الوقت من كل يوم، كانت الممرات الضيقة تمتلئ بخطوات الحيوانات المتجهة نحو البحيرة.
تقدمت الغزالة ريم بخفة حذرة، وكانت أذناها ترتجفان كلما تحركت ورقة إلى جوارها، فقد أمضت يومها تهرب من أصوات لم تر أصحابها، وتخشى ظلالاً لم تتحول قط إلى خطر حقيقي.
وخلفها جاء السنجاب فرفور، يحمل بين كفيه حبة بندق نسي أن يأكلها، إذ كان عقله مشغولاً بعدّ مخازنه السرية، وتذكر الأماكن التي أخفى فيها طعامه، والقلق من أن يأتي الشتاء أطول مما توقع.
أما البومة حكيمة فكانت آخر الواصلين، وقد انزلقت من بين الأغصان بصمت عميق، ثم استقرت فوق صخرة رمادية تطل على الماء، وطوت جناحيها كأنها تغلق كتاباً لم يحن بعد وقت قراءته.
لم تكن الحيوانات تتبادل الحديث عند البحيرة، فالكلمات الصاخبة كانت تثير سطحها، وتمنعها من التقاط الأفكار الرقيقة المختبئة خلف الخوف والتعب.
لذلك جلس الجميع في أماكنهم المعتادة، وتركوا للنسيم مهمة الكلام.
أول فكرة تلامس الماء
اقتربت ريم من الحافة حتى لامست حوافرها الطين البارد، ثم انحنت نحو الماء، فلم تر انعكاس عينيها الواسعتين ولا الخط الأبيض الممتد فوق جبينها، بل رأت مرجاً فسيحاً بلا صيادين ولا أصوات مفاجئة.
امتدت فوق سطح البحيرة أعشاب مضيئة لا وجود لها في الغابة، وركض بينها قطيع من الغزلان دون خوف، بينما كانت الريح تمر فوق ظهورها ناعمة كيد أم تمسح عن صغيرها آثار يوم طويل.
تنفست ريم ببطء، وشعرت بأن صدرها الذي ظل مشدوداً منذ الصباح بدأ يتسع، وأن دقات قلبها لم تعد تصطدم بأضلاعها، بل تهدأ واحدة بعد أخرى حتى صارت أقرب إلى وقع قطرات مطر بعيدة.
قال فرفور هامساً، رغم أن الكلام لم يكن ضرورياً:
أترين كل ذلك حقاً؟
رفعت ريم رأسها، وفي عينيها بقايا ضوء أخضر، ثم قالت:
لا أدري إن كنت أراه، أم أن البحيرة تذكرني بما نسيته حين خفت.
حين تكشف البحيرة ما وراء القلق
تقدم فرفور بعد أن انتهت ريم، وجلس على حجر صغير قرب الماء، ثم وضع حبة البندق إلى جواره، وحاول أن يمنع ذيله من الارتعاش، إلا أنه ظل يتحرك خلفه كغصن رفيع في مهب ريح لا تهدأ.
حدق في البحيرة طويلاً، لكن الماء لم يظهر له مخازن ممتلئة ولا أكواماً من الثمار كما كان يتوقع، بل انعكست فوقه شجرة ضخمة تتدلى من أغصانها آلاف الحبات الذهبية، دون أن يحاول أحد جمعها أو إخفاءها.
كانت الثمار تسقط ببطء فوق العشب، ثم تنبت في الموضع نفسه أشجار صغيرة جديدة، في مشهد جعل فرفور يشعر للمرة الأولى أن العالم قد يمنح دون أن يطالب أحداً بالعد أو الحراسة.
رفع كفيه عن حجر كان يقبض عليه بلا وعي، وقال بصوت خافت:
كنت أظن أن الراحة تعني امتلاك ما يكفيني.
أجابته البومة حكيمة من فوق صخرتها:
وأحياناً تعني أن تؤمن بأنك لن تُترك وحيداً حين ينقص ما لديك.
ظل فرفور صامتاً، ثم دفع حبة البندق إلى حافة الماء، فحملتها موجة صغيرة وأعادتها إلى قدميه، كأن البحيرة رفضت أن تأخذ منه شيئاً، واكتفت بأن تعيد إليه نفسه أخف مما جاءت.
الضيف الذي لم يسبق له الحضور
بينما كانت الحيوانات تستعد لجلستها الأخيرة قبل الغروب، صدر من بين الأشجار صوت احتكاك ثقيل، تلاه انكسار غصن يابس، فتوقفت الأنفاس والتفتت العيون نحو الممر المظلم.
ظهر ذئب رمادي ضخم من خلف الشجيرات، وكان فراؤه مبللاً بالعرق والغبار، وأنفاسه متقطعة، بينما بدت إحدى قوائمه مثقلة بجرح قديم جعله يخطو ببطء.
تراجعت ريم خطوة، وقفز فرفور إلى جذع قريب، أما الأرانب التي كانت تجلس عند الضفة الأخرى فقد اختفت بين الأعشاب قبل أن يكتمل ظهور الذئب.
قال الذئب دون أن يقترب:
لم آت للصيد.
لم تجبه الحيوانات، غير أن البومة حكيمة ثبتت نظرها عليه، ثم قالت:
كل من يأتي إلى هذه البحيرة يحمل شيئاً يطارده، حتى إن لم يكن وراءه أحد.
خفض الذئب رأسه، وأجاب:
وما يطاردني يعيش داخلي.
الذئب الذي خاف من أفكاره
كان اسم الذئب غيث، وقد عاش سنوات طويلة عند الطرف الشمالي للغابة، حيث الصخور الحادة والرياح الباردة والمسالك التي لا يجرؤ على عبورها إلا من تعلم أن يخفي ضعفه.
جلس بعيداً عن بقية الحيوانات، لكنه لم يقترب من الماء، فقد سمع أن البحيرة تكشف ما يسكن العقل، وخشي أن ترى الحيوانات ما حاول إخفاءه حتى عن نفسه.
قالت ريم وهي تراقبه بحذر:
إن كانت نيتك هادئة، فلن تعكس البحيرة إلا الهدوء.
ابتسم غيث ابتسامة شاحبة، بدت فيها أنيابه كحجارة بيضاء في كهف معتم، ثم قال:
وهذا ما أخشاه، ألا تجد في داخلي ما تعكسه.
مر النسيم فوق البحيرة، فاهتزت أوراق الصفصاف، وتطايرت منها قطرات فضية صغيرة، بينما كانت الشمس قد اقتربت من حافة الجبل، ولم يبق قبل الغروب إلا وقت قصير.
أشارت البومة حكيمة إلى الضفة، وقالت:
اجلس، ولا تبحث عن فكرة هادئة، فالأفكار التي نطاردها تبتعد، أما التي نترك لها مكاناً فتأتي وحدها.
اقترب غيث ببطء، وجلس أمام الماء، لكنه حين نظر إلى سطح البحيرة لم يظهر شيء، لا شجرة ولا سماء ولا ذكرى ولا أمنية، بل تحولت الصفحة الزرقاء إلى لون رمادي قاتم.
الدوائر السوداء
بدأت دائرة سوداء صغيرة تتشكل في قلب البحيرة، ثم اتسعت حولها دائرة ثانية، وثالثة، حتى بدا الماء كعين هائلة تستيقظ في باطن الأرض.
ارتفعت رائحة طين بارد من الأعماق، وانسحب الضوء عن الضفة القريبة، فتراجعت الحيوانات مذعورة، بينما ظل غيث ثابتاً في مكانه، وقد تجمدت ملامحه كمن تعرف إلى خوف قديم.
قال فرفور من فوق الجذع:
ماذا فعلت بها؟
رفع غيث رأسه بسرعة وقال:
لم أفعل شيئاً، أقسم أنني لم أفعل.
أطلقت البحيرة صوتاً خافتاً يشبه تنهيدة طويلة، ثم بدأت الأفكار الهادئة التي انعكست فوقها قبل قليل تتلاشى، فاختفى المرج المضيء، وغابت الشجرة الذهبية، ولم يبق إلا السواد المتحرك.
هبطت البومة حكيمة من صخرتها، ووقفت قرب الماء، ثم قالت:
البحيرة لا تخاف الأفكار المظلمة، لكنها تضعف حين يحاول صاحبها دفنها.
السر المدفون في الأعماق
ظل غيث يحدق في الماء، وكان كتفاه يرتجفان رغم دفء المساء، ثم انخفض صوته حتى كاد يضيع بين حفيف الأشجار.
قال:
قبل أعوام، كنت أقود قطيعاً من الذئاب نحو الوادي الشمالي، وفي ليلة عاصفة، ضللنا الطريق، لكنني رفضت العودة لأنني لم أرد أن يظنوا أنني خائف.
اشتدت الدوائر السوداء مع كل كلمة، وارتفع منها بخار رقيق راح يرسم فوق الماء أشكال ذئاب تركض بين صخور مظلمة، بينما تهوي خلفها الأشجار تحت ضغط الريح.
تابع غيث:
سمعت صوت الانهيار قبل أن يقع، وعرفت أن الطريق خطر، لكنني أمرتهم بالاستمرار، لأنني أردت أن أبدو قوياً.
لمعت فوق سطح البحيرة صورة جرف صخري ينهار، ثم تلاشت سريعاً، لكن صوت الحجارة المتدحرجة ظل يتردد بين الأشجار كأن الغابة نفسها تحفظه.
أغمض غيث عينيه وقال:
نجوت وحدي تقريباً، ومنذ ذلك اليوم، كلما أغمضت عيني سمعت خطواتهم خلفي، لا لأنهم يطاردونني، بل لأنني لم أعتذر لهم قط.
ساد صمت ثقيل، وتوقفت الطيور عن الغناء، بينما بقيت الشمس معلقة فوق الجبل كجمرة تنتظر من يدفعها إلى الغياب.
ما لا يمكن إخفاؤه
قالت ريم بصوت هادئ:
كنت أخشى أن أعرف أنك مفترس، لكنني أرى الآن أنك أيضاً فريسة لذكرى لم تفلت منك.
نظر إليها غيث، ولم يكن في عينيه غضب، بل تعب قديم بدا أعمق من الجرح في ساقه.
اقترب فرفور قليلاً، ثم قال:
حين أخاف من الشتاء، أخزن أكثر مما أحتاج، وحين تنتهي الأيام الباردة أجد بعض الطعام قد فسد.
الخوف يجعلنا نؤذي الأشياء التي نحاول حمايتها.
خفض غيث رأسه حتى كاد أنفه يلامس الماء، وقال:
لا أستحق أن يهدأ عقلي بعد ما فعلت.
ردت البومة حكيمة:
السكينة ليست مكافأة للذين لم يخطئوا، بل طريق يسلكه من قرر ألا يجعل خطأه قائداً لما تبقى من حياته.
امتحان اللحظة الأخيرة
لم يبق من الشمس سوى نصف قرص أحمر، وكانت حافة الماء قد بدأت تفقد ألوانها، فالأسطورة القديمة تقول إن البحيرة إذا غربت الشمس وهي عاجزة عن عكس فكرة هادئة، فإنها ستغلق صفحتها عاماً كاملاً.
بدأت الضفة تهتز تحت أقدام الحيوانات، وتصاعدت من الماء خيوط سوداء تشبه جذوراً طويلة تبحث عن شيء تتمسك به، بينما راحت الطيور تفر من الأشجار القريبة.
قالت حكيمة:
قبل الغروب، يجب أن تمنح البحيرة فكرة صادقة لا تخفي وراءها خوفاً.
نظر غيث إلى الماء، لكنه لم يستطع أن يجد في داخله صورة هادئة، فكل ما رآه كان وجوهاً غابت، وطرقات لم يعد يستطيع العودة إليها، وصوتاً داخلياً يخبره بأنه لا يستحق فرصة أخرى.
اقتربت ريم وجلست إلى جواره، رغم أن رائحة الذئب كانت توقظ في جسدها غريزة الهرب، ثم قالت:
لا تبحث عن الماضي وقد صار هادئاً، تخيل فقط ما ستفعله حين تخرج من هنا.
رفع غيث عينيه نحوها، وبدا للحظة كأنه لم يفهم السؤال.
قالت مرة أخرى:
ما أول شيء ستفعله إن منحتك البحيرة فرصة لتبدأ؟
الفكرة التي أنقذت الماء
أغمض غيث عينيه، وفي البداية لم ير شيئاً، ثم تسلل إلى ذهنه مشهد صغير لم يكن بطولياً ولا عظيماً؛ رأى نفسه عائداً إلى الوادي الشمالي، لا ليقود أحداً، بل ليضع حجراً عند كل موضع فقد فيه رفيقاً.
رأى نفسه ينظف الطريق من الأغصان الحادة، ويضع علامات تحذر العابرين من الجرف، ثم يجلس عند نهاية المسار كل ليلة ليقود التائهين إلى الطريق الآمن.
همس:
سأجعل المكان الذي تسبب في ضياعهم طريقاً لا يضيع فيه أحد بعدهم.
في اللحظة نفسها، انشقت الدوائر السوداء عن خيط فضي، ثم امتد الضوء فوق الماء مثل شق في ستار الليل، وظهرت صورة ممر جبلي تضيئه أحجار بيضاء على جانبيه.
ارتجفت البحيرة، ثم اندفعت منها موجة واحدة واسعة غسلت السواد عن سطحها، وأعادت إليها زرقة عميقة صافحت آخر أشعة الشمس قبل أن تختفي خلف التلال.
تنفست الحيوانات دفعة واحدة، وانحنت الأشجار فوق الماء، بينما أخذت الصورة الجديدة تتسع، فظهر فيها غيث يسير وحيداً في البداية، ثم تتبعه حيوانات صغيرة تعبر الطريق بأمان.
الليلة التي تعلّمت فيها الغابة معنى السكينة
حل الظلام برفق، وتعلقت أول نجمة فوق البحيرة، لكن الماء لم يعكسها، بل ظل يحتفظ بصورة الطريق المضيء الذي وعد غيث بصنعه.
وقف الذئب على قدميه، وكانت قامته لا تزال ضخمة، إلا أن ثقلها القديم قد اختفى، كأن الكلمات التي قالها حملت عن ظهره حجارة ظل يجرها أعواماً.
اقترب من ريم وقال:
كنت أظن أن الشجاعة تعني ألا يراني أحد ضعيفاً.
أجابته وهي تراقب الضوء المرتعش فوق الماء:
وربما تعني أن يعرف الآخرون موضع جرحك، ثم تختار مع ذلك ألا تجرحهم.
نزل فرفور من فوق الجذع، والتقط حبة البندق، ثم وضعها أمام غيث قائلاً:
خذها للطريق، ربما تنبت هناك شجرة.
نظر الذئب إلى الحبة الصغيرة طويلاً، ثم حملها بحذر بين أسنانه، كما لو كانت شيئاً ثميناً لا يجوز كسره.
أما البومة حكيمة فعادت إلى صخرتها، وقالت:
الآن تستطيع البحيرة أن تنام.
الشجرة عند الممر القديم
مرت أسابيع، وتغير لون الغابة مع اقتراب الخريف، لكن غيث لم يعد إلى البحيرة، فظنت بعض الحيوانات أنه نسي وعده، بينما قالت حكيمة إن الطرق الحقيقية تحتاج إلى وقت قبل أن تظهر.
وفي صباح بارد، عادت مجموعة من الأرانب من الشمال وهي تحمل خبراً غريباً؛ فقد وجدت ممراً آمناً يقطع الوادي، وعلى جانبيه أحجار بيضاء تلمع تحت ضوء القمر، وتحذر المسافرين قبل بلوغ الجرف.
قال أحد الأرانب إن ذئباً رمادياً كان يجلس عند بداية الطريق، يدل العابرين على المنعطفات الخطرة، ثم يختفي بين الصخور قبل أن يتمكن أحد من شكره.
وفي الموضع الذي يبدأ منه الممر، نبتت شتلة بندق صغيرة بين حجرين، مع أن الأرض هناك لم تكن صالحة لنمو الأشجار.
في مساء ذلك اليوم، اجتمعت الحيوانات عند بحيرة السكينة، وحين نظرت إلى الماء لم تر مخاوفها ولا أحلامها المعتادة، بل رأت شجرة بندق كبيرة تمتد أغصانها فوق طريق جبلي، ويستريح تحت ظلها المسافرون.
ابتسم فرفور، وخفضت ريم رأسها في هدوء، بينما حلقت حكيمة فوق البحيرة مرة واحدة، كأنها ترسم بجناحيها دائرة من الرضا.
لم تمحُ البحيرة خطأ غيث، ولم تعِد إليه من فقدهم، لكنها أظهرت له أن الندم حين يبقى حبيس القلب يتحول إلى مستنقع مظلم، وحين يجد طريقاً إلى العمل يصبح ماءً نظيفاً يستطيع الآخرون الشرب منه.
ومنذ ذلك الحين، أدركت حيوانات الغابة أن السكينة لا تعني غياب الذكريات المؤلمة، ولا أن يصبح العقل صفحة بيضاء، بل أن يجد الإنسان أو الحيوان مكاناً آمناً يضع فيه حزنه، ثم ينهض ليصنع من أثره ضوءاً يهدي من يأتي بعده, قصة بوابة العوالم ليلة اكتمال القمر التي قادت البطل إلى مملكة الوحوش الأسطورية من هنا.
