بوابة العوالم حكاية الحارس الأخير بين عالمين

الراوي
0

الباب الذي لم يكن موجودا، لم يكن ذلك الباب قائما حين مر صلاح الدين بالزقاق في الليلة السابقة، ولم يكن في الجدار المهترئ موضع يسمح بوجوده أصلا، غير أنه وقف تلك الليلة تحت ضوء القمر المكتمل كجرح أسود انفتح فجأة في جسد المدينة، كان الهواء من حوله أبرد من ليل الشتاء، تفوح منه رائحة طين مبلل ممزوجة بدخان غريب، بينما راحت مقابض الباب النحاسية ترتجف وحدها، كأن أصابع خفية تحاول فتحه من الجهة الأخرى.

اقترب صلاح الدين خطوة، فسمع صوتا خافتا يتسرب من بين الشقوق، لا يشبه نداء إنسان ولا عواء حيوان، بل بدا كهمس آلاف الحناجر وهي تلفظ اسمه في وقت واحد، تقول له إنه تأخر كثيرا.

بوابة العوالم حكاية الحارس الأخير بين عالمين


الزقاق الذي محته المدينة من ذاكرتها

كان صلاح الدين يعمل مرمما للمخطوطات القديمة في مكتبة صغيرة قرب الحي العتيق، وقد اعتاد العودة إلى بيته عبر أزقة متشابكة تنام بين البيوت الحجرية كأفاع سوداء، في تلك الليلة كان يحمل في حقيبته مخطوطا محترق الحواف، عثر عليه داخل صندوق مدفون أسفل المكتبة، ولفت انتباهه فيه رسم متكرر لدائرة يتوسطها باب تحيط به سبعة مخلوقات مجنحة.

لم يستطع قراءة الحروف المحيطة بالرسم لأنها بدت تتحرك كلما أطال النظر إليها، غير أن جملة صغيرة أسفل الصفحة الأخيرة ظلت ثابتة، تقول إن اكتمال وجه السماء يفتح الطريق لمن يحمل أثر الحارس، ظن صلاح الدين أنها استعارة غامضة، لكنه حين خرج من المكتبة وجد القمر معلقا فوق المدينة كاملا وقاسيا كعين لا ترمش.

اختار طريقا مختصرا لم يسلكه منذ طفولته، فوجد نفسه أمام زقاق مهجور كانت بوابته الحديدية مغلقة منذ أعوام، إلا أنها وقفت تلك الليلة مفتوحة تصدر صريرا بطيئا مع كل هبة ريح، دخل الزقاق فانطفأت أصوات المدينة خلفه دفعة واحدة، حتى وقع خطواته بدا مكتوما كأنه يسير فوق رماد.

الباب الأسود ذو العروق الفضية

في نهاية الزقاق ظهر الجدار القديم مغطى بطبقات من الطحالب والغبار، وانتصب في وسطه باب شاهق من خشب أسود تتخلله عروق فضية تلمع تحت ضوء القمر، يحمل على سطحه الرمز نفسه المرسوم في المخطوط، حين مد صلاح الدين يده إلى المقبض اشتعلت حقيبته بحرارة مفاجئة، ففتحها مذعورا فوجد الصفحة الأخيرة من المخطوط تتوهج بلون أزرق شاحب.

انبثقت الحروف من الورق كخيوط من نار والتفت حول معصمه، فرسمت على جلده علامة صغيرة تشبه مفتاحا ذا جناحين، تراجع صلاح الدين، لكن الباب تحرك من تلقاء نفسه وانفرج ببطء عن ظلام كثيف تتلألأ في أعماقه نجوم لم ير مثلها من قبل، وجاءه الصوت مرة أخرى يطلب منه أن يعبر قبل أن يصل آكل العوالم.

كان بإمكانه أن يهرب ويقنع نفسه بأن ما رآه مجرد أثر تعب، غير أن صرخة طفل يختنق بين أنياب شيء هائل خرجت من خلف الباب، فشد حقيبته إلى صدره وأخذ نفسا مرتجفا ثم عبر العتبة.

أرض تحت سماءين

لم يشعر صلاح الدين بالسقوط، بل أحس بجسده يتمدد وينكمش في لحظة واحدة، ثم قذف فوق أرض مكسوة بعشب أزرق رطب، فتح عينيه فوجد سماء بنفسجية تعلوها شمسان، إحداهما حمراء كجمرة مشتعلة والأخرى زرقاء باهتة تغرق خلف سحب طويلة تشبه أجنحة مخلوقات نائمة، أمامه امتدت غابة من أشجار فضية ملتوية الجذوع، تتحرك أوراقها رغم سكون الهواء وتطلق همسات متقطعة كأصوات بشر خلف جدار.

نهض بصعوبة فسمع حفيفا يدور حوله، ثم ظهرت بين الأشجار عيون صفراء كثيرة قريبة من الأرض، ذئاب ضخمة بأجساد سوداء شفافة تظهر عظامها كأنها من زجاج دخاني، تتصاعد من أفواهها خيوط لهب أخضر، أحاطت به في دائرة ضيقة وكشرت عن أنياب طويلة تقطر سائلا داكنا يحرق الأعشاب حيث يسقط، لكن علامة المفتاح على معصمه أضاءت فجأة وأطلقت موجة فضية دفعت الذئاب إلى الخلف، فانخفضت رؤوسها وانحنت أمامه كما تنحني جنود أمام ملك غائب.

الفارس ذو وجه الأسد

دوى خفق أجنحة هائلة فوق الغابة فارتجفت الأشجار، وهبط أمام صلاح الدين مخلوق يزيد طوله على ثلاثة أمتار، له جسد رجل مدرع بصفيح برونزي، ورأس أسد أبيض تشق وجهه ندبة سوداء، وجناحان عريضان تغطيهما ريشات بلون النحاس المحترق، غرس رمحه في الأرض وقدم نفسه باسم أرسلان، قائد حراس مملكة إيلورا، وقال إنهم انتظروا حامل المفتاح ثلاثة قرون.

حدق صلاح الدين فيه عاجزا عن تحديد ما إن كان يجب أن يصرخ أو يهرب، وقال إنه لا يحمل مفتاحا ولا يعرف مملكة تدعى إيلورا، وإنه دخل بابا ظهر في زقاق مهجور فحسب، أشار أرسلان إلى العلامة المتوهجة على معصمه، وقال إنها ختم الحارس الأخير الذي لا يستجيب إلا لدمه، ثم رفع عينيه نحو السماء حيث بدأت الشمس الزرقاء تنطفئ خلف غيمة سوداء تتمدد بسرعة غير طبيعية، وأخبره أن الرجل الذي أغلق بوابة العوالم قبل ثلاثين عاما كان والده.

السر الذي دفنته الأعوام

توقفت أنفاس صلاح الدين لحظة، وعاد إليه وجه والده كما رآه آخر مرة، رجل هادئ يبتسم عند باب البيت حاملا حقيبة سفر صغيرة، ويعده بالعودة قبل عيد ميلاده، كان صلاح الدين في السابعة حين اختفى والده، وقيل له إنه مات في حادث لم يعثر بعده على جثمانه، فكبر يحمل صورة باهتة وحنقا صامتا تجاه رجل رحل دون وداع.

أخرج أرسلان من داخل درعه قلادة معدنية تتدلى منها قطعة زرقاء، عرفها صلاح الدين فورا، كانت قلادة والده، منقوشا على ظهرها حرفاه الأولان بخط غير متقن، أطبق عليها بأصابعه وسأل عن مصيره، فأخبره أرسلان أنه مات وهو يمنع آكل العوالم من عبور البوابة إلى عالمهم، لكن تضحيته لم تعد كافية بعدما تحطمت الأختام السبعة، ولم يبق إلا ختم واحد في دم ابنه، تحولت الغيمة السوداء فوقهم إلى دوامة هائلة، وحذره أرسلان من أنه إن سقط الختم الأخير فلن يلتهم آكل العوالم عالمهم وحده، بل سيعبر إلى مدينة صلاح الدين ويفتح كل الأبواب بين العوالم حتى لا يبقى سوى فراغ يتغذى على الفراغ.

مجلس الوحوش السبعة

قاد أرسلان صلاح الدين عبر الغابة إلى مدينة محفورة في قلب جبل هائل، تتدلى من سقوفها بلورات زرقاء وتنساب في شوارعها أنهار من ضوء سائل، تسكنها مخلوقات ظن أنها لا توجد إلا في الأساطير، في قاعة مستديرة اجتمع حوله سبعة من زعماء المخلوقات، ولم تكن نظراتهم ترحيبية، فقد شكك بعضهم في وضع مصير مملكتهم بيد إنسان لا يعرف كيف يستخدم الختم، بينما ذكر آخرون بأن البشر أنفسهم فتحوا البوابة أول مرة بحثا عن القوة.

اشتعل الغضب في صدر صلاح الدين، لكنه تذكر أن أباه عاش ومات في هذا المكان محاولا إصلاح خطأ لم يرتكبه وحده، فقال بثبات إنه لا يعرف كيف يحارب مخلوقا يلتهم العوالم، لكنه يعرف أن أباه بقي هناك ليحميهم، وإنه لن يهرب قبل أن يفهم ما يجب فعله، ساد الصمت، ثم تقدمت امرأة عجوز نصفها غزال ووضعت أمامه صندوقا حجريا يحوي شفرة قصيرة شفافة تدعى نصل القمر، لا تجرح جسدا ولا تقطع معدنا، لكنها تستطيع قطع الصلة بين آكل العوالم والعوالم التي ابتلعها، حين رفع صلاح الدين الشفرة رأى على سطحها انعكاس وجه والده لا وجهه هو.

الطريق إلى قلب الفراغ

انطلقت فرقة صغيرة قبل اكتمال دورة الشمس الحمراء، ضمت صلاح الدين وأرسلان والمرأة النارية نارا، إلى جانب ذئب زجاجي ضخم يدعى شاهين، عبروا سهولا سوداء تنبت فيها عظام عملاقة بدل الأشجار، وارتفع في الأفق عمود من الظلام يصل الأرض بالسماء، تسبح داخله بقايا مدن وسفن وجبال انتزعها المخلوق من عوالم أخرى.

كلما اقتربوا منه بدأ صلاح الدين يسمع أصواتا مألوفة، صوت أمه وضحكة أبيه وجرس مدرسته القديمة، ثم رأى بيتهم القديم قائما وسط السهل ووالده يلوح له من الباب طالبا منه أن يعود، تحرك نحوه دون وعي، لكن شاهين أمسك طرف معطفه وسحبه إلى الخلف، وصرخت نارا محذرة إياه من النظر إلى ما يظهره الفراغ لأنه يتغذى على الحنين كما يتغذى على الخوف، اهتز البيت وانفتح وجه الأب عن فم أسود بلا قاع ثم ذاب المشهد في سحابة رماد، فتابع صلاح الدين السير وقد صار الحزن في داخله حجرا حادا.

جيش الظلال

عند حافة وادي المرايا اعترض طريقهم جيش يمتد حتى الأفق، مخلوقات بلا وجوه ترتدي دروعا من دخان متجمد، اندفعت نحوهم بإيقاع واحد كنبض قلب يقترب من الموت، حلق أرسلان وضرب رمحه فوق الصخور فانفجرت منها أعمدة من الضوء، وأطلقت نارا دوامة من اللهب الأبيض شقت صفوف الظلال، بينما مزق شاهين أجسادها بأنيابه الزجاجية، لكن كل ظل يسقط كان ينهض من جديد بعد لحظات.

أمسك أرسلان بصلاح الدين ورفعه نحو مدخل العمود الأسود، ثم أصابه رمح في جناحه فهوى على ركبته، وهو يدفعه إلى الأمام قائلا إن الرأس وحده يمنح الظلال حياة، وإنه لا يجب أن يقاتل الجيش، رفض صلاح الدين أن يتركه، فزأر أرسلان في وجهه أن أباه مات لأنه اختار الوقوف حين كان عليه أن يتقدم، وطلب منه ألا يجعل تضحيته تتكرر بلا معنى، أطبق صلاح الدين على نصل القمر وركض نحو العمود الأسود بينما توالت الصرخات خلفه.

في جوف آكل العوالم

ما إن دخل صلاح الدين العمود حتى اختفت الأرض من تحته، ووجد نفسه يطفو وسط فضاء لا سماء له ولا قاع، تنتشر فيه أطلال عوالم كاملة كالجزر الغارقة، أدرك أن كرة سوداء نابضة في وسط ذلك الفراغ هي النواة التي يحبس فيها آكل العوالم كل عالم ابتلعه، لكن قبل أن يصل إليها خرج المخلوق من الظلام متحولا من تنين بمئات الرؤوس إلى بحر من العيون، ثم استقر على هيئة رجل طويل يرتدي معطف والده، بملامح مطابقة لوجهه حتى أدق التجاعيد.

قال المخلوق إنه يحمل كل ذكريات والده وخوفه وأحلامه وكلماته الأخيرة، وإنه قادر على إعادته إليه كما كان إن أعطاه الختم، وعرض عليه عالما لا يموت فيه أحد ولا يرحل فيه أب عن ابنه، سال الدمع على خد صلاح الدين ولم يحاول مسحه، وقال إن العالم الذي لا يفقد فيه الإنسان شيئا لن يعرف قيمة أي شيء، ثم اندفع نحو النواة، لكن ذراع المخلوق تحولت إلى آلاف المخالب والتفت حول جسده حتى سمع عظامه تئن، فسقط النصل بعيدا وبدأت علامة المفتاح تنطفئ على معصمه.

الرسالة الأخيرة

في اللحظة التي كاد فيها وعيه يغيب، سخنت قلادة والده فوق صدره وانبثق منها ضوء أزرق فتح نافذة صغيرة في الفراغ، ظهر خلالها والده لا كوهم صنعه المخلوق، بل كذكرى محفوظة في القلادة، متعبا وملطخا بالدم لكنه يبتسم ابتسامته القديمة، أخبره أن الباب اختاره كما اختاره من قبل، وأنه لم يرحل لأنه أحب عالما غريبا أكثر منه، بل لأنه رأى فيه كل طفل سيضيع إن عبر ذلك المخلوق إلى أرضهم، وطلب منه ألا يحاول أن يصبح مثله، وأن يفتح الختم بدلا من أن يحبسه لأنه حاول إغلاق الباب وحده ففشل.

انطفأت الرسالة، لكن كلماتها بقيت تتردد في قلب صلاح الدين، ففهم أن الختم لم يكن قفلا فقط بل بوابة تسمح لكل العوالم الأسيرة بأن تمد إليه قوتها، رفع معصمه نحو النواة وصرخ أنه لن يحمل هذا العبء وحده، فانفتحت العلامة كعين من نور وخرجت منها خيوط مضيئة امتدت إلى كل المدن والبحار والجبال المحبوسة، فاستجابت العوالم واحدا بعد آخر، وتحولت السلاسل المحيطة بالنواة إلى أذرع أمسكت بالمخلوق، وتحطمت المخالب عن جسد صلاح الدين فاندفع والتقط نصل القمر قبل أن تهوي النواة بعيدا.

الضربة التي حررت العوالم

وقف آكل العوالم أمامه في هيئة عملاق من العتمة، تفتح داخله عيون لا حصر لها وتغلق كنجوم تحتضر، وحذره من أن قطع الصلة سيبعثر العوالم وقد لا يعود بعضها إلى موضعه، فسينقذها من قبضته ليلقي بها في المجهول، أمسك صلاح الدين بالنصل بكلتا يديه وشعر بقوة العوالم تمر عبر عروقه كتيار من نار وثلج، وأجابه أن المجهول أفضل من السجن، ثم هوى بالنصل فوق الخيط الأسود الواصل بين النواة وجسد المخلوق.

عم صمت مطلق ثم انشق الظلام بخط أبيض رفيع امتد إلى ما لا نهاية، وصرخ آكل العوالم فانفجر جسده إلى أسراب من العيون المطفأة، وبدأت المدن والبحار والجبال تنسحب من الفراغ عبر بوابات ملونة انفتحت في كل اتجاه، دفع الانفجار صلاح الدين بعيدا فشعر بنفسه يسقط بين العوالم، يرى فوقه إيلورا وتحته مدينته وحوله أماكن لم تطأها قدم بشرية قط، ومد يده يبحث عن شيء يمسك به قبل أن يبتلعه الفراغ.

اليد التي جاءت من وراء الباب

قبل أن يغيب في الظلام، انقض أرسلان من بوابة فضية وأمسك ساعده بمخالبه، بينما أمسكت نارا بجناح أرسلان من الطرف الآخر، والتف شاهين حول صخرة عائمة وانغرست أقدامه الزجاجية فيها حتى تشققت، صاح أرسلان أنه انتظره ثلاثة قرون ولن يسمح له بالرحيل بعد دقائق، فضحك صلاح الدين رغم الألم والخوف، ومد يده الأخرى وأمسك بذراع نارا حتى تعاون الثلاثة على سحبه عبر البوابة الفضية.

ما إن خرجوا حتى انهار العمود الأسود خلفهم وتحول إلى مطر من الرماد اللامع، وعادوا إلى وادي المرايا فوجدوا جيش الظلال قد اختفى، وارتفعت الشمس الزرقاء من جديد مشرقة فوق سماء إيلورا، بدأت الوحوش تخرج من مخابئها، وارتفعت أصواتها تدريجيا حتى اهتز الوادي بهتاف واحد لم يحمل اسم الحارس ولا اسم المنقذ، بل اسم صلاح الدين.

عودة الباب إلى الزقاق

قضى صلاح الدين في إيلورا ثلاثة أيام تعلم خلالها أن الزمن هناك يسير على نحو مختلف، وأن ليلة واحدة في مدينته قد تساوي أياما خلف البوابة، عرض عليه مجلس الوحوش أن يبقى حارسا للعوالم، لكنه نظر إلى القلادة وقال إن أباه قضى حياته هناك حتى صار غريبا عن عالمه، وإنه سيحرس البوابة دون أن يكرر خطأه، لأن الحارس الحقيقي يجب أن يعرف كيف يعود، أعطته العجوز ذات جسد الغزال مفتاحا فضيا صغيرا، وأخبرته أن الباب سيظهر له في كل ليلة يكتمل فيها القمر ما دام أحد العالمين يحتاج إلى الآخر.

ودعه أرسلان عند البوابة واعدا إياه بألا يستقبله كغريب في المرة القادمة، فرد عليه صلاح الدين مازحا بألا يضعوا جيشا من الذئاب المشتعلة عند المدخل، فانحنت الذئاب الزجاجية له قبل أن يعبر الباب، عاد إلى الزقاق في اللحظة نفسها التي غادره فيها، وبدأ الباب يتلاشى من الجدار كحبر يغسله المطر، بينما وجد علامة المفتاح على معصمه لا تزال هناك، وقد استقرت حولها سبع نقاط مضيئة بدلا من الأختام المكسورة.

حين خرج من الزقاق عادت أصوات المدينة دفعة واحدة، وفي صباح اليوم التالي عاد إلى المكتبة وفتح المخطوط القديم، فوجد صفحاته المحترقة قد تجددت وظهرت عليها صورة جديدة تصوره واقفا أمام بوابة العوالم إلى جانب أرسلان ونارا وشاهين، مكتوبا تحتها أن بوابة الجوع أغلقت لكن أبوابا أخرى استيقظت.

رفع صلاح الدين رأسه نحو نافذة المكتبة فرأى في وضح النهار طائرا صغيرا ذا ثلاثة أجنحة يحط فوق الحافة ويضع أمامه رسالة مختومة بشمع أزرق، فابتسم ومد يده إليها، لم يعد يخشى الأبواب التي تظهر في الجدران، بل كان يخشى فقط أن يتأخر عن فتحها، فقد أدرك أن الشجاعة ليست غياب الخوف بل القدرة على السير به دون أن يقودنا، وأن البطولة ليست أن يحمل المرء العالم فوق كتفيه وحده بل أن يمد يده حين يوشك السقوط، مؤمنا بأن يدا أخرى ستأتي من الجانب الآخر، وأن بعض الأبواب لا تظهر لتهرب بنا من حياتنا، بل لتعيدنا إليها أكثر فهما لما فقدناه وأكثر امتنانا لما بقي وأكثر استعدادا لحماية النور الصغير الذي نحمله في أعماقنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.