قصة اخر يوم في محل التصوير واخفاء الصورة القديمة

الراوي
0

قبل أن يدير سامح المفتاح في باب المحل للمرة الأخيرة، سقط من أحد الأدراج ظرف أصفر لم يلمسه منذ ثلاثين عامًا، وانزلقت منه صورة لطفل نحيل يقف تحت المطر، محدقًا في العدسة كما لو أنه يعرف أن أحدًا سيحاول يومًا محو وجهه.

انحنت سماح لالتقاط الصورة، لكن يدًا امتدت من خلفها وانتزعتها بعنف، حتى تشقق طرفها بين الأصابع المرتجفة.

وعندما رفعت رأسها، كان إسلام واقفًا عند الباب، شاحب الوجه، يهمس بصوت لم يشبه صوته المعروف في الحي:

هذه الصورة يجب أن تُحرَق قبل أن يُغلق المحل.

قصة اخر يوم في محل التصوير واخفاء الصورة القديمة قصة واقعية

الضوء الأخير خلف الواجهة الزجاجية

كان محل سامح للتصوير الفوري قد عاش أكثر مما ينبغي لمحلات صغيرة مثله؛ فقد نجا من ارتفاع الإيجار، ومن انقطاع الكهرباء، ومن ظهور الكاميرات الرقمية، لكنه لم ينجُ من الهواتف التي صارت تلتقط الوجه وتعدله وتقيسه وتضعه داخل استمارة رسمية في دقائق.

في ذلك الصباح الأخير، بدت الواجهة الزجاجية مثل عين هرمة أرهقها النظر.

التصقت بها بقايا إعلانات باهتة لصور جوازات السفر، وتدلّت خلفها ستارة زرقاء كانت فيما مضى تمنح كل زبون سماءً شخصية يقف أمامها للحظات.

دخل سامح المحل في السابعة، كما فعل طوال اثنين وأربعين عامًا، وأضاء المصباح الأبيض المعلق فوق المرآة.

أطلق المصباح طنينًا ضعيفًا، ثم ارتجف ضوؤه فوق الكرسي الدوار، كأن المكان نفسه يرفض الاعتراف بأن هذا الصباح لن يتكرر.

كانت رائحة الغبار ممزوجة ببقايا مواد التحميض القديمة، ورطوبة الخشب، وعطر مجهول علق في الستارة منذ سنوات.

مرر سامح يده على الكاميرا السوداء المثبتة فوق الحامل، ثم سحب أصابعه سريعًا، كما يسحب المرء يده من جبين ميت يخشى أن يشعر ببرودته.

وصلت سماح، ابنته، تحمل صندوقين فارغين ولفافة من الأكياس البلاستيكية.

كانت تعمل في ترميم الوثائق بإحدى المكتبات، وقد أصرت على مساعدته، مع أنها كانت تعرف أن كلمة مساعدة ليست سوى اسم لطيف لتفكيك حياة كاملة ووضعها في صناديق.

آلات لم تعد تنتظر أحدًا

قالت سماح وهي تفتح النافذة الصغيرة:

نبدأ بالأجهزة أم بالصور؟

لم يجب سامح فورًا، بل نظر إلى الكرسي الذي جلس عليه آلاف الأشخاص، بعضهم متوتر من سفر قريب، وبعضهم متأنق من أجل وظيفة، وبعضهم طفل لا يفهم لماذا يطالبه رجل غريب بألا يبتسم.

قال أخيرًا:

الأجهزة لها مشترون.

الصور ليس لها أحد.

فتح درجًا عريضًا تحت طاولة القص، فظهرت عشرات الأظرف الورقية، متراصة فوق بعضها مثل رسائل عادت من عناوين غير موجودة.

كُتبت على بعضها أسماء وأرقام هواتف، بينما حمل بعضها أوصافًا مقتضبة، رجل بنظارة سميكة، السيدة صاحبة المعطف الأخضر، الطفلان من شارع الساقية.

ابتسمت سماح بحزن وهي تقلب الأظرف.

لماذا احتفظت بها كل هذه السنوات؟

أغلق سامح الدرج قليلًا، كأنه يخشى أن تسمع الصور جوابه.

لأن كل واحد منهم قال إنه سيعود.

الوجوه التي نسيها أصحابها

جلسا على الأرض بين الصناديق، وبدآ فرز الصور إلى ثلاث مجموعات، صور يمكن تسليمها إن عُثر على أصحابها، وصور تالفة، وصور بلا أسماء ولا عناوين.

غير أن العمل الذي بدا بسيطًا تحول تدريجيًا إلى عبور بطيء داخل زمن الحي.

ظهرت صورة لواجهة سينما قديمة انعكس ضوؤها فوق كتف عروسين، وصورة لصبي يحمل قفص حمام أمام مبنى البريد قبل أن يتحول إلى مصرف.

وفي صورة أخرى، وقف ثلاثة رجال أمام شجرة جميز ضخمة لم يبقَ مكانها الآن سوى عمود إعلانات معدني.

كانت الوجوه في المقدمة تنظر إلى العدسة، لكن التفاصيل التي خلفها هي التي جذبت سماح.

شرفات خشبية اختفت، لافتات دكاكين نُزعت، مصابيح شوارع تشبه الأجراس، وأبواب بيوت صارت فيما بعد جدرانًا صماء.

رفعت صورة لرجل يرتدي بدلة بنية، بينما ظهر خلفه بائع جرائد عند ناصية الشارع.

أبي، هل تدرك ما لديك هنا؟

كان سامح يلف سلك آلة قديمة حول كفه.

صور لم يأتِ أصحابها.

ليس أصحابها فقط.

الحي كله موجود في هذه الأدراج.

اقتراح يمنع الذاكرة من الرحيل

أخذت سماح ترتب الصور بحسب السنوات التقريبية، مستعينة بأزياء الناس وطراز السيارات واللافتات.

وخلال ساعة واحدة، امتد فوق الأرض شريط مصور يبدأ بشوارع ترابية وينتهي بأبراج إسمنتية تخنق السماء.

قالت بحماسة:

يمكننا تنظيفها ومسحها ضوئيًا، ثم إنشاء أرشيف باسم المحل.

نعرض الصور القديمة، ونطلب من أهل الحي التعرف إلى أصحابها وتسجيل حكاياتهم.

ضحك سامح ضحكة قصيرة جافة، ثم أشار إلى اللافتة المائلة فوق الباب.

الناس لم يعودوا يريدون صورهم مطبوعة، فهل سيهتمون بصور غرباء مات بعضهم منذ سنين؟

التقطت سماح صورة لطفلة تقف أمام نافورة الحديقة القديمة، وفي يدها بالون يشبه القمر.

قد لا يهتم الإنسان بصورة غريب، لكنه يهتم بالشارع الذي مشى فيه أبوه، وبالشجرة التي جلست تحتها أمه، وبالنافذة التي كانت تطل منها جدته.

هذه ليست صور غرباء يا أبي، بل أجزاء من ذاكرة الجميع.

ظل سامح صامتًا، لكن يده توقفت عن لف السلك.

وفي عينيه لمعت للمرة الأولى منذ أسابيع مقاومة صغيرة لقرار الإغلاق، قبل أن تختفي حين أخرج من آخر الدرج ظرفًا أصفر متآكل الحواف.

لم يحمل الظرف اسمًا أو رقمًا، بل جملة كتبها سامح بخط قديم:

للولد صاحب العينين الواسعتين، إن عاد يومًا.

الصورة التي خرجت من زمنها

فتح سامح الظرف ببطء، فانبعثت منه رائحة ورق رطب، ثم سقطت صورة مربعة عند قدمي سماح.

كانت الألوان قد مالت إلى البني، غير أن المشهد ظل واضحًا بما يكفي ليوقظ شيئًا ثقيلًا في صدر سامح.

ظهر طفل في العاشرة تقريبًا، يقف تحت مظلة المحل في يوم ممطر.

كان جسده نحيلًا داخل قميص أكبر من مقاسه، وسرواله مرقعًا عند الركبة، وفي قدمه حذاء بينما التصقت القدم الأخرى بالأرض المبللة.

حمل الطفل فوق رأسه صينية خبز مغطاة بقطعة قماش، وحدق في الكاميرا بعينين واسعتين لم تعرفا بعد كيف تخفيان الخوف.

وخلفه، ظهرت امرأة شابة تدفع عربة صغيرة، وقد مدت ذراعها فوق كتفه لتحميه من المطر.

همست سماح:

من هذا؟

لم يجب سامح، لأن جرس الباب أصدر رنة حادة في اللحظة نفسها.

الزائر الذي جاء بعد فوات الأوان

دخل إسلام بخطوات سريعة، مرتديًا بدلة رمادية وربطة عنق زرقاء.

كان في منتصف الأربعينيات، معروفًا في الحي بصفته مالك شركة مقاولات وعضوًا بارزًا في مجلس تطوير المنطقة، ولم يره أحد منذ سنوات يمشي دون سائق أو يتحدث دون ابتسامة محسوبة.

توقفت عيناه عند الصورة، فسقطت الابتسامة من وجهه كما يسقط قناع خزفي.

عبر المسافة بين الباب وسماح في خطوتين، وانتزع الصورة من يدها حتى انثنى طرفها.

قال سامح بحدة:

انتبه، الورق أضعف من غضبك.

نظر إسلام إليه، ثم إلى الظرف، وكأن وجوده هنا لم يكن مصادفة.

سمعت أنك تغلق اليوم.

يبدو أن الأخبار السيئة أسرع من الزبائن.

اقترب إسلام من سلة الأوراق التالفة، وأمسك بولاعة فضية أخرجها من جيبه.

إذن لن تحتاج إلى هذه.

مد سامح يده وأغلق أصابعه حول معصمه قبل أن يقدح الشرارة.

الصور التي لا تخصك تحرقها في بيتك، لا في محلي.

ارتعش فك إسلام، ثم رفع الصورة أمامهما.

هذه تخصني.

الوجه الذي أنكره صاحبه

ساد المحل صمت لم يقطعه سوى طنين المصباح.

نظرت سماح إلى الطفل في الصورة، ثم إلى الرجل الواقف أمامها، وأدركت أن العينين لم تتغيرا؛ ضاقتا قليلًا، وازدادت حولهما الخطوط، لكن الخوف القديم ظل قابعًا في العمق.

قالت بهدوء:

أنت الطفل؟

أدار إسلام وجهه نحو المرآة، فرأى انعكاسه إلى جوار الستارة الزرقاء.

كان المشهد ساخرًا؛ رجل قضى سنوات يصنع لنفسه صورة دقيقة، يقف الآن في المكان الذي حفظ نسخة لم يستطع تعديلها.

قال بصوت خفيض:

كنت أوصل الخبز مع أمي.

كنا نعيش في غرفة فوق الفرن القديم، وكانت تجر العربة من الفجر حتى المساء.

اقتربت سماح خطوة.

وما العيب في ذلك؟

استدار إليها بعنف.

لا تتحدثي كما لو كنت تعرفين.

أنت لم تدخلي المدرسة بحذاء ناقص، ولم تسمعي الأولاد ينادونك ابن بائعة الأرصفة.

لم تري المعلمين يفتشون ملابسك خوفًا من أن تكون سرقت قلمًا.

كانت كلماته تخرج حادة، لكنها لم تصب أحدًا بقدر ما شقت طريقها إلى داخله.

أمسك الصورة من زاويتيها، وشدها حتى أصدرت طقطقة خفيفة.

الكذبة التي بُنيت فوق الطفولة

قال سامح:

قلت في لقاء المجلس إن والدك كان تاجرًا كبيرًا.

خفض إسلام يده، وتجمعت قطرة عرق عند صدغه رغم برودة المحل.

قلت ما كان الناس مستعدين لاحترامه.

المستثمرون لا يحبون الرجل الذي خرج من عربة خبز، والناخبون يصدقون البدلة أكثر حين يتخيلون أنها وُلدت معه.

أشارت سماح إلى الصورة.

وهل تظن أنهم سيكرهونك لأنك كنت فقيرًا؟

ابتسم إسلام ابتسامة مرة.

الناس لا يكرهون الفقر من بعيد، بل يصفقون له في الخطب.

لكن عندما يرونه في قدم حافية، يشمون رائحته ويخشون أن تلتصق بهم.

وضع الولاعة فوق الطاولة، ثم قال لسامح:

كم تريد؟

رفع سامح حاجبيه.

مقابل ماذا؟

الصورة والسالب، وأي نسخة أخرى.

أعطني رقمًا.

عندها نهض سامح ببطء، واتجه نحو خزانة حديدية صغيرة في آخر المحل.

أدار مفتاحها، وأخرج صندوقًا أسود لم تره سماح من قبل، ثم وضعه على الطاولة بينهما.

هناك أشياء لا تُشترى لأنها لم تكن معروضة للبيع أصلًا.

ما أخفته حواف الصورة

فتح سامح الصندوق، فظهر شريط من الصور السالبة محفوظًا داخل غلاف شفاف.

رفعه أمام المصباح، فبدت المشاهد معكوسة؛ الظلال مضيئة، والوجوه بقعًا داكنة، والمطر خيوطًا بيضاء تتدلى من سماء سوداء.

ثبت سامح الشريط في جهاز التكبير القديم، وبعد محاولتين اشتعل الضوء الأحمر في الغرفة الخلفية.

امتلأ المكان برائحة المواد الكيميائية التي ظنت سماح أنها رحلت إلى الأبد، وبدأت صورة أوسع من النسخة القديمة تظهر تدريجيًا داخل حوض التحميض.

في البداية، برز الطفل وعربة الخبز، ثم اتسعت الحواف لتكشف تفاصيل لم تكن في الصورة المقصوصة.

ظهر باب المحل، والشارع المبلل، والمرأة التي تحمي طفلها، وعلى الجدار خلفها ملصق كبير لإعلان امتحان المنح الدراسية.

قال سامح:

طلبت أمك مني صورة لك من أجل استمارة المنحة.

لم يكن معها ثمنها كاملًا، فدفعت نصف المبلغ أرغفة خبز وتركت النصف دينًا.

أغمض إسلام عينيه، لكن سامح واصل:

كنت ترتجف من البرد، وحين وجهت الكاميرا إليك، دخلت أمك في الإطار من غير قصد.

رفضت الصورة لأنها لم تكن مناسبة للطلب، فالتقطت لك صورة أخرى داخل المحل.

الرسالة التي انتظرت ثلاثين عامًا

أخرج سامح من الصندوق قصاصة ورقية مطوية، وقد تآكلت حوافها حتى صارت مثل قماش قديم.

مدها إلى إسلام، فتردد قبل أن يفتحها.

كان الخط متعرجًا، لكنه مقروء:

يا أستاذ سامح، إن نجح إسلام يومًا، احتفظ بالصورة الأولى.

أريد أن يراها عندما يكبر، حتى لا يظن أن الطريق بدأ من عنده وحده.

لم يتحرك إسلام، لكن أصابعه انغلقت فوق الرسالة.

وفي المرآة المقابلة، بدا وجهه كأنه فقد طبقاته المصقولة دفعة واحدة، وعاد للحظة وجه طفل وقف في المطر ينتظر أن تلتقط له الكاميرا بابًا إلى حياة أخرى.

قال بصوت مبحوح:

لماذا لم تعطها لي؟

أعاد سامح الصورة إلى الماء وحركها بملقط معدني.

عدت بعد سنوات بسيارة سوداء، وسألتني إن كانت لدي صور قديمة لك.

حين قلت نعم، أمرتني بإتلافها قبل أن تراها.

تراجع إسلام خطوة، وكأن الكلمات دفعته إلى الحائط.

ولماذا لم تفعل؟

رفع سامح الصورة من الحوض، فانسابت المياه من حافتها مثل مطر جديد.

لأن أمك طلبت مني أن أحفظها، وأنت طلبت مني أن أخفيها.

وكان عليّ أن أقرر أيكما كان أشجع.

النار التي كادت تأكل الحي مرتين

عادوا إلى الغرفة الأمامية، وكانت الشمس تميل خلف العمارات، فتسللت من الواجهة أشعة برتقالية ضعيفة.

وضع سامح الصورة الجديدة بجوار النسخة القديمة، وبدت الأم في الأولى مجرد ظل، بينما ظهرت في الثانية بوضوح، واقفة في المطر بثوب بسيط وذراع ممدودة فوق ابنها.

أمسك إسلام بالولاعة مرة أخرى، فانكمشت يد سماح فوق حافة الطاولة.

فتح غطاءها، وتراقصت شرارة صغيرة قرب الورق، لكن أصابعه لم تضغط حجر الإشعال.

نظر إلى أمه طويلًا، ثم إلى قدم الطفل الحافية.

كنت أظن أنني إن أحرقت هذه الصورة، فلن أبقى ذلك الولد.

قالت سماح:

لكن ذلك الولد هو من أوصلك إلى هنا.

هز رأسه، وظل الصراع ظاهرًا في عضلات وجهه.

لا تعرفين كم تعبت لأجعل الناس ينسونه.

أجاب سامح:

المشكلة أنهم نسوه فعلًا، حتى كدت تنساه معهم.

الصورة التي اختارت أن تبقى

أغلق إسلام الولاعة ووضعها فوق الطاولة.

لم يقدم اعتذارًا، ولم يتحول فجأة إلى رجل آخر، لكنه سحب الكرسي الدوار وجلس عليه كما جلس قبل ثلاثين عامًا، دون أن يعدل ربطة عنقه أو يمسح العرق عن جبينه.

قال لسماح:

لو أنشأتِ هذا الأرشيف، هل ستكتبين أسماء الناس تحت الصور؟

إن وافقوا، أو إن تعرف إليهم أحد.

أشار إلى صورته.

اكتبي اسمي كاملًا.

رفع سامح رأسه نحوه، غير مصدق.

أكمل إسلام:

واكتبي أن المرأة هي أمي، زينب عبد الرحيم، وأنها باعت الخبز في هذا الشارع خمسة عشر عامًا.

لا تكتبي أنها صنعت مني رجلًا مهمًا؛ اكتبي فقط أنها كانت تعمل وأنا أتعلم.

كانت سماح على وشك الابتسام، لكنها رأت في عينيه ما جعلها تكتفي بإيماءة صغيرة.

فبعض اللحظات إذا احتُفل بها بصوت مرتفع، انكسرت.

صورة الإغلاق التي فتحت بابًا جديدًا

في السادسة مساءً، أنزل سامح نصف الباب الحديدي، ثم توقف.

كانت الصناديق ممتلئة، والأجهزة مفصولة، واللافتة جاهزة للنزع، غير أن المحل لم يعد يبدو كجسد ينتظر الدفن.

جلست سماح خلف الحاسوب، وبدأت إنشاء ملف بعنوان أرشيف شارع الساقية المصور.

أما إسلام، فاتصل بأحد موظفيه وألغى موعدًا كان يفترض أن يحضره، ثم طلب منه إرسال جهاز مسح ضوئي احترافي وطاولات عرض إلى المحل في الصباح.

قال سامح ساخرًا:

الصباح؟ المحل مغلق من الليلة.

نظر إسلام حوله إلى الوجوه الموزعة فوق الأرض.

محل التصوير مغلق، لكن الأرشيف لم يُفتتح بعد.

قبل أن يطفئ سامح المصباح، طلبت سماح من الرجلين الوقوف أمام الستارة الزرقاء.

اعترض سامح لأن شعره غير مرتب، واعترض إسلام لأن عينيه كانتا محمرتين، لكنها ثبتت الكاميرا القديمة وطلبت منهما ألا يبتسما.

وقف سامح على اليمين، وإسلام على اليسار، وبينهما الصورة القديمة التي حملها الاثنان من طرفيها.

وعندما انطلق وميض الكاميرا، أضاء المكان لحظة واحدة، فرأى كل منهما الآخر بلا أقنعة ولا ظلال.

في صباح اليوم التالي، بقي الباب الحديدي مرفوعًا، لكن اللافتة تغيرت.

وتحت اسم المحل القديم، ظهرت عبارة جديدة بخط أسود واضح:

هنا تُلتقط الصور التي نعيشها، وتُحفظ الصور التي صنعتنا.

كانت أول صورة عُلقت داخل الواجهة لطفل حافي القدمين تحت المطر، وفوق رأسه صينية خبز.

لم تُخفَ الرقعة في سرواله، ولم تُقص عربة أمه من الإطار، بل وُضع أسفلها سطر كتبه إسلام بيده:

بدأ الطريق من هنا، لكنني لم أمشِه وحدي.

لا تمنحنا الصور ماضيًا أجمل مما كان، بل تمنعنا من اختراع ماضٍ يناسب ما أصبحنا عليه.

فالوجه الذي نحاول محوه لا يختفي حين نحرق الورق؛ إنه يظل خلف كل مرآة، منتظرًا أن نمتلك الشجاعة الكافية لنعترف بأنه حملنا، بقدميه المتعبتين، إلى المكان الذي نقف فيه اليوم.

وقد يُغلق متجر لأن الزمن تجاوز بضاعته، لكن الذاكرة لا تعرف التقاعد.

إنها تغير اسمها فقط، وتنتقل من درج مظلم إلى جدار مضاء، حتى يتعلم العابرون أن ما يخجل منه الإنسان أحيانًا قد يكون أصدق ما يستحق أن يُروى.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد