في تلك المدينة الساحلية، لم يكن المطر طقساً عابراً، بل موعداً سرياً تعقده السماء مع القلوب المؤجلة.
كان الناس ينتظرون أربعة أيام في السنة كما ينتظر الغريق خشبة نجاة، لأن المطر هناك لا يزور الأرض إلا سريعاً، غزيراً، كأنه يبكي دفعة واحدة ثم يختفي.
أما غالية، فلم تكن تنتظر المطر لتغسل النوافذ أو تملأ الخزانات، بل لتعود أصابعها إلى الحياة.
كانت عازفة بيانو صامتة معظم العام، تجلس أمام مفاتيحها البيضاء والسوداء كمن يجلس أمام باب مغلق، حتى تهطل أول قطرة، فينفتح الباب، وتستيقظ الموسيقى من عظامها.
المدينة التي خبأت المطر في أربعة أيام
كانت المدينة مشدودة إلى البحر مثل وتر قديم، شوارعها مرصوفة بملح الريح، وبيوتها تطل على الأزرق الواسع بعيون زجاجية متعبة.
طوال العام، كانت السماء صافية إلى حد القسوة، كأنها نسيت معنى الغيم، وكأن الغيم نسي طريق الرجوع.
لكن في أربعة أيام محددة، يتبدل كل شيء.
تهبط السحب من جهة البحر كجيش رمادي، تغلق الشمس، وتسكب ماءها بعنف رقيق، فتنبعث من الأرصفة رائحة الطين النادر، ومن صدور الناس تنهيدة جماعية تشبه صلاة قديمة.
في تلك الأيام فقط، كانت غالية تفتح نافذتها، تزيح الغطاء عن البيانو، وتضع أصابعها فوق المفاتيح بتردد عاشقة تخشى الاعتراف.
وما إن يضرب المطر الزجاج، حتى تنساب النغمات من تحت يديها كأنها لم تكن مريضة بالصمت قط.
عازفة لا توقظها إلا السماء
لم تفهم غالية سرها أبداً.
حاولت العزف في الصيف، في الليل، على ضوء الشموع، وعلى ضجيج البحر، لكن أصابعها كانت تخونها، تتصلب فوق المفاتيح كأغصان يابسة.
كان البيانو يعرفها، وهي تعرفه، لكن بينهما قفلاً لا يفتحه إلا المطر.
كانت أمها تقول لها إن بعض الأرواح لا تعمل إلا حين تلمسها العناصر، وإن روح غالية مصنوعة من ماء مؤجل.
كانت تبتسم ولا تجيب، ثم تمضي بقية العام وهي تنظف البيانو من الغبار كمن يعتني بقبر حبيب حي.
في العام الذي تغير فيه كل شيء، جاء المطر في موعده، صاخباً كعادته، وفتحت غالية نافذتها لتستقبل نجاتها السنوية.
جلست، عزفت أول مقطع، ثم توقفت فجأة؛ لأن لحناً آخر كان ينهض من المنزل المجاور، رفيعاً حزيناً، كأنه خيط ضوء خرج من شق في العتمة.
الكمان خلف النافذة
اقتربت غالية من النافذة، والمطر يجلد أطراف وجهها برفق بارد.
كان الصوت آتياً من نافذة مقابلة، من غرفة مضاءة بمصباح أصفر، وهناك رأت شاباً واقفاً، يعانق كماناً قديماً تحت ذقنه، ويحرك قوسه كما لو كان يلمس جرحاً لا يراه أحد.
لم يكن ينظر إلى النوتة، ولا إلى السماء، ولا إلى شيء.
كانت عيناه مفتوحتين على فراغ هادئ، فعرفت قبل أن يخبرها أحد أنه كفيف، وأنه لا يرى المطر، لكنه يسمعه على نحو لا يستطيع المبصرون بلوغه.
توقفت عن العزف، فتوقف هو أيضاً.
ظل بين النافذتين مطر كثير وصمت أكثر، ثم رفع الشاب وجهه نحو صوتها وقال بصوت بلغها متكسراً بين قطرات الماء:
لا تتوقفي كان البيانو يرى ما لا أراه.
حمد الذي كان يسمع لون المطر
في اليوم التالي، عرفت اسمه حمد.
كان يعيش في البيت المجاور منذ سنوات، لكنه ظل جزءاً من صمت الحي حتى فضحه الكمان.
كان كمانه لجده، خشبه داكن كليلٍ قديم، ورائحته مزيج من صمغ، ووقت، ويدين رحلتا ولم تتركا سوى الوتر.
قال لها من خلف نافذته إن المطر عنده ليس صوتاً واحداً.
المطر على الحديد أزرق، وعلى الخشب بني، وعلى الزجاج فضي، وعلى البحر أسود واسع.
ضحكت غالية للمرة الأولى منذ زمن، وقالت إن أصابعها لا تصدق الحياة إلا حين تسمع المطر.
منذ ذلك اليوم، اتفقا دون ورقة أو وعد معلن على موسم خاص بهما.
في كل عام، حين يهطل المطر، تفتح غالية نافذتها، ويفتح حمد نافذته، ويبدأ البيانو والكمان حواراً لا يفهمه سوى البحر والسماء.
أربعة أيام حب وثلاثمئة وواحد وستون يوماً انتظار
كان اليوم الأول للدهشة، والثاني للبوح، والثالث للخوف، والرابع للوداع.
ثم تمضي السنة طويلة كصحراء، يحمل كل منهما الآخر في ذاكرة الصوت، لا صورة كاملة، ولا لقاء مكتمل، بل وعد معلق على غيمة لا تأتي إلا مرة.
كانت غالية تكتب له رسائل لا ترسلها، تصف فيها لون فستانها، وارتجاف يديها، وعدد المرات التي حاولت فيها العزف وفشلت.
وكان حمد يحفظ ملامحها من صوت خطواتها، من طريقة تنفسها قبل النغمة الصعبة، ومن صمتها حين تخفي دمعة.
خمسة أعوام مرت هكذا.
خمسة مواسم مطر نسجا خلالها حباً من نغمات مبتلة، حباً لا يمشي في الشوارع، ولا يجلس في المقاهي، ولا يعرف المواعيد العادية.
كان حبهما يعيش في النوافذ، يكبر فوق حافة المطر، ويختفي حين تجف المدينة.
الخبر الذي كسر النافذتين
في الموسم الخامس، جاء المطر أثقل من المعتاد، كأن السماء تعرف ما ستقوله غالية.
عزفت في اليوم الأول بعنف، وفي الثاني بحنان موجع، وفي الثالث سكتت قبل أن يكتمل اللحن، فمال حمد برأسه نحو نافذتها كمن يسمع سقوط شيء غير مرئي.
قالت له بصوت حاولت أن تجعله ثابتاً:
سأسافر بعد هذا الموسم.
لم يتحرك القوس في يده.
ظل الكمان معلقاً في الهواء كطائر نسي جناحيه.
ثم قال بهدوء خافت:
إلى أين؟
أجابت، والمطر يمحو طرف صوتها:
إلى بلد لا يمطر فيه أبداً.
لم يقل حمد شيئاً طويلاً.
فقط أنزل الكمان، ووضع يده على حافته كما لو كان يتحسس نبض جده الراحل، ثم ابتسم ابتسامة لم تصل إلى صوته وقال:
إذن دعينا نعزف في اليوم الرابع لحن المطر الأخير.
اليوم الرابع حين دخلت غالية الغرفة
لم يكن اليوم الرابع يشبه أي يوم سبق.
كان المطر ينزل قصيراً وغزيراً، كأنه يركض خلف وداع لا يريد أن يفوته.
حملت غالية نوتتها بيد مرتجفة، وعبرت الزقاق الصغير بين البيتين للمرة الأولى، بينما كانت قطرات الماء تنقر كتفيها كأصابع كثيرة تدفعها إلى مصيرها.
فتح حمد الباب قبل أن تطرق، كأنه سمع اقتراب قلبها لا خطواتها.
في غرفته، كان الكمان ينتظر فوق كرسي خشبي، وكان البيانو الصغير الذي استعاره لأجلها موضوعاً قرب النافذة، متواضعاً، لامعاً، كأنه يعرف شرف اللحظة.
قال لها وهو يبتعد قليلاً عن الباب:
هذه أول مرة أسمعك من المسافة التي يستحقها صوتك.
جلست غالية أمام البيانو، وجلس حمد بجوارها لا مقابلها.
لم يعد بينهما زجاج، ولا مطر، ولا شارع.
كان بينهما فقط خوف قديم يذوب ببطء، ونغمة تنتظر أن تولد قبل أن تموت.
لحن المطر الأخير
بدأت غالية العزف، فانسكب البيانو ناعماً في الغرفة، ثم تبعه الكمان كظل يعرف صاحبه.
ارتفع اللحن بينهما حزيناً، لكنه لم يكن يطلب الشفقة؛ كان حزيناً مثل البحر عند الغروب، جميلاً لأنه يعرف أن كل موجة عائدة إلى الفقد.
في منتصف المقطوعة، تعثرت يد غالية.
لم تتصلب كما كانت تفعل في غياب المطر، بل ارتجفت لأن حمد مد يده باحثاً عنها.
لمست أصابعه أصابعها للمرة الأولى، وكان اللمس خفيفاً، لكنه فتح في صدرها باباً لم تفتحه كل أمطار المدينة.
لم يقل لها ابقي.
ولم تقل له تعال معي.
كانا يعرفان أن بعض الحب لا ينجو حين نحاول نقله من مناخه الأول.
أكملا العزف، يداً قرب يد، وقلباً قرب قلب، حتى خفت المطر فجأة، وانطفأت آخر قطرة على الزجاج مثل شمعة صغيرة.
ما تركته غالية بعد الرحيل
سافرت غالية في صباح جاف.
لم تودع المدينة بمطر، ولم تودع حمد بكلمة أخيرة.
تركت خلفها نافذتها مغلقة، وبيانوها مغطى، ورائحة عطر خفيفة في الزقاق، كأنها لم تمر من هناك إلا حلماً.
بعد رحيلها بيوم، طرق صبي صغير باب حمد، وسلمه صندوقاً خشبياً.
تحسسه حمد ببطء، وفتح غطاءه، فوجد داخله أشرطة تسجيل مرتبة بعناية، وعلى كل شريط سنة مكتوبة بخط بارز صنعتْه غالية كي يلمسه المطر الأول، المطر الثاني، المطر الثالث، المطر الرابع، المطر الخامس.
كان هناك أيضاً ظرف صغير.
فتحه، ومرر أصابعه على الورقة حتى وجد شريطاً صوتياً قصيراً.
شغله، فجاء صوت غالية هادئاً، قريباً، كأنها تقف عند النافذة المقابلة من جديد:
حمد أعرف أن البلد الذي سأذهب إليه لا يمطر، لكنني سرقت لك كل أمطارنا، سأمطر لك في كل ليلة عبر هذه الأشرطة، وكأنني لم أرحل أبداً.
نهاية لحن لم يجف
في تلك الليلة، جلس حمد قرب النافذة، وضع الشريط الأول في المسجل، وحمل كمان جده.
امتلأت الغرفة بصوت المطر القديم، مطر عامهما الأول، ذلك الذي جمع نافذتين لا تعرفان أنهما ستصبحان قلباً واحداً.
عزف حمد وحده، لكن الوحدة لم تكن كاملة.
كان البيانو غائباً، وغالية بعيدة، والمدينة جافة، ومع ذلك، حين ارتفع الكمان فوق صوت المطر المسجل، شعر أن النافذة المقابلة فُتحت في مكان ما من العالم، وأن أصابعها ما زالت تبحث عن نغمته.
لم يتعلم حمد كيف يمنع الرحيل، ولم تتعلم غالية كيف تحمل المطر معها دون ألم.
لكنهما عرفا أن الحب لا يقاس بعدد الأيام التي نعيشها معاً، بل بقدرة يوم واحد على أن يظل مضيئاً فينا سنة كاملة.
بعض الأرواح لا تبقى بجوارنا كما نشتهي، لكنها تترك لنا طقساً صغيراً ننجو به من الجفاف.
وقد يكون المطر الحقيقي، أحياناً، صوتاً محفوظاً على شريط قديم، أو لمسة عابرة، أو لحناً أخيراً يعلّم القلب أن الوداع ليس نهاية الموسيقى، بل بدايتها في غرفة أخرى, حكاية الراعي الذي أنقذ قلباً حجرياً من أطماع الملك والجبل الذي بكى من هنا.
