قرية عين الغيم ودموع الجبل، في أعالي الجبال حيث تعانق الغيوم قمم الصخور وتولد الأساطير من همسات الرياح قامت قرية فريدة اسمها عين الغيم تفتح عيونها كل صباح على خرير شلالات تنساب من قلب الجبل كأنما يبكي فيصير بكاؤه حياة للناس ودوابهم وحقولهم، لم تكن أنهارها من باطن الأرض بل من دموع جبل يبكي كل ليلة حتى غدت دموعه بركة يقتات منها الجميع قبل أن تتحول إلى نقمة حين بلغ خبرها ملك لا يعرف غير الطمع.
في الربيع كانت الدموع بيضاء دافئة كالحليب تفوح بعطر خفي وفي الخريف تصير عسلا ذهبيا يلمع تحت الشمس حتى غدت تلك الدموع مصدر الحياة الوحيد لأهل القرية، وتناقل الأجداد وصية قديمة تقول إن بعض الأحزان خلقت لتحترم لا لتكشف وإن البركة التي تأتي من قلب مكسور لا تنتزع بالقوة.
سالم الراعي ونبض الصخور
عاش بين أهل القرية راع بسيط يدعى سالم يقضي نهاره في المراعي وعلى سفوح الجبل فإذا اقترب من الصخور شعر بشيء لا يراه غيره، كان يسمع نبضا خافتا يمتزج بصوت الماء حتى أيقن أن في داخل الجبل قلبا حيا يخفي حكاية لم يكتشفها أحد.
كان يعود كل مساء محملا بصمت ثقيل كأنه يحمل أمانة سمعها من الجبل نفسه فلا يجرؤ على البوح بها ولكنه لا يستطيع الفكاك من ندائها، ظل ذلك الإحساس يكبر في صدره حتى صار النبض لغة يفهمها وقصدا لا بد أن يسير إليه.
الملك الطماع ورفض التحذير
انتشرت حكاية الجبل الباكي في الممالك المجاورة حتى بلغت ملكا اشتهر بجمع الكنوز والاستيلاء على كل نفيس، وما إن سمع أن جبلا يمنح الحليب والعسل حتى قرر امتلاكه مهما كان الثمن.
دخل الملك القرية بجيشه فلم يلتفت إلى خوف الصغار ولا إلى توسلات الشيوخ ووقف أمام الجبل يأمر جنوده أن يحفروا في قلبه ليصلوا إلى مصدر الدموع، حاول شيخ القرية أن يثنيه قائلا إن الجبل لم يؤذ أحدا طوال ألف عام فلا توقظ بالطمع ما هو نائم لكن الملك رد متبجحا بأن لا سر يعجز عن كشفه معول.
صمت الشلالات والنداء الخفي
في تلك الليلة اختفى صوت الشلالات لأول مرة وخيم على القرية صمت كثيف حتى بدت البيوت كأنها تحبس أنفاسها، خرج سالم نحو الكهف القديم ووضع كفه على الصخر فسرى في جسده برد غريب ثم جاءه من الأعماق صوت امرأة عجوز يتوسل إليه أن ينقذ قلبها قبل أن تحطمه المعاول.
تجمد الدم في عروقه لكنه لم يفر بل التصق بالصخر أكثر حتى سمع الهمسة الثانية تقول إن الألم لن يوقفه إلا الأغنية، عندها شعر أن خيطا واهيا يربط بين ما يسمعه الآن وما سمعه قديما في حجر أمه.
الأغنية المنسية وممرات الكهف
تذكر سالم أغنية قديمة كانت أمه تغنيها له وهو طفل لا يعرف من الدنيا إلا دفء حضنها، لم يكن يدري أصلها لكنها كانت تحمل شوقا عجيبا يجعل القلب يرتجف كلما تسللت إلى سمعه فارتاب أن تلك الأغنية ليست مجرد لحن بل مفتاح لسر قديم عمره ألف عام.
اندفع عبر ممرات ضيقة رطبة يقوده صدى خطواته ونبض الجبل حتى بلغ قاعة هائلة تتوسطها صخرة على هيئة امرأة عجوز متحجرة ينبض داخل صدرها حجر مضيء، كانت الدموع تهبط من عينيها شلالات رقراقة لتخرج إلى القرية حياة في هيئة أنهار.
داخل قلب الجبل والمرأة المتحجرة
اقترب سالم بخطى وئيدة ففتحت المرأة عينيها كأنها تزيح عن جفنيها قرونا من النوم ونطقت بصوت أثقل من الزمن تخبره أنها كانت امرأة أحبت راعيا وعدها أن يعود مع أول مطر لكنه مات قبل أن يفي بوعده، ومنذ ذلك الحين وهي تبكي انتظاره حتى مر ألف عام ودمعها لا ينقطع.
قالت إن الجبل احتضن حزنها حتى صارت قلبه وإن دموعها تحولت رزقا للناس، لكنها حذرته من أن كسر القلب بالمعاول سيقتل الجبل ويقضي على القرية بأسرها.
لحن الرحمة واهتزاز الجدران
في الخارج كانت معاول الجنود تنهش الصخر وتدق على جدار القلب فيما وقف سالم في القاعة العميقة يلتقط أنفاسه ثم رفع صوته يغني اللحن القديم، لم يكن صوته صوت مطرب بل صوت إنسان يحمل الصدق كله في قلبه ويصب ما فيه من رحمة في نغمة واحدة.
انتشرت الكلمات في الكهف ورددتها الجدران وتضاعف صداها حتى اهتز الجبل كأنه يتذكر نفسه، أغمضت المرأة عينيها وعلى وجهها أول ابتسامة منذ ألف عام كأن الأغنية ردت إليها ما فقدته من سلام.
آخر دمعة ونبع الحياة
انحدرت من عينها دمعة واحدة لكنها لم تكن حليبا ولا عسلا بل ماء نقيا صافيا شفافا كضوء الفجر، تدفق الماء من قلب الجبل حتى تحول إلى نبع دائم لا ينضب يروي الأرض دون أن يولد من الحزن.
خرج الماء إلى سفح الجبل في مجرى مطمئن يلمع تحت الشمس الجديدة كأنه عهد لا يخون، ومنذ تلك اللحظة تبدلت نعمة البكاء بنعمة الحياة.
انسحاب الملك وشكر القرية
خرج سالم من الكهف والنبع الجديد يجري خلفه فأحاط به أهل القرية بوجوه يغمرها الذهول والامتنان، وقف الملك مذهولا أمام الماء الصافي وأدرك أن القوة لم تمنحه ما منحته الرحمة وأن المعول لا يستخرج إلا الصخر أما القلوب فتفتح بالإنصات.
أمر جنوده بالتراجع وغادر القرية خالي الوفاض فيما وقف الناس حول النبع الجديد يشكرون الراعي الذي أنقذ الجبل من غير أن يؤذيه، وعادت إلى البيوت أنفاسها وإلى العيون ضحكات لم تعرفها منذ ليلة الصمت.
الجبل الذي توقف عن البكاء والعبرة الباقية
منذ ذلك اليوم لم تعد الشلالات البيضاء والذهبية تظهر في مواسمها لكن الينبوع ظل يجري بلا انقطاع حتى تحولت القرية إلى واحة خضراء يقصدها الناس من كل مكان، كان سالم يجلس كل مساء عند سفح الجبل يعزف في صمته لحن الحب القديم فيبتسم الجبل بلا كلام كأن قلب المرأة العجوز وجد أخيرا السلام الذي انتظره ألف عام.
تعلم أهل القرية أن بعض الكنوز لا تستخرج بالمعاول بل تستعاد بالرحمة وأن القلوب المثقلة بالحزن لا تحتاج إلى من يكسرها ليكشف أسرارها بل إلى من يصغي إليها بإخلاص، وهكذا بقي الجبل شامخا لا لأنه أخفى كنزه بل لأنه وجد أخيرا من فهم أن أعظم الثروات هي تلك التي تحفظ بالمحبة لا بالطمع.
