قصة اخر مقعد في العزاء لرجل ورث ذكرى ميت

الراوي
0

كان منصور يعرف أن للموتى روائح تختلف باختلاف ما تركوه خلفهم؛ بعضهم تفوح من جنازته رائحة البخور والورد، وبعضهم لا يخلّف سوى رطوبة الجدران وكراسي بلاستيكية باردة تنتظر أجسادًا لن تأتي.

في تلك الليلة، جلس في المقعد الأخير من عزاء رجل يدعى جابر، كما اعتاد أن يفعل دائمًا، ولم يكن يعلم أن المقعد الذي يتقاضى أجرًا ليملأه سيجعله الشاهد الوحيد على محاكمة لا يقف فيها الميت للدفاع عن نفسه.

حكاية اخر مقعد في العزاء لرجل ورث ذكرى ميت قصة قصيرة

الرجل الذي يُستأجر ليحزن

لم يكن منصور ندّابة، ولم يكن يجيد البكاء متى طُلب منه ذلك؛ كان عمله أبسط من الدموع وأشد قسوة منها.

يتلقى اتصالًا من متعهد جنائز، فيرتدي قميصه الأسود، ويذهب ليجلس بين المشيعين القليلين حتى لا يبدو الميت مهجورًا تمامًا.

كان المقابل زهيدًا، لكنه يكفي لشراء الخبز ودواء السعال لأمه، وربما علبة سجائر يخفيها في جيبه الداخلي.

لم يسأل يومًا عن أسماء الموتى إلا بالقدر الذي يمنعه من ارتكاب خطأ فادح، كأن ينادي المتوفى باسم آخر أو يعزّي الرجل الخطأ.

اختار لنفسه المقعد الأخير منذ أول جنازة حضرها مقابل المال.

هناك، قرب الباب، يستطيع أن يراقب القادمين، ويختفي قبل أن يسأله أحد عن صلته بالميت، كما يستطيع أن يمنح القاعة خدعة صغيرة؛ فمن يدخل ويراه بعيدًا يظن أن بين الجالسين من أحب الراحل حتى آثر الصمت والوحدة.

حقيبة سوداء وقائمة أسماء

كان متعهد الجنائز، الحاج مرسي، يحتفظ بدفتر صغير تغطي غلافه بقع القهوة ودخان السجائر.

يسجل فيه أسماء الرجال المستعدين لحضور العزاءات الفقيرة، وبجوار كل اسم ملاحظة تحدد موهبته.

كتب بجوار أحدهم، يبكي بسهولة، وبجوار آخر، صوته جهوري في قراءة الفاتحة، أما بجوار اسم منصور فكتب، هادئ، ملامحه حزينة، يجلس في الخلف ولا يثير الأسئلة.

قبل مغرب ذلك اليوم، اتصل به الحاج مرسي وقال بصوت تنخره بحة قديمة:

عندنا عزاء الليلة يا منصور، والميت ما لهوش ناس كتير.

سأل منصور وهو يغلق نافذة غرفته اتقاءً لريح يوليو المحملة بالغبار:

اسمه إيه؟

جابر السيوفي.

تاجر قديم، ومعاه فلوس، لكن شكله ما كانش معاه بشر.

توقف منصور لحظة أمام العبارة الأخيرة، ثم التقط قميصه الأسود من مسمار الحائط.

لم يكن غريبًا أن يمتلك الرجل مالًا ويعجز عن شراء مقعدين من الحزن، لكن نبرة الحاج مرسي أوحت بأن الوحدة لم تكن مصادفة، بل حصادًا تأخر موعد جمعه.

عزاء جابر السيوفي

أقيم العزاء في قاعة ضيقة ملحقة بمسجد قديم، تتدلى من سقفها مروحة تدور بكسل، فتدفع الهواء الساخن من ركن إلى آخر دون أن تبرده.

امتزجت رائحة القهوة المحروقة بالبخور الرخيص وعرق الرجال، بينما كان صوت القارئ يتسلل من مكبرات مبحوحة كأنه آتٍ من بئر.

عدّ منصور الكراسي بعينه قبل أن يجلس؛ خمسون كرسيًا، لم يشغل منها سوى تسعة.

كان ثلاثة رجال يتبادلون همسًا متوترًا قرب الصف الأول، وامرأة مسنة تجلس خلف ستارة جانبية، وشاب يحدق في هاتفه كل بضع ثوانٍ كأنه ينتظر خبرًا أهم من الموت.

في نهاية القاعة، كانت عاملة نظافة نحيلة تمسح الأرض حول أرجل الكراسي الخالية.

ارتدت عباءة رمادية باهتة، وربطت شعرها بمنديل أزرق، وكانت تتحرك بصمت لا يلاحظه أحد، مثل ظل اعتاد الناس أن تطأه أقدامهم دون اعتذار.

اتخذ منصور مقعده المعتاد قرب الباب.

وضع كفيه فوق ركبتيه، وخفض عينيه بالقدر المناسب، ثم استحضر على وجهه التعبير الذي تعلمه مع السنوات؛ حزن لا يكفي لإطلاق الدموع، لكنه يكفي لإقناع الغرباء بأن وراءه حكاية.

أقارب لا يعرفون لون عينيه

كان الرجل الممتلئ الجالس في المقدمة أول من سأل عن منصور.

التفت نحوه، وتأمله من أعلى إلى أسفل، ثم اقترب وهو يعدل ربطة عنقه السوداء.

حضرتك من طرف المرحوم؟

أجاب منصور بصوت خفيض:

كنت أعرفه.

لم تكن كذبة كاملة؛ فقد عرف اسمه قبل ساعة، ورأى صورته عند مدخل القاعة.

أحيانًا لا يحتاج الناس إلى أكثر من جملة غامضة كي ينسجوا حولها القرابة التي تناسبهم.

مسح الرجل جبينه بمنديل ورقي وقال:

أنا شاكر، ابن أخوه.

الغريبة إني عمري ما شفتك عنده.

ابتسم منصور ابتسامة بالكاد ظهرت:

كان بيننا كلام قديم.

هز شاكر رأسه كأن الإجابة أكدت ظنًا خاصًا، ثم عاد إلى رفاقه.

سمعه منصور يهمس بأن الراحل ربما أخفى شريكًا أو دائنًا، فتغيرت نظرات الرجال إليه، وتحول المقعد الأخير فجأة من قطعة أثاث مهملة إلى صندوق مغلق يخشون ما بداخله.

أما عاملة النظافة، فقد رفعت رأسها للحظة.

لم تنظر إلى منصور بفضولهم، بل بشيء يشبه المعرفة؛ كأنها أدركت من طريقة جلوسه أنه غريب عن الميت، لكنها لم تجد في ذلك ما يستحق الفضيحة.

وصول المحامي بعد منتصف الحزن

انتهت التلاوة الأولى، وبدأ بعض الحاضرين يتململون.

فُتحت أكواب القهوة، وارتفعت همهمات مقتضبة عن العقارات والمخازن والحسابات البنكية، بينما ظل اسم جابر نفسه غائبًا، كأنهم اجتمعوا حول خزنة مات حارسها لا حول رجل توقف قلبه.

عند التاسعة تمامًا، دخل رجل طويل يحمل حقيبة جلدية بنية.

كان شعره أبيض مصففًا بعناية، ونظارته الرفيعة تعكس أضواء القاعة، فتخفي عينيه كلما التفت نحو أحد.

تقدم شاكر منه بسرعة:

أستاذ فؤاد، كنا منتظرينك.

قلت لنا إن المرحوم ساب وصية.

أغلق الرجل مظلته رغم أن السماء لم تمطر، ثم قال بهدوء:

ترك وصية، نعم، لكنه طلب أن تُفتح في ليلة العزاء، أمام كل من حضر لتوديعه.

تحركت الرؤوس نحو المقاعد الخالية، وكأن الجميع شعر للمرة الأولى بأن عدد الحاضرين قليل على نحو مخجل.

أما منصور فبقي ساكنًا، وقد بدأ حدسه المهني يخبره أن خروجه المبكر قد يكلفه أكثر من أجر الليلة.

ورقة لا تعترف بصلة الدم

وضع المحامي الحقيبة على طاولة القارئ، وأخرج ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر.

لم يكن الختم فخمًا، لكنه بدا تحت الضوء كقطرة دم جفت فوق الورق.

قال فؤاد:

أوصى جابر السيوفي بأن يُقرأ النص حرفيًا، وألا يُفتح باب الاعتراض إلا بعد تنفيذ الشرط الأول.

شق الظرف بسكين فضية، وأخرج ورقتين.

ساد الصمت، حتى إن صرير المروحة صار مسموعًا كأنها تحتج على بطئها.

قرأ المحامي:

أنا جابر محمود السيوفي، بكامل إرادتي، أوصي بأن تُقسّم تركتي المالية والعقارية بين الأشخاص الذين يستطيعون، في ليلة عزائي، رواية ذكرى صادقة عني لا تتعلق بمال دفعته، أو منفعة قدمتها، أو دين سددته، أو مصلحة انتظروها مني.

توقف فؤاد، فاندفع شاكر قائلًا:

يعني إيه الكلام ده؟

رفع المحامي يده وأكمل:

يُمنح كل صاحب ذكرى صحيحة نصيبًا تحدده لجنة الوصية، على أن تُثبت الذكرى بتفصيل لا يعرفه إلا من عاشها.

وإذا عجز جميع الحاضرين، تؤول التركة إلى المؤسسة المحددة في الملحق المغلق.

بدت القاعة بعد الكلمات أشد اتساعًا.

الكراسي الخالية لم تعد مجرد دليل على قلة المشيعين، بل صارت أفواهًا مفتوحة تسخر من الورثة الذين جاءوا متأخرين ليتذكروا رجلًا لم يحاولوا معرفته.

مزاد الذكريات الكاذبة

كان شاكر أول المتقدمين.

تنحنح، وشبك أصابعه فوق بطنه، ثم قال إن عمه كان كريمًا، وإنه منحه مالًا ليبدأ متجره قبل خمسة عشر عامًا.

نظر إليه المحامي من فوق نظارته:

الوصية تستبعد الذكريات القائمة على المال والمنفعة.

احمر وجه شاكر وقال سريعًا:

مش بس الفلوس.

هو كمان، كان بيحبني.

اذكر موقفًا.

فتح شاكر فمه، ثم أغلقه.

دار بصره بين الوجوه بحثًا عن تفصيل يستعيره، لكنه لم يجد سوى عيون تنتظر سقوطه حتى تتقدم مكانه.

صورة على جدار لا تكفي

اقتربت المرأة المسنة، وعُرفت بأنها ابنة خالة جابر.

قالت إنها تتذكر يوم زفافه، وإنه ارتدى بدلة رمادية وربطة عنق زرقاء، ثم أشارت إلى صورة موضوعة عند المدخل تؤكد وصفها.

سألها المحامي:

ماذا قال لكِ يومها؟

ترددت، ثم أجابت:

قال إنه سعيد.

أخرج فؤاد ورقة صغيرة من الملف وقال:

كان السيد جابر قد دوّن أنه لم يتحدث معكِ في زفافه، لأنك غادرتِ قبل وصوله بعد خلاف مع والدته.

تراجعت المرأة وهي تتمتم بأن الذاكرة تخون أصحابها.

لكن منصور رأى في وجهها ما هو أبعد من النسيان؛ رأى خوفًا من أن يُحرم الإنسان من مال قريب لم يعرف عنه إلا الصور العامة.

تقدم الشاب المنشغل بهاتفه.

قال إن جابر كان يأخذه في طفولته إلى البحر، وإنهما كانا يأكلان الذرة المشوية على الشاطئ.

سأله المحامي:

أي شاطئ؟

قال الشاب:

الإسكندرية.

قلب فؤاد إحدى الصفحات وأجاب:

لم يزر جابر الإسكندرية منذ كان في التاسعة عشرة، وأنت وُلدت بعد ذلك بثماني سنوات.

انخفض الهاتف في يد الشاب، لكن عينيه ظلتا معلقتين به، كأن الشاشة الصغيرة أرحم من الوجوه التي كشفت كذبته.

الغريب الجالس في المقعد الأخير

توالت المحاولات، وكل ذكرى كانت تنتهي عند باب متجر أو عقد شراكة أو ظرف نقود.

بدا جابر في أحاديثهم يدًا تكتب الشيكات، لا وجهًا يضحك أو يغضب، ولا رجلًا يخشى الليل أو يحب رائحة شيء بعينه.

رفع المحامي رأسه أخيرًا نحو منصور:

وأنت يا سيدي؟ قيل إنك كنت تعرف المرحوم.

تجمد الدم في أطراف منصور.

شعر بنظرات الحاضرين تتجمع فوق جلده، وبالمقعد الأخير الذي احتمى به طويلًا يتحول إلى منصة عالية لا سبيل للنزول منها.

كان يستطيع أن يخترع حكاية.

قضى سنوات يستمع في العزاءات إلى أسرار الموتى، وعرف أن التفاصيل الصغيرة تمنح الكذب ملمس الحقيقة؛ فنجان مشروخ، أغنية قديمة، شامة خلف الأذن، أو خوف طفولي من القطط السوداء.

لكنه رأى عاملة النظافة واقفة عند آخر الصف، تمسك الممسحة بيدين متشققتين.

كانت تحدق في صورة جابر لا في الورثة، وعلى وجهها حزن حقيقي حاولت إخفاءه فلم تستطع.

اعتراف يساوي أجر ليلة

وقف منصور ببطء.

شعر بالقميص الأسود يلتصق بظهره، وبصوت الحاج مرسي في رأسه يوصيه دائمًا ألا يتحدث أكثر مما يلزم.

قال:

أنا ما كنتش أعرف المرحوم.

ارتفعت همهمة حادة، ونهض شاكر نصف واقف:

أمال داخل تعمل إيه؟

نظر منصور إلى المقاعد الفارغة وقال:

شغلي إني أحضر العزاءات اللي ما بيكونش فيها ناس كفاية.

باخد أجر علشان أقعد في الآخر، والمكان ما يبانش موحش.

سقط اعترافه في القاعة كحجر داخل ماء راكد.

بعضهم حدق فيه بازدراء، وبعضهم بدا كأنه يريد طرده، لكن أحدًا لم يملك الشجاعة ليقول إن وجوده المأجور أقل صدقًا من حضورهم الطامع.

ابتسم المحامي ابتسامة خافتة لم تصل إلى عينيه:

على الأقل، هذه أول حقيقة نسمعها الليلة.

مد شاكر ذراعه نحو الباب:

يطلع بره.

ده مالوش علاقة بالوصية.

وقبل أن يتحرك منصور، جاء صوت نسائي هادئ من آخر القاعة:

هو يمكن ما يعرفش الأستاذ جابر، بس أنا أعرفه.

التفت الجميع نحو عاملة النظافة.

نجلاء تترك الممسحة

وضعت المرأة الممسحة بجوار الحائط، ومسحت كفيها في جانبي عباءتها.

بدا عليها الارتباك، لا لأنها تخشى الكلام، بل لأنها لم تعتد أن يصمت أصحاب البدل ليستمعوا إليها.

سألها المحامي:

اسمك؟

نجلاء عبد الرحيم.

وما صلتك بالمرحوم؟

نظرت نجلاء إلى الأرض، ثم قالت:

كنت بنضف مكتبه ومخزنه وبيته القديم.

اشتغلت عنده حداشر سنة.

ضحك شاكر بسخرية قصيرة:

الخدامة هتورثنا يعني؟

استدارت إليه نجلاء، ولم ترفع صوتها:

أنا ما طلبتش حاجة منك ولا منه.

أنا بس سمعتكم بتقولوا إن محدش فاكره.

سكنت السخرية فوق وجه شاكر، ثم ذابت ببطء حين فتح المحامي كفه مشيرًا إليها أن تتابع.

البرتقالة التي قُسمت نصفين

قالت نجلاء إن ابنها كريم كان في الثامنة حين أصيب بحمى شديدة.

لم يكن معها ثمن الدواء، فذهبت إلى العمل وهي تحمل خوفها في صدرها، وتحاول ألا تبكي كي لا يخصم جابر من أجرها بسبب بطئها.

في ذلك اليوم، وجدها جابر جالسة قرب باب المخزن، وفي يدها برتقالة وحيدة أخذتها من صندوق فاكهة فاسد.

كانت تقسمها نصفين؛ نصفًا تأكله كي تقوى على العمل، ونصفًا تحتفظ به لطفلها.

قالت نجلاء:

سألني ليه ما باكلهاش كلها.

قلت له إن كريم بيحب البرتقال، وإن طعم الحاجة بيبقى أحلى لما حد مستنيك ياكل منها.

توقفت، وارتجف طرف منديلها الأزرق مع أن المروحة كانت بعيدة.

أما منصور فشعر أن القاعة لأول مرة امتلأت بشيء لا تصنعه الأجساد ولا الكراسي.

تابعت:

ما ادانيش فلوس.

خرج من غير ما يقول حاجة، ورجع بعد ساعة ومعاه الدوا.

لكنه ما سلمنيش العلبة، علشان كان عارف إني هرفض.

حطها في درج مكتبه، وقال لي، في أمانة جوه الدرج لابنك، خديها قبل ما تروحي.

تحرك شاكر محتجًا:

دي برضه منفعة.

الوصية بتمنع الكلام عن المساعدات.

هزت نجلاء رأسها:

الذكرى مش الدوا.

نظر إليها المحامي باهتمام:

فما الذكرى؟

قالت:

بعد أسبوع، لما كريم خف، جبت للأستاذ جابر برتقالتين.

لقيته قاعد لوحده في المكتب بعد ما الناس مشيت.

قشّر واحدة، وقسمها نصفين، ومد لي نصها وقال، طعم الحاجة بيبقى أحلى لما حد مستنيك ياكل منها.

انخفضت عيناها وأضافت:

من يومها، كل شتاء كان يحط برتقالة على طرف مكتبه.

لا هو ياكلها ولا يسمح لحد يشيلها، لحد ما أوصل.

نقسمها نصفين، وكل واحد ياكل نصه من غير كلام.

الدليل المختبئ في درج المكتب

ظل المحامي صامتًا عدة ثوانٍ، ثم أغلق ملف الوصية ووضع كفيه فوقه.

كانت على وجهه تلك الملامح التي تسبق إعلان حكم يعرفه صاحبه منذ البداية.

قال:

ما لون الدرج الذي كان يضع فيه الدواء؟

أجابت نجلاء فورًا:

بني غامق، ومقبضه مكسور من الناحية اليمين.

ما كانش بيتفتح غير لما نرفعه سنة لفوق.

وما العبارة المكتوبة داخل الدرج؟

رفعت نجلاء رأسها، وبدت الدهشة في عينيها:

عبارة؟

أخرج المحامي صورة من الملف ووضعها فوق الطاولة.

ظهر فيها درج خشبي مفتوح، وعلى جانبه الداخلي كلمات محفورة بخط غير منتظم.

اقترب منصور بما يكفي ليقرأ:

لا أثق فيمن يتذكر يدي وينسى وجهي.

شهقت المرأة المسنة خلف الستارة، بينما انحنى شاكر فوق الصورة كمن يبحث عن موضع يمكنه اتهامه بالتزوير.

الملحق المغلق

أخرج المحامي ظرفًا ثانيًا أصغر حجمًا، وكان اسم نجلاء مكتوبًا على واجهته بخط جابر.

لم تعد القاعة مجرد مجلس عزاء؛ صارت فخًا أعده الميت بعناية لمن ظنوا أن صمته طوال حياته يعني أنه لم يرهم.

فتح فؤاد الظرف وقرأ:

إلى نجلاء عبد الرحيم، إن رويتِ حكاية البرتقالة كما حدثت، فقد منحتِني بعد موتي الشيء الذي لم يمنحني إياه أقاربي في حياتي، أن يتذكرني أحد دون أن يمد يده إلى جيبي.

اختنق نفس نجلاء، ووضعت كفها فوق فمها.

لم تبكِ بصوت عالٍ، لكن دموعها سقطت سريعة وثقيلة، تاركة خطوطًا لامعة فوق وجه أنهكه الغبار ومساحيق التنظيف.

تابع المحامي:

أوصي بمنح نجلاء منزلي القديم ورُبع أموالي، وتخصيص الرُبع الثاني لتعليم ابنها كريم، أما النصف الباقي فيُنشأ به بيت لإقامة كبار السن الذين لا يزورهم أحد.

اندفع شاكر:

ومستحيل! إحنا أهله، والشرع والقانون.

قاطعه المحامي بصرامة:

حُددت الأنصبة القانونية للورثة في حساب منفصل، ولا تمس الوصية حقوقهم الواجبة.

لكن الجزء الذي كان يملك جابر حرية التصرف فيه سيُنفذ كما أراد.

لم يهدأ شاكر.

أخذ يضرب كفه بالطاولة، ويتهم المحامي ونجلاء بالتواطؤ، بينما بدا الآخرون منشغلين بحساب ما بقي لهم أكثر من انشغالهم بما انكشف عنهم.

المقعد الأخير يتحول إلى شهادة

أعاد منصور ظهره إلى مقعده، لكنه لم يجلس.

شعر أن بقاءه بعد انتهاء مهمته أكثر صدقًا من مغادرته، وأن الرجل الذي جاء ليمثل الحزن صار عاجزًا عن التظاهر بأن ما سمعه لا يعنيه.

اقترب منه المحامي بعد أن انشغل الأقارب بجدالهم، وقال بصوت لا يسمعه سواهما:

جابر هو الذي طلب استئجار أشخاص لحضور عزائه.

اتسعت عينا منصور:

هو كان عارف إن محدش هييجي؟

كان يعرف، لكنه أراد أن يرى بعد موته مَن سيملأ المقاعد، الذين دفع لهم في حياته، أم الذين سيُدفع لهم بعد رحيله.

ابتلع منصور مرارة صعدت إلى حلقه.

نظر إلى صورة جابر؛ رجل في أواخر الستين، بوجه حاد وشارب رمادي وعينين لا تبتسمان، لكنهما لا تخلوان من التعب.

سأل:

ليه أنا بالذات؟

أخرج فؤاد ورقة مطوية من جيبه:

لم يختر اسمك.

قال فقط إن كان بين المستأجرين رجل يعترف بحقيقته حين يُسأل، فليُمنح هذا الخطاب.

ناول منصور الورقة، فتردد قبل أن يفتحها.

كان خط جابر ثقيلًا، تميل حروفه إلى الأسفل كأنها تحمل حملًا لا تطيقه.

رسالة إلى رجل لا يعرفه

قرأ منصور:

إلى الجالس في المقعد الأخير، لا أعرف اسمك، وربما لن أعرفه أبدًا.

لكنني أعرف أنك جئت لأن شخصًا دفع لك كي تخفف عن ميت وحشة قاعته، وهذه مهنة أرحم من زيارات كثيرة دفعت أنا ثمنها في حياتي.

ارتجفت أصابعه، فأمسك الورقة بكلتا يديه.

إن قلت إنك كنت صديقي، فأنت لا تختلف عنهم.

وإن قلت الحقيقة، فخذ الصندوق الصغير الموجود لدى المحامي.

ليس فيه مال، بل شيء قد يفيد رجلًا يعرف كيف يجلس إلى جوار الوحدة دون أن يوقظها.

رفع منصور بصره.

كان فؤاد يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا، لا يزيد حجمه على علبة أحذية، وقد بهت طلاؤه عند الزوايا.

فتحه منصور فوجد عشرات البطاقات البيضاء، كُتب على كل منها اسم وعنوان وتاريخ.

وفي الأسفل، دفتر يحمل عنوانًا بخط جابر، الذين لم يحضر لهم أحد.

قلب صفحاته فوجد أسماء موتى، وعناوين مقابر، وملاحظات قصيرة، كان يخاف الظلام، تحب الياسمين، لم يزرها أبناؤها منذ ثلاث سنوات، كان ينتظر أخاه كل خميس.

نظر منصور إلى المحامي مذهولًا:

إيه ده؟

أجاب فؤاد:

جابر كان يزور جنازات الغرباء منذ سنوات.

لم يكن يتحدث، وكان يجلس دائمًا في المقعد الأخير.

الرجلان اللذان لم يلتقيا

جلس منصور أخيرًا، لكن المقعد بدا مختلفًا.

مرر يده فوق حافته البلاستيكية الباردة، وتخيل جابر يجلس في قاعات مشابهة، يراقب الأبواب التي لا يدخل منها أحد، ويسجل أسماء الموتى الذين حملوا وحدتهم إلى المقابر.

لم يكن جابر كريمًا كما ادعى ورثته، ولا قاسيًا كما صوّره بعضهم.

كان رجلًا تعلم متأخرًا أن البشر يقتربون من اليد الممتدة، لكنهم نادرًا ما ينظرون إلى الوجه الذي تنتمي إليه.

سأل منصور:

كان بياخد فلوس علشان يحضر؟

قال المحامي:

لا.

كان يقول إن بعض المقاعد يجب أن تُملأ بلا مقابل، حتى لا يظن الميت في لحظته الأخيرة أن العالم نسيه تمامًا.

في الجهة الأخرى، جلست نجلاء وحدها بعدما ابتعد عنها الأقارب.

لم يهنئها أحد، ولم يسألها أحد عن ابنها، بل صاروا ينظرون إلى عباءتها الباهتة كما لو كانت قد سرقت منهم البيت والأموال بقصة عن برتقالة.

اقترب منها منصور، ووضع أمامها كوب ماء.

رفعت عينيها إليه وقالت:

أنت كنت تعرف إنه بيعمل كده؟

هز رأسه:

أنا ما كنتش أعرف عنه أي حاجة.

نظرت إلى الصندوق الخشبي بين يديه:

دلوقتي تعرف.

آخر الخارجين من العزاء

انتهى العزاء قبل موعده.

غادر الأقارب وهم يتجادلون في الممر، وتعالت أصواتهم حول نسب التوزيع وطرق الاعتراض ومواعيد المحاكم، حتى ابتلعهم الشارع واحدًا بعد آخر.

رحل القارئ، وجمع عامل القهوة الأكواب، وأطفئت نصف المصابيح.

بقيت صورة جابر عند المدخل، وبجوارها طبق تمر لم يمد أحد يده إليه.

أمسكت نجلاء بالممسحة لتكمل عملها، لكن منصور أخذها منها ووضعها قرب الحائط.

قالت محتجة:

دي شغلتي.

أجاب:

وأنا شغلتي أقعد لحد ما المكان ما يبقاش موحش.

نظرت حولها إلى القاعة الخالية، ثم جلست في الصف الأول.

أما منصور فعاد إلى مقعده الأخير، لا لأن أحدًا دفع له هذه المرة، بل لأن رجلًا مجهولًا ترك له صندوقًا من الأسماء ومسؤولية أثقل من المال.

البرتقالة الثالثة

قبل أن تغادر نجلاء، أخرجت من حقيبتها برتقالة صغيرة.

قالت إنها اشترتها في الصباح دون سبب واضح، ثم وضعتها فوق الطاولة أسفل صورة جابر.

ترددت لحظة، ثم قشرتها ببطء.

انتشرت الرائحة الطازجة في القاعة، فطردت قليلًا من البخور المحترق ورطوبة المقاعد.

قسمت البرتقالة نصفين، وضعت نصفًا أمام الصورة، ثم مشت نحو منصور وقدمت إليه النصف الآخر.

قالت:

الأستاذ جابر كان يقول إن طعم الحاجة بيبقى أحلى لما حد مستنيك ياكل منها.

أخذ منصور نصف البرتقالة، لكنه لم يأكل فورًا.

ظل يحدق في الجزء الموضوع أمام الصورة، كأن الميت قد يمد يده في أي لحظة، أو كأن انتظار الغائب شكل آخر من أشكال الوفاء.

جنازة بلا أجر

بعد ثلاثة أيام، فتح منصور دفتر جابر وذهب إلى أول عنوان.

كان العزاء لرجل متقاعد يدعى سالم، عاش وحيدًا في غرفة فوق مخبز، ولم يحضر جنازته سوى صاحب الغرفة وصبي يعمل في الفرن.

جلس منصور في المقعد الأخير، ووضع الصندوق الخشبي عند قدميه.

لم يتصل بالحاج مرسي، ولم يسأل عن أجر، ولم يختلق صلة بالميت حين سأله صاحب المخبز مَن يكون.

قال ببساطة:

ما كنتش أعرفه، بس عرفت إن ما ينفعش يفضل لوحده.

وقبل انتهاء العزاء، دخلت نجلاء بصحبة ابنها كريم، الذي صار شابًا طويلًا يحمل كيسًا من البرتقال.

جلسا في الصف الأوسط، ثم وزعا الثمار على الحاضرين القليلين، فامتلأت القاعة برائحة شتاء مبكر رغم حرارة الصيف.

رفع منصور عينيه نحو المقاعد.

لم يعد يحسب كم كرسيًا بقي فارغًا، بل صار يفكر في كل إنسان عاش عمره كاملًا منتظرًا شخصًا واحدًا يتذكر وجهه لا يده، صوته لا ماله، وارتباكه الصغير لا مصالحه الكبيرة.

وعندما انتهت التلاوة، بقي في مكانه دقائق إضافية.

كان آخر الجالسين وآخر الخارجين، لكنه للمرة الأولى لم يشعر أنه يمثل دورًا في حكاية رجل ميت.

في تلك الليلة، أصبح المقعد الأخير مهنته الحقيقية.

لا يُقاس حضور الإنسان بعدد الذين يسيرون خلف نعشه، فقد تضيق الجنازة بمن أحبوا ما يملك، وتتسع بذكرى واحدة حملها قلب لم ينتظر منه شيئًا.

وما يبقى من المرء ليس الأبواب التي فتحها بالمال، بل اللحظة التي جلس فيها إلى جوار وحشة أحدهم، وقسّم معه برتقالة دون أن يسأل مَن سيرث النصف الآخر.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد