الليلة التي تغير فيها كل شيء، في الليلة التي قرر فيها سليم ألا يقاوم الموت مرة أخرى، تناهى إلى سمعه صوت غريب يتسلل من حديقة المستشفى، كانت طرقات بطيئة منتظمة، كأن شخصا يدق مسمارا في نعش تحت نافذته.
رفع رأسه بصعوبة عن الوسادة، بينما كان ضوء القمر ينساب فوق الأجهزة الطبية كصفائح باردة، وعلى الشاشة القريبة ارتفع الخط الأخضر ثم هبط بكسل، كنبض خائف يبحث عن سبب واحد يدفعه إلى الاستمرار.
خلف الزجاج رأى رجلا عجوزا يحفر التراب حول شجرة يابسة سوداء الأغصان، لم يبق فيها ما يشير إلى أنها عرفت الخضرة يوما، ومع ذلك، كان العجوز يعاملها كما لو أنها لا تزال حية وتسمع أنفاسه.
لم يفهم سليم لماذا اختار البستاني منتصف الليل ليعتني بشجرة بدت ميتة، ولم يكن يدري أن تلك الشجرة بدأت في اللحظة ذاتها تحفر لنفسها طريقا خفيا إلى قلبه.
الغرفة التي ضاق فيها الهواء
كانت الغرفة رقم سبعة في الجناح الشرقي تطل على حديقة صغيرة تحاصرها أسوار إسمنتية عالية، لم تكن الحديقة جميلة، بل بدت كأنها قطعة من الأرض نسيها الربيع وهو يعبر المدينة.
قضى سليم في تلك الغرفة ثلاثة أشهر كاملة، حتى حفظ تشققات السقف وعدد بلاطات الأرض وصوت عجلات عربة الدواء وهي تقترب كل صباح، وصار يعرف موعد دخول الممرضة من رائحة المطهر التي تسبقها، كما تعلم أن يميز الأخبار السيئة من الطريقة التي يتجنب بها الطبيب النظر إلى عينيه.
كان المرض يلتهم جسده ببطء، كما يلتهم الصدأ بابا قديما، انتزع منه قوته أولا، ثم شهيته، ثم صوته، حتى أصبحت الكلمات تخرج من فمه خافتة كأنها تستأذنه قبل أن ترحل.
جلست أمه إلى جوار سريره ذات صباح تقشر له برتقالة لم يأكل منها شيئا، كانت تفصل القشرة برفق، بينما انتشرت الرائحة الحمضية في الغرفة واختلطت برائحة الأدوية والملاءات المعقمة.
وضعت فصا من البرتقال في طبق صغير، وأخبرته أن الطبيب يقول إن العلاج الجديد قد يمنحهم فرصة، أدار سليم وجهه نحو النافذة متجنبا عينيها اللتين كانتا تلمعان بأمل أنهكه الانتظار، ثم قال إن الأطباء يستعملون كلمة فرصة حين يخشون قول الحقيقة.
توقفت أصابع أمه للحظة، ثم واصلت تقشير البرتقالة كأنها لم تسمعه، غير أن سليم رأى كتفيها ترتجفان، ورأى قطرة صغيرة تسقط فوق القشرة من دون أن تحاول مسحها.
الرجل الذي يسقي الخشب
بعد مغادرة أمه، ظل سليم يحدق في الحديقة، كان البستاني العجوز يقف بجوار الشجرة اليابسة حاملا إبريقا معدنيا صدئا، ويسكب الماء حول جذعها المتشقق.
كانت الأشجار الأخرى خضراء مزهرة، تتدلى منها أوراق لامعة تحركها نسمات الهواء، ومع ذلك، كان الرجل يمر بها سريعا، ثم يقضي معظم وقته عند تلك الشجرة التي لم تعد تمنحه ظلا ولا ثمرا.
طرق سليم على الزجاج محاولا جذب انتباهه، لكن النافذة لم تكن تفتح، ولم يلتفت الرجل إليه، رفع سليم يده مرة أخرى، إلا أن التعب سحبها نحو الفراش قبل أن تلامس الزجاج.
في اليوم التالي عاد البستاني ومعه سكين صغيرة، أخذ يقشر جزءا من اللحاء الأسود، ثم ربط أحد الأغصان بقطعة قماش بيضاء، كما يلف الطبيب ضمادة حول ذراع جريح.
همس سليم ساخرا بأن حتى الأشجار الميتة تجد من يعتني بها، وكانت الممرضة ندى تعدل كيس المحلول بجوار سريره، فاتبعت اتجاه نظره نحو الحديقة.
أخبرته أن الرجل يدعى العم عارف، وأنه يعمل في المستشفى منذ أكثر من ثلاثين عاما، سألها سليم إن كان لا يعرف أن الشجرة ماتت، فأجابته بأن الجميع أخبروه بذلك.
تساءل سليم عن سبب عدم اقتلاعها، فابتسمت ندى ابتسامة غامضة وأحكمت تثبيت الأنبوب في ذراعه، ثم قالت إن العم عارف لا يصدق كل ما يقوله الجميع.
رسالة تحت المطر
في مساء اليوم الرابع هبت عاصفة مفاجئة فوق المستشفى، أخذ المطر يضرب الزجاج بعنف، وامتلأت الحديقة بالماء، بينما انحنت الأشجار الحية تحت الريح كأنها تستغيث.
ظن سليم أن البستاني لن يأتي في مثل ذلك الطقس، لكن باب الحديقة انفتح، وظهر العم عارف مرتديا معطفا رماديا واسعا، شق طريقه وسط المطر حتى وصل إلى الشجرة اليابسة، ثم بدأ يثبت حول جذعها ثلاثة ألواح خشبية حتى لا تسقط.
كان العجوز يتعثر في الوحل ثم ينهض ويستأنف عمله، رغم أن الريح كانت تكاد تنتزع قبعته من رأسه، بدا المشهد لسليم عبثيا إلى حد أثار غضبه، فضغط زر النداء حتى دخلت ندى مسرعة.
أشار إلى الحديقة وطالبهم بإيقافه، قائلا إن الرجل سيقتل نفسه من أجل جذع ميت، اقتربت ندى من النافذة وشاهدت العم عارف وهو يشد الحبال حول الشجرة، ثم أخبرته أن مدير المستشفى حاول منعه مرات كثيرة.
قال سليم إنه إذا كان الرجل يرفض أن يفهم، فعليهم اقتلاع الشجرة وإنهاء الأمر، صمتت ندى قليلا قبل أن تخبره بأن تلك الشجرة كانت مزروعة أمام غرفة ابنة العم عارف.
استدار سليم إليها وقد تلاشى جانب كبير من غضبه، شرحت له ندى أن ابنة البستاني أصيبت بمرض نادر، ومكثت في المستشفى عاما كاملا، وكان والدها يزرع لها الأزهار تحت النافذة بينما تراقبه كل يوم.
ظلت الكلمات معلقة في هواء الغرفة فيما واصل المطر طرق الزجاج بلا رحمة، سأل سليم إن كانت الفتاة قد شفيت، لكن ندى أنزلت عينيها نحو كيس المحلول، وأجابته بكلمة قصيرة نافية.
سر الشريط الأبيض
في الصباح التالي هدأت العاصفة، لكن الحديقة بدت كأنها خرجت للتو من معركة، تناثرت الأغصان المكسورة، وغرقت الأوراق في الطين، وغطت البرك الداكنة الممرات.
أما الشجرة اليابسة فظلت واقفة، يحيط بها الخشب والحبال، وكان الشريط الأبيض لا يزال مربوطا بأعلى أحد أغصانها، يرفرف تحت الشمس مثل راية صغيرة نجت من الغرق.
ظهر العم عارف عند الظهيرة وانحنى ليلتقط الأغصان المكسورة، راقبه سليم طويلا، ثم طلب من ندى فتح النافذة، فأخبرته بأن نوافذ الجناح مثبتة لأسباب صحية.
أمسك سليم بورقة، وكتب بخط مرتجف يسأل العم عارف لماذا لا يترك الشجرة تموت، ثم طلب من ندى أن توصل رسالته إليه.
بعد ساعة عاد البستاني إلى الحديقة ووقف تحت نافذة سليم، رفع رأسه، ثم أخرج الورقة ذاتها من جيبه وقلبها، كاشفا عن كلمات كتبها على ظهرها.
ألصق العم عارف الورقة بالزجاج من الخارج، فاقترب سليم قدر استطاعته، قرأ أن الموت لا يحتاج إلى من يساعده، أما الحياة فقد تحتاج أحيانا إلى شخص واحد لا يرحل.
ظل سليم يحدق في العبارة حتى تشوشت الحروف أمام عينيه، لم يعرف إن كان السبب ضعف بصره أم تلك الرطوبة الحارة التي تجمعت تحت جفنيه للمرة الأولى منذ شهور.
قرار مقاومة المرض
في صباح اليوم التالي دخل الطبيب فؤاد حاملا ملفا سميكا، جلس بجوار السرير وأخبر سليم بأن حالته لم تعد تستجيب للعلاج السابق، وأن أمامه خيارا أخيرا بالغ القسوة.
أوضح الطبيب أن العلاج الجديد قد يضعف جسده أكثر، وربما لا يتحمله قلبه، كان يتحدث بحذر ويترك بين جمله مساحات طويلة، كمن يسير فوق أرض مزروعة بالألغام.
سأل سليم ببرود عن نسبة النجاح، فتردد الطبيب قبل أن يجيبه بأنها ليست كبيرة، عندها أعلن سليم أنه لا يريد العلاج.
وضعت أمه يدها على فمها محاولة كتم شهقة خرجت منها، بينما ظل الطبيب صامتا، وكأنه يعرف أن الأرقام لن تستطيع إقناع رجل فقد رغبته في النجاة.
بعد أن غادر الجميع، التفت سليم نحو الحديقة، كان العم عارف يحفر حفرة صغيرة بجوار جذع الشجرة، ثم يملؤها بتربة داكنة حملها في كيس على كتفه.
رفع البستاني رأسه، والتقت عيناه بعيني سليم خلف الزجاج، لم يبتسم ولم يلوح، بل أشار إلى الشجرة ثم وضع كفه على صدره.
لم يفهم سليم معنى الإشارة كاملا، لكنه شعر بها كما يشعر الإنسان بحرارة الشمس من خلف جدار، وفي أعماقه تحرك ببطء شيء كان يظن أنه مات منذ زمن، وشق طريقه تحت طبقات كثيفة من الخوف.
طلب ورقة وقلما، ثم كتب للطبيب جملة واحدة يخبره فيها بأنه سيجرب العلاج.
الأيام التي اشتعل فيها الألم
بدأ العلاج في الليلة نفسها، تسلل الدواء إلى عروق سليم باردا، ثم تحول بعد دقائق إلى نار تزحف في جسده من أطرافه نحو صدره.
تشنجت أصابعه وارتجفت ساقاه، وغطى العرق جبينه حتى التصق شعره بجلده، كان يسمع الأجهزة تطلق صفيرا متقطعا، ويرى الوجوه تتحرك حوله مثل ظلال خلف ستار كثيف من الضباب.
وفي أقسى لحظات الألم، كان يفتح عينيه باحثا عن النافذة، لم يكن يرى سوى الشجرة السوداء تقف في الظلام، فيما يرفرف فوقها الشريط الأبيض تحت ضوء مصباح الحديقة.
مضى اليوم الأول كحجر ثقيل، ثم جاء اليوم الثاني أشد قسوة، تقيأ سليم كل ما في معدته، ورفض جسده الماء، حتى أصبح مجرد التنفس جهدا يستهلك ما تبقى لديه من قوة.
دخلت أمه ذات مساء فوجدته يحدق في الخارج، سألته إن كان يشعر بالألم، فأجاب بصوت متقطع بأن كل شيء يؤلمه.
جلست بجواره وأمسكت يده الباردة، ثم قالت إنه يستطيع أن يطلب منهم إيقاف العلاج، حرك سليم رأسه ببطء نحو الشجرة، وأجاب بأنه لن يفعل ذلك بعد.
اختفاء العم عارف
مر أسبوع كامل من دون أن يظهر العم عارف، بقي إبريقه المعدني بجانب الشجرة، وسقط الشريط الأبيض من الغصن حتى علق بشوكة منخفضة.
صار سليم ينتظر فتح باب الحديقة كل صباح، لكن أحدا لم يدخل، وبدأت الأوراق اليابسة تتجمع حول جذع الشجرة بعدما كان العجوز ينظف المكان كل يوم.
سأل ندى عنه، فتجنبت الإجابة في البداية، ثم أخبرته بأنه تعرض لوعكة صحية، وحين سأل إن كان موجودا في المستشفى، قالت إنه يرقد في الجناح الغربي بالطابق الأرضي.
لم يكن سليم قادرا على مغادرة فراشه بمفرده، لكنه أصر على الجلوس فوق كرسي متحرك، دفعته ندى عبر الممرات، فيما كان كل اهتزاز للعجلات يوقظ الألم في عظامه.
وصل إلى غرفة صغيرة في نهاية الجناح، وهناك وجد العم عارف نائما تحت غطاء أبيض، بدا أصغر كثيرا من الرجل الذي رآه يقاوم العاصفة، وكأن المرض انتزع منه هيبته وتركه ضعيفا أمام نافذة مغلقة.
فتح العم عارف عينيه عندما سمع صوت العجلات ورأى سليم أمامه، ثم قال بصوت خشن إنه ترك الشجرة وحدها، ابتسم سليم رغم تعبه، وأجابه بأنه هو الآخر ترك نفسه وحيدة زمنا طويلا.
اتسعت ابتسامة العجوز، ثم أشار نحو درج قريب وطلب فتحه، مدت ندى يدها وأخرجت ظرفا بنيا قديما، فوجد سليم بداخله صورة لفتاة صغيرة تجلس خلف نافذة المستشفى، بينما يقف العم عارف في شبابه بالحديقة حاملا شتلة خضراء بين يديه.
حكاية الشجرة وابنة البستاني
قلب سليم الصورة، فرأى خلفها تاريخا يعود إلى خمسة وعشرين عاما، وكلمات كتبت بخط طفولي متعرج، كانت الفتاة قد كتبت أن أباها يقول إن الشجرة ستكبر حين تشفى، وإن لم تشف فستحمل عنها حكاية الربيع.
رفع سليم عينيه إلى العم عارف، وسأله إن كانت الشجرة قد ماتت يوم ماتت ابنته، هز العجوز رأسه نافيا، وأخبره بأنها عاشت بعد رحيلها سنوات طويلة، وكانت تزهر كل ربيع، حتى أصاب جذورها مرض قبل عامين.
سأله سليم عن سبب تمسكه بها ما دام يعرف أنها ربما لن تعود إلى الحياة، حدق العم عارف في سقف الغرفة وتنفس ببطء، ثم قال إنه حين كان يعتني بابنته لم يكن يملك وعدا بأنها ستعيش، بل لم يكن يملك سوى يد يضعها في يدها، ويوم جديد يحاول الوصول إليه معها.
التفت إلى سليم وأخبره أن الأمل ليس يقينا بالنجاة، بل أن تعمل من أجل الحياة حتى عندما لا تقدم لك الحياة دليلا واحدا على أن محاولتك ستنجح.
خرج سليم من الغرفة، وبقيت كلمات العم عارف خلفه للحظات، ثم رافقته في الممرات ودخلت معه المصعد وعادت بصحبته إلى الغرفة رقم سبعة.
الورقة الخضراء الأولى
استمرت جلسات العلاج، وواصل سليم مقاومتها يوما بعد يوم، كان جسده يزداد ضعفا، لكن شيئا آخر في داخله أصبح أكثر صلابة، كجذر يشق طريقه في أرض قاسية.
طلب من ندى أن تسقي الشجرة بدلا من العم عارف، وحين نسيت ذلك ذات صباح، ظل يلح عليها حتى خرجت إلى الحديقة، ثم راقبها من النافذة وهي تفرغ الإبريق حول الجذع.
بعد أسبوعين عاد العم عارف إلى عمله مستندا إلى عصا خشبية، كان يسير ببطء، لكنه توجه فور دخوله الحديقة نحو الشجرة، ووضع يده على لحائها كما يضع أب كفه على جبين ابن غاب عنه طويلا.
في اليوم ذاته دخل الطبيب فؤاد غرفة سليم، وكانت ملامحه مختلفة، لم يحمل وجهه الجمود المعتاد، بل ظهرت عليه ابتسامة صغيرة بدت غريبة عليه.
فتح الطبيب الملف وأخبر سليم بأن نتائج التحاليل الجديدة جاءت أفضل مما توقعوا، تسارعت نبضات قلب سليم وسأله عما يعنيه ذلك، فأجابه الطبيب بأن جسده بدأ يستجيب للعلاج.
لم يصرخ سليم فرحا، بل أغلق عينيه للحظة، شعر بيد أمه تحتضن يده وسمع بكاءها الصامت، ثم التفت ببطء نحو النافذة.
كان العم عارف واقفا بجوار الشجرة، يرفع إصبعه مشيرا إلى أحد أغصانها، اقتربت ندى من الزجاج وحدقت في الموضع الذي يشير إليه.
هناك، عند طرف غصن أسود ظنه الجميع ميتا، ظهرت ورقة صغيرة شديدة الخضرة، كانت ضئيلة إلى حد أنها كادت تضيع بين الخشب اليابس، لكنها ارتجفت تحت الشمس كقلب بدأ لتوه ينبض.
النافذة التي فتحت أخيرا
مرت الشهور ببطء، لكنها لم تعد ثقيلة كما كانت، تحولت النافذة من جدار زجاجي يفصل سليم عن العالم إلى موعد يومي ينتظر أمامه أخبار الشجرة وأخبار جسده.
كلما ظهرت ورقة جديدة، تحسنت إحدى نتائج فحوصه، وحين خرج أول برعم صغير من أحد الأغصان، سمح له الطبيب بأن يمشي خطوات قليلة مستندا إلى عكازين.
وفي صباح ربيعي هادئ، دخل الطبيب فؤاد الغرفة حاملا تصريح المغادرة، لم يخبر سليم بأنه شفي تماما، بل أوضح أن الطريق لا يزال طويلا، وأن الفحوص والعلاج سيستمران.
لكن كلمة طويل لم تعد تخيف سليم، أصبح الطريق الطويل بالنسبة إليه دليلا على وجود أيام مقبلة يستطيع أن يمشي خلالها، لا هاوية ينتظر السقوط فيها.
خرج من باب المستشفى على كرسي متحرك، وكانت أمه تدفعه نحو الحديقة، وللمرة الأولى، رأى الشجرة من دون حاجز زجاجي يفصل بينهما.
بدت جراحها أكثر وضوحا مما تخيل، كان جذعها مليئا بالشقوق، وظلت أغصان كثيرة سوداء بلا حياة، إلا أن عشرات الأوراق الخضراء كانت تنتشر فوقها وتتلألأ تحت الضوء بعد مطر خفيف.
كان العم عارف يقف بجوارها حاملا إبريقه المعدني القديم، ناول الإبريق إلى سليم من دون أن يقول كلمة.
أمسك سليم الإبريق بكلتا يديه، وسكب الماء ببطء حول الجذع، تسربت القطرات إلى التراب، وتصاعدت رائحة الأرض الرطبة دافئة ونقية، كأن الحديقة تفتح رئتيها للمرة الأولى.
نظر سليم إلى الأوراق وسأل العم عارف إن كان متأكدا من أن الشجرة ستعود، ضحك العجوز وهز رأسه، مؤكدا أنه لم يكن متأكدا من شيء.
سأله سليم لماذا واصل سقيها رغم ذلك، فنظر العم عارف إلى الشجرة ثم إلى مبنى المستشفى ونوافذه الكثيرة، وقال إن بعض الأشياء لا نسقيها لأننا نضمن أنها ستعيش، بل لأننا لا نريد لها أن تموت عطشا ونحن نقف أمامها.
غصن جديد أمام الغرفة السابعة
بعد عام عاد سليم إلى المستشفى، لكنه هذه المرة لم يكن يرتدي ثياب المرضى، كان يمشي بخطوات هادئة ويحمل بين يديه شتلة صغيرة ذات أوراق لامعة.
وجد العم عارف بجوار الشجرة التي استعادت نصف تاجها الأخضر، كانت بعض أغصانها القديمة قد ماتت بالفعل، لكن أغصانا جديدة امتدت نحو نوافذ الجناح الشرقي كأنها أذرع مفتوحة.
زرع سليم الشتلة تحت نافذة الغرفة السابعة، وضغط التراب حولها بأصابعه، ثم ربط بأحد فروعها شريطا أبيض كتب عليه رسالة إلى كل من يظن أن النهاية قد وصلت، تخبره بأن الحياة ربما تكون مختبئة في مكان لا يستطيع رؤيته بعد.
رفع رأسه نحو النافذة، فرأى مريضا شابا شاحب الوجه يقف خلف الزجاج ويراقبه في صمت، ابتسم سليم، ثم حمل إبريق الماء وبدأ يسقي الشتلة ببطء.
لم يكن يعرف اسم الرجل خلف النافذة، ولا طبيعة مرضه، ولا مقدار اليأس الذي يملأ صدره، لكنه أصبح يعرف أن الأمل يشبه الشجرة، فقد يبدأ بورقة واحدة، ثم يتحول، إذا وجد من يرعاه، إلى ظل يتسع حتى للغرباء.
فالحياة ليست دائما شجرة مزهرة توحي لمن يراها بأنها خلقت لتنتصر، قد تكون جذعا متصدعا ساكنا تحت المطر، لا يحمل على سطحه أي علامة واضحة على النجاة.
غير أن الجذور تواصل عملها في العتمة بعيدا عن العيون والأحكام والنتائج السريعة، وما يبدو ميتا في أعين المارين قد يكون منشغلا، في صمت عميق، بصناعة أول ورقة خضراء.
