حكاية نافذة الأمل قصة المريض الذي تعلم الحياة من شجرة ميتة

الراوي
0

في الليلة التي قرر فيها سليم ألّا يقاوم الموت مرة أخرى، سمع صوتاً غريباً يتسلل من حديقة المستشفى؛ طرقات بطيئة، منتظمة، كأن أحداً يدق مسماراً في نعش تحت نافذته.

رفع رأسه بصعوبة عن الوسادة، بينما كان ضوء القمر ينساب فوق الأجهزة الطبية كصفائح باردة.

وعلى الشاشة القريبة، ارتفع الخط الأخضر ثم هبط بكسل، كنبض خائف يبحث عن سبب واحد كي يستمر.

خلف الزجاج، كان رجل عجوز يحفر التراب حول شجرة يابسة، سوداء الأغصان، لم يبق فيها ما يدل على أنها عرفت الخضرة يوماً.

ومع ذلك، كان العجوز يعاملها كما لو أنها ما تزال تسمع أنفاسه.

لم يفهم سليم لماذا اختار البستاني منتصف الليل ليعتني بشجرة ميتة، ولم يعرف أن تلك الشجرة كانت قد بدأت، في اللحظة نفسها، تحفر طريقاً سرياً إلى قلبه.

حكاية نافذة الأمل قصة المريض الذي تعلم الحياة من شجرة ميتة

الغرفة التي ضاق فيها الهواء

كانت الغرفة رقم سبعة في الجناح الشرقي تطل على حديقة صغيرة محاصرة بأسوار إسمنتية عالية.

لم تكن الحديقة جميلة، بل بدت كقطعة أرض نسيها الربيع أثناء مروره بالمدينة.

أمضى سليم فيها ثلاثة أشهر كاملة، حتى حفظ تشققات السقف، وعدد بلاطات الأرض، وصوت عجلات عربة الدواء وهي تقترب كل صباح.

صار يعرف موعد دخول الممرضة من رائحة المطهر التي تسبقها، ويعرف الأخبار السيئة من الطريقة التي يتجنب بها الطبيب النظر في عينيه.

كان المرض قد التهم جسده ببطء، كما يلتهم الصدأ باباً قديماً.

أخذ منه قوته أولاً، ثم شهيته، ثم صوته، حتى باتت الكلمات تخرج من فمه خافتة كأنها تستأذنه في الرحيل.

جلست أمه إلى جوار السرير ذات صباح، تقشر له برتقالة لم يأكل منها شيئاً.

كانت تفصل القشرة برفق، بينما تنتشر الرائحة الحمضية في الغرفة، وتختلط برائحة الأدوية والملاءات المعقمة.

قالت وهي تضع فصاً في طبق صغير:

الطبيب يقول إن العلاج الجديد قد يمنحنا فرصة.

أدار وجهه نحو النافذة، وتجنب عينيها اللتين كانتا تلمعان بأمل متعب.

يقول الأطباء كلمة فرصة عندما يخشون قول الحقيقة.

توقفت أصابعها لحظة، ثم واصلت تقشير البرتقالة كأنها لم تسمعه.

إلا أن سليم رأى كتفيها يرتجفان، ورأى قطرة صغيرة تسقط فوق القشرة من دون أن تمسحها.

الرجل الذي يسقي الخشب

بعد أن غادرت أمه، بقي سليم يحدق في الحديقة.

كان البستاني العجوز يقف عند الشجرة اليابسة، يحمل إبريقاً معدنياً صدئاً، ويسكب الماء حول جذعها المتشقق.

كانت الأشجار الأخرى خضراء، مزهرة، تتدلى منها أوراق لامعة تتحرك مع النسيم.

ومع ذلك، كان العجوز يمر بها سريعاً، ثم يقضي معظم وقته أمام تلك الشجرة التي لا تمنحه ظلاً ولا ثمراً.

طرق سليم على الزجاج، لكن النافذة لم تُفتح، ولم يلتفت الرجل.

رفع سليم يده مرة أخرى، إلا أن التعب سحبها إلى الفراش قبل أن تلامس الزجاج.

في اليوم التالي، جاء البستاني ومعه سكين صغيرة.

بدأ يقشر جزءاً من اللحاء الأسود، ثم ربط أحد الأغصان بقطعة قماش بيضاء، كما يربط الطبيب ضمادة حول ذراع جريح.

همس سليم لنفسه بسخرية:

حتى الأشجار الميتة تجد من يعتني بها.

كانت الممرضة ندى تعدل كيس المحلول قرب سريره، فاتبعت نظره إلى الخارج.

وقفت لحظة ثم قالت:

اسمه العم عارف.

يعمل هنا منذ أكثر من ثلاثين عاماً.

ألا يعرف أن الشجرة ماتت؟

نظرت ندى إلى الشجرة، ثم إلى وجه سليم الشاحب.

أخبره الجميع بذلك.

ولماذا لا يقتلعها؟

ابتسمت ابتسامة غامضة، وأحكمت تثبيت الأنبوب في ذراعه.

لأنه لا يصدق كل ما يقوله الجميع.

رسالة تحت المطر

في مساء اليوم الرابع، هبت عاصفة مفاجئة فوق المستشفى.

ضرب المطر الزجاج بعنف، وامتلأت الحديقة بالماء، بينما انحنت الأشجار الحية تحت الريح كأنها تستغيث.

ظن سليم أن البستاني لن يأتي، لكن باب الحديقة انفتح، وظهر العم عارف مرتدياً معطفاً رمادياً واسعاً.

سار وسط المطر حتى بلغ الشجرة اليابسة، ثم ثبت حول جذعها ثلاثة ألواح خشبية كي لا تسقط.

كان العجوز يتعثر في الوحل، ويعود إلى الوقوف، ويواصل العمل رغم أن الريح كانت تنتزع قبعته من رأسه.

بدا المشهد عبثياً إلى حد أغضب سليم، فضغط زر النداء حتى دخلت ندى مسرعة.

قال وهو يشير إلى الخارج:

أوقفوه.

الرجل سيقتل نفسه من أجل جذع ميت.

اقتربت الممرضة من النافذة، وشاهدت العم عارف يشد الحبال حول الشجرة.

حاول المدير منعه مرات كثيرة.

إذا كان لا يفهم، فاقتلعوا الشجرة وانتهى الأمر.

صمتت ندى قليلاً، ثم قالت بنبرة منخفضة:

كانت هذه الشجرة مزروعة أمام غرفة ابنته.

استدار سليم نحوها، وقد خفت غضبه فجأة.

ابنته؟

أصيبت بمرض نادر، ومكثت هنا عاماً كاملاً.

كان يزرع لها الأزهار تحت النافذة، وهي تراقبه كل يوم.

تعلقت الكلمات في هواء الغرفة، فيما ظل المطر يقرع الزجاج بلا رحمة.

هل شُفيت؟

أنزلت ندى عينيها إلى كيس المحلول.

لا.

سر الشريط الأبيض

في الصباح التالي، كانت العاصفة قد انتهت، لكن الحديقة بدت كأنها خرجت من معركة.

أغصان مكسورة، وأوراق غارقة في الطين، وممرات غمرتها البرك الداكنة.

أما الشجرة اليابسة، فظلت واقفة، يحيط بها الخشب والحبال.

كان الشريط الأبيض مربوطاً بأعلى غصن فيها، يرفرف تحت الشمس مثل راية صغيرة نجت من الغرق.

ظهر العم عارف عند الظهيرة، فانحنى ليلتقط الأغصان المكسورة.

راقبه سليم طويلاً، ثم طلب من ندى أن تفتح النافذة، لكنها أخبرته أن نوافذ الجناح مثبتة لأسباب صحية.

كتب سليم على ورقة بخط مرتجف، لماذا لا تتركها تموت؟ ثم أشار للممرضة أن توصلها إلى البستاني.

بعد ساعة، عاد العم عارف إلى الحديقة، ووقف تحت نافذة سليم.

رفع رأسه، ثم أخرج الورقة نفسها من جيبه، وقلبها ليكشف عن كلمات كتبها على ظهرها.

ألصق العجوز الورقة بالزجاج من الخارج، فاقترب سليم قدر استطاعته وقرأ:

لأن الموت لا يحتاج إلى من يساعده، أما الحياة فتحتاج أحياناً إلى شخص واحد لا يرحل.

ظل سليم محدقاً في العبارة حتى تشوشت الحروف أمام عينيه.

لم يعرف إن كان السبب ضعف بصره، أم تلك الرطوبة الحارة التي تجمعت تحت جفنيه للمرة الأولى منذ شهور.

حين بدأ الجسد يرفض الاستسلام

في صباح اليوم التالي، دخل الطبيب فؤاد حاملاً ملفاً سميكاً.

جلس قرب السرير، وأخبر سليم أن حالته لم تعد تستجيب للعلاج السابق، وأن أمامه خياراً أخيراً شديد القسوة.

كان العلاج الجديد قادراً على إضعاف جسده أكثر، وربما لم يتحمله قلبه.

تحدث الطبيب بحذر، تاركاً بين الجمل مساحات طويلة، كمن يمشي فوق أرض مزروعة بالألغام.

قال سليم ببرود:

وما نسبة النجاح؟

أجاب الطبيب بعد تردد:

ليست كبيرة.

إذن لا أريده.

أغلقت أمه فمها بيدها، وحاولت أن تخفي شهقة خرجت منها.

أما الطبيب، فبقي صامتاً، وكأنه يعرف أن الأرقام لا تستطيع إقناع رجل فقد رغبته في النجاة.

بعد مغادرتهم، التفت سليم إلى الحديقة.

كان العم عارف يحفر حفرة صغيرة قرب جذع الشجرة، ثم يملؤها بتربة داكنة حملها في كيس على كتفه.

رفع البستاني رأسه، والتقت عيناه بعيني سليم خلف الزجاج.

لم يبتسم، ولم يلوح بيده، بل أشار إلى الشجرة، ثم وضع كفه على صدره.

لم يفهم سليم الإشارة كاملة، لكنه شعر بها كما يشعر المرء بحرارة الشمس من خلف جدار.

شيء ما في داخله، شيء ظنه قد مات، تحرك ببطء تحت طبقات الخوف.

طلب الورقة والقلم، وكتب جملة واحدة للطبيب:

سأجرب العلاج.

الأيام التي اشتعل فيها الألم

بدأ العلاج في الليلة نفسها.

دخل الدواء إلى عروقه بارداً، ثم تحول بعد دقائق إلى نار تزحف في جسده من أطرافه إلى صدره.

تشنجت أصابعه، وارتجفت ساقاه، وابتل جبينه بالعرق حتى التصق شعره بجلده.

كان يسمع الأجهزة تصدر صفيراً متقطعاً، ويرى الوجوه تتحرك حوله كظلال وراء ستار من الضباب.

في اللحظات الأشد ألماً، كان يفتح عينيه بحثاً عن النافذة.

لم يكن يرى سوى الشجرة السوداء واقفة في الظلام، والشريط الأبيض يرفرف فوقها تحت ضوء مصباح الحديقة.

مضى اليوم الأول كحجر ثقيل، ثم جاء الثاني أشد قسوة.

تقيأ سليم كل ما في معدته، ورفض جسده الماء، حتى صار مجرد التنفس جهداً يستهلك ما بقي فيه من قوة.

دخلت أمه ذات مساء، فوجدته يحدق خارج النافذة.

هل يؤلمك شيء؟

أجاب بصوت متقطع:

كل شيء.

جلست قربه وأمسكت يده الباردة.

تستطيع أن تطلب منهم إيقاف العلاج.

حرك رأسه ببطء نحو الشجرة.

ليس بعد.

اختفاء البستاني

مر أسبوع كامل من دون أن يظهر العم عارف.

بقي الإبريق المعدني قرب الشجرة، وسقط الشريط الأبيض من الغصن حتى علق في شوكة منخفضة.

راح سليم ينتظر فتح باب الحديقة كل صباح، لكن أحداً لم يدخل.

وبدأت حول جذع الشجرة تتجمع الأوراق اليابسة، بعدما اعتاد العجوز تنظيفها يومياً.

سأل ندى عنه، فتجنبت الإجابة في البداية، ثم قالت:

أصيب بوعكة صحية.

هل هو هنا في المستشفى؟

نعم.

في أي غرفة؟

ترددت قبل أن تجيب:

الجناح الغربي، الطابق الأرضي.

لم يكن سليم قادراً على مغادرة فراشه وحده، لكنه أصر على الجلوس فوق كرسي متحرك.

دفعت به ندى عبر الممرات، بينما كان يشعر أن كل اهتزاز للعجلات يوقظ الألم في عظامه.

وصل إلى غرفة صغيرة في نهاية الجناح، فوجد العم عارف نائماً تحت غطاء أبيض.

بدا أصغر بكثير من الرجل الذي كان يقاوم المطر، وكأن المرض نزع عنه هيبته وتركه ضعيفاً أمام نافذة مغلقة.

فتح البستاني عينيه حين سمع صوت العجلات، ورأى سليم أمامه.

قال بصوت خشن:

تركت الشجرة وحدها.

ابتسم سليم رغم التعب.

وأنا أيضاً تركت نفسي وحدي طويلاً.

اتسعت ابتسامة العم عارف، ثم أشار إلى درج قريب.

افتحه.

مدت ندى يدها وأخرجت منه ظرفاً بنياً قديماً.

في داخله كانت صورة لفتاة صغيرة تجلس خلف نافذة المستشفى، بينما يقف العم عارف شاباً في الحديقة، يحمل شتلة خضراء بين يديه.

ما لم تقله الحكاية

قلب سليم الصورة، فوجد خلفها تاريخاً يعود إلى خمسة وعشرين عاماً، وكلمات كُتبت بخط طفولي متعرج:

أبي يقول إن هذه الشجرة ستكبر حين أشفى، وإن لم أشفَ فستحمل عني حكاية الربيع.

رفع سليم عينيه إلى العم عارف.

هل ماتت الشجرة يوم ماتت ابنتك؟

حرك العجوز رأسه بالنفي.

عاشت بعدها سنوات طويلة.

كانت تزهر كل ربيع، حتى أصابها مرض في جذورها قبل عامين.

ولماذا تتمسك بها إذا كنت تعرف أنها قد لا تعود؟

حدق العم عارف في سقف الغرفة، ثم تنفس ببطء.

لأنني حين كنت أعتني بابنتي، لم أكن أملك وعداً بأنها ستعيش.

كنت أملك فقط يداً أضعها في يدها، ويوماً جديداً أحاول أن أصل إليه معها.

ثم التفت إلى سليم، وقال:

الأمل ليس يقيناً بالنجاة يا بني.

الأمل أن تعمل للحياة، حتى حين لا تمنحك الحياة دليلاً واحداً.

خرج سليم من الغرفة وقد بقيت العبارة خلفه، لكنها ظلت تسير معه عبر الممرات، وتدخل المصعد، وتعود إلى الغرفة رقم سبعة.

الورقة الخضراء الأولى

استمرت جلسات العلاج، وواصل سليم مقاومتها يوماً بعد يوم.

كان جسده يضعف، لكن شيئاً آخر داخله صار أكثر صلابة، كجذر يشق طريقه في تربة قاسية.

طلب من ندى أن تسقي الشجرة بدلاً من العم عارف.

وحين نسيت ذات صباح، ألح عليها حتى خرجت إلى الحديقة، وراقبها من النافذة وهي تفرغ الإبريق حول الجذع.

بعد أسبوعين، عاد العم عارف إلى عمله مستنداً إلى عصا خشبية.

كان يمشي ببطء، لكنه توجه مباشرة إلى الشجرة، ووضع يده فوق لحائها كما يضع الأب يده فوق جبين ابن غاب عنه.

في ذلك اليوم، دخل الطبيب فؤاد الغرفة وملامحه مختلفة.

لم يحمل وجهه البارد المعتاد، بل كان يخفي ابتسامة صغيرة بدت غريبة على ملامحه.

فتح الملف وقال:

نتائج التحاليل الجديدة أفضل مما توقعنا.

تسارع قلب سليم.

ماذا يعني ذلك؟

يعني أن جسدك بدأ يستجيب.

لم يقفز سليم فرحاً، ولم يصرخ، بل أغلق عينيه للحظة.

شعر بيد أمه تحتضن يده، وسمع بكاءها الصامت، ثم التفت ببطء إلى النافذة.

كان العم عارف يقف قرب الشجرة، ويرفع إصبعه نحو أحد الأغصان.

اقتربت ندى من الزجاج، وحدقت في المكان الذي يشير إليه.

هناك، عند طرف غصن أسود ظنه الجميع ميتاً، ظهرت ورقة صغيرة شديدة الخضرة.

كانت ضئيلة إلى درجة أنها كادت تضيع وسط الخشب اليابس، لكنها ارتجفت تحت الشمس كقلب بدأ لتوه ينبض.

النافذة التي فُتحت أخيراً

مرت الشهور ببطء، غير أنها لم تعد ثقيلة كما كانت.

تحولت النافذة من جدار زجاجي يفصل سليم عن العالم إلى موعد يومي ينتظر عنده أخبار الشجرة وأخبار جسده.

كلما ظهرت ورقة جديدة، تحسنت إحدى نتائجه.

وحين خرج أول برعم صغير من أحد الأغصان، سمح له الطبيب بالمشي خطوات قليلة مستنداً إلى عكازين.

وفي صباح ربيعي هادئ، دخل الطبيب فؤاد الغرفة ومعه تصريح المغادرة.

لم يقل إن سليم شُفي تماماً، بل أخبره أن الطريق ما يزال طويلاً، وأن الفحوص والعلاج سيستمران.

لكن كلمة طويل لم تعد تخيفه.

صار الطريق الطويل في نظره دليلاً على أن أمامه أياماً يمكن أن يمشيها، لا هاوية ينتظر السقوط فيها.

خرج من باب المستشفى على كرسي متحرك، تدفعه أمه نحو الحديقة.

كانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها الشجرة بلا زجاج يفصل بينهما.

بدت أكثر جراحاً مما تخيل؛ جذعها محفور بالشقوق، وأغصان كثيرة فيها بقيت سوداء بلا حياة.

غير أن عشرات الأوراق الخضراء كانت تنتشر فوقها، تتلألأ تحت الضوء بعد مطر خفيف.

كان العم عارف واقفاً قربها، يحمل إبريقه المعدني القديم.

ناول الإبريق إلى سليم من دون كلمة.

أمسكه سليم بكلتا يديه، ثم سكب الماء ببطء حول الجذع.

تسربت القطرات إلى التراب، وتصاعدت رائحة الأرض الرطبة، دافئة ونقية، كأن الحديقة تفتح رئتيها لأول مرة.

قال سليم وهو يتأمل الأوراق:

هل كنت متأكداً أنها ستعود؟

ضحك العم عارف، وهز رأسه.

لم أكن متأكداً من شيء.

ومع ذلك واصلت سقيها؟

نظر العجوز إلى الشجرة، ثم إلى مبنى المستشفى ونوافذه الكثيرة.

بعض الأشياء لا نسقيها لأننا نضمن أنها ستعيش، بل لأننا لا نريدها أن تموت عطشاً ونحن واقفون.

غصن أمام الغرفة السابعة

بعد عام، عاد سليم إلى المستشفى، لكنه لم يدخل مرتدياً ثياب المرضى.

كان يسير بخطوات هادئة، ويحمل في يده شتلة صغيرة ذات أوراق لامعة.

وجد العم عارف قرب الشجرة التي استعادت نصف تاجها الأخضر.

كانت بعض أغصانها القديمة قد ماتت بالفعل، لكن الأغصان الجديدة امتدت نحو نوافذ الجناح الشرقي كأذرع مفتوحة.

زرع سليم الشتلة تحت نافذة الغرفة السابعة، وضغط التراب حولها بأصابعه.

ثم ربط بأحد فروعها شريطاً أبيض كتب عليه عبارة قصيرة:

إلى من يظن أن النهاية وصلت؛ قد تكون الحياة مختبئة في موضع لا تراه بعد.

رفع رأسه نحو النافذة، فرأى مريضاً شاباً يقف خلف الزجاج، شاحب الوجه، يراقبه بصمت.

ابتسم سليم، حمل إبريق الماء، وبدأ يسقي الشتلة ببطء.

لم يكن يعرف اسم الرجل خلف النافذة، ولا طبيعة مرضه، ولا مقدار اليأس الذي يسكن صدره.

لكنه عرف أن الأمل يشبه الشجرة؛ قد يبدأ بورقة واحدة، ثم يتحول، إذا وجد من يرعاه، إلى ظل يتسع للغرباء.

ليست الحياة دائماً شجرة مزهرة توحي لمن يراها بأنها خُلقت لتنتصر.

قد تكون جذعاً متصدعاً، ساكناً تحت المطر، لا يحمل على سطحه أي علامة على النجاة.

غير أن الجذور تعمل في العتمة، بعيداً عن العيون والأحكام والنتائج السريعة.

وما يبدو ميتاً في أعين المارين قد يكون منشغلاً، في صمت عميق، بصناعة أول ورقة خضراء، قصة وسادة السحاب حكاية رحلة عمر الساحرة فوق مدينة النيام من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد