يوم غريب في قرية السرو، في صباح بدا في ظاهره عاديا كأي صباح آخر، رفعت طفلة صغيرة من قرية السرو كفها نحو السماء، فاستقرت فوق أصابعها قطعة حلوى وردية اللون، دافئة كأنها خرجت للتو من فرن غامض يقبع بين الغيوم.
لم يكن في القرية متجر مفتوح في تلك الساعة المبكرة، ولم تكن هناك شجرة تثمر السكر أو تنبت الحلوى، ومع ذلك راحت قطع الحلوى تهبط ببطء فوق الأسطح والحقول، بينما امتلأ الهواء بخيوط بيضاء ناعمة تشبه القطن الرقيق.
أما في أعالي السماء، فكانت سحابة صغيرة ترتجف خوفا، لأنها أدركت أن السر الذي حاولت إخفاءه طويلا قد انكشف أخيرا أمام الجميع.
السحابة التي لم تعرف المطر
فوق الجبال الزرقاء، حيث تتكئ الغيوم الكبيرة على الرياح وتستعد لرحلاتها الطويلة، عاشت سحابة صغيرة تدعى ندفة، وكان جسدها أبيض مستديرا يشبه وسادة طفل.
كانت أصغر من سائر السحب، حتى إن النسور العابرة لم تكن تلمحها من بعيد، وكانت الرياح أحيانا تدفعها جانبا دون أن تشعر بوجودها أصلا.
كلما اجتمعت السحب قبيل موسم المطر، راحت تتفاخر بما تحمله في بطونها من مياه باردة ورعود لامعة، بينما تقف ندفة في نهاية الصف صامتة، تخفي أطرافها المرتعشة خلف سحابة أكبر منها حجما.
اختبار القطرة الأولى
ذات مساء، تقدمت السحابة العجوز مزن نحو السحب الصغيرة، وكان لونها رماديا ثقيلا، تتلألأ في أعماقها بروق فضية كأنها عيون مستيقظة.
قالت بصوت جعل الهواء يهتز من حولها، حان وقت التدريب، وعلى كل سحابة أن تسقط أولى قطراتها فوق الوادي.
تقدمت السحب واحدة تلو الأخرى، وما إن ضغطت الرياح على جوانبها حتى انهمرت المياه منها، فضربت الصخور، وانسابت في الشقوق، وتركت على التراب رائحة ندية أحبها الجميع.
حين جاء دور ندفة، حاولت أن تجمع نفسها، وأغمضت عينيها، وضغطت على بطنها الصغير بكل ما أوتيت من قوة.
لم تهبط قطرة ماء واحدة، بل هبطت بدلا منها كرة بيضاء هشة، دارت في الهواء ثلاث دورات، ثم استقرت فوق رأس السحابة مزن مثل قبعة مصنوعة من القطن.
ساد الصمت للحظة، ثم انفجرت بعض السحب ضاحكة، فتدحرج صوتها في السماء كرعد ساخر مستهزئ.
قالت سحابة نحيلة تدعى برقة، لعلها ليست سحابة أصلا، بل وسادة ضائعة من سرير عملاق.
احمرت أطراف ندفة حتى مالت إلى لون الغروب، وانسحبت خلف الجبل، تاركة وراءها خيطا أبيض رقيقا تبدده الرياح شيئا فشيئا.
السر المخبأ خلف الجبل
منذ ذلك اليوم، صارت ندفة تتجنب تجمعات السحب، فإذا سمعت هدير الرعد اختبأت خلف قمة صخرية، وإذا رأت المطر ينساب من رفيقاتها، أشاحت بوجهها كيلا يلمح أحد حزنها الدفين.
كانت تعرف أن السحب خلقت لتروي الأرض، وأن الحقول تنتظرها، والأنهار تولد من قطراتها، والأزهار تفتح أفواهها الصغيرة حين تمر فوقها.
أما هي، فلم يكن في داخلها سوى شيء ناعم مجهول، يتكاثر كلما حاولت أن تصنع الماء.
أول قطعة حلوى
في ليلة باردة، جلست ندفة وحدها فوق الجبل، تحدق إلى قرية السرو الغارقة في الظلام، وقد انطفأت مصابيح بيوتها واحدا تلو الآخر.
حاولت مرة أخرى أن تمطر، وقالت في نفسها إن القطرة قد تكون مختبئة في زاوية لم تصل إليها من قبل.
ارتجفت، وانكمشت، ثم سمعت صوتا خافتا يشبه فرقعة حبة سكر بين الأسنان.
سقط من جوفها شيء صغير لامع، بلون العسل، وتدحرج على حافة الجبل حتى استقر قرب عش لعصفور جائع.
اقترب العصفور بحذر، نقر القطعة مرة، ثم مرة أخرى، قبل أن يلتهمها كاملة ويطلق زقزقة عالية ملأت الوادي.
دهشت ندفة، فأعادت المحاولة، فسقطت قطعة حلوى حمراء، ثم أخرى زرقاء، ثم خرجت منها خيوط قطنية تفوح منها رائحة الفانيليا.
تراجعت مذعورة، وهمست في حيرة، ماذا يحدث لي؟ السحب تمطر ماء، أما أنا فأمطر أشياء لا تحتاج إليها الأرض.
لم تكن تعلم أن صيادا عجوزا كان يسير أسفل الجبل، وقد لمح القطع اللامعة وهي تهبط، فظن أن نجوما صغيرة تتساقط من السماء.
القرية التي نسيت الضحك
كانت قرية السرو هادئة تحيط بها الحقول من ثلاث جهات، بينما يحرسها جبل داكن من الجهة الرابعة، وتنتشر بيوتها الطينية حول ساحة واسعة تتوسطها نافورة قديمة.
غير أن القرية لم تعرف الفرح منذ أسابيع، فقد طال الجفاف، وجف بئرها الصغير، وذبلت الأشجار حتى صارت أوراقها تتكسر تحت الأقدام كقطع الزجاج.
كان الكبار يراقبون السماء بوجوه متجهمة، بينما جلس الأطفال قرب الأبواب، ممنوعين من الركض في الحقول كيلا يثيروا الغبار.
أمنية ليلى الصغيرة
في أحد البيوت القريبة من الساحة، عاشت طفلة تدعى ليلى، لها ضفيرتان سوداوان وعينان واسعتان تلتقطان أدق التفاصيل.
كانت ليلى تقف كل صباح قرب النافذة، تنظر إلى الغيوم البعيدة، ثم تهمس، أتمنى أن تأتي سحابة تجعل القرية تضحك، حتى لو لم تحمل مطرا.
كانت أمها تسمعها فتربت على كتفها قائلة، القرية تحتاج إلى الماء يا ليلى، والضحك لا يملأ الآبار.
لكن ليلى كانت تؤمن أن القلوب العطشى تحتاج أحيانا إلى ما هو أكثر من الماء.
وفي الصباح التالي، ظهرت فوق القرية سحابة صغيرة لم يرها أحد من قبل، بيضاء ومستديرة، تتحرك ببطء كأنها تبحث عن مكان تختبئ فيه.
مطر لم تره القرية من قبل
كانت ندفة تنوي عبور القرية سريعا قبل أن تكتشفها السحب الأخرى، لكن ريحا مفاجئة هبت من ناحية الجبل، فدفعتها مباشرة نحو الساحة.
توقفت فوق النافورة الجافة، وشعرت بعشرات العيون تحدق إليها، فارتبكت حتى بدأت أطرافها ترتعش.
قال أحد الفلاحين، إنها سحابة صغيرة، لكنها قد تحمل ما يكفينا من المطر.
رفع الجميع أوعيتهم الفارغة، وخرج الأطفال من البيوت، بينما أخذت ليلى تلوح للسحابة بيديها، كأنها ترحب بصديقة قديمة عزيزة.
اللحظة التي انكشف فيها السر
حاولت ندفة الفرار، غير أن الرياح أغلقت الطريق من خلفها، فوجدت نفسها محاصرة فوق القرية بلا مهرب.
همست بخوف، سامحوني، لا أستطيع أن أعطيكم ما تنتظرون.
ضغطت على نفسها محاولة إنزال ولو قطرة واحدة، لكن أول ما خرج منها كان خيطا طويلا من القطن، تمايل في الهواء ثم التف حول تمثال النافورة كوشاح أبيض ناعم.
تلاه وابل من الحلوى الملونة، حمراء وخضراء وذهبية، تهبط ببطء، وتصدر رنينا خفيفا حين تلامس الأسطح الحجرية.
تراجع الكبار في دهشة، أما الأطفال فاندفعوا إلى الساحة، يفتحون أكفهم ويلتقطون القطع قبل سقوطها على الأرض.
صاحت ليلى وهي تضحك بفرح، السماء تمطر حلوى.
وصلت ضحكات الأطفال إلى ندفة، واضحة ودافئة، فشعرت بشيء يضيء داخلها للمرة الأولى في حياتها.
لكنها سرعان ما سمعت صوتا غاضبا يصدر من بين الناس المجتمعين.
اعتراض شيخ القرية
خرج شيخ القرية سالم من مبنى المجلس، متكئا على عصاه الخشبية، وقد عقد حاجبيه وهو ينظر إلى الحلوى المتناثرة بعينين قلقتين.
قال بصوت حازم، نحن لا نحتاج إلى السكر ولا إلى القطن، نحتاج إلى الماء، وهذه السحابة تعطل قدوم السحب الحقيقية.
توقفت ضحكات بعض الأطفال، وخفت بريق ندفة حتى أصبحت شاحبة كالرماد.
أضاف الشيخ، على هذه السحابة أن ترحل قبل أن تشتت الرياح وتمنع المطر عنا.
نظر الناس بعضهم إلى بعض، فلم يجرؤ أحد على الاعتراض، رغم أن الأطفال كانوا يمسكون قطع الحلوى كما لو أنها كنوز صغيرة ثمينة.
قرار الرحيل
انكمشت ندفة، وتحركت ببطء نحو طرف القرية، تاركة خلفها خيوطا من القطن تعلقت بأغصان الأشجار الجافة.
ركضت ليلى تحتها، تنادي بصوت عال، لا ترحلي، أنت لم تفعلي شيئا سيئا.
لكن الريح كانت قوية، وصوتها ابتلع كلمات الطفلة، فابتعدت السحابة حتى وصلت إلى تخوم الجبل.
هناك، بدأت قطرات صغيرة تتشكل في داخلها، وظنت للحظة أنها نجحت أخيرا في صنع المطر.
غير أن القطرات لم تكن ماء، كانت دموعا شفافة تبخرت قبل أن تصل إلى الأرض.
العاصفة القادمة من الشمال
في الليلة نفسها، تغير وجه السماء، وظهرت في الشمال سحب سوداء متراكمة، تتلوى في داخلها البروق كأفاع فضية مخيفة.
فرح أهل القرية أول الأمر، وخرجوا يحملون الجرار، معتقدين أن المطر الذي انتظروه طويلا قد وصل أخيرا.
إلا أن الرياح أخذت تزداد عنفا، فاقتلعت الأغصان، وصفرت بين النوافذ، وحملت معها غبارا كثيفا أخفى الطريق.
لم تكن السحب القادمة سحب مطر هادئ، بل عاصفة برد قاسية، تحمل حجارة جليدية تستطيع تحطيم الأسطح وإتلاف ما بقي من المحاصيل.
جرس الخطر
صعد الحارس إلى برج القرية، وما إن رأى الجدار الأسود يقترب حتى قرع الجرس بكل قوته.
انتشر صوته في الأزقة، فاندفع الناس لإغلاق الأبواب، بينما راح الفلاحون يغطون العربات بالقماش القديم.
لكن أسقف البيوت كانت هشة، ونوافذ المدرسة بلا ستائر قوية، وحظيرة الأغنام مكشوفة من إحدى الجهات.
قال الشيخ سالم والقلق يملأ عينيه، لن تصمد القرية أمام هذا البرد القاسي.
كانت ليلى تقف عند طرف الساحة، تنظر إلى الجبل حيث اختفت ندفة، ثم أمسكت قطعة الحلوى التي احتفظت بها في جيبها وركضت خارج القرية.
النداء فوق الجبل
تسلقت ليلى الطريق الصخري رغم الرياح، وكانت حبات الغبار تضرب وجهها، بينما تتعثر قدماها بين الحجارة الحادة.
وجدت ندفة خلف القمة، صغيرة ومنكمشة، تكاد تختفي بين الضباب الكثيف.
صرخت ليلى، ندفة، القرية في خطر.
رفعت السحابة رأسها، وقالت بحزن، شيخ القرية طلب مني الرحيل، ثم إنني لا أستطيع إيقاف عاصفة، فأنا لا أملك مطرا ولا برقا.
أجابت ليلى وهي تلتقط أنفاسها، لكنك تملكين القطن، والقرية تحتاج الآن إلى شيء يحمي الأسقف والنوافذ.
الشجاعة التي كانت مختبئة
نظرت ندفة نحو القرية، فرأت العاصفة السوداء تزحف إليها، ورأت الأطفال يركضون إلى البيوت، والأغنام تتجمع مذعورة داخل الحظيرة.
ارتجف جسدها، لكن ارتجافها لم يكن هذه المرة من الخجل، بل من قرار بدأ ينمو في أعماقها بصمت.
قالت بتردد، لا أعرف إن كان قطني كافيا.
ابتسمت ليلى رغم الريح، لن نعرف حتى نحاول.
اندفعت ندفة من خلف الجبل، وراحت تطير نحو القرية بأقصى ما تستطيع، بينما ركضت ليلى خلفها على الطريق الوعر.
حين تحولت الحلوى إلى نجاة
وصلت ندفة قبل أن تضرب أولى حبات البرد الأرض، ووقفت فوق الساحة، ثم بدأت تمطر القطن بكثافة لم تفعلها من قبل قط.
هبطت كتل القطن الناعمة فوق الأسقف، فتراكمت عليها وصنعت طبقة سميكة خففت ضربات الجليد القاسية.
امتدت خيوط طويلة نحو نوافذ المدرسة، فسدها أهل القرية بسرعة، بينما جمع الأطفال القطن وحشوا به شقوق الأبواب.
أما الحلوى، فقد تساقطت داخل المخازن والبيوت، فوزعها الناس على الصغار كي يهدأ خوفهم، وأعطوا بعضها للفلاحين الذين كانوا يعملون وسط العاصفة ليستعيدوا قوتهم.
المعركة مع الريح
حاولت العاصفة دفع ندفة بعيدا، لكنها ثبتت مكانها بعناد، وكلما مزقت الريح طبقة من القطن، أمطرت طبقة أخرى فوقها.
بدأ جسدها يصغر، وتلاشى بياضها شيئا فشيئا، حتى صارت شفافة عند الحواف.
صرخت ليلى من الساحة، كفى يا ندفة، ستختفين.
لكن ندفة نظرت إلى الأطفال المختبئين خلف النوافذ، وإلى الحظيرة التي غطاها القطن، ثم أجابت بصوت متعب، لأول مرة أعرف لماذا أحمل كل هذا بداخلي، دعيني أستخدمه.
استمرت حتى عبرت العاصفة فوق القرية، وابتعد صوت الرعد نحو الجنوب، تاركا خلفه طرقا مبللة بالجليد وبيوتا نجت من التحطم.
القطرة التي انتظرها الجميع
حين سكنت الريح، خرج أهل القرية من بيوتهم، فرأوا الساحة مغطاة بطبقة بيضاء ناعمة، كأن الشتاء مر بها وحدها وترك بقية العالم خلفه.
كانت ندفة معلقة فوق النافورة، صغيرة إلى حد أن نسمة واحدة كادت تحملها بعيدا عن المكان.
تقدم الشيخ سالم، خلع عباءته، ورفعها نحوها كأنه يريد حمايتها من البرد، ثم قال، أخطأت حين ظننت أن الفائدة لها شكل واحد فقط.
تجمعت السحب الرمادية التي تأخرت خلف العاصفة، ورأت ما فعلته ندفة، فاقتربت منها في صمت مهيب.
هدية السحب
قالت السحابة العجوز مزن، لقد منحت القرية كل ما لديك، وحان وقت أن نمنحك شيئا مما لدينا.
أحاطت السحب بندفة، وأطلقت حولها بخارا باردا نقيا، فتشبعت به شيئا فشيئا، واستعاد جسدها امتلاءه وبياضه من جديد.
شعرت ندفة بقطرة ثقيلة تتشكل داخلها، أكبر من كل ما حاولت صنعه من قبل في حياتها.
فتحت عينيها بدهشة، وتركت القطرة تهبط.
سقطت في حوض النافورة بصوت ناعم، ثم لحقتها قطرة ثانية وثالثة، قبل أن يتوقف المطر تماما.
صفق الناس، لكن ندفة لم تشعر أنها أصبحت أفضل لأنها استطاعت إنزال بضع قطرات، فقد أدركت أن قيمتها لم تبدأ في تلك اللحظة، بل كانت موجودة منذ البداية.
مهرجان السحابة البيضاء
بعد أيام، عادت الشمس إلى القرية، وبدأ الجليد يذوب ويتسلل إلى التربة، كما هطلت السحب الكبيرة مطرا كافيا لملء البئر وإنعاش الحقول الذابلة.
قرر أهل القرية إقامة مهرجان فوق الساحة، وعلقوا خيوط القطن بين البيوت، وصنعوا حلوى بألوان السماء، ورسم الأطفال سحابة صغيرة على أبوابهم احتفاء بها.
أما الشيخ سالم، فكتب على لوحة خشبية قرب النافورة عبارة ظلت محفورة في ذاكرة الجميع، ليس كل ما يهبط من السماء ماء، وليس كل اختلاف نقصا.
السحابة المفضلة لدى الأطفال
منذ ذلك اليوم، صارت ندفة تزور القرية في نهاية كل أسبوع، فتمطر قليلا من القطن لتصنع الجدات منه وسائد ناعمة، وتنثر حبات حلوى يلتقطها الأطفال وسط الضحكات المتواصلة.
كانت السحب الأخرى تمر أحيانا فتسألها كيف تفعل ذلك، فتضحك ندفة وتقول، لا أعرف، لكنني توقفت عن محاولة أن أكون نسخة منكن.
وصارت برقة، التي سخرت منها يوم الاختبار، تقف إلى جوارها خجلة، ثم طلبت منها ذات يوم قطعة قطن تزين بها أطرافها.
أعطتها ندفة قطعة كبيرة دون تردد، فقد تعلمت أن الاختلاف لا يحتاج إلى الانتقام كي ينتصر على السخرية.
أمنية عند الغروب
في مساء ربيعي هادئ، جلست ليلى فوق سطح بيتها، تراقب ندفة وهي تسبح بين ألوان الغروب، وقد تلونت أطرافها بالذهبي والوردي الجميل.
نادتها الطفلة، هل ما زلت تتمنين أن تمطري مثل بقية السحب؟
فكرت ندفة قليلا، ثم أرسلت قطعة حلوى صغيرة استقرت في كف ليلى، وقالت، أستطيع الآن أن أمطر بعض الماء، لكنني لا أريد أن أتخلى عما يجعلني أنا.
ابتسمت ليلى، بينما هبط فوق كتفها خيط قطن ناعم، وترددت في القرية أصوات الأطفال وهم يلاحقون الحلوى المتساقطة بفرح.
ابتعدت ندفة نحو الأفق، لا تختبئ خلف الجبال، ولا تخشى أن يراها أحد، بل تركت ظلها الأبيض يمتد فوق الحقول كراية صغيرة تعلن أن المختلف قد يجد مكانه حين يتوقف عن الاعتذار عن نفسه.
لم تصبح ندفة محبوبة لأنها تعلمت أخيرا كيف تسقط الماء، بل لأنها اكتشفت أن ما ظنته عيبا كان هبة تنتظر اللحظة المناسبة لتفهم وتقدر.
فبعض القلوب تقضي عمرها تحاول التشبه بالآخرين، مع أن أجمل ما تستطيع تقديمه للعالم قد يكون مخبأ داخل الشيء الذي طالما خجلت منه.
