سر المكتبة المهجورة، في تلك الظهيرة التي انسكب فيها الغبار كذهب باهت فوق أرضية المكتبة المهجورة، لم تكن أروى تبحث عن معجزة، بل عن رائحة جدها القديمة المتناثرة بين الرفوف، غير أن بعض الأسرار لا تنتظر من يفتش عنها، فهي تفتح عينيها فجأة، وتهمس من بين الصفحات الصامتة دون سابق إنذار.
كانت مكتبة الجد تقبع في آخر الممر، خلف باب خشبي تورمت حوافه من الرطوبة، كأن الزمن وضع كتفه عليه أعواما طويلة، دفعت أروى الباب، فأطلق المفصل المعدني صرخة رفيعة، وتسللت رائحة الورق العتيق والحبر اليابس إلى أنفها مثل ذكرى لا تعرف لمن تعود.
تقدمت بخطوات حذرة بين رفوف عالية تصطف عليها كتب داكنة الأغلفة، نسج العنكبوت بينها ستائر فضية رقيقة، مر شعاع شمس مائل عبر النافذة المشقوقة، فاستيقظ الغبار في الهواء وراح يرقص حولها كأنه حشد من الجنيات الصغيرة.
الكتاب الأزرق الغامض
رأته فوق منضدة في الزاوية، وحيدا كأنه ينتظرها منذ زمن بعيد، كان كتابا كبيرا بغلاف جلدي أزرق قاتم، بلا عنوان، تتوسطه دائرة فضية باهتة تشبه قمرا نسي طريقه إلى السماء.
فتحت أروى الغلاف ببطء، فوجدت الصفحات بيضاء تماما، لا خط فيها ولا رسم، قالت هامسة: كتاب فارغ؟ لماذا يحتفظ جدي بكتاب فارغ في مكان كهذا؟ لم يجبها أحد، لكن الصفحة الأولى ارتجفت تحت أصابعها، كأنها تنبض بحياة خفية.
أول حكاية تخرج من الصفحة
أخرجت أروى قلما صغيرا من جيب فستانها، ورسمت على طرف الصفحة زهرة بنفسجية ذات ساق طويلة، لم تكن رسمة متقنة، لكنها منحتها بتلات واسعة ونقطة صفراء في القلب.
وما إن انتهت، حتى لمع الحبر لمعانا خاطفا، وانبعث من الصفحة عطر رقيق، شهقت أروى وتراجعت، إذ خرجت الزهرة من الورق ببطء، نبتت فوق الطاولة، ومالت برأسها البنفسجي كأنها تحيي رسامتها الصغيرة، مدت أروى يدها المرتجفة ولمست البتلات، فكانت طرية باردة، حقيقية تماما.
عندها سمعت همسا خافتا من داخل الكتاب، لا يشبه صوتا بشريا ولا حفيف ورق: ساعة واحدة، ثم تعود الحكاية إلى بيتها.
فراشة من الخيال
اتسعت عينا أروى، واشتعل الفضول في قلبها كعود ثقاب في غرفة مظلمة، كتبت كلمة فراشة بخط مرتبك، وأضافت جناحين مرقطين بالأزرق والفضي.
في اللحظة التالية، رفرفت فراشة حقيقية فوق الصفحة، ثم دارت حول رأسها بخفة، حتى ضحكت أروى بصوت كاد يطرد صمت المكتبة كله، لم تعد الغرفة مخيفة، بل صارت مسرحا سريا للأحلام، لكن الأحلام حين تمنح جسدا، تحتاج إلى يد تعرف كيف تمسك بها.
الرسم الذي خرج عن السيطرة
جلست أروى على الأرض، وبدأت ترسم مخلوقا من خيالها، أذنين مستديرتين، عينين واسعتين، فراء أخضر ناعما، ذيلا طويلا مثل فرشاة، وقدما ضخمة تشبه الوسادة، أرادته لطيفا، صغيرا، مضحكا.
غير أن يدها انزلقت فجأة حين عطست من الغبار، فامتد الخط، وتضخمت القدم، واتسع الجسد، حتى صار المخلوق في الرسم بحجم خزانة الجد القديمة، وقبل أن تمحو الخطأ، لمع الحبر لمعانا عنيفا.
خرجت من الصفحة كتلة خضراء هائلة، تبعتها أذنان، ثم عينان بريئتان، ثم فم عريض ابتسم ابتسامة مليئة بالمشاكسة، ارتجت الطاولة تحت ثقله، وسقطت الكتب من الرفوف كطيور مذعورة، صرخت أروى بصوت مبحوح: لا تتحرك رمش المخلوق مرتين، ثم عطس عطسة هائلة أطارت قبعة قديمة من فوق الرف، وانطلق راكضا نحو الباب.
فوضى لطيفة في الممر والحديقة
كان المخلوق لطيفا بلا شك، لكنه لم يكن يعرف معنى اللطف حين يملك جسدا بحجم عربة، اندفع في الممر، فاهتزت اللوحات على الجدران، ثم قفز فوق السجادة، فانزلقت به كقارب أخضر فوق بحر من الخشب المصقول.
ركضت أروى خلفه وهي تصرخ: عد إلى هنا بقيت لديك ساعة واحدة فقط لكنه ظنها لعبة، فضحك ضحكة تشبه قرقرة جدول عميق، ثم دفع باب الحديقة برأسه الكبير وخرج إلى ضوء العصر.
في الحديقة، كانت شجرة التين العتيقة تنحني بأغصانها فوق الممر الحجري، ركض المخلوق نحوها، وراح يشم الأوراق، ثم حاول أن يتسلق الجذع، لكنه كان أثقل من أن يكون قطة وأخف عقلا من أن يكون حذرا، تعلق بغصن منخفض، فانحنى الغصن حتى لامس الأرض، ثم ارتد فجأة فقذف به وسط أحواض النعناع.
انتشرت الرائحة الخضراء في الهواء، وتعالى ضحك أروى رغم خوفها، لكن ضحكتها انطفأت حين رأت بوابة الحديقة مفتوحة، وخارج البيت الشارع، والعربات، والناس، والعيون التي لا تؤمن بسهولة بالمخلوقات الخارجة من الكتب.
خطة النور والنعناع
فتحت أروى الكتاب بسرعة، وقلبها يطرق صدرها كعصفور حبيس، كتبت: حبل من نور، لا يؤذي، ولا يخيف، ولا يمسك إلا بما جاء من هذه الصفحة، خرج من الورق خيط ذهبي طويل، ناعم كالشمس حين تلمس الستائر.
أمسكت به أروى، وركضت نحو المخلوق الذي كان قد بدأ يزحف نحو البوابة، يتبع فراشة حقيقية لا علاقة لها بالسحر، قالت له بلطف: اسمعني يا أخضر، لا أريد أن أحبسك، أريد فقط أن أعيدك إلى بيتك قبل أن تختفي في مكان لا أعرفه.
التفت إليها المخلوق، وفي عينيه الواسعتين شيء يشبه الفهم، لكنه رأى في يدها قطعة تين ناضجة سقطت من الشجرة، فاندفع إليها بحماس، وجر خلفه خيط النور، وأروى معه.
سباق مع الوقت
عاد صوت الكتاب يهمس، لكنه هذه المرة خرج من صفحاته كنسمة باردة: لم يبق الكثير، نظرت أروى إلى الزهرة البنفسجية فوق الطاولة من خلال النافذة، فرأتها تفقد لونها ببطء، كأن المساء يشربها.
أدركت أن ما صنعته من حبر وخيال سيعود قريبا، لكن المخلوق إذا كان بعيدا عن الكتاب عند انتهاء الساعة، فقد يعود ناقصا، أو يترك خلفه فوضى لا تعرف كيف تمحى، أغمضت عينيها لحظة، ثم فتحت صفحة جديدة.
لم ترسم قفصا، ولم تكتب أمرا قاسيا، رسمت بابا صغيرا في وسط الصفحة، تحيط به نجوم ووسائد وثمار تين، وكتبت فوقه: بيت آمن لمن خرج من الحكاية، توهج الباب المرسوم، ثم كبر فوق العشب، وصار قوسا مضيئا يقود إلى داخل الصفحة نفسها.
وداع المخلوق الأخضر
اقتربت أروى من المخلوق، ورفعت قطعة التين أمامه، قالت بصوت هادئ، كأنها تغني لحلم خائف: هناك بيتك، فيه تين كثير، ووسائد كبيرة، ولا أحد سيصرخ حين تعطس.
شم المخلوق الهواء، ثم نظر إلى الباب المضيء، خطا خطوة فتقلص ذيله قليلا، وخطا أخرى فصار فراؤه يلمع كأنه مرسوم بالنجوم، وقبل أن يدخل، التفت نحو أروى، ومد يده الضخمة.
وضعت كفها الصغيرة فوق كفه، فشعرت بدفء عجيب، كدفء صديق لا يبقى طويلا لكنه يترك أثرا لا يزول، ثم قفز المخلوق داخل الباب، وانطوى الضوء على نفسه، وعادت الصفحة بيضاء إلا من رسمة صغيرة له، جالسا بين الوسائد، يأكل تينة ويرفع ذيله في وداع مرح.
حكمة الجد الخفية
حين عاد الهدوء إلى الحديقة، كانت الشمس قد انخفضت خلف السور، وصارت الظلال طويلة كأسرار تمتد على الأرض، عادت أروى إلى المكتبة، فوجدت الزهرة قد اختفت، والفراشة صارت لطخة فضية صغيرة في هامش الصفحة.
أغلقت الكتاب بحذر، لكنها لم تعد الفتاة نفسها التي فتحته قبل ساعة، وضعت يدها على الغلاف الأزرق وهمست: لن أرسم شيئا لا أعرف كيف أعتني به.
عندها لمع القمر الفضي على الغلاف، وظهر تحته سطر رقيق لم يكن موجودا من قبل: الحكايات لا تخاف من الخيال، لكنها تخاف من قلب لا يتحمل مسؤوليته، ابتسمت أروى، وحملت الكتاب إلى صدرها، في الخارج، كانت شجرة التين تهتز برفق، كأن مخلوقا أخضر صغيرا مر في حلمها وترك ضحكته بين الأوراق.
الدرس الذي تبقى من الحكاية
ليست كل قوة تمنح لنا لتدهشنا فحسب، بعضها يأتي ليختبر رفقنا، وصبرنا، وحسن اختيارنا، تعلمت أروى أن الخيال باب واسع، لكن اليد التي تفتحه يجب أن تعرف كيف تعيد منه الضوء دون أن تترك العاصفة تعبر معه.
فالقصص الحية لا تولد من الحبر وحده، بل من القلب الذي يرسمها، ومن الحكمة التي تعرف أن أجمل المعجزات هي تلك التي لا تؤذي أحدا حين تتحقق.
