هناك أصوات لا يسمعها سوى أولئك الذين يقتربون من نهاية العالم، صوت البلورات وهي تتنفس أنفاسها الأخيرة كان يشبه همساً بارداً يتسلل بين أزقة المدن العائمة، حتى بدا وكأن السماء نفسها فقدت ثقتها في حمل البشر فوق الغيوم.
وفي صباح لم يختلف عن غيره إلا بلون الشمس الشاحب، استيقظت مدينة إيريس على اهتزاز خافت جعل الأبراج البلورية تميل للحظة قبل أن تستعيد توازنها.
لم يدرك السكان أن ذلك الاهتزاز لم يكن مجرد خلل عابر، بل كان أول نبضة لانهيار قد يبتلع حضارةً عاشت قروناً فوق السحاب، بينما كانت فتاة واحدة فقط تنظر إلى الأفق، وكأنها تسمع نداءً قديماً قادماً من أعماق الأرض.
عندما بدأت السماء تفقد قوتها
كانت المدن العائمة تبدو من بعيد كجزر مضيئة تسبح فوق بحرٍ من الغيوم، تحملها بلورات زرقاء عملاقة تنبض بإيقاع يشبه نبض القلوب.
لكن في ذلك الأسبوع، انطفأ وهج البلورات تدريجياً، وبدأت الشقوق الدقيقة تزحف على أسطحها كعروق سوداء تنذر بكارثة لا يمكن تجاهلها.
لم يكن الخوف في عيون الناس بسبب الاهتزازات وحدها، بل بسبب الأسطورة القديمة التي تناقلتها الأجيال همساً؛ فقد قيل إن البلورات لن تعيش إلى الأبد، وإن قوتها لا تتجدد إلا من مكانٍ دفنته الأرض منذ آلاف السنين، مكان يدعى النواة الأرضية الأسطورية.
المهندسة التي رفضت الاستسلام
وسط ورش الصيانة المليئة بالتروس والبخار ورائحة المعادن الساخنة، كانت جنه تنحني فوق طاولة مليئة بالمخططات، بينما تتحرك أصابعها بثقة بين الأدوات الدقيقة.
لم تكن تؤمن بالخرافات، لكنها كانت تؤمن أن لكل أسطورة حقيقةً تنتظر من يكتشفها.
قال أحد المهندسين وهو يراقبها بصوت مرتجف:
مجلس الحكماء أعلن حالة الطوارئ، لا أحد يستطيع مغادرة المدينة.
رفعت رأسها بابتسامة هادئة وقالت:
إذا بقي الجميع هنا، فلن يبقى مكان نعود إليه.
ساد الصمت، بينما واصلت تثبيت آخر قطعة في مشروعٍ أخفته سنوات طويلة عن الجميع.
ولادة المركبة التي تتحدى الرياح
داخل حظيرة مهجورة على أطراف المدينة، كانت تقف مركبة غريبة لم يرَ أحد مثلها من قبل.
أجنحتها صنعت من سبائك خفيفة تعكس الضوء كريش الصقور، ومحركاتها تدور داخل حلقات مغناطيسية تتوهج بخطوط بنفسجية، أما مقدمتها فكانت تحمل بلورة صغيرة ما زالت تحتفظ ببريقها النادر.
حين ضغطت جنه على المفتاح الرئيسي، ارتجف الهواء من حولها، وانطلقت ذبذبات ناعمة جعلت الغبار يرتفع في دوائر راقصة، قبل أن تستيقظ المحركات بصوت يشبه زئير مخلوقٍ عملاق خرج للتو من سباته.
وداع المدينة
تجمّع القليل ممن عرفوا بحقيقتها عند منصة الإقلاع.
قالت امرأة عجوز وهي تضع قلادة قديمة في يدها:
هذه ورثتها عن أجدادي، يقولون إنها تشير إلى الطريق عندما تعجز النجوم.
أغلقت جنه يدها حول القلادة، ثم ابتسمت بعينين امتزج فيهما الخوف بالأمل.
إن عدت، ستشرق السماء من جديد.
ثم اندفعت المركبة نحو الفضاء المفتوح، تاركة خلفها خيطاً فضياً شقّ الغيوم كأنه وعدٌ لا يقبل التراجع.
في قلب بحر العواصف
كلما ابتعدت عن المدن العائمة، تحولت السماء إلى متاهة من السحب السوداء.
البرق كان يولد داخل الغيوم قبل أن ينفجر في خطوط بيضاء تمزق الظلام، بينما كانت الرياح تعصف بالمركبة كأنها تريد ابتلاعها.
أمسكت جنه بعجلة القيادة بقوة، وتراقصت الأضواء أمامها مع كل صدمة هوائية، لكن المركبة كانت تستجيب لكل حركة بدقة مذهلة، وكأنها خُلقت خصيصاً لهذا الطريق المستحيل.
حراس الرياح
فجأة انشقت الغيوم عن مخلوقات شفافة بأجنحة واسعة تشبه أشرعة البلور، وأعين مضيئة بلون الفجر.
لم تكن تهاجم مباشرة، بل كانت تدور حول المركبة في دوائر متسعة، ترسل ذبذبات تجعل البوصلة تدور بجنون.
اقترب أحدها حتى انعكس وجه جنه داخل عينه الزجاجية، ثم أطلق صرخة طويلة جعلت الهواء كله يرتجف.
أدركت أن هذه الكائنات لا تحرس السماء فقط، بل تختبر الغرباء.
أطفأت المحركات للحظة، وتركت المركبة تنساب مع التيار الهوائي بهدوء، فهدأت المخلوقات تدريجياً، ثم تفرقت كأسراب من الضوء، تاركة لها ممراً بين العواصف.
البوابة التي تقود إلى الأسطورة
بعد أيام من الطيران، بدأت الغيوم تنفتح ببطء، وظهر أمامها مشهد لم تصفه أي خرائط.
كانت دوامة هائلة تدور في قلب السماء، تتدلى منها أعمدة من الصخور المعلقة، بينما تتدفق بينها شلالات من الضوء الذهبي تهبط نحو الأعماق بلا نهاية.
في مركز الدوامة، انفتح ممر دائري تحيط به رموز متوهجة، وكل رمز ينبض بنفس الإيقاع الذي كانت تصدره البلورات القديمة.
نزول نحو قلب العالم
كل متر تهبطه المركبة كان يجعل الهواء أكثر دفئاً، حتى اختفت الغيوم تماماً، وظهرت طبقات الأرض الداخلية كعالم مستقل مليء بالأنهار المضيئة والغابات البلورية والجبال التي تتنفس بخاراً أزرق يملأ الفضاء برائحة المطر الأول.
ثم رأتها،
كرة عملاقة من الطاقة البيضاء، تدور ببطء داخل قاعة طبيعية هائلة، تحيط بها ملايين البلورات النقية التي تضيء المكان كسماء مليئة بالنجوم.
عرفت فوراً أنها وصلت إلى النواة الأرضية الأسطورية.
النور الذي أعاد الحياة إلى السماء
اقتربت جنه بحذر، وأخرجت البلورة الصغيرة المثبتة في مقدمة المركبة.
وما إن لامست سطح النواة حتى اندفعت موجة من الضوء عبرها، فاشتعلت البلورة بطاقة لم تعرفها من قبل، ثم انتقلت الشرارة إلى بقية البلورات المحيطة، حتى تحولت القاعة كلها إلى بحرٍ من الإشراق.
في اللحظة نفسها، عبرت الطاقة باطن الأرض وصعدت خلال الشقوق القديمة، حتى بلغت المدن العائمة.
هناك استعادت البلورات العملاقة وهجها الأزرق، وتوقفت الاهتزازات، وارتفعت المدن قليلاً كأنها أخذت نفساً عميقاً بعد اختناق طويل.
حين عادت جنه إلى السماء، لم تستقبلها الأبراج بالأجراس وحدها، بل استقبلتها السحب نفسها بألوان الفجر، وكأن العالم كله كان ينتظر عودتها ليبدأ من جديد.
وقفت جنه فوق أعلى منصة في المدينة، تراقب البلورات وهي تنبض بقوة متجددة، بينما انعكست أضواء الغروب على السحاب في لوحة لا يمكن أن يرسمها سوى الزمن.
لم تكن البطلة التي هزمت المستحيل فحسب، بل أصبحت أول إنسان يثبت أن الأساطير ليست حكايات تُروى قبل النوم، بل خرائط يتركها الماضي لمن يملك الشجاعة الكافية للسير نحو المجهول.
وفي تلك الليلة، عادت المدن العائمة لتسبح بثقة فوق الغيوم، لكن السماء لم تعد كما كانت؛ فقد صارت تحمل في قلبها اسماً سيبقى خالداً مع كل شروق، جنه، مهندسة الأمل، وحارسة مدينة السحاب المفقودة.
وليست أعظم الرحلات تلك التي تقطع المسافات، بل التي تعبر حدود الخوف واليقين.
فحين يجرؤ إنسان واحد على ملاحقة النور وسط العواصف، يصبح الأمل قوةً قادرة على حمل مدنٍ كاملة فوق السحاب، ويغدو المستقبل ثمرةً للشجاعة التي ترفض الاستسلام، مهما بدا السقوط قريباً, مغامرة بين بوابات الفضاء السحرية حكاية بوصلة العوالم السبعة من هنا.
