عندما فتح الدكتور أدهم السيوفي الصندوق الخشبي العتيق، لم يكن يدري أنه يفتح نافذة لا تؤدي إلى الماضي فحسب، بل إلى امرأة ستسلب منه نومه، وتعيد ترتيب قلبه كما تعاد فهرسة مخطوطة ضائعة.
كان الصندوق مغطى بطبقة كثيفة من الغبار، وله قفل نحاسي أخضر الحواف أكلته الرطوبة، بينما انبعث من داخله، بعد كسره، عبير خافت من الورد اليابس والحبر المعتق، كأن الهواء المحبوس فيه ظل يتنفس طوال قرن ونصف في انتظار يده وحدها.
في قاع الصندوق استقرت حزمة من المذكرات الجلدية، مربوطة بشريط أزرق بهت لونه حتى صار شبيهاً بسماء شتوية عند الغروب، وفوقها صورة لامرأة شابة ترتدي ثوباً من طراز القرن التاسع عشر، تحدق في المصور بعينين واسعتين لا تبدوان ميتتين.
كان اسمها مكتوباً خلف الصورة بحروف دقيقة، ليلى عز الدين، القاهرة، 1872.
ولم يكن أدهم يعرف، وهو يمرر إصبعه فوق الاسم، أن تلك المرأة ستخرج من الورق، لا بجسدها، بل بأثرها، وأنه بعد أسابيع قليلة سيرى وجهها يسير نحوه بين زحام المدينة.
الصندوق الذي جاء من بيت الموتى
وصل الصندوق إلى قسم الوثائق التاريخية في الجامعة ضمن محتويات قصر قديم جرى هدمه في حي الحلمية، وكان أدهم مسؤولاً عن فحص الأوراق وتحديد قيمتها قبل نقلها إلى دار الكتب.
لم يكن في الثانية والأربعين من عمره ما يلفت الأنظار سوى هدوئه المفرط، وملامحه التي بدت دائماً كأنها مصغية إلى صوت بعيد، وأصابعه النحيلة التي تعامل المخطوطات برفق لا يمنحه للبشر.
منذ وفاة زوجته قبل سبع سنوات، صار منزله امتداداً لمكتبه؛ جدران من الكتب، وطاولة طويلة تعلوها خرائط عثمانية، ومصباح أصفر يترك نصف الغرفة في عتمة متسامحة.
لم يكره الناس، لكنه كان يخشى القرب منهم، فالأحياء قادرون على الرحيل فجأة، أما الموتى فيبقون أوفياء داخل سطورهم، لا يفاجئونك بباب يغلق ولا بصوت يتلاشى في ممر مستشفى.
وحدها مذكرات ليلى بدت مختلفة.
لم تكن مجرد وثيقة تؤرخ لحياة امرأة من طبقة أرستقراطية في القاهرة الخديوية، بل صوتاً حياً ينساب بين الكلمات، متردداً أحياناً، ساخراً أحياناً أخرى، ومثخناً بحزن لم يستطع أدهم في البداية تحديد مصدره.
امرأة تكتب إلى قارئ لم يولد بعد
بدأت المذكرات بعبارة غريبة:
إلى من سيجد كلماتي حين يصبح وجهي تراباً، لا تصدق أن الزمن يسير إلى الأمام دائماً؛ أحياناً يدور في الخفاء، ويعيدنا إلى النقطة التي هربنا منها.
توقف أدهم عند الجملة طويلاً، ثم أعاد قراءتها بصوت خافت، فارتج الهدوء في مكتبه كما لو أن أحداً تنفس خلفه.
كانت ليلى ابنة قاضٍ ثري، تلقت تعليماً نادراً لنساء زمانها، فأتقنت الفرنسية، وقرأت الفلسفة، ودرست الفلك على يد مدرس يوناني كان يزور منزل أبيها خفية حتى لا يثير الأمر اعتراض الأقارب.
كتبت عن شوارع القاهرة حين كانت العربات تجرها الخيول، وعن رائحة القهوة المطحونة في خان الخليلي، وعن مصابيح الزيت التي تتراقص فوق شرفات البيوت، وعن نيل كان أكثر اتساعاً وأشد ظلمة.
لكن بين هذه التفاصيل، كان هناك رجل تشير إليه بحرف واحد، أ.
قالت إنها التقته في مكتبة صغيرة قرب باب زويلة، وإنه كان مؤرخاً شاباً يجمع شهادات الناس عن أحداث عصره، ويؤمن بأن الذاكرة أكثر صدقاً من سجلات الحكام.
حين قرأ أدهم وصفها لذلك الرجل، تصلب ظهره فوق المقعد.
كان طويل القامة، قليل الكلام، يرفع حاجبه الأيسر عندما يشك في رواية، وعلى ظاهر يده اليمنى شامة داكنة تشبه نقطة حبر لا تزول.
رفع أدهم يده اليمنى ببطء.
كانت الشامة في المكان ذاته.
حين صار الماضي أكثر واقعية من الحاضر
في الليالي التالية، أخذ أدهم المذكرات إلى منزله رغم مخالفة ذلك لقواعد الأرشيف، ووضعها قرب سريره كما توضع رسالة منتظرة من حبيب بعيد.
كان يستيقظ قبل الفجر ليقرأ، فتغدو غرفته الضيقة مسرحاً لزمن آخر؛ يسمع وقع حوافر الخيل في الشارع، ويشم رائحة الفحم المحترق، ويكاد يرى ظل ليلى يمر خلف ستارة النافذة.
لم يكن يحب صورتها وحدها، بل أحب طريقتها في رؤية العالم، سخريتها من الرجال الذين يتحدثون طويلاً ليخفوا جهلهم، وشغفها بالسماء، وخوفها من أن تموت قبل أن تعيش حياة تختارها بنفسها.
وجد نفسه يبتسم لتعليقاتها، ويغضب ممن أساؤوا إليها، ويؤجل النوم كي لا يتركها وحيدة بين صفحتين.
وبعد أسبوعين، لم يعد يقرأ المذكرات كباحث، بل كرجل ينتظر أن تصل إليه امرأة عبر ممر طويل من السنوات.
الرسالة المخبأة بين صفحتين
في مساء ماطر، لاحظ أدهم أن الغلاف الخلفي للمذكرات أكثر سماكة من الطبيعي، فمرر مشرط الترميم بحذر على الحافة، وانفصل الجلد ليكشف عن تجويف رقيق.
كانت داخله رسالة مطوية أربع مرات، وقد التصق الورق بنفسه من أثر الرطوبة، فاحتاج إلى ساعات لفصله دون تمزيق الحروف.
بدأت الرسالة باسمه كاملاً.
إلى أدهم السيوفي، الذي سيقرأ هذا بعد أن يمر زمن طويل لا أستطيع تخيله.
تراجع عن الطاولة حتى اصطدمت كتفه بخزانة الكتب، وظل واقفاً يحدق في السطر، بينما أخذ المطر يضرب الزجاج كأصابع مذعورة.
حاول إقناع نفسه بأن الاسم مضاف حديثاً، أو أن شخصاً عبث بالمخطوط، لكنه يعرف الحبر القديم، ويعرف تشققات الورق، ويعرف كيف يتغلغل الزمن في الألياف فلا يمكن تزويره بتلك البساطة.
تابع القراءة ويده ترتجف.
رأيتك في المنام مرات كثيرة، تجلس تحت ضوء أصفر، وحولك كتب تملأ الجدران، وفي يدك اليمنى علامة سوداء.
لا أعرف كيف تعرفني، ولا كيف ستجد كلماتي، لكنني أشعر أنك آخر من سيصدق أنني كنت هنا.
جلس أدهم ببطء، وشعر لأول مرة منذ أعوام أن قلبه لا ينبض داخل صدره، بل يدق على باب مغلق.
الوجه الذي خرج من الصورة
في صباح اليوم التالي، حمل أدهم الصورة والرسالة إلى مختبر الترميم، وطلب من زميلته فحصهما دون أن يخبرها بسبب قلقه.
أكدت النتائج أن الورق والحبر يعودان إلى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ولم تظهر أي إضافات حديثة أو آثار تلاعب.
خرج من الجامعة قبيل الغروب، وكان ذهنه مشبعاً بالأسئلة إلى درجة أنه لم ينتبه إلى إشارة المرور، فتقدم خطوة نحو الطريق قبل أن تجذبه يد من معطفه.
مرت سيارة مسرعة أمامه، وتركت خلفها زمجرة حادة ورائحة مطاط محترق.
قال صوت نسائي خلفه:
يبدو أن المؤرخين يجيدون العيش في الماضي أكثر من عبور الشوارع.
التفت أدهم.
وفي اللحظة التي رأى فيها وجهها، انطفأت أصوات المدينة.
كانت الصورة القديمة في جيب معطفه، لكنه لم يحتج إلى إخراجها؛ العينان الواسعتان نفسهما، انحناءة الحاجبين، الشامة الصغيرة قرب الذقن، وحتى النظرة التي تجمع بين الحذر والتحدي.
تراجع خطوة، بينما تركت هي معطفه وحدقت فيه باستغراب.
قالت:
هل أنت بخير؟
فتح فمه، لكن الاسم خرج قبل أي كلمة أخرى:
ليلى.
اختفى التهكم من عينيها.
قالت بعد صمت قصير:
كيف عرفت اسمي؟
فتاة تحمل ذاكرة لا تخصها
كان اسمها ليلى عز الدين أيضاً، تعمل مهندسة معمارية في مشروع توثيق المباني التاريخية، وقد جاءت إلى الجامعة لتسأل عن وثائق قصر عائلتها القديم الذي هُدم قبل أشهر.
جلسا في مقهى قريب، بينهما طاولة رخامية صغيرة وفوقها كوبان لم يمس أحدهما، بينما أخرج أدهم الصورة ووضعها أمامها.
حدقت ليلى في الوجه القديم، ثم سحبت أنفاسها ببطء حتى ابيضت مفاصل أصابعها القابضة على حافة الكرسي.
قالت:
هذه المرأة تظهر لي في أحلامي منذ طفولتي.
لم يجب أدهم، فواصلت وهي تحدق في الصورة:
أراها تقف عند نافذة عالية، ترتدي هذا الثوب، وتكتب شيئاً بسرعة، ثم تسمع طرقاً على الباب فتخفي الأوراق داخل صندوق.
رفعت عينيها إليه، وكان الخوف فيهما أكثر صدقاً من أن يكون تمثيلاً.
وفي الحلم رجل يناديني من آخر ممر، لكنني لا أرى وجهه أبداً.
كنت أظن أنني اخترعت كل ذلك، حتى رأيت هذه الصورة.
أخرج أدهم الرسالة، لكنه أبقى كفه فوق الاسم المكتوب في أعلاها.
سألها:
هل تعرفين شيئاً عن المرأة؟
هزت رأسها.
كانت جدتي تذكر أن إحدى نساء العائلة ماتت شابة في ظروف غامضة، وأن اسمها مُحي من شجرة النسب بسبب فضيحة، لكن لا أحد كان يعرف التفاصيل.
أزاح أدهم يده عن الرسالة.
وحين رأت اسمه مكتوباً بحبر عمره أكثر من مئة عام، شهقت كأن الورقة أمسكت بها من عنقها.
السر المدفون في السجل القديم
اتفقا على البحث معاً، ولم يعد أدهم قادراً على إخفاء المذكرات عنها، فقرأتها ليلى في مكتبه حتى ساعة متأخرة، وكانت تتوقف أحياناً قبل بلوغ نهاية السطر، ثم تكمله من ذاكرتها دون أن تفهم كيف.
في اليوم الثالث، عثرا على إشارة إلى بيت صيفي تابع للعائلة في ضاحية حلوان، وذكرت ليلى القديمة أنها أخفت هناك الدليل الذي سيمنع موت الحقيقة.
كان البيت لا يزال قائماً، مهجوراً خلف سور متشقق وأشجار سرو ذابلة، وقد حصلت ليلى الحديثة على إذن بدخوله بفضل عملها في هيئة التراث.
استقبلتهما رائحة العفن والخشب الرطب، وكانت الأرضية تئن تحت خطواتهما كأن البيت يستيقظ متبرماً من نوم طويل.
قادتهما المذكرات إلى غرفة في الطابق الثاني، جدرانها مكسوة بورق أزرق تقشر معظمه، وفي الزاوية مرآة بيضاوية سود الزجاج.
قالت ليلى فجأة:
خلف المرآة.
سألها أدهم:
كيف عرفتِ؟
لم تجب، بل تقدمت ورفعت المرآة بمساعدته، فظهر تجويف ضيق في الحائط، وداخله سجل جلدي وقلادة فضية تحمل حجراً أزرق.
ما إن لمست ليلى القلادة حتى ارتجف جسدها بعنف، وأغمضت عينيها.
الليلة التي انكسر فيها الزمن
رأت الغرفة كما كانت قبل مئة وخمسين عاماً؛ الشموع مشتعلة، والمطر يجلد النوافذ، وليلى القديمة تقف بثوب أبيض ممزق عند الكتف، بينما رجل ملتحٍ يصرخ في وجهها.
كان الرجل ابن عمها، وقد اكتشفت أنه يزور حسابات أوقاف العائلة ويبيع أراضي الفقراء بأسماء موتى، فجمعت الدليل في السجل وقررت تسليمه إلى الصحف.
لكن الأسرة خشيت الفضيحة أكثر مما خشيت الجريمة.
حبسوها في البيت، وأعلنوا أنها أصيبت بحمى شديدة، بينما كان الرجل الذي أحبته ينتظرها قرب باب زويلة دون أن يعرف أنها لن تأتي.
في رؤيتها، سمعت ليلى القديمة طرقاً عنيفاً على باب الغرفة، فوضعت السجل خلف المرآة، وبدأت تكتب رسالتها الأخيرة إلى رجل لم تقابله بعد، رجل رأته في أحلامها كما رأى هو صورتها بعد قرن ونصف.
ثم دخل ابن عمها.
لم تر ليلى الحديثة ما حدث بعد ذلك، لكنها شعرت بألم حاد في صدرها وسقطت بين ذراعي أدهم.
حين فتحت عينيها، كان وجهه قريباً منها، شاحباً، وقد وضع يده خلف رأسها كي لا تمس الأرض.
همست:
لم تمت بالحمى.
قال أدهم:
أعرف.
فتح السجل، فوجد داخله الحسابات المزورة، وأسماء الضحايا، وفي الصفحة الأخيرة اعترافاً بخط ابن العم نفسه كتبه لاحقاً تحت وطأة الندم.
أما الوثيقة الأشد غرابة، فكانت ورقة صغيرة تحمل توقيع الرجل المشار إليه بحرف أ.
كان اسمه، أدهم السيوفي.
الرجل الذي عاش مرتين
بحث أدهم في سجلات القرن التاسع عشر حتى عثر على الرجل، مؤرخ وصحفي شاب عاش في القاهرة واختفى عام 1873، بعد أشهر قليلة من وفاة ليلى القديمة.
كانت صورته الوحيدة باهتة، لكنها أظهرت ملامح تشبه أدهم الحالي إلى حد مرعب؛ الأنف نفسه، انحناءة الفم، والشامة على اليد اليمنى.
لم يؤمن أدهم بتناسخ الأرواح، ولا بالدوائر الغيبية التي تتلاعب بالبشر، لكنه لم يجد تفسيراً علمياً يسمح له بالنوم.
قالت ليلى وهما يجلسان في المكتبة الخالية:
ربما لم نأتِ لنكرر حياتهما.
رفع عينيه إليها.
تابعت:
ربما أتينا لنمنحهما نهاية لم يستطيعا الوصول إليها.
كان بينهما قرب خفي نما خلال أيام البحث؛ لم يكن انجذاباً قائماً على الشبه وحده، بل ألفة غريبة، كأن كلاً منهما يعرف صمت الآخر قبل أن يسمعه.
ومع ذلك، خاف أدهم أن يكون ما يشعر به مجرد ظل لامرأة ميتة، وأن تكون ليلى الحديثة مرآة يطارد فيها وجهاً قديماً.
قال لها:
لا أريد أن أحبك لأنك تشبهينها.
أجابته بصوت ثابت:
وأنا لا أريدك أن تراني امتداداً لها.
كانت كلماتها قاسية، لكنها ضرورية كشق جرح قديم لتنظيفه.
ابتعدا أسبوعين.
وفي غيابها، قرأ أدهم المذكرات من جديد، لكنه لاحظ هذه المرة الفروق لا أوجه الشبه؛ ليلى القديمة كانت تخشى المرتفعات، أما ليلى الحديثة فتصعد السقالات بلا تردد، القديمة تعشق الشعر الفرنسي، والحديثة تسخر من المبالغة في الاستعارات.
أدرك أنه لم يشتق إلى صاحبة المذكرات.
كان يشتاق إلى المرأة التي أنقذته من السيارة، والتي تقاطع كلامه حين يسترسل، وتضع قلمها بين أسنانها أثناء التفكير، وترفض القهوة ما لم تكن مرة إلى حد القسوة.
الحقيقة التي أعادت الاسم إلى الحياة
سلّما السجل والاعتراف إلى دار الوثائق، وبعد شهور من التحقيق، أُعيد تسجيل اسم ليلى عز الدين في تاريخ العائلة بوصفها شاهدة على واحدة من أقدم قضايا الفساد المالي الموثقة في ذلك العصر.
نشرت الجامعة المذكرات في كتاب حققه أدهم، لكنه رفض وضع اسمه وحده على الغلاف، فأضاف اسم ليلى الحديثة بوصفها شريكته في اكتشاف الوثائق.
أقيمت ندوة لإطلاق الكتاب في القصر الذي جرى إنقاذ جزء من واجهته، وحضرها باحثون وصحفيون وأفراد من العائلة لم يسمع معظمهم بقصة المرأة التي محاها أسلافهم.
وقفت ليلى أمام صورتها القديمة المعلقة على الجدار، وكانت ترتدي فستاناً أزرق بسيطاً يشبه لون الشريط الذي ربط المذكرات.
اقترب منها أدهم، وفي يده القلادة الفضية بعد ترميمها.
قال:
هذه لكِ.
نظرت إلى الحجر الأزرق، لكنها لم تمد يدها.
هل تعطيني إياها لأنها كانت لها؟
ابتسم لأول مرة دون حذر.
أعطيكِ إياها لأنكِ وجدتها، ولأنكِ الشخص الوحيد الذي استطاع إقناعي بأن الماضي لا يستحق أن نضيع الحاضر من أجله.
أخذتها منه، ثم قالت:
هذا أقرب اعتراف بالحب يمكن أن يصدر عن مؤرخ.
اقترب قليلاً، حتى لم يبق بينهما سوى رائحة الورق القديم وعطرها الخفيف.
قال:
يمكنني صياغته بلغة أوضح.
ردت وهي تبتسم:
جرّب.
قال:
أحببت امرأة قرأت عنها، لكنني أحبكِ أنتِ حين عرفتكِ.
لم تبكِ ليلى، ولم تقل شيئاً يشبه الجمل المحفوظة في الروايات، بل أمسكت بطرف معطفه كما فعلت يوم أنقذته من الطريق، وجذبته نحوها.
ثم قبلته تحت صورة امرأة انتظرت تلك اللحظة مئة وخمسين عاماً.
الصفحة الأخيرة التي لم يكتبها أحد
بعد عام، تزوج أدهم وليلى في احتفال صغير داخل حديقة البيت القديم في حلوان، بعد أن جرى ترميمه وتحويله إلى مركز لحفظ الوثائق النسائية المنسية.
في الليلة الأولى بعد الافتتاح، عاد أدهم إلى الغرفة ذات الورق الأزرق، ووضع النسخة الأصلية من المذكرات داخل صندوق زجاجي محكم.
كانت ليلى تقف عند النافذة، ينساب ضوء القمر على وجهها، فبدت للحظة شبيهة بالصورة القديمة، لكنه لم يشعر بالخوف أو الحيرة هذه المرة.
فتح المذكرات على الصفحة الأخيرة، فوجد سطراً لم يتذكر أنه قرأه من قبل.
حين تلتقيان، لا تبحثا في وجهيكما عنّا، بل اصنعا حياة لم نملك الشجاعة ولا الزمن لنعيشها.
ناداها، فجاءت وقرأت السطر، ثم مررت أصابعها على الحبر.
قالت:
هل كان موجوداً من قبل؟
أجاب:
لا أعرف.
أغلقت المذكرات برفق.
وفي اللحظة نفسها، تحركت ستارة النافذة رغم أن الزجاج كان مغلقاً، وانتشرت في الغرفة رائحة ورد يابس، ثم خفتت كأن امرأة عبرت بينهما وخرجت أخيراً من باب ظل موصداً طويلاً.
أطفأ أدهم المصباح، وأمسك بيد ليلى.
وغادرا الغرفة معاً، بينما بقي الصندوق خلفهما ساكناً للمرة الأولى، وقد انتهى انتظاره.
لا يعود الماضي دائماً كي يعيد نفسه، فقد يعود أحياناً ليطالبنا بإصلاح ما عجز أصحابه عن إصلاحه، أو ليضع بين أيدينا حباً ناقصاً ويترك لنا حرية إتمامه بطريقتنا.
وقد تكون الوجوه متشابهة، والأسماء مكررة، والطرق ملتوية حول النقطة نفسها، لكن الإنسان لا يصير أسير ما كان إلا حين يختار أن يعيش في ظله.
أما أدهم وليلى، فقد تعلما أن الحب الحقيقي لا يعبر الزمن لأنه يرفض الموت، بل لأنه يتغير في كل عبور، حتى يجد قلبين قادرين على منحه نهاية جديدة, حكاية التاجر والبئر حين عجز الذهب عن شراء شربة ماء من هنا.
