حكاية التاجر والبئر حين عجز الذهب عن شراء شربة ماء

الراوي
0

حين انكسرت الحافة الرملية تحت قدم التاجر منصور، لم يسقط جسده وحده في جوف البئر، بل سقط معه يقينه القديم بأن المال قادر على فتح كل باب وإخضاع كل قلب.

ارتطم كتفه بجدار حجري خشن، وتدحرج كيس الذهب من حزامه، ثم ابتلعه الظلام قبل أن يسمع رنين الدنانير يتناثر حوله كضحكات معدنية باردة.

وحين استقر في القاع، رفع رأسه إلى دائرة السماء البعيدة، فرأى الشمس بحجم قطعة نحاس ملتهبة، لا يمكن شراؤها ولا الفرار من لهيبها.

كان البئر جافًا، وكانت الصحراء صامتة، وكان حلقه قد بدأ يكتشف حقيقة لم تذكرها دفاتر التجارة قط، أن الإنسان قد يمتلك قافلة كاملة، ثم يصبح أفقر من نملة تبحث عن قطرة ندى.

حكاية التاجر والبئر حين عجز الذهب عن شراء شربة ماء

قافلة منصور وميزان الربح

كان منصور أشهر تجار مدينة السور، وأكثرهم صرامة في البيع والمساومة.

إذا دخل السوق في الصباح، انخفضت الأصوات من حوله، وراح الباعة يتفحصون موازينهم خشية أن يجد فيها ميلًا يطالبهم بثمنه مضاعفًا.

لم يكن طويل القامة ولا عريض المنكبين، لكن عباءته الأرجوانية وخاتمه الثقيل كانا يمنحانه ظلًا أكبر من جسده.

وكانت عيناه تتحركان بين الوجوه والبضائع كما يتحرك طرف الميزان، فلا تستقران إلا عند موضع الربح.

احتفظ في صدره بدفتر صغير، سجّل فيه ديون الناس وأسماء المتأخرين عن السداد.

ولم يكن ينسى درهمًا واحدًا، حتى لو نسي صاحبه وجه الجوع الذي اضطره إلى اقتراضه.

في ذلك الصيف، اشترى منصور أكياسًا من التوابل والحرير والزجاج المصقول، وعزم على عبور الصحراء إلى مدينة الميناء.

قيل له إن الطريق طويل، وإن الآبار الواقعة بين المدينتين ضعفت مياهها، لكنه ابتسم وهو يربت على صناديق نقوده.

قال لوكيله سالم:

الرجل الذي يحمل الذهب لا يخشى العطش، فلكل شيء ثمن.

نظر سالم إلى قرب الماء المعلقة على ظهور الجمال، وقال بحذر:

قد يكون للماء ثمن يا سيدي، ولكن العثور على بائعه في قلب الصحراء أمر آخر.

ضحك منصور حتى اهتزت لحيته القصيرة، ثم أمره بتقليل عدد القرب حتى لا تثقل الأحمال.

كان يرى أن كل جمل يحمل الماء يمكن أن يحمل بدلًا منه صندوقًا من البضائع، وأن المساحة التي تشغلها القربة خسارة لا تليق بتاجر خبير.

دراهم أثقل من الرحمة

قبل انطلاق القافلة، اقتربت امرأة مسنة من منصور عند باب المخزن.

كانت تضم إلى صدرها صبيًا نحيلًا، وقد امتزج غبار الطريق بدموعها حتى رسم على خديها خطين داكنين.

قالت بصوت مرتجف:

يا سيدي، أمهلني أسبوعًا آخر.

مرض حفيدي، وما كان معي إلا ثمن الدواء.

فتح منصور دفتره، ومرر إصبعه فوق السطور حتى وجد اسمها.

ثم رفع عينيه إليها من غير أن ينظر إلى الصبي.

كان موعد السداد بالأمس، والدين إذا تأخر كبر.

نزعت المرأة سوارًا نحاسيًا باهتًا من معصمها، ومدته إليه قائلة:

هذا آخر ما تركته لي ابنتي.

خذه، ولكن لا تأخذ البيت.

قلب منصور السوار بين أصابعه، ثم ألقاه فوق الطاولة.

لم يكن يساوي في عينه إلا القليل، لكنه أمر رجاله بتسجيله وطلب من المرأة إخلاء الغرفة التي تستأجرها منه قبل عودته من السفر.

خرجت المرأة وهي تحمل حفيدها، وبقي السوار على الطاولة يلتقط ضوء الصباح كعين صغيرة تراقبه.

غير أن منصور وضعه داخل صندوق، وأغلق الغطاء قبل أن تصل إليه نظرة العتاب.

في اليوم التالي، تحركت القافلة خارج المدينة.

ارتفعت خلفها سحابة من الغبار، ولم يلتفت منصور إلى الأسوار التي ابتعدت، فقد كان يحسب في رأسه الأرباح التي سيجنيها حين يبلغ الميناء.

الطريق الذي ابتلع العلامات

في الأيام الأولى، كان السفر يسير وفق حساباته.

الريح ساكنة، والجمال ثابتة الخطى، والنجوم واضحة ليلًا كمسامير فضية تثبت السماء فوق الخيام.

لكن الصحراء لا تعترف طويلًا بحسابات البشر.

ففي اليوم الرابع، هبت ريح شرقية حارة، وبدأ الرمل ينساب فوق الأرض في خطوط سريعة تشبه أسراب الأفاعي.

مع الظهيرة، تحولت الريح إلى عاصفة كثيفة.

اختفى الأفق، واصطبغ الهواء بلون أصفر قاتم، وصارت الجمال تزأر وتضرب الرمل بأخفافها بينما يشد الرجال اللثام حول وجوههم.

صاح سالم وسط العاصفة:

علينا أن نتوقف ونربط الأحمال!

لكن منصور رأى أحد صناديق الحرير يميل فوق ظهر جمل، فركض نحوه محاولًا إنقاذه.

كانت البضاعة في عينيه أثمن من أن يتركها للريح، حتى لو ضاع الرجال من حولها.

انقطع الحبل فجأة، وسقط الصندوق على الرمل، ثم تدحرج نحو منخفض بين الكثبان.

تبعه منصور وهو يصرخ في رجاله، غير أن الريح ابتلعت صوته، ولم يعد يرى من القافلة إلا ظلالًا تتلاشى خلف ستار الغبار.

ظل يتراجع فوق الرمال

حين هدأت العاصفة، وجد منصور نفسه وحيدًا.

كانت آثار الأقدام والأخفاف قد مُسحت، ولم يبق حوله سوى الصندوق المكسور وقطع الحرير الممتدة فوق الرمل كأعلام مهزومة.

صعد أعلى كثيب، وأدار وجهه في الجهات الأربع.

لم يرَ خيمة ولا جملًا ولا دخان نار، بل رأى صحراء واسعة تنبسط تحت الشمس كبحر جامد لا شاطئ له.

كان يحمل قربة صغيرة، فرفعها إلى فمه وشرب منها جرعات متتابعة.

لم يتوقف حين أدرك أنها نصف ممتلئة، إذ ظن أن رجاله سيعودون للبحث عنه قبل المساء.

مشى في الاتجاه الذي تخيل أن القافلة سلكته، وكانت قدماه تغوصان في الرمل الساخن حتى الكاحلين.

وبعد ساعات، بدا له جسم داكن عند سفح تل صخري، فاندفع إليه بقلب مفعم بالأمل.

كان بئرًا قديمًا، تحيط به دائرة من الحجارة المتآكلة، وإلى جواره شجرة سمر يابسة لا تحمل ورقة واحدة.

انحنى منصور فوق الفوهة، لكنه لم يسمع خريرًا ولا يشم رائحة رطوبة.

ألقى حجرًا، وانتظر طويلًا قبل أن يأتيه صوت ارتطامه بالقاع.

كان الصوت صلبًا، أجوف، خاليًا من الماء.

تمتم غاضبًا:

بئر بلا ماء! ما نفعه إذن؟

لم يكن يعلم أن البئر لم يكن قد بدأ بعد في كشف نفعه الحقيقي.

السقوط في جوف الصمت

داس منصور فوق حجر بارز عند الحافة، فاهتز الحجر تحت ثقله.

حاول التراجع، لكن الرمل انزلق من تحت قدميه، وانكسرت حافة البئر كما ينكسر الخبز اليابس.

هَوَى بين الجدران، وارتطمت ذراعاه بالصخور، ثم سقط في القاع على جانبه.

انقطع نفسه لحظات، وامتلأ فمه بطعم الدم والتراب.

حين استطاع الحركة، تحسس عظامه المرتجفة.

كان كتفه يؤلمه، وركبته تنزف، غير أنه لم يشعر بكسر يمنعه من الوقوف.

رفع بصره، فرأى فوهة البئر فوقه دائرة زرقاء صغيرة.

حاول تسلق الجدار، لكن الحجارة الملساء كانت تتفتت تحت أصابعه، وكلما ارتفع مقدار ذراع انزلق إلى القاع.

صرخ بأعلى صوته:

يا رجال القافلة! سالم! هل يسمعني أحد؟

عاد إليه صوته من الجدران ضعيفًا ومشوهًا، كأن البئر يردد استغاثته ساخرًا.

لم يجبه سوى حفيف الرمل المتساقط من الحافة.

الذهب الذي لا يضيء

بحث منصور حوله، فعثر على كيس نقوده وقد انشق طرفه.

كانت الدنانير مبعثرة بين الحصى، يلمع بعضها في خيط الضوء الهابط من الفوهة.

جمعها بلهفة غريزية، ومسح التراب عنها، ثم وضعها في حجره.

شعر براحة عابرة حين أحصى ثروته، كأن وجود الذهب يعني أن العالم ما زال خاضعًا لقوانينه القديمة.

مرت ساعة، ثم ساعتان، وبدأ الضوء يتحرك فوق جدار البئر.

أخرج منصور آخر ما بقي في قربته، فوجد جرعة صغيرة لا تكفي لبل شفتيه.

شربها ببطء، ثم قلب القربة فوق لسانه، وانتظر قطرة أخرى.

لم تسقط قطرة، فمزق الهواء بأنفاس غاضبة وألقى القربة بعيدًا.

نظر إلى الدنانير وقال بصوت مرتفع، كأنه يخاطب سوقًا مزدحمًا:

من يخرجني من هنا أعطيه خمسين دينارًا!

رد الصدى:

خمسين، خمسين.

رفع عرضه إلى مئة دينار، ثم إلى صندوق كامل من الفضة.

لكن البئر ظل فارغًا من المشترين، وبقيت الثروة عند قدميه ككومة حجارة صفراء لا تصلح للأكل ولا للشرب ولا لصنع سلم.

مع حلول الليل، انخفضت الحرارة، وأخذ البرد يتسلل إلى ثيابه.

ضم ركبتيه إلى صدره، وراح يسمع نبضه واضحًا في الظلام، كأنه مطرقة تدق بابًا لا يفتحه أحد.

محكمة العطش

في الصباح الثاني، استيقظ منصور ولسانه ملتصق بسقف فمه.

كان حلقه خشنًا كأن حفنة من الرمل استقرت داخله، وصار ابتلاع ريقه ألمًا حادًا يشق عنقه.

حاول الصراخ، فلم يخرج صوته إلا همسًا مبحوحًا.

رفع دينارًا إلى عينيه، وتأمل وجه الملك المنقوش عليه، ثم ضغطه بين أصابعه حتى تركت حافته أثرًا في جلده.

تذكر المرأة المسنة وسوارها النحاسي.

رأى كفها وهي ترتجف فوق طاولته، وسمع صوتها يطلب أسبوعًا واحدًا، فعجب كيف بدا الأسبوع يومها طويلًا في ميزانه، بينما أصبحت الدقيقة الآن أثقل من عام.

رأى كذلك وجه سالم وهو يحذره من تقليل قرب الماء.

وتذكر ضحكته الواثقة حين قال إن لكل شيء ثمنًا.

قال للبئر بصوت متكسر:

كنت أملك الثمن، فلماذا لا يأتي الشيء؟

لم يجبه البئر، غير أن الصمت كان أوضح من الكلام.

فالثمن لا يصنع الماء، والدينار لا يحفر وحده نبعًا، والمال الذي لا يجد يدًا رحيمة تحمله يصبح معدنًا أصم.

رجل بلا لقب

مع ارتفاع الشمس، خلع منصور عباءته الأرجوانية ووضعها فوق رأسه ليتقي الحرارة.

تمزق طرفها حين علق بحجر، فلم يغضب كما كان سيفعل في السوق، بل مزق منها شريطًا وربط به ركبته النازفة.

سقط خاتمه في التراب، فلم يسارع إلى البحث عنه.

كان العطش قد جرّده من ألقابه واحدًا بعد آخر، فلم يعد كبير التجار ولا صاحب المخازن، بل جسدًا ضعيفًا ينتظر النجدة.

بدأت صور الماء تزوره كالأشباح.

رأى جرة باردة في فناء بيته، وقطرات تتجمع فوق سطحها الفخاري، وسمع خرير النافورة التي كان يتركها تعمل طوال النهار لمجرد أن ضيوفه يحبون منظرها.

مد يده في الظلام كأنه يستطيع لمس تلك الصور، فاصطدمت أصابعه بالحجارة الجافة.

عندئذ انحنى فوق ركبتيه وبكى، لكن عينيه لم تملكا من الماء ما يكفي للدموع.

أصوات فوق فوهة البئر

قرب الغروب، سمع منصور رنينًا بعيدًا يشبه اصطدام قطع معدنية.

ظنه أول الأمر وهمًا جديدًا من أوهام العطش، ثم وصل إليه صوت حمار ينهق، تلاه حديث متقطع.

انتفض واقفًا، ورفع رأسه نحو الفوهة، وصاح بكل ما بقي في صدره:

هنا! أنا في البئر!

توقفت الأصوات، ثم ظهر وجه صغير عند دائرة السماء.

كان صبيًا أسمر يضع فوق رأسه عمامة ممزقة، وقد اتسعت عيناه حين رأى الرجل في القاع.

نادى الصبي:

أبي، هناك رجل حي في البئر!

تجمعت عند الحافة وجوه متعبة لرجل وامرأتين وثلاثة أطفال.

لم تكن قافلة غنية، بل أسرة تسافر مع حمارين هزيلين وعربة تحمل أواني فخارية وحزمًا من الحطب.

صاح الأب:

هل تستطيع الوقوف؟

أجاب منصور بصوت واهن:

أخرجوني، وأعطيكم ما تطلبون.

معي ذهب كثير.

نظر الرجل إلى أفراد أسرته، ثم أنزل حبلًا خشنًا ربطه حول جذع الشجرة اليابسة.

لم يسأله عن عدد الدنانير، ولم يساومه على أجر النجاة.

الحبل الرفيع

ربط منصور الحبل حول خصره، وبدأت الأسرة تسحبه ببطء.

كانت الحجارة تجرح ظهره، ويداه ترتجفان، لكنه تشبث بالحبل كما لم يتشبث بصندوق أو عقد في حياته.

حين بلغ الحافة، أمسك الصبي بذراعه، وأمسكت المرأة بثوبه، حتى خرج من البئر وانطرح فوق الرمل.

ظل لحظات يشهق تحت السماء الواسعة، غير قادر على تصديق أنه عاد يرى الأفق كاملًا.

فتح كيسه بسرعة، وأخرج حفنة من الدنانير، ومدها إلى الرجل.

خذها كلها، ولكن أعطني ماء.

نظر الرجل إلى الذهب، ثم إلى قربة صغيرة معلقة على العربة.

كانت القربة خفيفة، وقد بقي أمام الأسرة يومان من السفر.

قالت المرأة بصوت خافت لزوجها:

الماء قليل.

سمع منصور كلماتها، فانقبض قلبه.

أدرك أنهم يستطيعون تركه، وأن ما يحمله لا يجبرهم على التضحية بقطرة واحدة.

لكن الصبي فك القربة من العربة، وجثا إلى جواره.

صب قليلًا من الماء في غطاء خشبي، ثم قربه من شفتيه.

الشربة الأغلى في العالم

لامس الماء فم منصور، فارتعش جسده كله.

لم يكن الماء باردًا، بل كان دافئًا وقد اختلط بطعم الجلد، لكنه بدا له أنقى من ينابيع القصور وأحلى من كل شراب ذاقه.

حاول أن يبتلع الغطاء دفعة واحدة، فأبعد الصبي يده وقال:

تمهل، وإلا آذاك الماء.

شرب منصور رشفات صغيرة، وكانت كل رشفة تعيد إلى أطرافه إحساسًا نسيه.

أحس بالماء يمر في حلقه المحترق كنسمة تعبر بيتًا اشتعلت نوافذه.

حين انتهى، دفع الذهب نحو الصبي.

لكن الصغير أعاد يديه إلى صدره، ونظر إلى أبيه مرتبكًا.

قال الأب:

نحن لا نبيع النجدة.

هز منصور كيس النقود بعصبية، فصدر عنه الرنين الذي كان يومًا أحب الأصوات إلى قلبه.

هذا ذهب حقيقي، خذوه.

لقد أنقذتم حياتي.

أجابه الرجل وهو يساعده على الجلوس في ظل العربة:

وحياتك ليست بضاعة بعناها لك.

الماء رزق حملناه، وحين رأينا عطشانًا صار له فيه نصيب.

بقيت يد منصور ممدودة، والدنانير تلمع فوق كفه.

لكنه شعر للمرة الأولى أنها أصغر من أن تكافئ فعلًا واحدًا من أفعال الرحمة.

خبز الفقراء

أعطته المرأة قطعة خبز يابس غمستها في قليل من الماء حتى تلين.

قسمتها نصفين، وقدمت إليه نصفًا، ثم وزعت الباقي على أطفالها.

لاحظ منصور أن أصغرهم ظل ينظر إلى الخبز في يده، لكنه لم يطلب استعادته.

وحين حاول التوقف عن الأكل، دفع الطفل القطعة نحوه وقال:

كل، فأنت أضعف مني اليوم.

انحنى منصور برأسه، ولم يجد جوابًا.

كان قد رأى في أسواقه رجالًا يملكون مخازن من القمح ويرفضون إنقاص درهم، لكنه وجد في الصحراء طفلًا لا يملك إلا لقمتين ويتنازل عن إحداهما.

في تلك الليلة، نام قرب نار القافلة الفقيرة.

لم تكن تحت رأسه وسادة، ولم تحرسه سيوف، ومع ذلك شعر بأمان لم تمنحه إياه جدران بيته العالية.

ظل كيس الذهب إلى جواره، لكنه لم يمد يده ليتأكد من وجوده.

كان يسمع أنفاس الأطفال حول النار، فيدرك أن الثروة الحقيقية قد تكون أحيانًا دائرة صغيرة من البشر يتقاسمون الماء ولا يتركون أحدًا خلفهم.

العودة إلى مدينة السور

وصلت قافلة سالم في صباح اليوم التالي، بعدما شاهد رجالها دخان النار.

ركض الوكيل نحو منصور، وقد بدت على وجهه علامات الإنهاك والخوف.

قال وهو يمسك كتفيه:

بحثنا عنك يومين يا سيدي.

ظننا أن الصحراء ابتلعتك.

نظر منصور إلى العربة المتواضعة، ثم إلى قرب الماء الممتلئة على ظهور جماله.

كان رجاله يحملون من الماء ما يكفي لإرواء الأسرة الفقيرة أيامًا، بينما أعطته تلك الأسرة من القليل الذي قد تحتاج إليه.

أمر سالم بإنزال نصف القرب والطعام وبعض الأغطية، ووضعها في عربة الأسرة.

ثم قدم للرجل كيسًا من الدنانير.

تراجع الرجل قائلًا:

قلت لك إننا لم نبعك الماء.

أجابه منصور:

وأنا لا أشتريه الآن.

هذا حق الطريق؛ من كثرت حمولته أعان من خفت حمولته.

قبل الرجل بعض الطعام والماء، لكنه أخذ من الذهب دينارًا واحدًا فقط.

ناوله للصبي وقال مبتسمًا:

ليتذكر أن الرجل الذي ساعده خرج من البئر أخف مما دخله، حتى لو حمل كيسه معه.

السوار النحاسي

حين عاد منصور إلى المدينة، لم يتجه أولًا إلى مخازنه ولا إلى مجلس التجار.

ذهب إلى البيت الصغير الذي كانت تسكنه المرأة المسنة، فوجده مغلقًا، وعلى بابه علامة تشير إلى إخلائه.

سأل عنها، فعلم أنها انتقلت مع حفيدها إلى كوخ عند أطراف المدينة.

حمل السوار النحاسي وذهب إليها بنفسه.

فتحت المرأة الباب، وحين رأته ارتجفت ظنًا أنه جاء يطالبها بشيء آخر.

لكنه وضع السوار في يدها، ومعه صك يمحو دينها ويعيد إليها البيت.

قالت وهي تحدق فيه بدهشة:

لماذا تفعل هذا؟

نظر منصور إلى جرة الماء قرب الباب، وإلى كوب فخاري صغير يشرب منه الصبي المريض.

ثم قال:

لأنني تأخرت كثيرًا في معرفة أن حاجة الإنسان لا توزن بميزان السوق.

لم تفهم المرأة كيف غيّرته رحلة واحدة، لكنه لم يشرح لها البئر ولا الليل ولا الغطاء الخشبي الذي حمل أغلى شربة ذاقها في حياته.

اكتفى بأن انحنى للصبي، ثم خرج من الكوخ بهدوء.

بئر الرحمة

بعد أشهر، عاد منصور إلى الموضع الذي سقط فيه.

أحضر معه بنّائين وحفّارين وقافلة من الأدوات، وأقام خيامًا حول البئر الجاف.

حفر الرجال أيامًا طويلة، حتى ضرب أحد المعاول طبقة حجرية رطبة.

وبعد ساعات، بدأ الماء يتجمع في القاع قطرة بعد قطرة، ثم ارتفع صافياً تحت ضوء المصابيح.

بنى منصور حول البئر سورًا متينًا، وثبت فوقه بكرة وحبلًا ودلوًا من النحاس.

وإلى جواره أقام حوضًا للحيوانات، ومظلة يستريح تحتها المسافرون.

أراد سالم أن يضع لوحة تحمل اسم منصور، لكن التاجر رفض.

وأمر أن تُنقش فوق الحجر عبارة واحدة:

الماء لمن عطش، والظل لمن تعب، ولا ثمن للرحمة.

ومنذ ذلك اليوم، صار كل عابر يشرب من البئر من غير أن يُسأل عن اسمه أو ماله.

أما منصور، فاحتفظ في مجلسه بالغطاء الخشبي الصغير الذي سقاه منه الصبي، ووضعه فوق رف أعلى من صناديق الذهب.

كان الزوار يظنون أنه وعاء فقير لا يستحق العرض، لكنه كلما رآه تذكر أن حياته لم تنقذها الدنانير المتناثرة في القاع، بل يد صغيرة مدت إليه نصيبها من الماء.

ظل الذهب يملأ خزائن منصور، لكنه لم يعد يراه سيد الأشياء، بل أداة تصغر أو تكبر بحسب اليد التي تحملها.

فقد تكون حفنة الدنانير بلا قيمة في قاع بئر، بينما تصبح قطرة ماء أثمن من مدينة حين تصل إلى فم عطشان.

وهكذا تعلم أن قيمة الأشياء لا تسكن في ندرتها وحدها، ولا في السعر المكتوب عليها، بل في اللحظة التي يحتاج إليها قلب أو جسد.

فالذي يملك الكثير ولا يمنح منه شيئًا قد يعيش فقيرًا، أما من يقسم القليل برحمة، فقد يحمل في قربته ثروة تكفي لإنقاذ العالم, رواية السراب الأخير حكاية رحلة في صحراء تشرب ذكريات البشر من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد