قصة ظل بلا صاحب حين هرب الظل من رجل كسول واكتشف الثمن المرعب للحرية

الراوي
0

عند منتصف نهار قائظ، بينما كانت المدينة تذوب تحت شمس بيضاء لا ترحم، نهض ظلُّ سالم من جواره بهدوء، نفض عن أطرافه غبار الأعوام، ثم ترك صاحبه نائماً على المقعد الحجري ومضى وحده.

لم يشعر سالم بشيء في البداية؛ ظل فمه نصف مفتوح، وذراعه تتدلى من حافة المقعد، فيما كانت ذبابة خضراء تحط على جبينه وتغادره دون أن تجد منه مقاومة.

أما الظل، فقد انساب فوق الرصيف كقطعة حبر أفلتت من كتاب قديم، ولم يلتفت خلفه إلا مرة واحدة، حين سمع صاحبه يتمتم في نومه:

غداً، سأفعل كل شيء غداً.

عندها أسرع الظل في الابتعاد.

قصة ظل بلا صاحب حين هرب الظل من رجل كسول واكتشف الثمن المرعب للحرية

الرجل الذي كان يؤجل حياته

كان سالم رجلاً في الخامسة والثلاثين، غير أن ملامحه حملت تعب رجل عاش قرناً كاملاً دون أن يغادر فراشه.

لم يكن مريضاً، ولم يكن فقيراً إلى الحد الذي يشل حركته، لكنه كان مصاباً بداء خفي اسمه التأجيل.

كل صباح، كان يفتح النافذة نصف فتحة، ينظر إلى الشارع المزدحم، ثم يغلقها قائلاً إن الهواء محمل بالغبار.

وإذا طرق بابه صديق يدعوه إلى رحلة، تظاهر بوجع في رأسه.

اشترى كتباً لم يقرأها، وأحضر أصصاً زرع فيها بذوراً لم يسقها، واحتفظ في درج مكتبه برسالة توظيف لم يرسلها قط، لأن سيرته الذاتية، كما كان يقول، تحتاج إلى تعديل صغير.

كان ظله يرافقه في صمت، مستلقياً إلى جواره معظم النهار، ثم يزحف معه مساءً إلى المقهى القريب، حيث يقضي سالم ساعات يقلب ملعقته في كوب الشاي ويتحدث عن المشاريع التي سيبدأها قريباً.

ومع كل وعد جديد، كان الظل يشعر بشيء داخله ينكمش، كأن القيود لا توضع حول المعصمين وحدهما، بل يمكن أن تلتف أيضاً حول الأشياء التي لا لحم لها ولا عظم.

أول بذرة للعصيان

ذات مساء، جلس سالم أمام التلفاز يشاهد فيلماً عن بحار يعبر المحيطات، وكانت الشاشة تمتلئ بالجزر والجبال والعواصف، بينما امتلأت الغرفة برائحة طعام بارد ودخان راكد.

رأى الظلُ ظلَّ البحار فوق سطح السفينة، يمتد مع البرق، ويتقلص بين الأمواج، ويرقص حين تميل الأشرعة.

بدا ذلك الظل حياً على نحو لم يعرفه ظل سالم من قبل.

اقترب ظل سالم من الشاشة حتى لامس سوادُه الضوء المرتعش، وهمس في نفسه:

هل خُلقت الظلال لتتبع فقط؟

في اللحظة نفسها، مد سالم قدمه وأطفأ التلفاز، ثم تثاءب قائلاً:

المغامرات جميلة، لكنها متعبة.

عادت الغرفة مظلمة، غير أن العبارة ظلت تتوهج داخل الظل كجمرة سوداء.

منذ تلك الليلة، بدأ يراقب صاحبه بعينين لم تكونا له، ويتساءل كيف يمكن لشيء بلا وجه أن يشعر بالاختناق، وكيف يمكن لمن لا يملك قدماً أن يحلم بالطريق.

الظهيرة التي انقطعت فيها الرابطة

جاءت فرصة الهرب في يوم شديد السطوع، حين خرج سالم مضطراً لشراء الخبز بعد أن فرغ البيت تماماً من الطعام.

لم يبتعد كثيراً؛ وصل إلى الساحة القديمة، وجد مقعداً بارداً تحت شجرة، وجلس ليستريح من مشقة عشر دقائق من المشي.

سرعان ما أطبق جفنيه، وسقط كيس الخبز إلى جواره، بينما تمدد ظله على الأرض تحت قدميه، ثقيلاً داكناً بفعل الشمس العمودية.

عندها رأى الظل على جدار الساحة كتابة باهتة خلفها أحدهم بالفحم:

لا باب للسجين الذي يجهل أنه مسجون.

اهتزت حوافه كما يهتز سطح الماء حين تسقط فيه حصاة، وشعر بأن الكلمات لا تقرأها العين وحدها، بل قد تقرؤها الأشياء حين يحين وقتها.

جمع أطرافه حول نفسه، وشد خيطاً خفياً كان يربطه بقدمي سالم.

قاوم الخيط، فارتعش جسد الرجل النائم، لكنه لم يستيقظ.

شد الظل مرة ثانية، فانبعث ألم بارد في كيانه، كأن أحدهم يمزق صفحة من كتاب لم يكتمل.

ثم جاء الشد الثالث مصحوباً بصوت خافت، أشبه بانقطاع شعرة في جوف بئر.

تحرر.

الخطوة الأولى خارج الإنسان

لم يعرف الظل كيف يمشي دون أن تملي عليه قدمان اتجاهه، لذلك ارتبك أول الأمر، فتقدم نحو اليمين ثم انسحب إلى اليسار، قبل أن يدرك أن الحركة رغبة تسبق الشكل.

انزلق فوق البلاط، وصعد عتبة متجر مغلق، ثم امتد على واجهته الزجاجية، فشاهد انعكاسه للمرة الأولى منفصلاً عن جسد بشري.

لم يكن له رأس واضح ولا يدان ولا ملامح، بل كتلة داكنة طويلة تتبدل حدودها مع كل حركة.

ومع ذلك شعر بزهو لم يشعر به سالم طوال حياته.

مر طفل يحمل طائرة ورقية، فتوقف محدقاً في البقعة السوداء التي تتحرك عكس اتجاه الشمس.

صاح الطفل بأمه، لكن الظل اختبأ تحت عربة خشبية قبل أن تلتفت المرأة.

ضحك في صمت، وكانت ضحكته تموجاً خفيفاً فوق الأرض.

لقد خدع إنساناً، واختار مخبأه بنفسه، ونجا دون أن يسحبه أحد.

في تلك اللحظة، بدت الحرية سهلة، بل بدت كأنها أمر طبيعي تأخر العالم كثيراً في منحه إياه.

مدينة تُرى من مستوى الأرض

عبر الظل شوارع لم يزرها سالم قط، رغم أنها لم تكن تبعد عن بيته سوى أحياء قليلة.

رأى السوق القديم، حيث تتدلى حزم الأعشاب المجففة كأصابع ساحرة، وتفوح روائح القرفة والسمك والجلود المبللة.

انزلق بين أقدام المارة، فشعر باهتزاز خطواتهم فوق جسده، وسمع أحاديثهم وهي تسقط عليه قطعاً مبعثرة؛ امرأة تخفي رسالة، ورجل يخشى خسارة متجره، وعجوز يبحث عن قطته منذ ثلاثة أيام.

اكتشف أن العالم من مستوى الأرض مختلف تماماً؛ الأحذية تفصح عن أصحابها أكثر مما تفعل الوجوه، فالخطوات المترددة تقول ما تخفيه الابتسامات، والكعوب المسرعة تكشف خوفاً لا يظهر في العيون.

تبع مجموعة من الموسيقيين حتى ميدان واسع، وراح يرقص أسفل أقدامهم مع دقات الطبول.

كان يتمدد وينكمش، يتشقق ثم يلتئم، حتى خُيّل إليه أن الساحة كلها جسده.

للمرة الأولى، لم يكن تابعاً لإيقاع سالم البطيء، بل كان هو الذي يختار متى يقفز ومتى يدور ومتى يختبئ في ظل آلة موسيقية.

فتاة تتحدث إلى الظلال

على حافة الميدان، جلست فتاة صغيرة ترسم بالفحم على أوراق صفراء.

كان شعرها قصيراً، وفي عينها اليسرى عتامة فضية، أما عينها الأخرى فكانت تراقب الظل بعناية.

حين اقترب منها، لم تصرخ ولم تهرب، بل رفعت قطعة الفحم وقالت:

أنت بعيد جداً عن صاحبك.

تجمد الظل فوق الحجارة.

ابتسمت الفتاة، ثم أضافت:

لا تخف.

أنا أرى الأشياء التي يرفض الناس رؤيتها.

تحرك الظل قليلاً، فرسمت الفتاة خطاً يشبه انحناءته، وسألته:

هل هربت؟

امتد طرفه نحو كلمة نعم المكتوبة على جريدة ملقاة، ففهمت إشارته.

تغيرت ملامحها، وغابت ابتسامتها كما تغيب بقعة ضوء خلف سحابة.

قالت بصوت منخفض:

كان ينبغي أن تسأل أولاً عما يحدث للظل حين يترك جسده.

انكمش الظل، ثم أشار إلى كلمة حرية في عنوان كبير على الصفحة ذاتها.

وضعت الفتاة الفحم جانباً، ومسحت أصابعها في ثوبها الرمادي، وقالت:

الحرية ليست أن تنقطع عن كل شيء.

بعض الروابط لا تقيدنا، بل تمنعنا من التلاشي.

قبل أن يستوعب كلماتها، مرت عربة مسرعة فحجبت الشمس لحظة، واختلط الظل بعتمتها.

وحين ظهر الضوء من جديد، كان قد انزلق بعيداً، متظاهراً بأنه لم يسمع التحذير.

لكنه ظل يسمعه داخله.

حين بدأت الحواف تختفي

مع انحناء الشمس نحو الغرب، لاحظ الظل أن أطرافه لم تعد حادة كما كانت.

صار سواده شاحباً عند الحواف، كقطعة قماش غُسلت مرات كثيرة.

حاول أن يتمدد فوق جدار طويل، فلم يصل إلا إلى منتصفه، رغم أن الضوء كان يسمح له قبل ساعات بأن يغطيه كاملاً.

شعر بخفة مزعجة، لا تشبه خفة الحرية، بل تشبه نقصاناً يتسع من الداخل.

أسرع إلى زقاق تضيئه مصابيح المتاجر، فتجمع تحت أحدها، لكنه لم يكتسب وضوحاً.

كان الضوء الصناعي يرسمه هشاً مرتجفاً، كأن المصباح يتردد في الاعتراف بوجوده.

عندئذ تذكر الفتاة، وفهم أن حديثها لم يكن خرافة لإخافته.

لقد ترك وراءه أكثر من رجل كسول؛ ترك المصدر الذي يمنحه شكلاً.

بحث عنها في الميدان، فلم يجد سوى أوراق ممزقة وآثار فحم فوق الأرض.

كانت إحدى الرسومات تصور ظلاً منفصلاً يقف أمام باب أسود، بينما تمتد خلف الباب عشرات الأيدي الطويلة.

وتحت الرسم، كتبت الفتاة جملة واحدة:

حين يأتي الليل، تبحث الظلال الجائعة عمن لا صاحب له.

الزقاق الذي لا تدخله الشمس

هبط المساء سريعاً، وتحولت الأزقة إلى شقوق زرقاء بين المباني.

أخذ الظل يتحرك نحو الساحة القديمة، لكنه اكتشف أن المدينة التي بدت واسعة وجميلة في النهار أصبحت متاهة من العتمة.

كلما دخل شارعاً مظلماً، ذاب جزء منه في الظلام المحيط، واحتاج إلى ضوء نافذة أو مصباح كي يستعيد حدوده.

صار يركض من بقعة مضيئة إلى أخرى كما يقفز غريق بين ألواح خشبية.

وفي أحد الأزقة، سمع همساً لا يأتي من فم:

بلا صاحب، بلا اسم، بلا حارس،

توقفت الحركة في جوانبه.

خرجت من تحت الأبواب ظلال رفيعة، ومن خلف صناديق القمامة تسللت أشكال سوداء ملتوية.

بعضها كان يشبه البشر، وبعضها يشبه الحيوانات، وبعضها لم يشبه شيئاً عرفه العالم.

تجمعت حوله في دائرة، وكانت عيونها فراغات أشد سواداً من أجسادها.

اقترب أطولها، وهو ظل مقطوع الرأس، وقال:

رائحة الجسد لا تزال عليك.

انسحب ظل سالم إلى الخلف، لكنه اصطدم بجدار.

ضحكت الظلال ضحكة جافة تشبه احتكاك أوراق محترقة.

سأله الظل المقطوع الرأس:

هل تركك صاحبك، أم تركته؟

أشار ظل سالم بحافة مرتجفة إلى نفسه، معلناً أنه هو من اختار الرحيل.

عم الصمت لحظة، ثم انفجرت الظلال بالضحك من جديد.

قال أحدها:

كلنا قلنا ذلك في الليلة الأولى.

سوق الظلال المفقودة

أحاطت به الظلال وسحبته عبر ممر ضيق لم يره من قبل، مع أنه كان محصوراً بين منزلين متلاصقين.

انفتحت في نهايته ساحة غارقة في ظلام لا تبلغه أضواء المدينة.

كان هناك سوق صامت، تُعرض فيه أشياء لا تباع في أسواق البشر؛ أسماء منسية داخل قوارير، ذكريات ملفوفة في قماش أسود، أصوات أطفال لم يولدوا، وساعات لا تتحرك عقاربها إلا إلى الخلف.

وعلى الحبال الممتدة بين الأكشاك، علقت ظلال صغيرة مطوية كالثياب.

كانت ترتجف كلما مر بها أحد، لكن لم يصدر عنها صوت.

اقتادوه إلى دكان تتدلى فوق بابه مرآة معتمة.

خلف منضدة حجرية جلس كائن نحيل يرتدي عباءة خالية من الجسد، ولم يظهر منه سوى يدين بيضاوين طويلتين.

قال الكائن:

ظل طازج.

انفصل قبل الغروب.

لم يتشربه الليل بعد.

اقتربت إحدى يديه من ظل سالم، فشعر ببرودة تخترقه، لا كبرودة الشتاء، بل كبرودة النسيان.

سأل الظل المقطوع الرأس:

كم تساوي حريته؟

أجاب صاحب الدكان:

ثلاث ليال من الشكل، أو ذكرى بشرية واحدة، أو اسمه إن كان يملك اسماً.

ارتعش ظل سالم.

لم يكن له اسم مستقل؛ طوال حياته كان مجرد ظل سالم، كأن وجوده ملحق صغير في جملة تخص شخصاً آخر.

قال صاحب الدكان:

إذن سنأخذ منه ذكرى.

الذكرى التي حاولوا سرقتها

مدت اليد البيضاء أصابعها داخله، فشعر الظل بصور تتقلب في أعماقه؛ سالم طفلاً يركض تحت المطر، سالم يضحك حين تسقط عنه قبعة أبيه، سالم واقفاً أمام قبر أمه دون أن يبكي.

ثم ظهرت ذكرى لم يتذكرها حتى سالم نفسه.

كان في السابعة عشرة، يقف على تل مرتفع وقت الغروب، ويحمل في يده حقيبة سفر صغيرة.

أسفل التل، كانت حافلة تستعد للرحيل إلى مدينة بعيدة، حيث قُبل في معهد للفنون.

كان يريد أن يصبح رساماً، وكانت أصابعه ترتجف شوقاً، لكنه سمع صوت أبيه خلفه يقول إن الفن لا يطعم خبزاً، وإن الطريق طويل، وإن الفشل عار.

تردد سالم حتى تحركت الحافلة، ثم راقبها تختفي خلف الطريق، وعاد إلى البيت.

منذ ذلك اليوم، صار يؤجل كل خطوة كي لا يواجه احتمال الخسارة.

فهم الظل فجأة أن كسل صاحبه لم يكن كسلاً خالصاً؛ كان خوفاً متحجراً، نما حول قلبه طبقة بعد طبقة حتى صار سجناً.

أمسكت اليد البيضاء بذكرى التل، وبدأت تنتزعها.

شعر الظل بأن شيئاً دافئاً يمزق منه، فتخيل سالم يستيقظ غداً دون أن يعرف أنه حلم يوماً بالرسم.

جمع الظل ما بقي فيه من قوة، وانقض على المصباح الوحيد في الدكان.

تمدد حول نوره دفعة واحدة، فاختلطت حدوده بظلال الأرفف والقوارير والعباءة الفارغة.

صرخ صاحب الدكان:

أمسكوه!

لكن الظل كان قد توزع في عشرات الاتجاهات، ثم تسلل تحت المنضدة، وعبر شقاً دقيقاً في الجدار، وانطلق هارباً قبل أن تستعيد الظلال شكله.

سباق مع آخر ضوء

خرج من السوق إلى المدينة، فوجد الليل قد ابتلع معظم السماء، ولم يبق في الغرب سوى خيط أحمر رفيع.

كان جسده يتلاشى بسرعة، حتى صار يرى حجارة الطريق من خلاله.

تحرك نحو بيت سالم، مسترشداً بالروائح والاهتزازات والذكريات.

لم يعد يملك رفاهية المغامرة؛ كان كل متر يقطعه يسقط منه جزء لا يعود.

مر بالميدان، فوجد الفتاة جالسة وحدها تحت مصباح.

كانت تنتظره كأنها تعرف أنه سيعود، وبجوارها مصباح يدوي وورقة كبيرة مرسوم عليها طريق.

قالت حين رأته:

كنت أخشى أن يصلوا إليك أولاً.

فتحَت المصباح ووجهته إلى الأرض، فتكثف الظل قليلاً.

ثم أشارت إلى الخريطة وقالت:

الساحة القديمة من هنا، لكنك لن تصل قبل أن يكتمل الليل.

تحرك الظل فوق كلمة كيف؟

أخرجت الفتاة من حقيبتها قطعة طباشير بيضاء، ورسمت دائرة حوله، ثم خطاً طويلاً يمتد من الدائرة إلى نهاية الزقاق.

قالت:

الضوء يمنحك شكلاً، لكن الذكرى تمنحك طريقاً.

فكر في أقوى لحظة جمعتك بصاحبك.

بحث الظل في أعماقه، فلم يجد مغامرة عظيمة ولا انتصاراً بطولياً.

وجد فقط ليلة قديمة، كان سالم فيها طفلاً خائفاً من الرعد، فجلس قرب أمه على ضوء شمعة.

كانت الأم تحرك أصابعها أمام اللهب، وتصنع على الجدار طائراً وغزالاً وذئباً.

وكان سالم يضحك كلما تحولت الظلال إلى مخلوقات حية.

في تلك الليلة، لم يكن الظل سجيناً ولا تابعاً، بل كان لعبة وحكاية وجسراً بين أم وطفل.

اشتعلت الذكرى داخله، وأصبح سواده أكثر كثافة.

قفز إلى الخط المرسوم بالطباشير، واندفع فوقه كالسهم.

قالت الفتاة خلفه:

لا تنسَ أن العودة لا تعني الهزيمة!

الرجل الذي استيقظ بلا ظل

في الساحة القديمة، استيقظ سالم على برودة مفاجئة.

كانت الشمس قد اختفت، والخبز قد تناثر حول المقعد، والناس يمرون قربه مسرعين.

وقف متثاقلاً، ثم لمح شيئاً غريباً تحت مصباح الشارع.

كانت أقدام المارة ترسم ظلالاً طويلة، بينما لم يظهر له أي ظل.

تحرك يميناً ويساراً، رفع ذراعيه، قفز للمرة الأولى منذ سنوات، لكن الأرض بقيت خالية تحته.

اقترب رجل مسن، نظر إلى سالم، ثم رسم إشارة حماية على صدره وابتعد.

وحين رأى سالم الخوف في عينيه، أحس بأن العالم ينفتح تحت قدميه.

ركض نحو منزله، غير أن كل واجهة زجاجية كان يمر بها أظهرت جسده ناقصاً، كصورة اقتطع منها شيء أساسي.

وصل إلى باب البيت يلهث، وأخرج المفتاح بأصابع مرتجفة.

لكنه قبل أن يديره، رأى سواداً رقيقاً ينساب عند نهاية الشارع.

صرخ دون أن يعرف لماذا:

عد!

توقف الظل.

كانت المسافة بينهما طويلة، والليل كاملاً تقريباً، فيما تحركت خلف الظل أشكال سوداء تخرج من الأزقة وتقترب.

المطاردة الأخيرة

أدرك سالم أن الشيء الهارب هو ظله، وأدرك الظل أن صاحبه رآه أخيراً لا بوصفه أثراً صامتاً، بل بوصفه كائناً يمكن أن يُفقد.

بدأ سالم يركض نحوه، وتعثر مرتين، وسقط على ركبتيه حتى تمزق بنطاله.

كان صدره يحترق من الجهد، لكن الخوف دفعه إلى النهوض.

أما الظلال الجائعة، فقد خرجت من الجدران والأبواب، وتجمعت خلف الظل الهارب كمد أسود.

كان في مقدمتها الظل المقطوع الرأس، يمد ذراعيه الطويلتين ليمسك بحافته.

لم يكن أمام ظل سالم سوى شريط ضوء ضيق صادر عن مخبز لم يغلق أبوابه بعد.

انزلق داخله، فتراجع المطاردون لحظة، ثم أخذ الضوء يخفت حين بدأ صاحب المخبز بإطفاء المصابيح.

صاح سالم من بعيد:

لا تطفئ النور!

حدق الخباز فيه بدهشة، لكنه أبقى المصباح الأخير مشتعلاً.

ركض سالم حتى بلغ دائرته المضيئة، ثم مد يده نحو ظله.

كانت بين أصابعه والحافة السوداء مسافة لا تزيد على عرض شعرة، غير أن الظل المقطوع الرأس أمسك بالطرف الآخر.

بدأ جذب عنيف.

كان الظل يتمزق بين صاحبه والظلام، وشعر سالم بألم يمتد من قدميه إلى قلبه.

رأى في لحظة واحدة كل الأيام التي أهدرها، وكل الطرق التي لم يسلكها، وكل الوعود التي دفنها تحت كلمة غداً.

صرخ سالم:

لن أتركك هذه المرة!

لم تكن العبارة موجّهة إلى ظله وحده، بل إلى حياته كلها.

اندفع خطوة أخيرة إلى داخل الضوء، وفتح ذراعيه كما لو كان يقفز من قمة جبل.

عندها ترك الظل نفسه ينساب نحوه.

التصق بقدميه بقوة، وارتجت الأرض تحت جسده، ثم امتد خلفه طويلاً داكناً وواضحاً.

أما الظلال الجائعة، فقد أطلقت صرخة واحدة وانكمشت نحو الأزقة، لأن الإنسان الذي يستعيد ظله بإرادته لا يستطيع الليل أن ينتزعه بسهولة.

الرحلة التي بدأت عند العودة

في الصباح التالي، استيقظ سالم قبل رنين الساعة.

بقي لحظات يحدق في السقف، ثم نهض وفتح النافذة كاملة، فدخل الهواء محملاً برائحة الخبز وضجيج العربات.

وقف أمام الشمس، ونظر إلى ظله المرسوم على أرض الغرفة.

حرك يده، فتحرك الظل معه، لكنه لم يعد يشعر أن الحركة أمر مفروغ منه.

قال سالم بصوت خافت:

أظن أننا أضعنا وقتاً كافياً.

فتح درج مكتبه، وأخرج رسالة التوظيف القديمة، ثم أرسلها دون تعديل.

بعد ذلك جمع الكتب المغبرة ووضع أولها فوق الطاولة، وسقى الأصص اليابسة رغم أنه لم يكن يعرف إن كانت البذور لا تزال حية.

وفي المساء، حمل حقيبة صغيرة وصعد إلى التل الذي ترك عنده حلمه قبل أعوام.

لم تكن هناك حافلة تنتظره هذه المرة، لكن الطريق ظل ممتداً إلى المدينة البعيدة.

وصلت حافلة متأخرة، فتردد سالم لحظة عند بابها.

امتد ظله أمامه على الإسفلت، كأنه يصعد قبله.

ابتسم سالم، ووضع قدمه على الدرجة الأولى.

من النافذة، رأى الفتاة ذات العين الفضية تقف قرب الطريق، تحمل ورقة رسمت عليها رجلاً يمشي بجوار ظله، لا أمامه ولا خلفه.

لوحت له، ثم طوت الورقة واختفت بين الأشجار.

تحركت الحافلة، واهتز ظل سالم فوق المقعد، لكنه لم يحاول الهرب.

كان الطريق مجهولاً، والمدينة أمامهما واسعة، والمغامرة لا تحتاج دائماً إلى الانفصال كي تبدأ.

أحياناً، يكفي أن يتحرك الجسد أخيراً.

ليست كل القيود سلاسل، وليست كل مغادرة حرية؛ فقد نهرب أحياناً من الأشياء التي تثبت وجودنا، ظناً منا أن النجاة في الابتعاد، بينما تكون النجاة الحقيقية في تغيير الطريقة التي نحيا بها قربها.

ظل سالم لم يعد لأنه فشل في أن يكون حراً، بل لأنه أدرك أن الحرية التي تمحو الملامح ليست سوى نوع آخر من الأسر، وأن الإنسان وظله يستطيعان عبور العالم معاً، ما دام أحدهما لا يجبر الآخر على البقاء ساكناً، حكاية عطر اللقاء الأول حين علّمته امرأة لا تشم أن الحب لا يُعبّأ في زجاجة من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد