قرية الأحلام حكاية ليان وسر الخيط الأسود الغريب

الراوي
0

القرية التي لا تستيقظ إلا بعد الغروب، في الليلة التي اختفى فيها القمر، استيقظ آلاف الأطفال في اللحظة نفسها وهم يصرخون، وكأن يدا باردة تسللت إلى صدورهم وانتزعت منها آخر نافذة تطل على الطمأنينة، لم يعرف أحد أن سبب تلك الصرخات كان قرية صغيرة معلقة بين جبلين، لا تظهر في الخرائط ولا يصل إليها طريق، يغزل سكانها كل ليلة أحلام العالم من خيوط ضوء القمر.

كانت قرية الأحلام تنام طوال النهار تحت غلالة كثيفة من الضباب، فتبدو من بعيد كصخرة مهجورة تتكئ على كتف الجبل، وما إن يسقط آخر شعاع للشمس حتى تتفتح نوافذها واحدة بعد أخرى، مثل عيون ذهبية تفيق من سبات طويل، كانت المداخن النحيلة ترتفع فوق البيوت المستديرة، لكن بدلا من الدخان تنساب منها أسراب من الفراشات المضيئة تدور قليلا في السماء ثم تتلاشى بين النجوم، تاركة خلفها رائحة تشبه الياسمين المبتل بالمطر.

في قلب القرية انتصب بناء شاهق يعرف بدار الأنوال السبعة، شيد من حجارة بيضاء تحتفظ ببرودة الليل، وفي داخله كانت مئات الأنوال الخشبية تصدر طقطقة منتظمة، كأنها قلوب صغيرة تنبض بإيقاع واحد، يجلس النساجون أمامها مرتدين عباءات زرقاء، ويمدون أيديهم نحو النوافذ المفتوحة حيث تنحدر أشعة القمر في خيوط رفيعة، فيلتقطونها بأمشاط فضية وينسجون منها صورا وروائح وأصواتا ترسل إلى الأطفال النائمين.

قرية الأحلام حكاية ليان وسر الخيط الأسود


كيف تصنع الأحلام

كان لكل حلم نسيجه الخاص، فأحلام الطيران تطرز بريش السنونو ورائحة الهواء فوق الجبال، بينما تنسج أحلام البحر من زرقة الأمواج وصوت الأصداف حين تهمس في الليالي الهادئة، أما أحلام اللقاءات السعيدة، فكان النساجون يضيفون إليها دفء الأيدي القديمة وضحكات الأمهات، وحين يكتمل الحلم يلف داخل كرة شفافة لا يزيد حجمها على حبة اللؤلؤ، وعند منتصف الليل تحمل نسائم الشمال تلك الكرات عبر الشقوق المفتوحة في السماء، فتهبط على وسائد الأطفال وتذوب بهدوء في أنفاسهم.

كانت ليان أصغر نساجة في القرية، لكنها الوحيدة القادرة على سماع الأحلام قبل اكتمالها، فإذا نسجت حلما عن غابة سمعت حفيف أوراقها، وإذا صنعت حلما عن سفينة بلغ أذنها صرير الحبال ونداء النوارس، لم تكن تلك الموهبة نعمة دائما، ففي بعض الليالي كانت تسمع بكاء مكتوما داخل الخيوط، أو خطوات بعيدة لا تنتمي إلى أي حلم صنعه أهل القرية.

الخيط الأسود يظهر في النول

في تلك الليلة، كان القمر بدرا ضخما يملأ السماء، ومع ذلك لم يصل إلى نول ليان سوى خيط واحد شاحب، وحين أمسكته لسع أطراف أصابعها ببرودة جعلتها تسحب يدها مذعورة، فعاد الخيط ليلتف حول النول من تلقاء نفسه، وأخذ يزداد سمكا ويتحول من الفضة إلى الرماد، ومن الرماد إلى سواد كثيف لا يعكس الضوء.

توقفت الأنوال القريبة دفعة واحدة، وانطفأت الفراشات المعلقة في سقف القاعة، رفع النساجون رؤوسهم، وسرى بينهم همس خافت سرعان ما تحول إلى صمت ثقيل، اقترب الشيخ ساهر، حارس دار الأنوال، وكان رجلا طويل القامة ذا لحية بيضاء تصل إلى صدره، نظر إلى الخيط الأسود فتجمدت ملامحه كمن رأى شبحا ظن أنه دفن منذ سنوات، وقال بصوت منخفض إن على ليان أن تقطعه فورا، حدقت فيه وهي تشعر بأن الخيط ينبض تحت أصابعها، وقالت إنه يحمل حلما وإنها تسمعه يناديها، فضرب الشيخ بعصاه الأرض حتى ارتجت المصابيح الزجاجية، وأكد أن هذا ليس حلما بل باب، وعليها أن تقطعه قبل أن يعرف أنهم رأوه.

الصوت القادم من النسيج

رفعت ليان المقص الفضي، لكن صوتا صغيرا انبعث من داخل الخيط، صوت طفل يلهث كأنه يركض في ممر طويل لا نهاية له، يرجوها ألا تقطعه، توقفت يدها في الهواء بينما صاح الشيخ ساهر محذرا إياها من الإصغاء إليه، غير أن الصوت عاد أكثر وضوحا معرفا نفسه باسم آدم، وقائلا إن الظلام أخذ أحلامه.

شعرت ليان بقلبها يطرق ضلوعها بعنف، فلم يكن النساجون يعرفون أسماء الأطفال الذين تصل إليهم أحلامهم، إذ كانت النسائم تختار الطرق وحدها، اقتربت من النول ولمست الخيط الأسود بطرف إصبعها، فانفتحت أمام عينيها صورة خاطفة لطفل جالس فوق سرير صغير تحيط به جدران مرسوم عليها النجوم، وخلفه وقفت هيئة طويلة بلا وجه تمد أصابعها نحو رأسه لتسحب منه شرائط مضيئة تشبه الأحلام وتبتلعها داخل جوف مظلم.

تراجعت ليان وهي تكتم شهقة، لكن الخيط التف حول معصمها كأفعى، وقبل أن يقطعه الشيخ انبعثت من النول موجة هواء سوداء أطاحت بالمصابيح وأسقطت النساجين عن مقاعدهم.

الليلة التي انطفأ فيها القمر

تشققت النافذة الكبرى في سقف دار الأنوال، وارتفع منها صوت حاد كصراخ معدن يمزق، نظر الجميع إلى السماء فرأوا ظلا دائريا يبدأ بابتلاع القمر من حافته، ولم يكن كسوفا طبيعيا، فالنجوم المحيطة به كانت تنطفئ واحدة بعد أخرى كأن شيئا هائلا يزحف خلف السماء ويطفئ مصابيحها بأصابع خفية، صاح الشيخ ساهر مناديا بإغلاق خزائن الأحلام حتى لا يترك حلم مكشوف، فاندفع النساجون نحو الرفوف، لكن كرات الأحلام ارتفعت فجأة في الهواء واصطدمت بالجدران وانفجرت، فانطلقت منها غابات مصغرة وبحار شفافة وطيور من الضوء قبل أن يتحول كل شيء إلى دخان أسود.

خارج الدار، بدأت أجراس القرية تدق من دون أن يلمسها أحد، انفتحت الأبواب، وخرج السكان إلى الأزقة يرفعون وجوههم نحو القمر الذي لم يبق منه سوى شق فضي نحيل، أمسك الشيخ ساهر بذراع ليان وقادها إلى غرفة ضيقة خلف منصة الأنوال، أغلق الباب الحجري، ثم أزاح صندوقا قديما ليكشف عن درج يهبط إلى باطن الأرض، سألته وهي تحاول تحرير يدها عن هوية ذلك الشيء الذي رأته خلف الطفل، لكنه لم يجب، وأشعل مصباحا صغيرا وبدأ بالنزول، بينما تسللت من الدرج رائحة تراب رطب ممزوجة برائحة الورق المحترق.

السر المدفون تحت دار الأنوال

قاد الدرج إلى قاعة مستديرة تغطي جدرانها نقوش قديمة، تظهر القرية تحت قمرين، أحدهما أبيض يشع فوق البيوت، والآخر أسود معلق أسفلها كأنه انعكاس فاسد في بئر عميقة، في وسط القاعة وقف نول حجري ضخم قيدت أذرعه بسلاسل من الفضة، مغطى بغبار كثيف، ومع ذلك تحرك مكوكه ببطء حين دخلت ليان، مصدرا صوتا يشبه احتكاك الأسنان.

روى الشيخ ساهر أن أهل القرية لم يكونوا ينسجون الأحلام وحدها في الماضي، بل الكوابيس أيضا، لأن النوم يحتاج إلى الظلام كما يحتاج إلى النور، لكن رجلا يدعى نادر أراد السيطرة على أحلام البشر، فجمع مخاوف الأطفال وغذى بها ذلك النول، وكلما ابتلع النول خوفا ازداد نادر قوة، حتى تمكن من الدخول إلى أحلام النائمين وتغيير ذكرياتهم، فاتحد النساجون وحبسوه داخل أول كابوس صنعه بيده، سألته ليان عن علاقة آدم بذلك، فرفع عينيه إليها وفيهما مرارة لم ترها من قبل، وقال إن الأطفال الذين يتوقفون عن الحلم يتركون شقوقا في جدار السجن، ويبدو أن نادر وجد طفلا خائفا بما يكفي ليفتح طريق العودة.

اعتراف حارس الأحلام

اقترب الشيخ من النول الحجري، وسحب من أسفله قطعة قماش سوداء مطرزة باسم واحد هو آدم، تساءلت ليان كيف وصل اسمه إلى هناك، فأخبرها بعد صمت طويل أنه أرسل إليه حلما ناقصا، فقبل سبع سنوات، حين كان مسؤولا عن توزيع الأحلام، أهمل في إحدى الليالي إغلاق خزانة الكوابيس القديمة، فتسلل جزء من كابوس نادر إلى حلم طفل رضيع يدعى آدم، ومنذ ذلك الحين كان الخوف يكبر معه مختبئا خلف كل حلم جميل يصله، قال إنه ظن أنه أصلح الخطأ، لكن بعض الجروح لا تغلق بل تتعلم كيف تختبئ.

قبل أن تجيبه ليان، دوى اصطدام عنيف فوقهما وتساقط التراب من السقف، وبدأت السلاسل المقيدة للنول الحجري ترتج حتى انشق أحد حلقاتها بفرقعة حادة، ومن داخل النول انطلق الصوت نفسه الذي سمعته ليان من قبل، لكنه لم يعد صوت طفل، بل صوت عميق بارد أعلن أنهم تأخروا كثيرا.

بوابة الكابوس

تجمعت الظلال في أركان القاعة وانسابت نحو النول، حتى تشكلت فوقه هيئة طويلة بلا وجه، جسدها من دخان متماسك، وفي صدرها تدور آلاف الوجوه الصغيرة وهي تبكي بصمت، مدت الهيئة ذراعا نحو ليان فتحول الهواء إلى جليد حولها، وظهرت أمامها صور أطفال يتقلبون في أسرتهم بينما تربط خيوط سوداء رؤوسهم بالقمر المعتم، قال نادر إنهم يمنحون الأطفال أحلاما كاذبة كي ينسوا خوفهم، أما هو فيريهم الحقيقة.

رفع الشيخ ساهر عصاه فانطلق منها شعاع فضي ضرب صدر الظل، فتراجع نادر خطوة، لكن الوجوه في داخله فتحت أفواهها وخرج منها صراخ جعل الحجارة تتشقق، ألقى الشيخ إلى ليان كرة من ضوء القمر كانت محفوظة في جيبه، وطلب منها أن تذهب إلى آدم لأنه وحده يستطيع إغلاق الباب الذي فتح من داخله، سألته كيف تصل إليه، فأشار إلى النول الحجري وقال إن عليها أن تنسج طريقا من خوفه، محذرا إياها من أنها إن صدقت الكابوس فلن تعود.

قفز الشيخ أمام نادر وضرب السلاسل بعصاه فاشتعلت بنور أبيض وأحاطت بالهيئة، فاستغلت ليان اللحظة وجلست أمام النول الحجري رغم أن كل جزء منها كان يطالبها بالهرب، وضعت كرة ضوء القمر في قلب النول، ثم أمسكت الخيط الأسود الملتف حول معصمها وسحبته بقوة، فشق جلدها وترك خطا أحمر، لكنها أدخلته بين أسنان النول وبدأت النسج.

في قلب حلم آدم

اختفت القاعة من حولها، ووجدت نفسها واقفة في شارع ضيق تغمره مياه سوداء، والنوافذ بلا زجاج، والأبواب تفتح وتغلق وحدها، بينما يهبط من السماء رماد ناعم يشبه الثلج، في نهاية الشارع جلس آدم تحت مصباح مطفأ، أصغر مما رأته في الرؤيا، ضاما ركبتيه إلى صدره ومخفيا وجهه بين ذراعيه.

اقتربت ليان منه بحذر، فسمعت وقع خطوات خلفها، فالتفتت لترى نادر يخرج من الجدران ويتشكل في كل نافذة وكل بركة ماء، طلب منها آدم دون أن يرفع رأسه ألا تقترب، لأن كل من يقترب يتحول إلى شيء مخيف، جلست ليان على مسافة منه وغرست أصابعها في الماء البارد، وقالت إنها تخاف أيضا، رفع الطفل عينيه الواسعتين المحاطتين بدوائر داكنة، وقال لها إن أهل قرية الأحلام لا يخافون، أجابته بحزن أنهم يخافون من انطفاء القمر ومن تمزق خيوطهم ومن أن يرسلوا حلما لا ينقذ أحدا، لكنهم يواصلون النسج رغم ذلك، ليس لأن الخوف غائب، بل لأن أيديهم ترتجف وهم يعملون.

اهتز الشارع، وارتفعت المياه حولهما، وظهر نادر خلف آدم ومد ذراعيه السوداوين فوق كتفيه، هامسا له ألا يصدقها، فالخوف هو الشيء الوحيد الذي لا يكذب.

الحلم الذي لم ينسج من قبل

أخرجت ليان كرة ضوء القمر فوجدتها باهتة تكاد تنطفئ، فأدركت أن الضوء وحده لن يهزم نادر، لأن كل حلم جميل أرسلوه إلى آدم كان يخفي خوفه ولا يواجهه، وضعت الكرة في كف الطفل، وقالت له إنها هذه المرة لن تمنحه حلما جاهزا، بل سيصنعانه معا، سألها ماذا يفعل، فأشارت إلى الظلام المحيط بهما وطلبت منه أن يختار شيئا واحدا لا يستطيع الخوف أن يأخذه منه.

أغمض آدم عينيه، ومرت لحظات لم يسمع فيها سوى خرير الماء وضحكات نادر المنخفضة، ثم قال إنه يختار صوت أمه حين تناديه في الصباح، انبثق من الكرة خيط ذهبي رفيع، وانتشرت في الشارع رائحة خبز دافئ، وفتحت إحدى النوافذ ليظهر خلفها ضوء شمس خافت، طلبت منه ليان أن يختار شيئا آخر، فقال إنه يختار يد أبيه حين يمسكها في الطريق، فظهر خيط ثان قوي ودافئ ثبت الحجارة المتصدعة وأعاد أحد الأبواب إلى مكانه.

تراجع نادر وبدأ جسده يتلاشى عند الأطراف، وصرخ أن الذكريات لن تنقذهم، وأنه سيحولها إلى خوف جديد، اقترب من آدم وتحول وجهه الأسود إلى وجه أمه، ثم إلى وجه أبيه، ثم إلى وجه ليان، لكن الطفل فتح عينيه هذه المرة ولم يهرب، وقال إنه قد يخاف من فقدانهم، لكن خوفه يعني أنه يحبهم، عندها اشتعلت الكرة في يده كقمر صغير، والتف الخيطان الذهبيان حول نادر، وانطلقت منهما أصوات وضحكات وروائح ومشاهد من حياة آلاف الأطفال.

المعركة الأخيرة تحت القمر الأسود

تكسرت هيئة نادر إلى أسراب من الدخان، لكنه جمع نفسه واندفع نحو آدم، وقفت ليان أمام الطفل، فاخترقت البرودة صدرها، وشعرت بذكرياتها تتساقط منها واحدة بعد أخرى، حتى نسيت للحظة اسم القرية ووجه الشيخ ساهر وصوت الأنوال، وبدأ اسمها نفسه يبهت داخلها كحبر تبلله قطرات المطر، سمعت آدم ينادي اسمها، فكان ذلك الاسم خيطا رفيعا ألقي إليها من مكان بعيد، أمسكت به في داخلها ورددته حتى عاد قلبها ينبض.

مدت يديها نحو الخيوط الذهبية ونسجت منها شبكة واسعة، لم تكن جميلة أو متناسقة، بل حملت عقدا وآثار تمزق وفراغات صغيرة، لكنها كانت حقيقية، قالت لنادر إن الحلم ليس مكانا بلا خوف، بل هو الطريق الذي نعبر به الخوف، أطبقت الشبكة على الظل فتعالت منه صرخات كثيرة، وخرجت الوجوه المحبوسة في صدره كطيور مضيئة طارت نحو السماء، بينما تقلص جسده حتى صار بقعة سوداء صغيرة ترتجف في الماء، رفع آدم كرة الضوء وقال إنه لن يترك له غرفته بعد الآن، وألقى الكرة فوق البقعة فتحولت إلى دائرة فضية أغلقت حولها، اهتز الحلم بعنف، ثم انشق الشارع، واندفع نور أبيض من الأرض حتى ابتلع كل شيء.

حين عاد القمر إلى السماء

فتحت ليان عينيها فوجدت نفسها ملقاة بجوار النول الحجري، والقاعة مملوءة بالغبار، والشيخ ساهر جاثيا قرب الحائط، بينما اختفت هيئة نادر ولم يبق منها سوى خيط أسود محترق، في الأعلى بدأ القمر يخرج من الظلام، وتسللت أشعته عبر شقوق السقف ولمست النول الحجري فتحول إلى كومة من الرمل الفضي، ساعدت ليان الشيخ على الوقوف، وصعدا إلى دار الأنوال، فوجدا الأنوال محطمة وكرات الأحلام متناثرة فوق الأرض، لكن النساجين كانوا أحياء يخرجون ببطء من بين الركام.

خارج الدار ارتفع صوت طفل يضحك في مكان بعيد، حمل النسيم ضحكته عبر الجبال والسهول والمدن حتى وصلت إلى القرية واضحة كجرس صغير، أغمضت ليان عينيها فسمعت آدم يحلم، لم يكن يطير فوق الغيوم ولم يعثر على كنز، بل كان يسير في طريق مشمس ممسكا بيد أبيه بينما تناديه أمه من نافذة بيتهم، كان حلما بسيطا لكنه لم يحتج إلى خيط واحد من ضوء القمر.

أول حلم من صنع طفل

في الليالي التالية، أعاد أهل القرية بناء دار الأنوال، لكن ليان اقترحت تغييرا لم يجرؤ أحد على التفكير فيه من قبل، فبدلا من إرسال أحلام مكتملة، بدأ النساجون يتركون في كل حلم مساحة فارغة صغيرة ولامعة كي يملأها الطفل بصوته وذكرياته وأمنياته الخاصة، لم تعد الأحلام هدايا تهبط على النائمين فحسب، بل صارت جسورا يبني نصفها أهل القرية ويكمل الأطفال نصفها الآخر.

أما الخيط الأسود، فقد احتفظت ليان بجزء صغير منه داخل صندوق زجاجي، لا خوفا من عودة نادر، بل لتتذكر أن الظلام الذي يخفى طويلا قد يكبر، أما الظلام الذي نواجهه فيتحول إلى حافة يظهر عندها الضوء.

الرسالة التي حملها النسيم

بعد عام كامل، جلست ليان أمام نافذتها في ليلة بدر هادئة، وأخذت تنسج حلما لطفلة تخشى أول يوم لها في المدرسة، هب النسيم فجأة، وأسقط أمامها ورقة صغيرة لم تحملها يد من أهل القرية، فتحتها فوجدت عليها رسما لنول فضي وقمر كبير، وتحته كلمات مكتوبة بخط طفل، يقول فيها إنه لم يعد يخاف من النوم، وإنه أحيانا يصنع أحلاما لأخته الصغيرة.

وضعت ليان الرسالة قرب قلبها، ثم رفعت رأسها إلى القمر، وكان ضوؤه ينساب على القرية في خيوط لا حصر لها، لكن أجمل خيط في تلك الليلة لم يهبط من السماء، بل جاء من طفل تعلم أن ينسج النور داخل نفسه، فليست الشجاعة بابا يغلق وراءنا فتظل المخاوف خارجه، بل نافذة نفتحها في غرفة مظلمة فيدخل منها ضوء يكفي لرؤية الطريق، وقد لا نستطيع منع الكوابيس من زيارة قلوبنا، لكننا نستطيع أن نمنعها من بناء بيت دائم فيها، فكل خوف يسمى وكل ألم يواجه يتحول ببطء إلى خيط يمكن أن ننسج منه حلما جديدا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها لمعرفة المزيد.