في الليلة التي اختفى فيها القمر، استيقظ آلاف الأطفال وهم يصرخون في اللحظة نفسها، كأن يداً باردة تسللت إلى صدورهم وانتزعت منها آخر نافذة تطل على الطمأنينة.
لم يعرف أحد أن سبب الصرخات كان قرية صغيرة معلقة بين جبلين، لا تظهر في الخرائط، ولا يصل إليها طريق، ويغزل سكانها كل ليلة أحلام العالم من خيوط ضوء القمر.
هناك، خلف أبواب من خشب الصفصاف ونوافذ زجاجية بلون السماء، كانت فتاة تُدعى ليان تحدق في نولها المرتجف، بينما يتحول الخيط الفضي بين أصابعها ببطء إلى لون أسود يشبه دخان بيت محترق.
القرية التي لا تستيقظ إلا بعد الغروب
كانت قرية الأحلام تنام في النهار تحت غلالة كثيفة من الضباب، فتبدو من بعيد كصخرة مهجورة تتكئ على كتف الجبل.
وما إن يسقط آخر شعاع للشمس حتى تتفتح نوافذها واحدة بعد أخرى، مثل عيون ذهبية تفيق من سبات طويل.
ترتفع المداخن النحيلة فوق البيوت المستديرة، لكن بدلاً من الدخان، كانت تنساب منها أسراب من الفراشات المضيئة.
تدور الفراشات في السماء قليلاً، ثم تتلاشى بين النجوم، تاركة خلفها رائحة تشبه الياسمين المبتل بالمطر.
في قلب القرية انتصب بناء شاهق يُسمى دار الأنوال السبعة، وقد شُيد من حجارة بيضاء تحتفظ ببرودة الليل.
في داخله، كانت مئات الأنوال الخشبية تصدر طقطقة منتظمة، كأنها قلوب صغيرة تنبض بإيقاع واحد.
يجلس النسّاجون أمامها مرتدين عباءات زرقاء، ويمدون أيديهم نحو النوافذ المفتوحة، حيث تنحدر أشعة القمر في خيوط رفيعة.
يلتقطون تلك الخيوط بأمشاط فضية، ثم ينسجون منها صوراً وروائح وأصواتاً تُرسل إلى الأطفال النائمين.
كيف تُصنع الأحلام؟
كان لكل حلم نسيجه الخاص؛ فأحلام الطيران تُطرز بريش السنونو ورائحة الهواء فوق الجبال، بينما تُنسج أحلام البحر من زرقة الأمواج وصوت الأصداف حين تهمس في الليالي الهادئة.
أما أحلام اللقاءات السعيدة، فكان النسّاجون يضيفون إليها دفء الأيدي القديمة وضحكات الأمهات.
وحين يكتمل الحلم، يُلف داخل كرة شفافة لا يزيد حجمها على حبة اللؤلؤ.
عند منتصف الليل، تحمل نسائم الشمال تلك الكرات عبر الشقوق المفتوحة في السماء.
تهبط الأحلام على وسائد الأطفال، وتذوب بهدوء في أنفاسهم، فلا يشعرون بها إلا حين تبدأ الصور الملونة في التفتح خلف جفونهم.
كانت ليان أصغر نسّاجة في القرية، لكنها كانت الوحيدة القادرة على سماع الأحلام قبل اكتمالها.
فإذا نسجت حلماً عن غابة، سمعت حفيف أوراقها، وإذا صنعت حلماً عن سفينة، بلغ أذنها صرير الحبال ونداء النوارس.
لم تكن تلك الموهبة نعمة دائماً؛ ففي بعض الليالي كانت تسمع بكاءً مكتوماً داخل الخيوط، أو خطوات بعيدة لا تنتمي إلى أي حلم صنعه أهل القرية.
الخيط الأسود
في تلك الليلة، كان القمر بدراً ضخماً يملأ السماء، ومع ذلك لم يصل إلى نول ليان سوى خيط واحد شاحب.
وحين أمسكته، لسع أطراف أصابعها ببرودة جعلتها تسحب يدها مذعورة.
عاد الخيط إلى الالتفاف حول النول من تلقاء نفسه، ثم أخذ يزداد سمكاً ويتحول من الفضة إلى الرماد، ومن الرماد إلى سواد كثيف لا يعكس الضوء.
توقفت الأنوال القريبة دفعة واحدة، وانطفأت الفراشات المعلقة في سقف القاعة.
رفع النسّاجون رؤوسهم، وسرى بينهم همس خافت سرعان ما تحول إلى صمت ثقيل.
اقترب الشيخ ساهر، حارس دار الأنوال، وكان رجلاً طويل القامة ذا لحية بيضاء تصل إلى صدره.
نظر إلى الخيط الأسود، فتجمدت ملامحه كمن رأى شبحاً ظن أنه دُفن منذ سنوات.
قال بصوت منخفض:
اقطعيه يا ليان.
حدقت فيه، وشعرت بأن الخيط ينبض تحت أصابعها.
لكنه يحمل حلماً، أسمعه يناديني.
ضرب الشيخ بعصاه الأرض، فارتجت المصابيح الزجاجية.
هذا ليس حلماً، بل باب.
اقطعيه قبل أن يعرف أننا رأيناه.
الصوت القادم من النسيج
رفعت ليان المقص الفضي، لكن صوتاً صغيراً انبعث من داخل الخيط.
كان صوت طفل يلهث، كأنه يركض في ممر طويل لا نهاية له.
قال الصوت:
لا تقطعيني، أرجوك.
توقفت يدها في الهواء، بينما صاح الشيخ ساهر:
لا تستمعي إليه!
غير أن الصوت عاد أكثر وضوحاً:
اسمي آدم، والظلام أخذ أحلامي.
شعرت ليان بقلبها يطرق ضلوعها بعنف.
لم يكن النسّاجون يعرفون أسماء الأطفال الذين تصل إليهم أحلامهم، إذ كانت النسائم تختار الطرق وحدها وتحمل كل حلم إلى صاحبه.
اقتربت ليان من النول، ولمست الخيط الأسود بطرف إصبعها.
في اللحظة نفسها، انفتحت أمام عينيها صورة خاطفة لطفل جالس فوق سرير صغير، تحيط به جدران مليئة برسوم النجوم.
خلف الطفل، وقفت هيئة طويلة بلا وجه.
كانت تمد أصابعها نحو رأسه، وتسحب منه شرائط مضيئة تشبه الأحلام، ثم تبتلعها داخل جوف مظلم.
تراجعت ليان وهي تكتم شهقة، لكن الخيط التف حول معصمها كأفعى.
وقبل أن يقطعه الشيخ، انبعثت من النول موجة هواء سوداء أطاحت بالمصابيح وأسقطت النسّاجين عن مقاعدهم.
الليلة التي انطفأ فيها القمر
تشققت النافذة الكبرى في سقف دار الأنوال، وارتفع منها صوت حاد كصراخ معدن يُمزق.
نظر الجميع إلى السماء، فرأوا ظلاً دائرياً يبدأ بابتلاع القمر من حافته.
لم يكن كسوفاً طبيعياً؛ فالنجوم المحيطة بالقمر كانت تنطفئ واحدة بعد أخرى، كما لو أن شيئاً هائلاً يزحف خلف السماء ويطفئ مصابيحها بأصابع خفية.
صاح الشيخ ساهر:
أغلقوا خزائن الأحلام! لا تتركوا حلماً مكشوفاً!
اندفع النسّاجون نحو الرفوف، لكن كرات الأحلام ارتفعت فجأة في الهواء.
اصطدمت بالجدران وانفجرت، فانطلقت منها غابات مصغرة وبحار شفافة وطيور من الضوء، قبل أن يتحول كل شيء إلى دخان أسود.
خارج الدار، بدأت أجراس القرية تدق من دون أن يلمسها أحد.
انفتحت الأبواب، وخرج السكان إلى الأزقة، يرفعون وجوههم نحو القمر الذي لم يبق منه سوى شق فضي نحيل.
أمسك الشيخ ساهر بذراع ليان وقادها إلى غرفة ضيقة خلف منصة الأنوال.
أغلق الباب الحجري، ثم أزاح صندوقاً قديماً ليكشف عن درج يهبط إلى باطن الأرض.
قالت ليان وهي تحاول تحرير يدها:
من ذلك الشيء الذي رأيته خلف الطفل؟
لم يجب الشيخ، بل أشعل مصباحاً صغيراً وبدأ بالنزول.
تسللت من الدرج رائحة تراب رطب ممزوجة برائحة الورق المحترق.
السر المدفون تحت دار الأنوال
قاد الدرج إلى قاعة مستديرة تغطي جدرانها نقوش قديمة.
ظهرت في النقوش القرية تحت قمرين؛ أحدهما أبيض يشع فوق البيوت، والآخر أسود معلق أسفلها، كأنه انعكاس فاسد في بئر عميقة.
في وسط القاعة وقف نول حجري ضخم، وقد قُيدت أذرعه بسلاسل من الفضة.
كان مغطى بغبار كثيف، ومع ذلك تحرك مكوكه ببطء حين دخلت ليان، مصدراً صوتاً يشبه احتكاك الأسنان.
قال الشيخ ساهر:
منذ زمن بعيد، لم يكن أهل القرية ينسجون الأحلام وحدها.
كانوا ينسجون الكوابيس أيضاً، لأن النوم يحتاج إلى الظلام كما يحتاج إلى النور.
مرر أصابعه فوق أحد النقوش، حيث ظهر نسّاج يرتدي عباءة سوداء.
لكن رجلاً يُدعى نادر أراد السيطرة على أحلام البشر، فبدأ يجمع مخاوف الأطفال ويغذي بها هذا النول.
كلما ابتلع النول خوفاً، صار نادر أقوى، حتى تمكن من الدخول إلى أحلام النائمين وتغيير ذكرياتهم.
عندها اتحد النسّاجون وحبسوه داخل أول كابوس صنعه بيده.
سألت ليان:
وما علاقة آدم به؟
رفع الشيخ عينيه إليها، وكانت فيهما مرارة لم ترها من قبل.
الأطفال الذين يتوقفون عن الحلم يتركون شقوقاً في جدار السجن.
ويبدو أن نادر وجد طفلاً خائفاً بما يكفي لفتح طريق العودة.
اعتراف حارس الأحلام
اقترب الشيخ من النول الحجري، وسحب من أسفله قطعة قماش سوداء مطرزة باسم واحد، آدم.
قالت ليان:
كيف وصل اسمه إلى هنا؟
ظل الشيخ صامتاً لحظة، ثم قال:
لأنني أرسلت إليه حلماً ناقصاً.
نظر بعيداً، كأن الجدران القديمة صارت مرايا تعكس خطيئته.
أخبرها أنه قبل سبع سنوات كان مسؤولاً عن توزيع الأحلام، وفي إحدى الليالي أهمل إغلاق خزانة الكوابيس القديمة.
تسلل جزء من كابوس نادر إلى حلم طفل رضيع يُدعى آدم.
ومنذ ذلك الحين، كان الخوف يكبر معه، مختبئاً خلف كل حلم جميل يصل إليه.
قال الشيخ:
ظننت أنني أصلحت الخطأ، لكن بعض الجروح لا تُغلق، بل تتعلم كيف تختبئ.
قبل أن تجيبه ليان، دوى اصطدام عنيف فوقهما، وتساقط التراب من السقف.
بدأت السلاسل المقيدة للنول الحجري ترتج، وانشق أحد حلقاتها بفرقعة حادة.
ومن داخل النول، انطلق الصوت نفسه الذي سمعته ليان، لكنه لم يعد صوت طفل.
قال الصوت بعمق بارد:
لقد تأخرتم كثيراً.
بوابة الكابوس
تجمعت الظلال في أركان القاعة وانسابت نحو النول، حتى تشكلت فوقه هيئة طويلة بلا وجه.
كان جسدها مصنوعاً من دخان متماسك، وفي صدرها تدور آلاف الوجوه الصغيرة وهي تبكي بصمت.
مدت الهيئة ذراعاً نحو ليان، فتحول الهواء إلى جليد حولها.
ظهرت أمامها صور أطفال يتقلبون في أسرّتهم، بينما كانت خيوط سوداء تربط رؤوسهم بالقمر المعتم.
قال نادر:
أنتم تمنحونهم أحلاماً كاذبة كي ينسوا خوفهم، أما أنا فأريهم الحقيقة.
رفع الشيخ ساهر عصاه، فانطلق منها شعاع فضي ضرب صدر الظل.
تراجع نادر خطوة، لكن الوجوه في داخله فتحت أفواهها، وخرج منها صراخ جعل الحجارة تتشقق.
ألقى الشيخ إلى ليان بكرة من ضوء القمر كانت محفوظة في جيبه.
اذهبي إلى آدم.
وحده يستطيع إغلاق الباب الذي فُتح من داخله.
قالت وهي تمسك الكرة المتوهجة:
وكيف أصل إليه؟
أشار الشيخ إلى النول الحجري.
انسجي طريقاً من خوفه، لكن احذري؛ إن صدقتِ الكابوس، فلن تعودي.
قفز الشيخ أمام نادر وضرب السلاسل بعصاه، فاشتعلت بنور أبيض وأحاطت بالهيئة.
استغلت ليان اللحظة وجلست أمام النول الحجري، رغم أن كل جزء منها كان يطالبها بالهرب.
وضعت كرة ضوء القمر في قلب النول، ثم أمسكت الخيط الأسود الملتف حول معصمها.
سحبته بقوة، فشق جلدها وترك خطاً أحمر، لكنها أدخله بين أسنان النول وبدأت النسج.
في قلب حلم آدم
اختفت القاعة من حولها، ووجدت نفسها واقفة في شارع ضيق تغمره مياه سوداء.
كانت النوافذ بلا زجاج، والأبواب تُفتح وتُغلق وحدها، بينما يهبط من السماء رماد ناعم يشبه الثلج.
في نهاية الشارع، جلس آدم تحت مصباح مطفأ.
كان أصغر مما رأته في الرؤيا، وقد ضم ركبتيه إلى صدره وأخفى وجهه بين ذراعيه.
اقتربت ليان منه بحذر، فسمعت وقع خطوات خلفها.
التفتت، فرأت نادر يخرج من الجدران ويتشكل في كل نافذة وكل بركة ماء.
قال آدم من دون أن يرفع رأسه:
لا تقتربي.
كل من يقترب يتحول إلى شيء مخيف.
جلست ليان على مسافة منه، وغرست أصابعها في الماء البارد.
وأنا أخاف أيضاً.
رفع الطفل عينيه.
كانتا واسعتين تحيط بهما دوائر داكنة.
أنتِ من قرية الأحلام، لا تخافون هناك.
ابتسمت بحزن.
نخاف من انطفاء القمر، ومن تمزق خيوطنا، ومن أن نرسل حلماً لا ينقذ أحداً.
لكننا نواصل النسج، ليس لأن الخوف غائب، بل لأن أيدينا ترتجف ونحن نعمل.
اهتز الشارع، وارتفعت المياه حولهما.
ظهر نادر خلف آدم، ومد ذراعيه السوداوين فوق كتفيه.
همس:
لا تصدقها.
الخوف هو الشيء الوحيد الذي لا يكذب.
الحلم الذي لم يُنسج من قبل
أخرجت ليان كرة ضوء القمر، لكنها وجدتها باهتة، تكاد تنطفئ.
أدركت أن الضوء وحده لن يهزم نادر، فكل حلم جميل أرسلوه إلى آدم كان يخفي خوفه ولا يواجهه.
وضعت الكرة في كف الطفل وقالت:
هذه المرة لن أمنحك حلماً جاهزاً.
سنصنعه معاً.
سألها بصوت مرتجف:
ماذا أفعل؟
أشارت إلى الظلام المحيط بهما.
اختر شيئاً واحداً لا يستطيع الخوف أن يأخذه منك.
أغمض آدم عينيه.
مرت لحظات لم يُسمع فيها سوى خرير الماء وضحكات نادر المنخفضة، ثم قال الطفل:
صوت أمي حين تناديني في الصباح.
انبثق من الكرة خيط ذهبي رفيع، وانتشرت في الشارع رائحة خبز دافئ.
فتحت إحدى النوافذ، وظهر خلفها ضوء شمس خافت.
قالت ليان:
اختر شيئاً آخر.
قال آدم:
يد أبي حين أمسكها في الطريق.
ظهر خيط ثانٍ، قوي ودافئ، فثبتت الحجارة المتصدعة وعاد أحد الأبواب إلى مكانه.
تراجع نادر، وبدأ جسده يتلاشى عند الأطراف.
صرخ:
الذكريات لا تنقذكم! سأحوّلها إلى خوف جديد!
اقترب من آدم وتحول وجهه الأسود إلى وجه أمه، ثم إلى وجه أبيه، ثم إلى وجه ليان.
لكن الطفل فتح عينيه هذه المرة ولم يهرب.
قال:
قد أخاف من فقدانهم، لكن خوفى يعني أنني أحبهم.
عندها اشتعلت الكرة في يده كقمر صغير.
التف الخيطان الذهبيان حول نادر، وانطلقت منهما أصوات وضحكات وروائح ومشاهد من حياة آلاف الأطفال.
المعركة الأخيرة تحت القمر الأسود
تكسرت هيئة نادر إلى أسراب من الدخان، لكنه جمع نفسه واندفع نحو آدم.
وقفت ليان أمام الطفل، فاخترقت البرودة صدرها، وشعرت بذكرياتها تتساقط منها واحدة بعد أخرى.
نسيت للحظة اسم القرية، ووجه الشيخ ساهر، وصوت الأنوال.
حتى اسمها بدأ يبهت داخلها، كحبر تبلله قطرات المطر.
سمعت آدم يناديها:
ليان!
كان الاسم خيطاً رفيعاً أُلقِي إليها من مكان بعيد.
أمسكت به في داخلها، ورددته حتى عاد قلبها ينبض.
مدت يديها نحو الخيوط الذهبية ونسجت منها شبكة واسعة.
لم تكن الشبكة جميلة أو متناسقة، بل حملت عقداً وآثار تمزق وفراغات صغيرة، لكنها كانت حقيقية.
قالت لنادر:
الحلم ليس مكاناً بلا خوف.
الحلم هو الطريق الذي نعبر به الخوف.
أطبقت الشبكة على الظل، فتعالت منه صرخات كثيرة.
خرجت الوجوه المحبوسة في صدره كطيور مضيئة، وطارت نحو السماء، بينما تقلص جسده حتى صار بقعة سوداء صغيرة ترتجف في الماء.
رفع آدم كرة الضوء، وقال:
لن أترك لك غرفتي بعد الآن.
ألقى الكرة فوق البقعة، فتحولت إلى دائرة فضية أغلقت حولها.
اهتز الحلم بعنف، ثم انشق الشارع، واندفع نور أبيض من الأرض حتى ابتلع كل شيء.
حين عاد القمر إلى السماء
فتحت ليان عينيها، فوجدت نفسها ملقاة بجوار النول الحجري.
كانت القاعة مملوءة بالغبار، والشيخ ساهر جاثياً قرب الحائط، بينما اختفت هيئة نادر ولم يبق منها سوى خيط أسود محترق.
في الأعلى، بدأ القمر يخرج من الظلام.
تسللت أشعته عبر شقوق السقف، ولمست النول الحجري، فتحول إلى كومة من الرمل الفضي.
ساعدت ليان الشيخ على الوقوف، وصعدا إلى دار الأنوال.
كانت الأنوال محطمة، وكرات الأحلام متناثرة فوق الأرض، لكن النسّاجين أحياء، يخرجون ببطء من بين الركام.
خارج الدار، ارتفع صوت طفل يضحك في مكان بعيد.
حمل النسيم الضحكة عبر الجبال والسهول والمدن، حتى وصلت إلى القرية واضحة كجرس صغير.
أغمضت ليان عينيها، فسمعت آدم يحلم.
لم يكن يطير فوق الغيوم، ولم يعثر على كنز، بل كان يسير في طريق مشمس ممسكاً بيد أبيه، بينما تناديه أمه من نافذة بيتهم.
كان حلماً بسيطاً، لكنه لم يحتج إلى خيط واحد من ضوء القمر.
أول حلم من صنع طفل
في الليالي التالية، أعاد أهل القرية بناء دار الأنوال، لكن ليان اقترحت تغييراً لم يجرؤ أحد على التفكير فيه من قبل.
بدلاً من إرسال أحلام مكتملة، بدأ النسّاجون يتركون في كل حلم مساحة فارغة، صغيرة ولامعة، كي يملأها الطفل بصوته وذكرياته وأمنياته الخاصة.
لم تعد الأحلام هدايا تهبط على النائمين فحسب، بل صارت جسوراً يبني نصفها أهل القرية، ويكمل الأطفال نصفها الآخر.
أما الخيط الأسود، فقد احتفظت ليان بجزء صغير منه داخل صندوق زجاجي.
لم تفعل ذلك خوفاً من عودة نادر، بل لتتذكر أن الظلام الذي يُخفى طويلاً قد يكبر، أما الظلام الذي نواجهه فيتحول إلى حافة يظهر عندها الضوء.
العنصر الأخير الرسالة التي حملها النسيم
بعد عام كامل، جلست ليان أمام نافذتها في ليلة بدر هادئة، وأخذت تنسج حلماً لطفلة تخشى أول يوم لها في المدرسة.
هب النسيم فجأة، وأسقط أمامها ورقة صغيرة لم تحملها يد من أهل القرية.
فتحتها، فوجدت عليها رسماً لنول فضي وقمر كبير، وتحته كلمات مكتوبة بخط طفل:
إلى ليان, لم أعد أخاف من النوم، وأحياناً أصنع أحلاماً لأختي الصغيرة.
وضعت ليان الرسالة قرب قلبها، ثم رفعت رأسها إلى القمر.
كان ضوؤه ينساب على القرية في خيوط لا حصر لها، لكن أجمل خيط في تلك الليلة لم يهبط من السماء؛ بل جاء من طفل تعلم أن ينسج النور داخل نفسه.
ليست الشجاعة باباً يُغلق وراءنا فتظل المخاوف خارجه، بل نافذة نفتحها في غرفة مظلمة، فيدخل منها ضوء يكفي لرؤية الطريق.
وقد لا نستطيع منع الكوابيس من زيارة قلوبنا، لكننا نستطيع أن نمنعها من بناء بيت دائم فيها؛ فكل خوف يُسمى، وكل ألم يُواجه، يتحول ببطء إلى خيط يمكن أن ننسج منه حلماً جديداً، سحابة القطن الصغيرة حكاية السحابة التي أمطرت حلوى بدلًا من الماء من هنا.
