حكاية الرجل الذي كان يصافح الظلال حارس المتحف الذي فتح بوابة الأرواح

الراوي
0

حين يصير الصمت باباً, في تلك الليلة، لم يكن المتحف نائماً كما اعتاد رفيق أن يراه، بل كان يتنفس ببطء، ككائنٍ عتيقٍ خبأ قلبه بين الأطر الذهبية والزجاج البارد.

كانت الأرض الرخامية تلمع تحت ضوءٍ شاحب، وكانت اللوحات المعلقة على الجدران تبدو كعيونٍ مفتوحة في عتمةٍ لا تنام.

لم يكن رفيق يخاف الظلام؛ فقد عاش معه عشرين عاماً حتى صار يعرف درجاته كما يعرف المرء وجوه أهل بيته.

لكنه في تلك الليلة، حين صافح ظل الفارس على الجدار، شعر بأن شيئاً بارداً ردّ عليه التحية.

حكاية الرجل الذي كان يصافح الظلال قصة حارس المتحف الذي فتح بوابة الأرواح

عشرون عاماً بين الرخام واللوحات

كان رفيق حارساً ليلياً في متحف الفنون القديم، رجلاً نحيلاً ذا عينين غائرتين كأنهما احتفظتا بكل ما لم يقله طوال عمره.

يدخل المتحف مع انطفاء آخر ضوءٍ في الشارع، ويغادر مع أول خيطٍ للفجر، فلا يسمع صوته أحد إلا حين يقول للبواب صباحاً ليلتك هادئة.

لم يكن له بيتٌ ممتلئ ولا مائدة تنتظره، بل غرفة صغيرة في حي بعيد، وسرير حديدي يصدر أنيناً خافتاً كلما جلس عليه.

لذلك لم يكن المتحف مكان عمله فحسب؛ كان مملكته الصامتة، ومقبرته الدافئة، ونافذته الوحيدة على بشرٍ رسمهم آخرون ثم تركوهم محبوسين في الألوان.

مع مرور السنوات، حفظ رفيق كل تفصيلة في القاعات موضع التشقق الرفيع قرب لوحة البحر، رائحة الخشب القديم في الصالة الشرقية، والصرير الخجول للباب المؤدي إلى المخزن.

كان يعرف متى يطول ظل التمثال، ومتى تميل ابتسامة المرأة المرسومة كأنها تخفي خبراً لا تريد البوح به.

الأصدقاء الذين لم يرهم أحد

في البداية، كان رفيق يحدّث نفسه كي لا يذوب في الصمت.

ثم صار يحدّث اللوحات، ثم اكتشف أن اللوحات، على قسوتها الملونة، لا تجيب، أما ظلالها فكانت أكثر رقة وأقرب إلى الفهم.

أطلق على ظل لوحة الفارس اسم صارم، لأنه كان يقف على الحائط كرمحٍ أسود، كتفاه مستقيمتان وسيفه مرفوع في صمتٍ نبيل.

وكان رفيق كل ليلة يقف أمامه ويقول أتحرس معي الليلة؟ فيمتد الظل على الجدار كأنه يوافق.

أما ظل المرأة الباكية فسماها نائلة، إذ كانت تنحني على الأرض تحت ضوء المصابيح كدمعةٍ طويلة.

كان يهمس لها لا تبكي كثيراً، فالليل قصير مهما طال، فيخيّل إليه أن حوافها ترتجف كمن شهقت ثم سكتت.

أسماء على جدار العتمة

لم يترك رفيق ظلاً بلا اسم.

ظل الطفل قرب نافذة القاعة الغربية صار لؤي، وظل العازف القديم صار نديم، وظل الشجرة الوحيدة في لوحة الخريف صار أمينة، لأنها بدت له كأمٍ تفتح ذراعيها لمن تأخر عن الرجوع.

كان يسير بينهم حاملاً مصباحه، لا كحارسٍ يراقب ممتلكات المتحف، بل كمضيفٍ يتفقد ضيوفه.

وإذا مرّ أمام المرآة الكبيرة في نهاية الرواق، رأى ظله هو أيضاً، طويلاً ووحيداً، فيخفض عينيه كأنه لا يريد أن يتعرف إليه.

فكرة المعرض الذي لا يراه النهار

في ليلةٍ ممطرة، وقف رفيق وسط القاعة الكبرى، والبرق يلمع خلف الزجاج العالي كفرشاةٍ بيضاء تشق السماء.

رأى الظلال تتراقص على الجدران مع كل ومضة، تتبدل وتكبر وتتداخل حتى بدت القاعة معرضاً آخر مختبئاً خلف المعرض الحقيقي.

قال بصوتٍ خافت لماذا لا يراكم أحد؟ ثم ابتسم ابتسامةً لم يبتسم مثلها منذ زمن.

خطرت له فكرة غريبة، متهورة، لكنها أضاءت صدره كفتيلٍ صغير سيقيم معرضاً خاصاً للظلال.

لكن الظلال لم تكن تظهر كما ينبغي تحت أضواء القاعات الحديثة؛ كانت ناعمة، مكسورة، بلا عمق.

كان يحتاج إلى ضوءٍ حاد، قديم، يعرف كيف ينتزع العتمة من الأشياء كما ينتزع النحات وجهاً من الحجر.

الكشاف القديم في المخزن

تذكر رفيق كشافاً قديماً رآه قبل سنوات في مخزن المتحف، بين صناديق مهملة وستائر مسرحية مغبرة.

كان ضخماً، ذا عينٍ زجاجية مستديرة، كأنه مخلوق أعور نام طويلاً في الظلام ينتظر من يوقظه.

فتح باب المخزن بمفتاحه، فخرجت رائحة الغبار والرطوبة مثل نفسٍ محبوس.

تحسس طريقه بين الإطارات القديمة، وسمع فوقه حركة فأرٍ صغير، ثم وجد الكشاف مغطى بقماشٍ باهتٍ ككفن.

حين أزاح القماش عنه، لمع الزجاج في وجهه لمعاناً غريباً، لا يشبه لمعان الأدوات المهملة.

وضع يده على المعدن البارد، فارتعشت أصابعه، وكأن الكشاف لم يكن بارداً من النسيان، بل من انتظارٍ طويل.

ضوء يشبه الاعتراف

جرّ رفيق الكشاف إلى القاعة الكبرى بصعوبة، وكانت عجلاته تصدر صريراً حاداً يقطع صمت المتحف كأنين بوابةٍ تفتح في قبو.

وضعه أمام لوحة الفارس، ثم أطفأ أنوار القاعة واحداً تلو الآخر حتى بقي المكان غارقاً في سوادٍ أزرق.

عندما أشعل الكشاف، اندفع الضوء منه كثيفاً ومائلاً، فضرب اللوحة ثم رمى ظل الفارس على الجدار المقابل.

لكن الظل لم يظهر مسطحاً كما اعتاد؛ بل انتفض، وبرزت حوافه كأنها جسدٌ من دخان.

تراجع رفيق خطوة، وشعر بأن قلبه طرق صدره طرقاً عنيفاً.

ثم رأى الظل يرفع يده ببطء، لا كصورةٍ تتحرك، بل كرجلٍ خرج لتوه من حربٍ بعيدة.

حين تكلم الفارس

قال الظل بصوتٍ عميق، كأن الكلمات خرجت من بئرٍ قديمة تأخرت كثيراً يا حارس الليل.

لم يستطع رفيق أن يصرخ.

جف حلقه حتى أحس أن لسانه صار قطعة قماش.

ظل يحدق في الفارس، في السيف الأسود، في الرأس المرفوع، ثم قال بصوتٍ مكسور من أنت؟

أجاب الظل لست الفارس.

أنا اليد التي رسمته.

أنا الخوف الذي خبأه الفنان في الدرع، والرجاء الذي تركه في لمعان السيف.

عندها فهم رفيق أن ما يراه ليس ظل اللوحة وحدها، بل ما وراءها؛ روح الفنان العالقة في أثره، الصدى الذي لم يمت حين مات الجسد.

أرواح خرجت من الألوان

لم يعد رفيق قادراً على التوقف.

أدار الكشاف نحو لوحة المرأة الباكية، فامتد ظلها على الأرض، ثم ارتفع كستارةٍ سوداء ناعمة.

سمع بكاءً خافتاً، لكنه لم يكن بكاء المرأة في اللوحة، بل بكاء الرسام الذي رسمها.

قال الصوت رسمتها يوم فقدت ابنتي، ولم يعرف أحد.

قالوا ما أجمل الحزن في لوحتك.

ولم يسألني أحد لمن هذا الحزن؟

جلس رفيق على المقعد الخشبي وسط القاعة، ووضع المصباح بجانبه كما يضع العابر عصاه بعد سفرٍ طويل.

كان يستمع، لا بعينيه فقط، بل بجلده وأنفاسه وارتجاف يديه.

حوارات مع من رحلوا

في تلك الليلة، تحدث إليه رسام البحر عن خوفه من الغرق وهو لم يركب سفينة قط، وكلمه صاحب لوحة الخريف عن أمه التي كانت تكنس أوراق الحديقة قبل موتها بأسبوع.

أما رسام الطفل الضاحك، فاعترف أن الضحكة كانت آخر ما رآه من أخيه الصغير قبل أن يأخذه المرض.

كل لوحة كانت باباً، وكل ظل كان مفتاحاً أسود.

وكلما انتقل الكشاف من إطارٍ إلى آخر، خرجت من الجدران أصواتٌ لم يسمعها زوار المتحف قط، أصواتٌ بقيت قروناً تتوسل عيناً لا تنظر إلى الألوان وحدها.

سأل رفيق أحدهم لماذا أنا؟ فأجابه صوتٌ واهن من ظل الشجرة لأنك لم تمرّ بنا.

أنت توقفت.

ومن يتوقف أمام الشيء طويلاً، يسمع قلبه.

المعرض السري لرفيق

منذ تلك الليلة، صار رفيق يقيم معرضه كلما أغلق المتحف أبوابه.

يطفئ المصابيح، يجر الكشاف القديم إلى موضعه، ثم يدعو ظلاله واحداً واحداً، كأنه يفتح مجلساً لأرواحٍ نبيلة أتعبها النسيان.

لم يعد يسألها أسئلة الخوف، بل أسئلة الإنسان الذي وجد أخيراً من يجيبه.

كان يسأل عن الحب حين يبقى في اللوحة بعد موت صاحبه، وعن الألم حين يصير لوناً، وعن الوحدة حين تتنكر في هيئة وظيفة ليلية.

وكانت الأرواح تجيبه بما لم تقله الكتب ولا بطاقات الشرح الصغيرة تحت اللوحات.

قالت له إن الفن ليس ما نعلقه على الجدران، بل ما ينجو من الإنسان حين يفشل في النجاة بنفسه.

الصباح الذي لم يعد كما كان

عند الفجر، أعاد رفيق الكشاف إلى المخزن، لكنه لم يعد الرجل نفسه.

مرّ أمام المرآة في نهاية الرواق، فرأى ظله الطويل يقف خلفه، لا كرفيقٍ حزين، بل كبابٍ مفتوح.

ابتسم له لأول مرة.

رفع يده ببطء، كأنه يصافح نفسه بعد غيابٍ دام عشرين عاماً.

وعلى الجدار، بدا الظل كأنه يرد التحية.

حين جاء البواب صباحاً، قال له كعادته ليلتك هادئة؟ فنظر رفيق إلى القاعات خلفه، إلى اللوحات الصامتة التي تخفي في عتمتها مدناً كاملة من الأصوات، ثم قال مبتسماً كانت عامرة.

بوابة لا يراها العابرون

لم يترك رفيق عمله، ولم يخبر أحداً بما رآه.

ظل يأتي كل ليلة، يحمل مفاتيحه ومصباحه، لكنه لم يكن يدخل المتحف كحارسٍ بعد ذلك، بل كمن يعود إلى وطنٍ لا يظهر إلا حين ينام العالم.

صار يعرف أن وحدته لم تكن سجناً كما ظن، بل كانت الممر الطويل الذي قاده إلى أبوابٍ لا تفتح للمتعجلين.

كان الناس يمرون نهاراً أمام اللوحات، يلتقطون الصور، يقرأون الأسماء، ثم يمضون؛ أما هو، فقد منح الظلال أسماء، فمنحته الظلال عالماً.

وفي آخر عمره، حين صار مشيه بطيئاً ويده ترتجف حول المفاتيح، كان يقف كل ليلة أمام الجدار ويقول أنا هنا.

فتتحرك الظلال قليلاً، كأنها تفسح له مكاناً بينها.

وليست كل العوالم البعيدة تحتاج إلى سفنٍ أو خرائط؛ بعضها ينتظر في زاوية غرفة، في ظل لوحة، في صمتٍ طال حتى ظنه الناس فراغاً.

وحده من يصغي جيداً يعرف أن العزلة قد تكون أحياناً قناعاً لبابٍ سري، وأن الأشياء التي لا يلتفت إليها أحد قد تحمل أكثر الأرواح حياة, قصة منال التي خلعت أفكارها قبل النوم وسرير الغيوم المعلقة من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد