حين أدار الحاج سليم المفتاح في باب المقهى للمرة الأخيرة، لم يصدر القفل طقطقته المعتادة، بل أطلق أنيناً معدنياً طويلاً، كأن الباب الخشبي أدرك قبل الجميع أن تلك الليلة لن تشبه سائر الليالي.
كان المطر يضرب زجاج الواجهة في خطوط مائلة، فيما ارتجفت حروف اللافتة النحاسية فوق المدخل مقهى النورس، منذ عام 1958.
داخل المكان، ظلت رائحة البن المحمّص عالقة بالسقف، تختلط بدخان قديم وعبق خشب امتص أسرار عشرات السنين.
رفع الحاج سليم عينيه نحو الساعة المعلقة فوق الرف، فوجد عقرب الثواني عالقاً عند الحادية عشرة وسبع عشرة دقيقة.
لم يحاول إصلاحه؛ فقد قرر أن يتوقف كل شيء معاً الساعة، والموسيقى، والمقهى، وربما جزء خفي منه لم يعرف كيف يعيش خارجه.
على الطاولات الست المستديرة، جلس خمسة أشخاص لم يجمع بينهم موعد، ولا معرفة سابقة، ولا سبب واضح للبقاء في ليلة شديدة البرودة.
ومع ذلك، كان لكل واحد منهم شيء يبحث عنه، وشيء يخشى أن يجده.
ولم يكن أحد منهم يعلم أن المقهى، قبل أن يغلق أبوابه، سيجبرهم على فتح الأبواب التي أمضوا أعواماً يحرسونها داخل صدورهم.
الليلة الأخيرة تحت ضوء المصابيح الصفراء
وقف الحاج سليم خلف المنضدة الرخامية، يمرر قطعة قماش فوق سطحها للمرة الثالثة، مع أن الرخام كان يلمع كمرآة باهتة.
كانت يداه تتحركان ببطء، كأن كل دائرة يرسمها بالقماش تؤخر لحظة الوداع دقيقة أخرى.
على الباب عُلّقت ورقة بيضاء كتب عليها بخط مرتجف نعتذر لزبائننا الكرام، يغلق المقهى أبوابه نهائياً بعد منتصف هذه الليلة.
تشرّبت الورقة رطوبة المطر، فانحنت حوافها وكأنها راية استسلام.
جلس عند النافذة رجل في أوائل الأربعينيات، يرتدي معطفاً رمادياً ويضغط بكفه على حقيبة جلدية سوداء.
كان اسمه نديم، غير أن الحاج سليم لم يعرف اسمه بعد؛ كل ما لاحظه أنه لم يرفع عينيه عن الباب منذ دخل.
وعند الطاولة المقابلة، كانت فتاة شابة تُدعى مريم تقلب صفحات دفتر رسم، لكنها لم ترسم شيئاً.
يداها ملطختان بالفحم، وعيناها تلاحقان انعكاس الشارع المبتل فوق الزجاج.
في الركن القريب من المدفأة المعطلة، جلست امرأة ستينية أنيقة، تتكئ على عصا ذات مقبض فضي.
كانت الدكتورة ليلى، طبيبة متقاعدة، وقد طلبت قهوة سوداء بلا سكر ثم تركتها تبرد دون أن تمسها.
أما الرجل الرابع، فكان شاباً نحيفاً يدعى يوسف، يحمل صندوقاً كرتونياً صغيراً ويبدو كمن فرغ للتو من نقل حياته كلها داخله.
ظل هاتفه يهتز فوق الطاولة، لكنه كان يقلبه على وجهه كلما أضاءت الشاشة.
آخر الجالسين كان صبياً في السابعة عشرة، مبتل الشعر والكتفين، دخل هارباً من المطر وطلب كوب ماء فقط.
اسمه آدم، وكان يضع يده في جيب سترته باستمرار، متحسساً ظرفاً بنياً لا يجرؤ على إخراجه.
رفع الحاج سليم صوته قائلاً:
بقيت أربعون دقيقة على الإغلاق، ما تطلبونه الآن سيكون آخر ما يقدمه المقهى.
لم يجبه أحد، لكن جملة آخر ما يقدمه المقهى دارت في المكان مثل نسمة باردة، فأطفأت ما بقي في الوجوه من ادعاء اللامبالاة.
كوب لم يصل إلى صاحبه
فتح الحاج سليم خزانة صغيرة أسفل آلة القهوة، وأخرج منها خمسة فناجين مختلفة الأشكال.
كان كل فنجان يحمل شقاً رفيعاً أو حافة متآكلة، إلا أنه وضعها أمامه بعناية شديدة، كما لو كانت أواني ملكية.
قال وهو يملأها بالقهوة:
هذه الفناجين أقدم من بعض الجالسين هنا.
كان أبي يقول إن الأشياء التي تبقى طويلاً تتعلم الاحتفاظ بأصوات أصحابها.
ضحك يوسف ضحكة قصيرة خالية من الفرح، وقال:
لو كانت الأشياء تتكلم، لفضحتنا البيوت قبل البشر.
التفتت إليه مريم للمرة الأولى، بينما ثبت نديم يده فوق حقيبته.
أما الدكتورة ليلى فحرّكت ملعقتها في الفنجان البارد، فصدر رنين رقيق كجرس بعيد.
حمل الحاج سليم الفناجين إلى الطاولات، لكنه وضع فنجاناً سادساً على طاولة خالية قرب الجدار.
كان الفنجان أبيض، مرسوماً عليه طائر أزرق فقد نصف جناحه بسبب شرخ قديم.
سأل آدم بصوت خافت:
لمن هذا الفنجان؟
توقفت يد الحاج سليم لحظة، ثم أجاب دون أن ينظر إليه:
لرجل وعدني أن يعود، ولم يفعل.
هبّت الريح خارجاً، فاصطدمت إحدى أغصان الشجرة بالزجاج.
ارتجف آدم، وأطبق أصابعه داخل جيبه على الظرف البني حتى تجعدت حوافه.
رسالة خلف الصورة القديمة
عند الحادية عشرة والنصف، انطفأت الكهرباء.
غرق المقهى في ظلام كثيف، ولم يبقَ سوى وهج أحمر ضعيف داخل المدفأة، وانعكاس مصابيح السيارات العابرة على الواجهة.
تنفست مريم بسرعة، بينما سقطت ملعقة الدكتورة ليلى فوق الصحن.
قال الحاج سليم من خلف المنضدة:
لا يتحرك أحد.
أعرف الطريق إلى صندوق الشموع.
سمع الجالسون خطواته، ثم صوت اصطدام، أعقبه سقوط إطار زجاجي من فوق الجدار.
تحطم الزجاج، وانتشر رنينه في العتمة مثل شهقة حادة.
أشعل الحاج سليم شمعة، ثم أخرى، فظهرت على الأرض صورة قديمة خرجت من إطارها.
انحنى يوسف والتقطها بحذر، بينما تجمّع الآخرون حول الضوء المتراقص.
كانت الصورة لرجلين شابين يقفان أمام المقهى يوم افتتاحه.
أحدهما يشبه الحاج سليم، والآخر يبتسم وهو يضع يده على كتف صديقه، مرتدياً سترة بحرية داكنة.
لكن ما لفت الأنظار لم يكن الرجلين، بل ظرف أصفر صغير انزلق من خلف الصورة وسقط بين شظايا الزجاج.
تغير وجه الحاج سليم فور رؤيته، وكأن شخصاً من الماضي دخل فجأة ووقف قبالته.
الاسم المكتوب بالحبر الأزرق
التقط نديم الظرف قبل أن يدوسه أحد، ومسح عنه الغبار بطرف كمه.
كان مغلقاً بشريط لاصق هش، وعلى وجهه كُتب بالحبر الأزرق إلى سليم، حين يقرر إغلاق المقهى.
ساد الصمت، ولم يعد يُسمع سوى المطر وهو ينزلق عبر أنبوب التصريف خارجاً.
قال يوسف:
يبدو أن الرسالة انتظرت هذه الليلة تحديداً.
مد الحاج سليم يده، لكنه سحبها قبل أن تلامس الظرف.
ارتعشت أصابعه، ثم قبض عليها خلف ظهره وقال:
ضعها على المنضدة.
سألته الدكتورة ليلى:
أتعرف صاحب الخط؟
أجاب بعد صمت طويل:
أخي، فؤاد.
رفع آدم رأسه فجأة، واتسعت عيناه، لكنه ظل ساكناً في مكانه.
جلس الحاج سليم على أقرب كرسي، وبدا أصغر من عمره وأكثر تعباً.
مرر كفه فوق شاربه الأبيض، ثم قال إن فؤاد كان شريكه في المقهى، قبل أن يختفي منذ اثنين وثلاثين عاماً دون تفسير.
قال بصوت متصدع:
أخذ بعض المال، أو هكذا ظننت.
اختفى في الليلة نفسها التي مرض فيها أبي.
بحثت عنه شهوراً، ثم أقسمت ألا أنطق اسمه.
نظر إلى الفنجان السادس الموضوع قرب الجدار، وأضاف:
لكنني كنت أترك فنجانه كل ليلة.
ربما لأن الغضب لا يقتل الانتظار، بل يخفيه فقط.
أدار نديم الظرف بين يديه، ثم قال:
هل نفتحه؟
بقي الحاج سليم صامتاً، فمد آدم يده إلى جيبه وأخرج ظرفه البني.
وضعه فوق الطاولة، وكان يحمل الخط نفسه.
غرباء يحملون النسخة ذاتها من الألم
تراجع الجميع خطوة، كأن الظرف الثاني شيء قابل للانفجار.
قال آدم وهو يبتلع ريقه:
أعطتني أمي هذا قبل أن تموت بثلاثة أيام.
قالت إنني حين أبلغ السابعة عشرة، يجب أن آتي إلى هذا المكان وأسلمه إلى الحاج سليم.
تعلق نظر صاحب المقهى بملامح الصبي؛ بعينيه الداكنتين، وبالانحناءة الخفيفة في حاجبه الأيسر.
نهض فجأة حتى احتك الكرسي بالأرض بعنف.
قال:
ما اسم أمك؟
هناء فؤاد البحيري.
انطفأ شيء في وجه الحاج سليم، ثم عاد إليه شيء آخر أشد قسوة.
اتكأ على طرف الطاولة وكأن الأرض مالت تحت قدميه.
كان فؤاد قد أنجب ابنة، وكانت تلك الابنة أم آدم.
أما الصبي الواقف أمامه بثياب مبتلة ووجه شاحب، فلم يكن غريباً هارباً من المطر، بل حفيد الأخ الذي ظل فنجانه ينتظر أكثر من ثلاثة عقود.
فتح آدم ظرف أمه، وأخرج ورقة قصيرة ومفتاحاً نحاسياً صغيراً.
ناول الورقة إلى الحاج سليم، الذي قرأها تحت ضوء الشمعة دون أن يسمح لأحد برؤية الكلمات.
لكن عينيه امتلأتا حتى عجز عن إخفائهما.
حين بدأت الأقنعة تتساقط
قال نديم فجأة:
أنا أيضاً جئت بسبب رسالة.
فتح حقيبته الجلدية وأخرج ملفاً أزرق، ثم وضعه على الطاولة.
كان يحمل شعار شركة عقارية كبيرة، وعلى الغلاف عنوان المقهى ورقم قطعة الأرض.
أوضح أنه محامٍ يمثل الشركة التي اشترت المبنى، وأن مهمته تسليم إخطار الإخلاء النهائي قبل منتصف الليل.
ظل صوته ثابتاً، لكن إصبعه كان يرتجف فوق حافة الملف.
رمقه يوسف بحدة وقال:
إذن جئت لتطرد الرجل من مكانه، وجلست تشرب قهوته قبل أن تفعل؟
خفض نديم عينيه وأجاب:
جئت لأفعل ما طُلب مني، لكنني أمضيت ساعة كاملة عاجزاً عن إخراج الورق من الحقيبة.
ثم أضاف أن والده كان يصطحبه إلى المقهى في طفولته كل يوم جمعة.
هنا تعلم لعب الشطرنج، وهنا سمع والده يضحك للمرة الأخيرة قبل أن يبتلعه المرض.
قال نديم:
حين دخلت الليلة، عرفت الرائحة نفسها.
شعرت أنني لا أسلم إخطاراً لمحل، بل أمحو الغرفة الوحيدة التي ما زال أبي جالساً فيها.
سحبت مريم دفترها إلى صدرها، وقالت إن والدتها كانت تعمل نادلة في المقهى قبل ولادتها.
ماتت قبل عام، وتركت لها رسوماً قديمة للمكان، ولهذا جاءت لترسمه قبل هدمه.
أما يوسف، فقد أشار إلى صندوقه الكرتوني قائلاً إنه طُرد صباحاً من دار النشر التي عمل فيها سبعة أعوام.
لم يكن يحمل مقتنياته الوظيفية فقط، بل نسخة رواية رفضها جميع الناشرين، ورسالة إنهاء خدمته.
قال بمرارة:
دخلت لأن المطر كان شديداً.
وربما لأنني لم أكن أريد العودة إلى شقة لا ينتظرني فيها أحد.
وضعت الدكتورة ليلى كفها فوق عصاها، واعترفت بأنها جاءت لأنها عالجت زوجة الحاج سليم في أيامها الأخيرة.
كانت تعرف أن المقهى سيغلق، وأنها ظلت تؤجل زيارته منذ وفاة المرأة.
قالت وهي تنظر إلى صاحب المكان:
زوجتك طلبت مني قبل رحيلها أن أخبرك بشيء، لكنني خفت أن أزيد حزنك.
قالت إن المقهى لم يكن مشروعك، بل طريقتك في إنقاذ الناس دون أن تسألهم عمّا يغرقهم.
لم يتكلم الحاج سليم.
راح ضوء الشموع يحرك ظلال التجاعيد فوق وجهه، حتى بدا كأنه يقف بين أعوام كثيرة في اللحظة نفسها.
ما خبأه المفتاح النحاسي
كان المفتاح الذي حمله آدم صغيراً، ذا أسنان غير منتظمة، ومربوطاً بخيط أخضر باهت.
تأمله الحاج سليم طويلاً، ثم نهض واتجه إلى خزانة خشبية قديمة خلف رفوف الشاي.
أزاح علباً معدنية ودفاتر حساب صفراء، فظهر باب ضيق مدمج في الجدار.
أدخل المفتاح، لكنه توقف قبل أن يديره.
قال:
هذا المخزن كان لفؤاد.
أغلقت بابه بعد اختفائه، ولم أفتحه منذ ذلك الوقت.
ضاع المفتاح، أو ظننت أنه ضاع.
أدار المفتاح، فصدر من القفل صوت خشن، وانفتح الباب دافعاً سحابة من الغبار.
رفعت مريم شمعتها، فظهرت غرفة ضيقة تحوي صندوقاً حديدياً، وكرسياً مكسوراً، وآلة تسجيل قديمة مغطاة بقماش.
وجدوا فوق الصندوق ورقة كتبت عليها جملة واحدة شغّل الشريط قبل أن تحكم عليّ.
أدخل يوسف الشريط في آلة التسجيل، وبعد محاولتين خرج من السماعة طنين طويل، ثم صوت رجل متعب، لكنه واضح.
اعتراف يعود بعد اثنين وثلاثين عاماً
قال الصوت:
يا سليم، أعرف أنك ستكرهني، وربما يحق لك ذلك.
لكن المال الذي أخذته لم أسرقه.
تجمد الحاج سليم في مكانه، بينما تشبث آدم بحافة الطاولة.
أوضح فؤاد في التسجيل أن والدهم كان غارقاً في ديون سرية تهدد ببيع المقهى وسجن سليم بسبب أوراق وُقعت باسمه دون علمه.
أخذ فؤاد المال ليدفع جزءاً من الدين، ثم غادر بحثاً عن عمل في البحر ليسدد الباقي.
لكن السفينة التي التحق بها احتُجزت في بلد بعيد إثر نزاع مسلح.
ضاعت أوراقه، وأمضى سنوات يتنقل بين الموانئ والسجون المؤقتة، ثم عاد مريضاً لا يملك الشجاعة لمواجهة أخيه.
تابع الصوت، وقد خنقته خشخشة الشريط:
كنت أمر من الشارع ليلاً وأراك تغلق المقهى.
رأيتك تضع فنجاني، وكنت أجبن من الدخول.
تزوجت، ورُزقت هناء، ثم أقسمت أن أعيد لك ما أخذته مع أرباحه.
انقطع الصوت لحظة، ثم عاد أضعف:
الصندوق الحديدي يحوي العقود والإيصالات وحساباً ادخرت فيه ما استطعت.
لم أعد أطلب الغفران، بل أطلب ألا تكره ابنتي بسببي.
وحين تقرر إغلاق المقهى، افتح الصندوق؛ ربما يمنحك ما لم أستطع منحه بنفسي خياراً آخر.
انتهى التسجيل بصوت تنفس ثقيل، ثم جملة هامسة:
كنت أراك كل ليلة يا أخي، ولم أتوقف يوماً عن العودة، حتى وأنا أقف خارج الباب.
ضغط الحاج سليم زر الإيقاف، لكن أصابعه ظلت فوقه.
لم يبكِ بصوت، بل انحنى ظهره ببطء، كأن اثنين وثلاثين عاماً هبطت دفعة واحدة على كتفيه.
اقترب آدم منه بتردد، فرفع الحاج سليم يده ولمس وجهه، متتبعاً ملامح أخيه في وجه الحفيد.
قال:
مات فؤاد؟
أومأ آدم.
قبل خمس سنوات.
كان يردد اسمك حين تشتد عليه الحمى.
أغلق الحاج سليم عينيه، ثم جذب الصبي إلى صدره.
ظل آدم متيبساً للحظة، قبل أن يلف ذراعيه حول الرجل العجوز، بينما تراجع الآخرون بصمت احتراماً للقاء تأخر أكثر مما ينبغي.
خطة وُلدت قبل منتصف الليل
فتح نديم الصندوق الحديدي بمساعدة يوسف.
كان يحوي إيصالات قديمة، وسندات ملكية، ودفتر توفير، ورسائل لم تُرسل، إضافة إلى مبلغ لم يكن كافياً لشراء المبنى، لكنه أكبر بكثير مما توقعه الجميع.
تصفح نديم الأوراق بسرعة، وتحول تردده إلى تركيز مهني حاد.
قارن بين سند قديم ونسخة العقد داخل حقيبته، ثم رفع رأسه وقد تبدلت ملامحه.
قال:
الشركة اشترت الطوابق العليا والساحة الخلفية، لكن ملكية واجهة المقهى والمخزن ليست مسجلة ضمن الصفقة بصورة صحيحة.
هذا السند يمنحنا حق الاعتراض ووقف الإخلاء مؤقتاً.
سأل الحاج سليم:
وكم يدوم المؤقت؟
أسابيع، وربما شهوراً.
لكنه لا يحل مشكلة الديون ولا تكلفة الترميم.
فتحت مريم دفترها، وانتزعت منه مجموعة رسومات للمقهى الواجهة تحت المطر، الكراسي الخالية، الفنجان ذو الطائر الأزرق، والحاج سليم منحنياً فوق آلة القهوة.
قالت:
يمكننا تحويل المكان إلى مقهى ثقافي ومعرض صغير.
الناس يدفعون من أجل الأماكن التي تحمل حكاية، وهذا المكان لا ينقصه شيء سوى أن تُروى حكايته.
ضحك يوسف للمرة الأولى بصدق، وأخرج مخطوط روايته من الصندوق الكرتوني.
وأنا أعرف عشرات الكتّاب الذين يبحثون عن مكان للقراءات والندوات.
قد لا تنشر دور النشر كتبنا، لكن يمكننا قراءتها هنا.
أضافت الدكتورة ليلى أنها ستتكفل بجزء من تكاليف الإصلاح الأولية.
وحين حاول الحاج سليم الاعتراض، ضربت عصاها على الأرض وقالت بحزم:
أمضيت أربعين عاماً أقبض المال مقابل علاج الأجساد.
اسمح لي مرة واحدة أن أدفع لإنقاذ مكان يعالج ما لا يظهر في الأشعة.
أما آدم، فأخرج هاتفاً قديماً وبدأ يصور المكان.
قال إنه يستطيع نشر قصة المقهى عبر منصات التواصل، وجمع شهادات الزبائن القدامى، وإطلاق حملة لدعم الترميم.
نظر الجميع إلى نديم، الذي ظل واقفاً أمام ملف الإخلاء.
الورقة التي كان يجب ألا تصل
كانت الساعة لا تزال متوقفة عند الحادية عشرة وسبع عشرة دقيقة، لكن هاتف يوسف أظهر أن منتصف الليل لم يتبقَّ عليه سوى ثلاث دقائق.
فتح نديم الملف، وسحب إخطار الإخلاء.
حدق في خانة الاستلام الفارغة، ثم مزق الورقة نصفين، وأعاد تمزيقها حتى تحولت إلى شرائط بيضاء صغيرة.
قال الحاج سليم بقلق:
ستفقد عملك.
ابتسم نديم ابتسامة متعبة.
ربما.
لكنني فقدت أشياء أهم وأنا أحاول ألا أخسر عملي.
ثم أخرج بطاقة شخصية ووضعها أمام الحاج سليم.
صباح الغد سأقدم اعتراضاً رسمياً بصفتي محاميك، لا ممثل الشركة.
لن يكون الطريق سهلاً، لكنهم لن يأخذوا المكان في صمت.
عند منتصف الليل تماماً، عاد التيار الكهربائي.
أضاءت المصابيح الصفراء دفعة واحدة، فبدت الوجوه أكثر وضوحاً، والشظايا فوق الأرض كحبات ثلج لامعة.
وفي اللحظة نفسها، تحرك عقرب الثواني في الساعة القديمة بعد توقف دام شهوراً.
تك، تك، تك.
رفع الجميع رؤوسهم نحوها، بينما تجاوز العقرب الدقيقة السابعة عشرة، ومضى كأن شيئاً كان ينتظر أن يُقال قبل أن يسمح للزمن بالاستمرار.
الفنجان السادس يجد صاحبه
مع اقتراب الفجر، كان المطر قد خف، وتحول ضجيجه إلى همس ناعم فوق المظلات.
أعاد يوسف ترتيب الكراسي، وجمعت مريم شظايا الإطار، بينما كتبت الدكتورة ليلى قائمة بالأعمال الضرورية لإصلاح المكان.
وقف نديم عند النافذة يجري أول اتصال من سلسلة اتصالات ستبدأ بها المعركة القانونية.
أما آدم، فعلق صورة فؤاد وسليم بعد أن ثبتها مؤقتاً داخل إطار جديد صنعه من الورق المقوى.
دخل الحاج سليم إلى المطبخ، وأشعل آلة القهوة من جديد.
طحن الحبوب بيد ثابتة، فانتشرت الرائحة في المكان، دافئة وكثيفة، حتى بدا أن الجدران نفسها تستيقظ من نوم ثقيل.
عاد حاملاً الفنجان الأبيض ذا الطائر الأزرق، ووضعه أمام آدم.
قال الصبي:
لكنه كان لجدي.
أجابه الحاج سليم:
ظل ينتظر رجلاً لم يستطع الدخول.
لا أريده أن يبقى خالياً بعد الآن.
ملأ الفنجان بالحليب والقليل من القهوة، ثم جلس إلى جوار حفيد أخيه.
لم يتبادلا كلاماً كثيراً؛ بعض القرابات لا تبدأ بالأسئلة، بل بصمت يجد فيه شخصان المسافة الآمنة للاعتراف بأنهما افتقدا بعضهما قبل أن يلتقيا.
فتحت مريم باب المقهى، فاندفع هواء الفجر بارداً يحمل رائحة الشوارع المغسولة.
قلبت ورقة الإغلاق المعلقة على الزجاج، وكتبت على ظهرها بالفحم:
مغلق مؤقتاً للترميم، وسنعود بحكايات جديدة.
وقف الحاج سليم أمام العبارة، وأطال النظر إليها.
ثم أخذ القلم من يدها، وأضاف تحتها:
الجميع مرحب بهم، ولا أحد مطالب بأن يأتي وحده.
العنصر الأخير صباح لم يكن في الحسبان
قبل أن يغادروا، سُمع طرق خفيف على الباب المفتوح.
ظهرت امرأة مسنة تحمل مظلة خضراء وسلة خبز، وخلفها رجل يقود دراجة، ثم شابان كانا قد شاهدا مقطع آدم القصير الذي نشره قبل ساعة.
قالت المرأة وهي تدخل:
سمعت أن المقهى يغلق، فجئت أدفع حساباً قديماً.
وضعت فوق المنضدة ظرفاً صغيراً، ثم روت أن الحاج سليم أطعم أبناءها مجاناً طوال شتاء بعيد حين فقد زوجها عمله.
بعد دقائق، وصل رجل آخر يحمل علبة طلاء، ثم نجار عرض إصلاح الكراسي، ثم مصور قال إن لديه مئات الصور القديمة للمكان.
راح الناس يتوافدون مع شروق الشمس، لا بأموال كثيرة، بل بما يستطيعون تقديمه ساعات عمل، أدوات، كتب، صور، وصفات، وذكريات ظنوا أنها تخصهم وحدهم.
وقف الحاج سليم وسط المقهى، يراقب الغرباء وهم يصيرون فريقاً، والذكريات وهي تتحول من أحمال ثقيلة إلى مواد بناء.
لم يعد المكان ملكاً لرجل واحد، بل صار مرآة لمدينة كاملة عثرت على جزء من نفسها بين طاولاته.
اقترب نديم منه وسأله:
هل ما زلت تريد إغلاقه؟
نظر الحاج سليم إلى آدم وهو يغسل الفنجان السادس بعناية، وإلى مريم وهي ترسم اللافتة الجديدة، ويوسف وهو يقرأ بصوت مرتفع أول صفحة من روايته أمام الوافدين.
ابتسم، ثم نزع ورقة الإغلاق عن الباب ومزقها بهدوء.
قال:
كنت أظن أنني أغلق المقهى لأن الحكاية انتهت.
يبدو أنني لم أكن سوى متعب من كتابتها وحدي.
وفي الخارج، ظهرت الشمس بين الغيوم، فسقط ضوؤها على كلمة النورس، وأعادت إلى الحروف النحاسية لمعاناً غاب عنها أعواماً.
ليست الأماكن حجارة صامتة كما تبدو، بل أوعية تمتلئ بما نتركه فيها من أصوات وضحكات وانتظارات.
وحين تتشقق جدرانها، قد لا يكون ذلك إعلاناً عن نهايتها، بل نداءً خافتاً إلى الذين احتموا بها يوماً كي يردوا لها شيئاً من الدفء.
وفي تلك الليلة، لم ينقذ الغرباء المقهى وحده؛ أنقذ كل واحد منهم الجزء الذي كان يوشك أن يغلق داخله.
فقد اكتشفوا أن الإنسان قد يدخل مكاناً هرباً من المطر، ثم يخرج منه وقد وجد سقفاً لروحه، ووجوهاً تساعده على حمل ما ظنه طويلاً عبئاً لا يُحمل إلا وحيداً, مدينة تحت الرمال حين استيقظ الزمن المدفون في قلب الصحراء من هنا.
