الليلة التي هرب منها النعاس، كانت غابة الندى الدافئ تنعم عادة بليال هادئة، فحين تغرب الشمس خلف التلال تفوح رائحة الياسمين بين الممرات، ويهبط السكون على الأشجار كغطاء ناعم يحتضن سكان الغابة، غير أن تلك الليلة جاءت مختلفة تماما، إذ اجتاحت السماء سحب رمادية كثيفة حجبت ضوء القمر، وهبت ريح غريبة تحمل همسات متقطعة أشبه بأصوات بعيدة تنادي من قلب بئر عميقة.
جلس الأرنب الصغير ريان أمام جحره وقد انتصبت أذناه الطويلتان، وقلبه يقفز في صدره كلما اصطدم غصن بجذع شجرة، سأل أمه بصوت مرتجف عن سبب غياب النعاس، وأخبرها أنه يشعر وكأن الليل ينتظر شيئا مخيفا، فلفت الأم جسده بذيلها الأبيض وطمأنته بأن الظلال لا تؤذي أحدا، وأنها ليست سوى أشجار ترتدي ثياب الليل، حاول ريان أن يغمض عينيه، لكن صفير الريح كان يتسلل إلى الجحر في كل مرة، فيفتحهما سريعا ويحدق في المدخل متوقعا ظهور مخلوق مجهول.
وعلى الضفة الأخرى من النهر، كان الدب باسم يدور داخل كهفه الواسع، يضع رأسه فوق وسادة من الطحالب ثم يرفعه، ويستلقي على ظهره ثم ينقلب على جانبه حتى تناثرت أوراق سريره حوله، وهو يتذمر من أن الريح تعزف أسوأ موسيقى سمعها في حياته، ومن أعلى شجرة بلوط عتيقة، أطلقت البومة الحكيمة لمى نداء منخفضا، فاجتمعت الحيوانات تحت أغصانها وقد بدت في عيونها دوائر التعب والقلق، نظرت لمى إلى السماء وقالت إن الخوف وحده ليس ما أبعد النوم عنهم، فهناك أمر غريب يحدث بين النجوم.
نجمة لا تنطفئ
رفعت الحيوانات رؤوسها فرأت السحب تتدحرج في السماء كجبال سوداء، وبين شقوقها ظهرت نجمة صغيرة بلون الماء حين يلمسه ضوء الفجر، تومض ثلاث مرات ثم تسكن، وبعد لحظات تعود إلى الوميض من جديد كأنها تحاول إرسال رسالة لا يفهمها أحد، قالت السنجابة لوزة وهي تضم كفيها إلى صدرها إن النجمة ربما تكون خائفة مثلهم، فرد الثعلب وردان بأن النجوم لا تخاف لأنها بعيدة عن كل شيء، لكن لمى ظلت تحدق في الضوء الأزرق وهمست بأن النجوم ترى ما لا يراه غيرها، وربما كانت تلك النجمة تناديهم.
وفجأة انساب من السماء صوت رقيق، لم يكن صفيرا ولا تغريدا، بل نغمة واحدة طويلة ارتعشت لها قطرات الندى فوق الأعشاب، توقفت الريح للحظة وسكنت الأغصان، ورفعت الحيوانات آذانها، لكن النغمة اختفت سريعا كأن يدا خفية أغلقت بابا بينها وبين الغابة.
السر المدفون بين السحب
في أعالي السماء كانت النجمة الصغيرة تدعى نغم، وهي أصغر نجوم كوكبة السنبلة الفضية، لكنها امتلكت موهبة لم تعرفها أي نجمة أخرى، فحين كانت تمرر خيوط ضوئها فوق بعضها كانت تصنع موسيقى هادئة تتهادى بين الكواكب، وتوقظ الزهور النائمة، وتهدئ البحار حين تثور أمواجها تحت العواصف، غير أن نغم لم تكن تعزف أمام أحد، فقد أخبرتها النجوم الكبيرة أن صوتها ضعيف وأن موسيقاها لن تبلغ الأرض أبدا، وحذرها النجم الأحمر ذات ليلة من أن تحتفظ بألحانها لنفسها لأن رياح الفضاء ستبددها قبل أن يسمعها أحد.
منذ ذلك الحين كانت نغم تخفي موسيقاها داخل قلبها، حتى تراكمت الألحان فيه كأسراب فراشات تبحث عن نافذة مفتوحة، وحين رأت حيوانات الغابة ترتجف ولا تنام، شعرت أن الضوء في داخلها يضيق، وأن عليها أن تعزف مهما كلفها الأمر، مدت خيطا من نورها نحو خيط آخر فانطلقت نغمة دافئة، لكنها لم تصل إلى الغابة، إذ اعترضتها سحابة سوداء ضخمة كانت تتحرك حولها كوحش بلا وجه، وانبعث من قلبها صوت أجش يأمرها بالتوقف عن العزف لأن الليل خلق للصمت والخوف.
ارتجفت نغم وانكمش ضوؤها حتى بدا كشمعة صغيرة في مهب الريح، لكنها لم تسحب خيوطها، وردت بصوت خافت بأن الليل خلق أيضا للأحلام، ولن تأتي الأحلام إلى من يرتجف خوفا، ضحكت السحابة ضحكة انفجرت منها رعدة هزت السماء، ثم أرسلت ذيولا من الضباب التفت حول النجمة وحاولت خنق ضوئها.
حين صعد صوت الغابة إلى السماء
تحت شجرة البلوط شعرت البومة لمى بأن الضوء الأزرق يبهت، فأدركت أن النجمة الصغيرة تواجه خطرا لا تستطيع الحيوانات رؤيته، وأخبرتها أن النغمة التي سمعوها لم تكن مصادفة، بل كانت محاولة للوصول إليهم، تساءل الدب باسم كيف يمكنهم مساعدة نجمة معلقة فوق السحب وهو لا يستطيع تسلق السماء، فأجابته لمى بأنهم وإن عجزوا عن الصعود إليها، فإن أصواتهم تستطيع بلوغها.
طلبت البومة من الحيوانات أن تجلس في دائرة وتتنفس ببطء، ثم تصدر كل واحدة منها الصوت الأكثر هدوءا في قلبها، بدأ النهر يهمس وهو ينساب بين الحجارة، وصفقت أوراق الصفصاف بخفة، وأطلقت العصافير زقزقة ناعمة، بينما ضرب نقار الخشب جذعا أجوف بنقرات منتظمة تشبه دقات قلب مطمئن، أغمض ريان عينيه وراح يحرك قدمه فوق العشب فصدر احتكاك خافت كصوت خطوات تسير على بساط من حرير، أما باسم فتنفس بعمق ثم أطلق همهمة منخفضة دافئة وعريضة جعلت الأرض تحت أقدام الحيوانات ترتج قليلا.
ارتفعت أصوات الغابة متشابكة وصعدت بين الأغصان، ثم اخترقت السحب كخيط أخضر مضيء حتى وصلت إلى النجمة نغم، سمعت النجمة همهمة الدب ونقرات الخشب وحفيف الأوراق، فشعرت أن قلبها لم يعد وحيدا، وأن موسيقاها لم تعد نغمة صغيرة تائهة في الفضاء، ازداد ضوؤها فجأة وتراجعت خيوط الضباب عنها، بينما صرخت السحابة الغاضبة بأن لحنها لن يصل إلى الأرض وأنها ستبتلع كل نغمة تصنعها، ردت نغم، وقد صار صوتها أكثر ثباتا، بأن السحابة قد تبتلع صوتا واحدا، لكنها لن تبتلع غابة كاملة.
اللحن الذي أيقظ الدفء
أغمضت نغم عينيها وجمعت في قلبها كل ما سمعته من أصوات الغابة، همس النهر ونقر الخشب وخطوات الأرنب وهمهمة الدب وأنفاس الأشجار القديمة، ثم مررت أشعتها بعضها فوق بعض كما تمر القوس فوق أوتار آلة خفية، فانطلق لحن لم تسمعه السماء من قبل، بدأ اللحن رقيقا مثل قطرة ماء تسقط في بحيرة ساكنة، ثم اتسع في دوائر مضيئة واندفع نحو السحابة السوداء، حاولت السحابة أن تبتلعه، لكنها ما إن لامسته حتى تسللت النغمات إلى أعماقها، وبدأ سوادها يتفتت إلى خيوط رمادية شفافة.
كانت الموسيقى تحمل دفء الأعشاش ورائحة الخبز وملمس الفراء الناعم وصوت الأم حين تهمس لصغيرها قبل النوم، تثاءبت السحابة رغما عنها وانخفض صوت رعدها إلى دمدمة كسولة، وتساءلت في ثقل عن سبب هذا الشعور الغريب الذي أثقل جفونها، فابتسمت نغم وأخبرتها أن هذا هو السلام الذي كانت تحاول إخفاءه طويلا، تثاءبت السحابة مرة أخرى واتسعت حتى تحولت إلى غطاء قطني أبيض، ثم انزلقت بهدوء نحو أطراف السماء ونامت فوق قمة جبل بعيد.
انفتح الطريق أمام اللحن، وهبطت النغمات نحو الغابة في خيوط فضية تلامس الأغصان والجحور والأعشاش، وتترك خلفها حرارة لطيفة تشبه قبلة على الجبين.
تثاؤب انتقل من مخلوق إلى آخر
كانت السنجابة لوزة أول من تثاءب، ففتحت فمها الصغير ثم وضعت كفها عليه بخجل، لكن تثاؤبها قفز إلى العصفور المجاور، ومنه انتقل إلى القنفذ المختبئ تحت الأوراق، تثاءب القنفذ حتى ارتفعت أشواكه، ثم تمدد فوق فراش من الطحالب، ولم تمض لحظات حتى صار تنفسه منتظما كحركة موج صغير، بدأت العصافير تضم رؤوسها تحت أجنحتها، وسكنت الفراشات فوق الزهور، بينما عادت الغزلان إلى بقعتها الدافئة بين الأشجار.
حاول ريان أن يقاوم النوم لأنه أراد أن يبقى مستيقظا ليسمع اللحن حتى نهايته، فابتسمت أمه ومسحت بين أذنيه وأخبرته أنه حين ينام سيكمل اللحن طريقه داخل حلمه، تثاءب ريان ثم أغلق عينيه، فرأى في خياله سلما من الضوء يصعد إلى السماء، وفي أعلاه نجمة زرقاء تعزف فوق بحر من الغيوم، دخل باسم إلى كهفه وجمع أوراق سريره حول جسده، ثم تمتم قبل أن يغط في نوم عميق بأن هذه أفضل موسيقى سمعها في حياته.
أما البومة لمى فبقيت مستيقظة قليلا تنظر إلى نغم، وقد أدركت أن النجمة الصغيرة استطاعت أن تفعل ما عجزت عنه النجوم الكبيرة، فرفعت جناحها في تحية صامتة، فردت نغم بوميضتين زرقاوين، ثم تابعت العزف حتى أصبح اللحن ناعما كأنفاس طفل نائم.
آخر نغمة قبل الفجر
عم السكون الغابة، لكنه لم يكن سكون الخوف الذي حملته الريح في بداية الليل، بل كان سكونا دافئا ممتلئا بأصوات التنفس الهادئ وخرير الماء وحركة الأوراق حين تلامسها نسمة لطيفة، ومن خلف التلال بدأت السماء تشحب ببطء، وظهر أول خيط من ضوء الفجر، فشعرت نغم أن وقت عودتها إلى مكانها بين النجوم قد حان، توقفت عن العزف للحظة، فحرك ريان أذنه وهو نائم، وتنهدت الغزلان، واضطربت أجنحة العصافير كأن الغابة تخشى أن ينتهي الحلم.
لذلك عزفت نغم نغمة أخيرة قصيرة ومضيئة، وأرسلتها إلى قلب كل حيوان في الغابة، حتى يستطيع استدعاءها كلما اقترب منه الخوف، اختفى الضوء الأزرق مع اقتراب الصباح، لكن على ورقة صغيرة أمام جحر ريان بقيت قطرة ندى تتلألأ بلون النجمة، حين استيقظ ريان لمس القطرة بطرف إصبعه، فسمع لوهلة النغمة نفسها، وشعر بدفء يسري في صدره، فعرف أن النجمة لم ترحل تماما.
ومنذ ذلك اليوم، كلما ثقل الظلام فوق الأشجار أو عصفت الرياح حول الجحور، كانت الحيوانات تجتمع تحت شجرة البلوط لتعيد صنع أصواتها الهادئة، فيهمس النهر وتغرد العصافير ويطلق باسم همهمته العميقة، بينما يضرب ريان العشب بقدمه، فتنفتح في السماء نجمة زرقاء صغيرة، ويبدأ لحن النجوم من جديد.
هدية النجمة الصغيرة
مرت ليال كثيرة وكبر ريان قليلا، لكنه لم ينس تلك الليلة، وفي مساء صاف جلس أمام جحره يراقب السماء، فرأى نغم تومض ثلاث مرات كما فعلت أول مرة، همس لها بأنهم لم يعودوا يخافون من الليل، لأنهم تعلموا كيف يصنعون لحنهم بأنفسهم، وصل صوته إلى النجمة فازدادت إشراقا، وتساقط من نورها خيط رفيع حط فوق شجرة البلوط وتحول إلى زهرة زرقاء لا تتفتح إلا عند حلول المساء، وكلما فتحت الزهرة بتلاتها انبعث منها لحن خافت، فتتثاءب صغار الحيوانات وتتسلل إلى أعشاشها وجحورها، وتنام وهي تشعر أن السماء تحرسها.
أما السحابة السوداء فقد ظلت نائمة فوق الجبل البعيد، ولم تعد إلى تخويف الغابة، بل كانت أحيانا تستيقظ لتسمع نغم، ثم تنثر مطرا ناعما يغسل الأوراق قبل أن تعود إلى نومها، وهكذا لم يعد الليل بابا للخوف، بل صار مسرحا من الظلال الوديعة، تتدلى فوقه النجوم مثل مصابيح فضية، وتعزف فيه نغم موسيقاها لكل قلب يحتاج إلى الطمأنينة.
قد يبدو الصوت الصغير ضعيفا حين يقف وحيدا أمام عاصفة كبيرة، لكن ما يخرج من القلب يجد دائما طريقه إلى القلوب الأخرى، مهما كانت المسافات بعيدة أو السحب كثيفة، ولم تكن قوة نغم في شدة ضوئها، بل في شجاعتها حين أطلقت اللحن الذي أخفته طويلا، فالأشياء الجميلة لا تخلق لتبقى حبيسة الخوف، بل لتمنح من يسمعها دفئا وسلاما وحلما هادئا.
