لم تكن الغابة في تلك الليلة تعرف طريقاً إلى النوم؛ فقد ظل القمر معلقاً فوق رؤوس الأشجار كعين فضية لا تطرف، بينما اندست الريح بين الأغصان وأطلقت صفيراً بارداً جعل الأوراق ترتجف كأجنحة طيور مذعورة.
في الجحور الضيقة، تقلبت الأرانب فوق أسرّتها المصنوعة من العشب، وفي الأعشاش ضمت العصافير فراخها تحت ريشها، أما صغار الغزلان فظلوا يحدقون في الظلال الطويلة التي كانت تزحف ببطء فوق أرض الغابة.
ثم انطفأت نجمة في أقصى السماء، وتلتها أخرى، حتى لم يبق فوق الغابة سوى نجمة صغيرة زرقاء الضوء، كانت ترتجف وحدها بين السحب، كأنها تخفي في قلبها سراً لا تستطيع حمله أكثر.
الليلة التي هرب منها النعاس
كانت الغابة تُدعى غابة الندى الدافئ، ولم يعرف سكانها ليلة عجزوا فيها عن النوم؛ فحين كانت الشمس تغيب خلف التلال، كانت رائحة الياسمين تنتشر بين الممرات، ويهبط السكون على الأشجار مثل غطاء ناعم.
لكن تلك الليلة جاءت مختلفة؛ إذ اجتاحت السماء سحب رمادية كثيفة، وحجبت ضوء القمر، ثم هبت ريح غريبة تحمل معها همسات متقطعة، تشبه أصواتاً بعيدة تنادي من داخل بئر عميقة.
جلس الأرنب الصغير رَيّان أمام جحره، وقد انتصبت أذناه الطويلتان، بينما كان قلبه يقفز في صدره كلما اصطدم غصن بجذع شجرة.
قال لأمه بصوت مرتعش:
لماذا لا يأتي النعاس يا أمي؟ أشعر كأن الليل ينتظر شيئاً مخيفاً.
لفت الأم جسده بذيلها الأبيض وقالت:
أغمض عينيك يا صغيري، فالظلال لا تؤذي أحداً، إنها مجرد أشجار ترتدي ثياب الليل.
لكن ريان حاول أن يغمض عينيه، فإذا بصفير الريح يتسلل إلى الجحر، فيفتحهما سريعاً، ثم يحدق في المدخل كأنه يتوقع ظهور مخلوق مجهول بين لحظة وأخرى.
وعلى الضفة الأخرى من النهر، كان الدب باسم يدور داخل كهفه الواسع، يضع رأسه فوق وسادة من الطحالب ثم يرفعه، ويستلقي على ظهره ثم ينقلب على جانبه، حتى تناثرت أوراق سريره حوله.
زمجر باسم بضيق وقال:
لا أستطيع النوم، وهذه الريح تعزف أسوأ موسيقى سمعتها في حياتي!
ومن أعلى شجرة بلوط عتيقة، أطلقت البومة الحكيمة لُمى نداءً منخفضاً، فاجتمعت الحيوانات تحت أغصان الشجرة، وقد بدت في عيونها دوائر التعب والقلق.
قالت لمى وهي تنظر إلى السماء:
ليس الخوف وحده ما أبعد النوم عنا؛ هناك شيء غريب يحدث بين النجوم.
نجمة لا تنطفئ
رفعت الحيوانات رؤوسها، فرأت السحب تتدحرج في السماء كجبال سوداء، وبين شقوقها ظهرت نجمة صغيرة بلون الماء حين يلمسه ضوء الفجر.
كانت النجمة تومض ثلاث مرات ثم تسكن، وبعد لحظات تعود إلى الوميض من جديد، وكأنها تحاول إرسال رسالة لا يفهمها أحد.
قالت السنجابة لوزة وهي تضم كفيها إلى صدرها:
ربما تكون النجمة خائفة مثلنا.
أجاب الثعلب وردان وهو يضيق عينيه:
النجوم لا تخاف، إنها بعيدة عن كل شيء.
لكن البومة لمى ظلت تحدق في الضوء الأزرق، ثم همست:
النجوم ترى ما لا نراه، وربما كانت تلك النجمة تنادينا.
وفجأة، انساب من السماء صوت رقيق، لم يكن صفيراً ولا تغريداً، بل نغمة واحدة طويلة ارتعشت لها قطرات الندى فوق الأعشاب.
توقفت الريح لحظة، وسكنت الأغصان، ورفعت الحيوانات آذانها، إلا أن النغمة اختفت سريعاً، كأن يداً خفية أغلقت باباً بينها وبين الغابة.
السر المدفون بين السحب
في أعلى السماء، كانت النجمة الصغيرة تُدعى نَغَم، وكانت أصغر نجوم كوكبة السنبلة الفضية، لكنها امتلكت موهبة لم تعرفها أي نجمة أخرى.
فحين كانت تمرر خيوط ضوئها فوق بعضها، كانت تصنع موسيقى هادئة، تتهادى بين الكواكب، وتوقظ الزهور النائمة، وتهدئ البحار حين تثور أمواجها تحت العواصف.
غير أن نغم لم تكن تعزف أمام أحد؛ فقد أخبرتها النجوم الكبيرة أن صوتها ضعيف، وأن موسيقاها لن تبلغ الأرض أبداً.
قال لها النجم الأحمر ذات ليلة:
احتفظي بألحانك لنفسك، فالأرض بعيدة، ورياح الفضاء ستبدد النغمات قبل أن يسمعها أحد.
ومنذ ذلك الحين، كانت نغم تخفي موسيقاها داخل قلبها، حتى صارت الألحان تتراكم فيه مثل أسراب فراشات تبحث عن نافذة مفتوحة.
وحين رأت حيوانات الغابة ترتجف ولا تنام، شعرت أن الضوء في داخلها يضيق، وأن عليها أن تعزف، حتى لو ضاع صوتها بين السحب.
مدت خيطاً من نورها نحو خيط آخر، فانطلقت نغمة دافئة، لكنها لم تصل إلى الغابة؛ فقد اعترضتها سحابة سوداء ضخمة، كانت تتحرك حولها كوحش بلا وجه.
انبعث من قلب السحابة صوت أجش يقول:
توقفي عن العزف، فالليل خُلق للصمت والخوف.
ارتجفت نغم، وانكمش ضوؤها حتى بدا كشمعة صغيرة في مهب الريح، لكنها لم تسحب خيوطها.
قالت بصوت خافت:
الليل خُلق أيضاً للأحلام، ولن تأتي الأحلام إلى من يرتجف خوفاً.
ضحكت السحابة، فانفجرت من جوفها رعدة هزت السماء، ثم أرسلت ذيولاً من الضباب التفّت حول النجمة، وحاولت خنق ضوئها.
حين صعد صوت الغابة إلى السماء
تحت شجرة البلوط، شعرت البومة لمى بأن الضوء الأزرق يبهت، فأدركت أن النجمة الصغيرة تواجه خطراً لا تستطيع الحيوانات رؤيته.
قالت لمى:
علينا أن نساعدها، فالنغمة التي سمعناها لم تكن مصادفة، لقد كانت تحاول الوصول إلينا.
رفع الدب باسم حاجبيه وقال:
وكيف نساعد نجمة معلقة فوق السحب؟ لا أستطيع تسلق السماء!
أجابت لمى:
ربما لا نستطيع الصعود إليها، لكن أصواتنا تستطيع.
طلبت البومة من الحيوانات أن تجلس في دائرة، وأن تتنفس ببطء، ثم تصدر كل واحدة منها الصوت الأكثر هدوءاً في قلبها.
بدأ النهر يهمس وهو ينساب بين الحجارة، وصفقت أوراق الصفصاف بخفة، وأطلقت العصافير زقزقة ناعمة، بينما ضرب نقار الخشب جذعاً أجوف بنقرات منتظمة تشبه دقات قلب مطمئن.
أغمض ريان عينيه، وراح يحرك قدمه فوق العشب، فصدر احتكاك خافت كصوت خطوات تسير على بساط من حرير.
أما باسم، فتنفس بعمق، ثم أطلق همهمة منخفضة، دافئة وعريضة، جعلت الأرض تحت أقدام الحيوانات ترتج قليلاً.
ارتفعت أصوات الغابة متشابكة، وصعدت بين الأغصان، ثم اخترقت السحب كخيط أخضر مضيء، حتى وصلت إلى النجمة نغم.
سمعت النجمة همهمة الدب، ونقرات الخشب، وحفيف الأوراق، فشعرت أن قلبها لم يعد وحيداً، وأن موسيقاها لم تعد نغمة صغيرة تائهة في الفضاء.
ازداد ضوؤها فجأة، وتراجعت خيوط الضباب عنها، بينما صاحت السحابة الغاضبة:
لن يصل لحنك إلى الأرض، سأبتلع كل نغمة تصنعينها!
أجابت نغم، وقد صار صوتها أكثر ثباتاً:
يمكنك ابتلاع صوت واحد، لكنك لن تبتلع غابة كاملة.
اللحن الذي أيقظ الدفء
أغمضت نغم عينيها، وجمعت في قلبها كل ما سمعته من أصوات الغابة؛ همس النهر، ونقر الخشب، وخطوات الأرنب، وهمهمة الدب، وأنفاس الأشجار القديمة.
ثم مررت أشعتها بعضها فوق بعض، كما تمر القوس فوق أوتار آلة خفية، فانطلق لحن لم تسمعه السماء من قبل.
بدأ اللحن رقيقاً مثل قطرة ماء تسقط في بحيرة ساكنة، ثم اتسع في دوائر مضيئة، واندفع نحو السحابة السوداء.
حاولت السحابة أن تبتلعه، لكنها ما إن لامسته حتى تسللت النغمات إلى أعماقها، وبدأ سوادها يتفتت إلى خيوط رمادية شفافة.
كانت الموسيقى تحمل دفء الأعشاش، ورائحة الخبز، وملمس الفراء الناعم، وصوت الأم حين تهمس لصغيرها قبل النوم.
تثاءبت السحابة رغماً عنها، وانخفض صوت رعدها إلى دمدمة كسولة، ثم قالت وهي تتثاقل:
ما هذا الشعور الغريب؟ لماذا أصبحت جفوني ثقيلة؟
ابتسمت نغم وقالت:
هذا هو السلام الذي كنت تحاول إخفاءه.
تثاءبت السحابة مرة أخرى، واتسعت حتى تحولت إلى غطاء قطني أبيض، ثم انزلقت بهدوء نحو أطراف السماء ونامت فوق قمة جبل بعيد.
انفتح الطريق أمام اللحن، وهبطت النغمات نحو الغابة في خيوط فضية، تلامس الأغصان والجحور والأعشاش، وتترك خلفها حرارة لطيفة تشبه قبلة على الجبين.
تثاؤب انتقل من مخلوق إلى آخر
كانت السنجابة لوزة أول من تثاءب؛ فتحت فمها الصغير، ثم وضعت كفها عليه بخجل، لكن تثاؤبها قفز إلى العصفور المجاور، ومنه انتقل إلى القنفذ المختبئ تحت الأوراق.
تثاءب القنفذ حتى ارتفعت أشواكه، ثم تمدد فوق فراش من الطحالب، ولم تمض لحظات حتى صار تنفسه منتظماً كحركة موج صغير.
بدأت العصافير تضم رؤوسها تحت أجنحتها، وسكنت الفراشات فوق الزهور، بينما عادت الغزلان إلى بقعتها الدافئة بين الأشجار.
قال ريان وهو يحاول مقاومة النوم:
أريد أن أبقى مستيقظاً لأسمع اللحن حتى نهايته.
ابتسمت أمه ومسحت بين أذنيه وقالت:
حين تنام، سيكمل اللحن طريقه داخل حلمك.
تثاءب ريان، ثم أغلق عينيه، فرأى في خياله سلماً من الضوء يصعد إلى السماء، وفي أعلاه نجمة زرقاء تعزف فوق بحر من الغيوم.
دخل باسم إلى كهفه، وجمع أوراق سريره حول جسده، ثم تمتم قبل أن يغط في نوم عميق:
هذه أفضل موسيقى سمعتها في حياتي.
أما البومة لمى فبقيت مستيقظة قليلاً، تنظر إلى نغم، وقد أدركت أن النجمة الصغيرة استطاعت أن تفعل ما عجزت عنه النجوم الكبيرة.
رفعت جناحها في تحية صامتة، فردت نغم بوميضتين زرقاوين، ثم تابعت العزف، حتى أصبح اللحن ناعماً كأنفاس طفل نائم.
آخر نغمة قبل الفجر
عمّ السكون الغابة، لكنه لم يكن سكون الخوف الذي حملته الريح في بداية الليل؛ كان سكوناً دافئاً، ممتلئاً بأصوات التنفس الهادئ، وخرير الماء، وحركة الأوراق حين تلامسها نسمة لطيفة.
ومن خلف التلال، بدأت السماء تشحب ببطء، وظهر أول خيط من ضوء الفجر، فشعرت نغم أن وقت عودتها إلى مكانها بين النجوم قد حان.
توقفت عن العزف لحظة، فحرك ريان أذنه وهو نائم، وتنهدت الغزلان، واضطربت أجنحة العصافير، كأن الغابة تخشى أن ينتهي الحلم.
لذلك عزفت نغم نغمة أخيرة، قصيرة ومضيئة، ثم أرسلتها إلى قلب كل حيوان في الغابة، حتى يستطيع استدعاءها كلما اقترب منه الخوف.
اختفى الضوء الأزرق مع اقتراب الصباح، لكن على ورقة صغيرة أمام جحر ريان بقيت قطرة ندى تتلألأ بلون النجمة.
حين استيقظ، لمس القطرة بطرف إصبعه، فسمع لوهلة النغمة نفسها، وشعر بدفء يسري في صدره، فعرف أن النجمة لم ترحل تماماً.
ومنذ ذلك اليوم، عندما كان الظلام يثقل فوق الأشجار أو تعصف الرياح حول الجحور، كانت الحيوانات تجتمع تحت شجرة البلوط، وتعيد صنع أصواتها الهادئة.
كان النهر يهمس، والعصافير تغرد، وباسم يطلق همهمته العميقة، بينما يضرب ريان العشب بقدمه، فتنفتح في السماء نجمة زرقاء صغيرة، ويبدأ لحن النجوم من جديد.
هدية النجمة الصغيرة
مرت ليالٍ كثيرة، وكبر ريان قليلاً، لكنه لم ينس تلك الليلة؛ وفي مساء صافٍ، جلس أمام جحره يراقب السماء، فرأى نغم تومض ثلاث مرات كما فعلت أول مرة.
همس لها:
لم نعد نخاف من الليل، لأننا تعلمنا كيف نصنع لحننا بأنفسنا.
وصل صوته إلى النجمة، فازدادت إشراقاً، وتساقط من نورها خيط رفيع حط فوق شجرة البلوط، وتحول إلى زهرة زرقاء لا تتفتح إلا عند حلول المساء.
كلما فتحت الزهرة بتلاتها، انبعث منها لحن خافت، فتتثاءب صغار الحيوانات، وتتسلل إلى أعشاشها وجحورها، وتنام وهي تشعر أن السماء تحرسها.
أما السحابة السوداء، فقد ظلت تنام فوق الجبل البعيد، ولم تعد إلى تخويف الغابة؛ بل كانت أحياناً تستيقظ لتسمع نغم، ثم تنثر مطراً ناعماً يغسل الأوراق قبل أن تعود إلى نومها.
وهكذا لم يعد الليل باباً للخوف، بل صار مسرحاً من الظلال الوديعة، تتدلى فوقه النجوم مثل مصابيح فضية، وتعزف فيه نغم موسيقاها لكل قلب يحتاج إلى الطمأنينة.
قد يبدو الصوت الصغير ضعيفاً حين يقف وحيداً أمام عاصفة كبيرة، لكن ما يخرج من القلب يجد دائماً طريقه إلى القلوب الأخرى، مهما كانت المسافات بعيدة أو السحب كثيفة.
ولم تكن قوة نغم في شدة ضوئها، بل في شجاعتها حين أطلقت اللحن الذي أخفته طويلاً؛ فالأشياء الجميلة لا تُخلق لكي تبقى حبيسة الخوف، وإنما لتمنح من يسمعها دفئاً وسلاماً وحلماً هادئاً، حكاية لعنة القمر الأحمر قصة اللص الذي سرق التعويذة من قلب المملكة المتحجرة من هنا.
