حكاية الفيل الذي نسي حجمه واكتشاف القوه الحقيقة

الراوي
0

في أعماق غابةٍ تتشابك فيها الأغصان حتى تحجب ضوء الشمس، كان هناك مخلوق ضخم يمشي بخطواتٍ خجولة، كأن الأرض تخجل أن تسمع وقع قدميه.

لم يكن يخشى الأسود، ولا الفهود، ولا العواصف التي تقتلع الأشجار، بل كان يخاف شيئاً أصغر من كل ذلك، أن يكتشف الآخرون أنه ليس فأراً كما يظن.

كانت عيناه الكبيرتان تمتلئان بالقلق كلما مر بجوار الحيوانات، فيخفض رأسه ويحاول أن يجعل جسده العملاق يختفي بين الأعشاب اليابسة، وكأن الجبال تستطيع أن تتنكر في هيئة حصاة.

قصة اطفال الفيل الذي نسي حجمه قصة مؤثرة عن تقبل الذات واكتشاف القوة الحقيقية

عندما ضاعت الحقيقة بين الكلمات

ولد الفيل الصغير في ليلةٍ عاصفة، وبينما كانت أمه تبحث عن الطعام، وجدته مجموعة من الفئران قبل أن تعثر عليه.

لم يعرف أحد كيف حدث ذلك، لكن الفئران الصغيرة راحت تضحك وهي تقول إن هذا المخلوق الغريب ليس سوى فأرٍ أصابه انتفاخٌ عجيب.

كبر وهو يسمع العبارة نفسها كل يوم، حتى أصبحت جزءاً من صوته الداخلي.

لم يعد يسأل لماذا تختلف أذناه، ولا لماذا يرتجف الجحر كلما تحرك داخله، فقد أقنع نفسه أن المشكلة ليست فيه، بل في العالم الذي لم يصنع جحوراً كبيرة بما يكفي.

جحر لا يتسع لحلم

في كل مساء، كان يحاول الانزلاق داخل جحر صغير بين الصخور.

يدفع رأسه أولاً، ثم كتفيه، ثم يتوقف وقد علقت أذناه، بينما يبقى نصف جسده خارجاً تحت ضوء القمر.

كانت الفئران تضحك، وتقول له لو حاولت أكثر لنجحت.

فيعود ليحاول مرةً أخرى، حتى تتساقط الحجارة حوله ويتناثر التراب فوق ظهره، بينما يظن أن الفشل سببه قلة المحاولة، لا صِغَر المكان.

حياة بحجم الخوف

كان يقلد الفئران في كل شيء؛ يأكل كما تأكل، ويجري بالطريقة نفسها، ويحاول أن يتسلل بين الجذور الرفيعة، غير مدرك أن كل خطوة منه كانت تترك حفرة صغيرة في الأرض.

ومع مرور الأيام، صار يكره ظله لأنه أكبر من ظلال الجميع، ويغضب من صدى صوته لأنه أعلى من أصواتهم، حتى أصبح يمشي منحنياً كأن انحناء ظهره قادر على إخفاء الحقيقة.

لقاء السلحفاة الحكيمة

في صباحٍ هادئ، قابل سلحفاةً عجوزاً كانت تستريح بجوار النهر، فتأملته طويلاً قبل أن تبتسم.

قالت بصوتٍ دافئ:

لماذا تبدو متعباً إلى هذا الحد؟

تنهد قائلاً:

لأنني فأر لا يعرف كيف يعيش مثل الفئران.

لم تضحك السلحفاة، بل اقتربت منه ببطء حتى انعكس وجهه على صفحة الماء، وقالت:

وهل سألت الماء يوماً من تكون؟

نظر إلى صورته، لكنه أشاح بوجهه سريعاً، فقد اعتاد ألا يصدق ما يراه بعينيه، بل ما سمعه طوال حياته.

اليوم الذي تغيرت فيه الغابة

مع غروب شمس أحد الأيام، دوّى صوتٌ مرعب في أنحاء الغابة، وبدأت الأشجار تتمايل بعنف، بينما ارتفعت سحابة كثيفة من الغبار.

كان قطيع من الجاموس الهائج يندفع بسرعة، يقتلع الشجيرات ويكسر الأغصان، وكل الحيوانات الصغيرة أخذت تركض مذعورة بحثاً عن ملجأ.

اندفعت الفئران نحو جحورها، لكنها اكتشفت أن صخرة ضخمة سقطت أمام المدخل، فأغلقت الطريق تماماً، وتحولت الجحور إلى مصيدة لا مخرج منها.

القوة التي حاول الهرب منها

وقف الفيل الصغير بعيداً، يرتجف كما يرتجف الجميع.

قال في نفسه:

لو كنت فأراً حقيقياً لاستطعت الدخول وإنقاذهم.

لكن السلحفاة صاحت من بعيد:

انظر إلى نفسك، لا إلى خوفك!

رفع رأسه للمرة الأولى منذ سنوات.

نظر إلى الصخرة.

ثم إلى قدميه العريضتين.

ثم إلى خرطومه الطويل.

كانت الحقيقة تقف أمامه بوضوح لم يعرفه من قبل.

اقترب بخطوات ثابتة، وغرس قدميه في الأرض، ثم لف خرطومه حول الصخرة، وشدها بقوةٍ هائلة حتى ارتجفت التربة، وانزلقت الصخرة جانباً كأنها لعبة صغيرة.

خرجت الفئران مذهولة، وامتلأت عيونها بدهشة لم تستطع الكلمات تفسيرها.

وفي اللحظة نفسها، غيّر الفيل اتجاه القطيع الهائج بضربة قوية من خرطومه، فانحرفت الحيوانات بعيداً عن الجحور، وعادت الغابة تتنفس من جديد.

عندما عرف اسمه الحقيقي

ساد الصمت.

لم يعد أحد يراه فأراً.

ولم يعد هو يرى نفسه كذلك.

اقتربت السلحفاة وربتت على ساقه العملاقة وقالت:

لم تكن ضعيفاً يوماً، كنت فقط تنظر إلى نفسك بعيون الآخرين.

ابتسم لأول مرة دون أن يخفض رأسه.

رفع خرطومه نحو السماء، وأطلق صوتاً عميقاً تردد بين الجبال، فارتجفت الأوراق، وحلقت الطيور، وكأن الغابة كلها كانت تحتفل بولادة فيلٍ عرف أخيراً من يكون.

ومنذ ذلك اليوم، لم يحاول الفيل أن يدخل جحراً صغيراً مرة أخرى، بل صار يستخدم قوته لفتح الطرق بعد العواصف، وإنقاذ الحيوانات العالقة، وحمل الأشجار الصغيرة إلى الأماكن التي تحتاجها.

ولم يعد الأطفال في الغابة يروون حكاية الفأر الضخم، بل أصبحوا يحكون قصة الفيل الذي ظن نفسه صغيراً، حتى اكتشف أن العالم لم يكن يحتاج منه أن يصغر، بل أن يكون على حقيقته.

كثيراً ما نقضي أعمارنا نحاول أن نلائم أماكن لم تُخلق لنا، أو نقلد أشخاصاً لا يشبهوننا، لأن كلمات الآخرين أقنعتنا بأن حقيقتنا خطأ.

غير أن القوة الحقيقية لا تبدأ حين نصبح مثل الجميع، بل حين نتصالح مع ذواتنا، وندرك أن ما حسبناه عيباً قد يكون أعظم نعمة وهبها لنا القدر، قصة بائع الوقت الرجل الذي باع فراغه في زجاجات من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد