في غابة يتشابك فيها الشجر، في أعماق غابة كثيفة تتشابك أغصانها حتى تحجب ضوء الشمس، كان يعيش مخلوق ضخم يمشي بخطى خجولة، وكأن الأرض نفسها تخجل من سماع وقع أقدامه.
لم يكن هذا المخلوق يخاف الأسود ولا الفهود ولا حتى العواصف التي تقتلع جذوع الأشجار من مكانها، بل كان يخشى أمرا أصغر من ذلك بكثير، أن يكتشف من حوله أنه ليس فأرا صغيرا كما ظن طوال حياته.
كانت عيناه الواسعتان تمتلئان بالقلق كلما اقترب من الحيوانات الأخرى، فيحني رأسه ويحاول أن يخفي جسده الضخم بين الأعشاب اليابسة، وكأن جبلا بأكمله يمكن أن يتنكر في هيئة حصاة صغيرة.
عندما ضاعت الحقيقة بين الكلمات
ولد الفيل الصغير في ليلة عاصفة، وبينما كانت أمه تبحث عن الطعام في الظلام، عثرت عليه مجموعة من الفئران قبل أن تجده هي.
لم يعرف أحد كيف وقع ذلك بالضبط، لكن الفئران الصغيرة أخذت تضحك وهي تردد أن هذا المخلوق الغريب ما هو إلا فأر أصابه انتفاخ غريب لا يفسره أحد.
كبر الفيل الصغير وهو يسمع العبارة نفسها كل يوم، حتى تحولت مع الوقت إلى صوت داخلي يلازمه أينما ذهب.
لم يعد يسأل نفسه لماذا تختلف أذناه عن أذن أي فأر، ولا لماذا يرتجف الجحر كلما تحرك بداخله، فقد أقنع نفسه أن العيب ليس فيه، بل في عالم لم يصنع جحورا واسعة بما يكفي لاستيعابه.
جحر لا يتسع لحلم
في كل مساء كان يحاول أن ينزلق داخل جحر صغير بين الصخور.
يدفع رأسه أولا، ثم كتفيه، ثم يتوقف فجأة وقد علقت أذناه الكبيرتان، بينما يبقى نصف جسده خارج الجحر تحت ضوء القمر الساطع.
كانت الفئران تضحك منه وتقول له لو حاول أكثر لنجح في الدخول، فيعود ليكرر المحاولة مرة تلو الأخرى، حتى تتساقط الحجارة من حوله ويتناثر التراب فوق ظهره، وهو مقتنع أن سبب فشله قلة المحاولة لا صغر المكان عن حجمه الحقيقي.
حياة بحجم الخوف
كان يقلد الفئران في كل تفاصيل حياتها، يأكل كما تأكل، ويجري بالطريقة نفسها التي تجري بها، ويحاول أن يتسلل بين الجذور الرفيعة، غير مدرك أن كل خطوة يخطوها تترك أثرا واضحا وحفرة صغيرة في الأرض من خلفه.
ومع مرور الأيام، بدأ يكره ظله لأنه أكبر بكثير من ظلال الجميع، ويضيق بصدى صوته لأنه أعلى من أصواتهم، حتى صار يمشي منحني الظهر، وكأن انحناءته قادرة على إخفاء حقيقته عن أعين من حوله.
لقاء السلحفاة الحكيمة
في صباح هادئ، التقى بسلحفاة عجوز كانت تستريح بجوار النهر، فتأملته طويلا قبل أن تبتسم له ابتسامة دافئة.
سألته برفق: لماذا تبدو متعبا إلى هذا الحد؟
فتنهد وأجاب: لأنني فأر لا يعرف كيف يعيش مثل بقية الفئران.
لم تضحك السلحفاة من كلامه، بل اقتربت منه ببطء حتى انعكس وجهه على صفحة الماء الهادئة، وقالت له: وهل سألت الماء يوما من تكون حقا؟
نظر إلى انعكاس صورته على الماء، لكنه أشاح بوجهه سريعا بعيدا، فقد اعتاد ألا يصدق ما تراه عيناه، بل ما سمعته أذناه طوال سنوات عمره.
اليوم الذي تغيرت فيه الغابة
مع غروب شمس أحد الأيام، دوى صوت مرعب في أرجاء الغابة، وبدأت الأشجار تتمايل بعنف، بينما ارتفعت سحابة كثيفة من الغبار تملأ الأفق.
كان قطيع من الجاموس الهائج يندفع بسرعة رهيبة، يقتلع الشجيرات من جذورها ويكسر الأغصان في طريقه، وراحت كل الحيوانات الصغيرة تركض مذعورة بحثا عن أي ملجأ يحميها.
اندفعت الفئران نحو جحورها كعادتها، لكنها فوجئت بصخرة ضخمة سقطت أمام المدخل وسدت الطريق تماما، فتحولت الجحور التي كانت ملاذها الآمن إلى مصيدة لا مخرج منها.
القوة التي حاول الهرب منها
وقف الفيل الصغير بعيدا يرتجف مثل بقية الحيوانات المذعورة.
قال في نفسه بحسرة: لو كنت فأرا حقيقيا لاستطعت الدخول وإنقاذهم.
لكن السلحفاة صاحت من بعيد بصوت حازم: انظر إلى نفسك، لا إلى خوفك
رفع رأسه عاليا للمرة الأولى منذ سنوات طويلة.
نظر إلى الصخرة الضخمة أمامه.
ثم نظر إلى قدميه العريضتين القويتين.
ثم إلى خرطومه الطويل الممتد.
وفي تلك اللحظة، وقفت الحقيقة أمامه بوضوح لم يعرفه من قبل قط.
اقترب بخطوات ثابتة واثقة، وغرس قدميه في الأرض بقوة، ثم لف خرطومه حول الصخرة الضخمة، وشدها بقوة هائلة حتى ارتجفت التربة من حوله، وانزلقت الصخرة جانبا وكأنها مجرد لعبة صغيرة بين يديه.
خرجت الفئران من جحرها مذهولة، وامتلأت عيونها بدهشة عجزت الكلمات عن وصفها.
وفي اللحظة نفسها، غير الفيل اتجاه القطيع الهائج بضربة قوية من خرطومه، فانحرفت الحيوانات المسرعة بعيدا عن الجحور، وعادت الغابة تتنفس الأمان من جديد.
عندما عرف اسمه الحقيقي
ساد صمت عميق في المكان.
لم يعد أحد يراه فأرا صغيرا بعد الآن.
ولم يعد هو نفسه يرى نفسه كذلك.
اقتربت السلحفاة العجوز وربتت برفق على ساقه العملاقة، وقالت له بحنان: لم تكن ضعيفا يوما، كنت فقط تنظر إلى نفسك بعيون الآخرين لا بعينيك.
ابتسم الفيل لأول مرة دون أن يخفض رأسه خجلا.
رفع خرطومه نحو السماء، وأطلق صوتا عميقا تردد صداه بين الجبال، فارتجفت الأوراق على الأغصان، وحلقت الطيور في السماء، وكأن الغابة كلها تحتفل بولادة فيل عرف أخيرا حقيقة نفسه.
ومنذ ذلك اليوم، لم يحاول الفيل أبدا أن يدخل جحرا صغيرا مرة أخرى، بل صار يستخدم قوته الحقيقية في فتح الطرق المسدودة بعد العواصف، وإنقاذ الحيوانات العالقة، وحمل الأشجار الصغيرة إلى الأماكن التي تحتاج إليها.
ولم يعد أطفال الغابة يروون حكاية الفأر الضخم الغريب، بل أصبحوا يتناقلون قصة الفيل الذي ظن نفسه صغيرا، حتى اكتشف في النهاية أن العالم لم يكن يطلب منه أن يصغر نفسه، بل أن يكون على حقيقته التي ولد بها.
كثيرا ما نقضي أعمارنا نحاول أن نلائم أماكن لم تخلق أصلا لنا، أو نقلد أشخاصا لا يشبهوننا في شيء، لأن كلمات الآخرين أقنعتنا يوما أن حقيقتنا خطأ يجب إخفاؤه.
غير أن القوة الحقيقية لا تبدأ حين نصبح نسخة من الجميع، بل حين نتصالح مع ذواتنا كما هي، وندرك أن ما ظننا يوما أنه عيب قد يكون في الحقيقة أعظم نعمة وهبها لنا القدر.
