البحيرة التي تنام تحت الثلج، لم تكن البحيرة في تلك البلدة الجبلية مجرد ماء تحيط به الأشجار، بل كانت ذاكرة زرقاء تنام عميقا تحت الثلج في الشتاء، ثم تستيقظ مع الربيع كعين فتحتها الأرض بعد حلم طويل، وكانت أروى تعرف سر هذا الشعور أكثر من أي شخص آخر.
فحين كان صدرها يضيق، لم تكن تلجأ إلى الناس ولا تبحث عمن تشكو إليه، بل تجلس أمام أوراقها وتكتب رسائل تعرف أنها لن تصل إلى أصحابها، ثم تطوي كل رسالة بعناية وتحملها إلى البحيرة، حيث تلقي بها في الماء كما يلقي المرء سره في صدر أمين.
البلدة التي يمحو الشتاء أسماءها
كانت البلدة معلقة بين كتفي جبلين، ببيوتها المبنية من الحجر الرمادي وسقوفها ذات القرميد الأحمر، فإذا حل الشتاء وأغرق الثلج الأزقة والبيوت في البياض، بدت البلدة كلها كرسالة قديمة محت الأيام سطورها ولم يبق منها سوى أثر بعيد.
وفي كل عام، كانت البحيرة تختفي تماما تحت طبقات الثلج، فلا يظهر منها سوى انخفاض دائري صامت بين الجبال، حتى ليبدو أن الأرض تخبئ قلبها في الأعماق حتى لا يتجمد من شدة الوحدة.
وحين يأتي الربيع، كانت البحيرة تعود ببطء، قطرة إثر أخرى، إلى أن يظهر وجهها الصافي من جديد، فتتمايل فوقه ظلال أشجار الصنوبر، بينما ينعكس عليه ضوء الشمس كعملة ذهبية سقطت من جيب السماء.
أروى ورسائلها التي لا تصل
لم يكن لأروى كثير من الأصدقاء، لكن غرفتها كانت تخفي أدراجا ممتلئة بالأوراق، وإلى جوارها حبر أزرق يذكرها دائما بلون البحيرة عند الفجر.
كانت تكتب إلى أمها الراحلة بالكلمات التي لم تستطع قولها قبل رحيلها، وتكتب إلى أبيها الذي أصبح صمته أثقل من وجوده، وإلى رجل لم تقابله بعد، وإلى نسخة بعيدة من نفسها كانت تتمنى أحيانا لو استطاعت العودة إليها واحتضانها.
طقس الماء والورق
في كل مساء تقريبا، كانت أروى تسير نحو البحيرة وفي يدها رسالة مطوية، ثم تقف عند الضفة وتنظر إلى الماء وتهمس بأن تذهب الرسالة إلى من يستحق أن يعرف.
بعد ذلك، كانت تلقي الورقة وتتابعها بعينيها وهي تبتل وتتمايل فوق الماء قبل أن تختفي تحته، وكان المشهد يمنحها شعورا بأن البحيرة تبتلع آلامها برفق حتى لا تؤذيها أكثر.
لم يسألها أحد من أهل البلدة عن سبب فعلها ذلك، فقد اعتادوا غرابتها كما اعتادوا اختفاء البحيرة كل شتاء، وكان كل منهما يعود في موعده حاملا معه شيئا يستعصي على التفسير.
الزجاجة الغامضة عند الضفة
في صباح ربيعي كان الضباب فيه لا يزال يحتضن أطراف البحيرة، لمحت أروى شيئا يلمع بين الحصى، وحين اقتربت اكتشفت زجاجة صغيرة عالقة بين جذور شجرة صفصاف عند الضفة.
انحنت والتقطتها، ثم مسحت الطين عن سطحها بأطراف أصابعها، فرأت في داخلها ورقة ملفوفة بعناية ومربوطة بخيط فضي بالغ الرقة، بدا لها كأنه خيط نسج من ضوء القمر.
فتحت الزجاجة وأخرجت الورقة، وكان قلبها يخفق حتى خيل إليها أن دقاته بلغت حلقها، ثم قرأت كلمات مكتوبة بخط مائل غريب تخبرها بأن رسالتها قد وصلت، وأنها لم تكن مبللة كما ظنت، بل كانت دافئة.
اسم لم تعرفه البلدة
في نهاية الورقة وجدت أروى توقيعا من كلمة واحدة، أثير، لكنها لم تعرف في البلدة رجلا يحمل هذا الاسم، ولم تجده في دفاتر السكان أو على صناديق البريد، ولم تسمعه بين أسماء الغرباء الذين كانوا يعبرون السوق أيام السبت.
ومع ذلك لم تشعر أروى بالخوف، بل تسلل إليها شعور بدا أخطر من الخوف نفسه، فقد أحست للمرة الأولى أن أحدا استطاع أن يلمس الجملة التي أخفتها طويلا في قلبها دون أن يحطمها.
صيف الرسائل السرية
منذ ذلك الصباح، أصبح للبحيرة موعد جديد في حياة أروى، فلم تعد تلقي رسائلها في الماء وهي تعتقد أنها ستغرق إلى الأبد، بل أصبحت ترسلها وهي تنتظر أن تعود إليها بطريقة ما، بعد أن يلامسها صوت مجهول يعرف كيف يصغي وكيف يجيب.
كتبت ذات مرة لأثير عن خوفها من أن تشيخ دون أن يراها أحد حقا، فجاءها جوابه بأن النجوم لا تراها العيون دائما، لكنها لا تنطفئ بسبب ذلك.
وفي رسالة أخرى اعترفت له بأنها تشعر أحيانا كأنها بيت مهجور، فأجابها بأنها ليست بيتا مهجورا، بل نافذة مغلقة تنتظر يدا تؤمن بوجود الضوء وراءها.
حب ينبت بلا وجه
لم تعرف أروى لأثير وجها أو عمرا، ولم تسمع وقع خطواته في طرقات البلدة، ومع ذلك صار حضوره يتسلل إلى تفاصيل المكان كلها، فتشعر به في ارتجافة الماء، وفي رائحة الطحالب، وفي النسيم البارد حين يلامس عنقها على ضفة البحيرة.
وبدأت ترتدي أجمل أثوابها عندما تذهب لملاقاة رسائله، وتصفف شعرها بعناية كما لو أن الماء يستطيع رؤية التفاصيل الصغيرة التي اعتاد البشر إهمالها.
وكانت تضحك وحدها أحيانا وهي جالسة على الضفة، فإذا مر أحد الرعاة بعيدا عنها ظن أنها تتحدث إلى الريح، ولم يكن ظنه بعيدا تماما عما يحدث.
الخريف الذي أسكت أثير
جاء الخريف فتغيرت ألوان الجبل، وراحت أوراق الصفصاف تتساقط فوق البحيرة واحدة تلو الأخرى، كأنها رسائل صفراء أرسلت إلى عنوان مجهول ولن تجد من يجيب عنها.
وفي أول مساء بارد من ذلك الفصل، كتبت أروى رسالة طويلة إلى أثير، حدثته فيها عن خوفها من النهايات، واعترفت برغبتها في رؤيته ولو مرة واحدة، ثم وضعت الرسالة داخل الزجاجة وأطلقتها فوق الماء.
انتظرت يوما ثم يومين، وبعدهما أسبوعا كاملا، لكن شيئا لم يعد إليها، وظلت البحيرة صامتة، حتى بدا لها أنها نسيت اللغة التي كانت تتحدث بها معها.
البحث عن رجل بلا أثر
دفعت الحيرة أروى إلى النزول إلى السوق بحثا عن أثير، فسألت الخباز والحداد وبائعة الأعشاب وحارس الكنيسة القديمة، لكن الجميع هزوا رؤوسهم، ولم يكن أحد منهم يعرف شخصا يحمل ذلك الاسم.
وأثناء بحثها، قالت لها امرأة عجوز كانت تقشر التفاح أمام بيتها إن بعض الأسماء لا تخص البشر، وإنما تخص الأشياء التي نخشى أن نصدق وجودها.
لم تفهم أروى معنى كلامها تماما، لكنها حملت العبارة في صدرها كحجر بارد، وعادت قبل الغروب إلى البحيرة، فيما كان الهواء الخريفي يلسع عينيها.
دموع فوق الماء
جلست أروى عند الضفة ومدت يدها إلى الماء، فوجدته باردا إلى درجة مؤلمة، وشعرت للحظة أن البحيرة لم تعد ماء ساكنا، بل كائنا يحتضر في صمت أمامها.
نادته بصوت خافت، وأخبرت أثير أنه حتى لو كان مجرد كذبة، فقد كان أصدق ما حدث لها، ثم انهمرت دموعها دون صراخ، وسقطت قطرة بعد أخرى في الماء إلى أن ارتجف سطح البحيرة حول أصابعها.
وفي تلك الليلة هبط الثلج قبل أوانه، وسرعان ما غطى البحيرة بالكامل، كأنها أغلقت بابها فوق سر عميق لا تريد لأي إنسان أن يراه.
الربيع الأخير والرسالة المنتظرة
مضى الشتاء ثقيلا على أروى، وكانت تقف أمام نافذتها وتتأمل البياض الممتد في المكان الذي احتضن البحيرة، فلا ترى ماء ولا زجاجات ولا أثرا لأثير، بل فراغا أبيض يلمع كلما سقطت عليه الشمس.
وعندما عاد الربيع أخيرا وذاب الثلج، خرجت أروى نحو البحيرة بخطوات مترددة، وكان شعورها يشبه شعور شخص يعود إلى بيت شهد وداعا قديما لا يستطيع نسيانه.
وبين الحصى نفسه الذي وجدت عنده الزجاجة الأولى، ظهرت أمامها زجاجة جديدة، لكنها هذه المرة لم تكن مغطاة بالطين ولم تحمل خدشا واحدا، حتى بدت كما لو أن البحيرة صنعتها لتوها من صفاء مياهها.
الحقيقة التي أخفاها أثير
فتحت أروى الزجاجة وأخرجت الورقة، ففاحت منها رائحة المطر، وبينما كانت يدها ترتجف بدأت تقرأ الاعتراف الذي انتظرته طوال الشتاء.
أخبرها أثير في رسالته أنه لم يكن إنسانا قط، بل كان صوت البحيرة نفسها، وأنه ظل ينام تحت الثلج عاما بعد عام حتى نسي معنى الدفء، قبل أن تصل إليه رسائلها وتوقظه من سباته الطويل.
وأخبرها أن حبها أعاده إلى الحياة، وأنه كان بحاجة إلى سماع حب بشري حقيقي حتى يتمكن من الذوبان والعودة من جديد، ثم شكرها لأنها جعلته يعود ماء كما كان.
انزلقت الرسالة إلى حجر أروى، لكنها لم تبك هذه المرة، بل رفعت عينيها نحو سطح البحيرة الأزرق، فرأت انعكاس وجهها عليه، ولم يكن حزينا كما اعتادته، بل كان مضيئا كوجه شخص عاد أخيرا من سفر بعيد.
حين ضحكت أروى للبحيرة
بقيت أروى جالسة طويلا عند الضفة قبل أن تضحك، ولم تكن ضحكتها ضحكة سخرية أو جنون، وإنما كانت ضحكة امرأة أدركت للمرة الأولى أنها لم تكن وحيدة بالقدر الذي اعتقدته.
صحيح أنها أحبت صوتا خرج من الماء، لكنها أدركت أيضا أنها أحبت فيه شيئا كان غارقا في أعماقها، حاجتها إلى من يسمعها ويصدقها، وإلى أن يمنحها العالم جوابا ولو عاد إليها داخل زجاجة صغيرة.
ومنذ ذلك اليوم لم تتوقف أروى عن الكتابة، لكنها لم تعد تلقي رسائلها في البحيرة هربا من نفسها، بل أصبحت تكتب لكي تعود إلى أعماقها أكثر فهما وقربا، تماما كما تعود البحيرة في كل ربيع من تحت الثلج، لا كما كانت، وإنما كما نجت.
ما تتركه البحيرات
ليست كل الرسائل بحاجة إلى يد بشرية تفتحها، فبعض الرسائل يكفي أن تكتب بصدق حتى تجد طريقها إلى المكان الذي ينبغي أن تصل إليه.
وأحيانا لا يأتي الجواب من الشخص الذي ننتظره، بل من الصدى الذي نوقظه في أرواحنا عندما نجرؤ على الحب، لأن الدفء الذي نهبه للعالم لا يضيع، وإنما يذيب شيئا ما في مكان ما، حتى لو كان ذلك الشيء بحيرة منسية تنام تحت الثلج.
