قصة تذكرة بلا عودة حكاية القطار الذي يعيد ركابه إلى أكبر ندم في حياتهم

الراوي
0

لم يكن القطار مدرجًا على لوحة الرحلات، ولم يصدر عن مكبرات الصوت أي إعلان بوصوله، ومع ذلك تسلل إلى الرصيف الثالث عند منتصف الليل، كأن الظلام نفسه تمدد فوق القضبان واتخذ هيئة عربات سوداء تلمع نوافذها بضوء شاحب.

قصة تذكرة بلا عودة حكاية القطار الذي يعيد ركابه إلى أكبر ندم في حياتهم

توقفت عجلاته بلا صرير، وانفتح بابه الوحيد على مهل، فاندفع من داخله هواء بارد يحمل رائحة المطر والحديد المحترق، ثم ظهر محصل التذاكر مرتديًا معطفًا رماديًا طويلًا، وراحت عيناه تتفحصان الوجوه كما لو أنه يعرف كل سر حاول أصحابه دفنه.

كان يوسف واقفًا وحده تحت ساعة المحطة المتوقفة، يقبض في يده على تذكرة لم يشترها، ظهرت في جيبه قبل ساعة، وقد كُتب عليها بحبر أحمر، رحلة واحدة إلى ما كان ينبغي ألا يحدث.

رفع المحصل مصباحه إلى وجه يوسف، ثم قال بصوت هادئ يشبه وقع التراب فوق نعش:

تأخرت ثلاثين عامًا، لكن القطار لا يزال ينتظرك.

الرصيف الذي لا يظهر مرتين

كانت المحطة القديمة مهجورة منذ أعوام، فقد توقفت القطارات عن المرور بها بعد انهيار النفق الشمالي، إلا أن يوسف تلقى قبيل منتصف الليل رسالة مجهولة لا تحمل اسم مرسل، تطلب منه الحضور إلى الرصيف الثالث إن كان لا يزال يتمنى رؤية أخيه حيًا.

قرأ الرسالة مرات كثيرة، محاولًا إقناع نفسه بأنها مزحة ثقيلة، غير أن العبارة الأخيرة حطمت تردده، لم يكن ابراهيم مضطرًا إلى ركوب السيارة تلك الليلة، وأنت تعرف ذلك.

منذ ثلاثين عامًا، أغلق يوسف باب منزله في وجه أخيه الأصغر بعد شجار حاد، فغادر ابراهيم تحت المطر وقاد سيارته غاضبًا، قبل أن تنحرف به عند الجسر وتسقط في النهر.

لم يعثروا على جثته إلا بعد ثلاثة أيام، ومنذ ذلك الوقت ظل يوسف يسمع في ليالي الشتاء صوت قبضته وهي تضرب الباب، ثم صوت ابراهيم من الخارج يطلب منه أن يفتحه.

كان يستطيع أن يعتذر، أن يدير المفتاح، أن يناديه باسمه، لكنه بقي واقفًا خلف الباب، يترك كبرياءه يجيب بدلًا عنه.

الآن، وبعد ثلاثة عقود، وقف أمام قطار لا يحمل رقمًا ولا وجهة، بينما رفع المحصل يده المغطاة بقفاز أسود، مشيرًا إليه بالصعود.

إلى أين يذهب هذا القطار؟ سأل يوسف.

ابتسم المحصل دون أن تتحرك عيناه.

إلى اللحظة التي تتمنى لو أنك متّ قبل وقوعها.

الركاب أصحاب الوجوه المنطفئة

خطا يوسف داخل العربة، فانغلق الباب خلفه قبل أن يتمكن من الالتفات، وتحرك القطار بلا هزة، كأنه لم يكن ساكنًا يومًا، بل كان ينتظر فقط أن يستعيد نبضه.

كانت المقاعد مكسوة بقماش أخضر داكن، والمصابيح المعلقة بالسقف تتأرجح رغم ثبات العربة، فترسم ظلالًا طويلة على وجوه الركاب الستة الذين جلسوا متباعدين، يحتضن كل واحد منهم صمته كأنه حقيبة ثقيلة.

جلست قرب النافذة امرأة خمسينية ترتدي فستانًا أسود وتحمل حذاء طفل صغير، وإلى جوار الباب رجل بدين يضغط على حقيبة جلدية مربوطة إلى معصمه بسلسلة.

وفي آخر العربة جلس شاب ذو عينين زائغتين، يداعب قداحة فضية، بينما كانت فتاة شاحبة تضم رسالة ممزقة إلى صدرها، ويحدق رجل مسن في ساعة جيب متوقفة عند السادسة وسبع عشرة دقيقة.

لم يبدُ أحد منهم مستغربًا من وجود الآخرين، كأنهم جميعًا كانوا يتوقعون هذه الرحلة منذ سنوات، لكنهم تمنوا في أعماقهم ألا تصل دعوتها أبدًا.

تقدم المحصل في الممر، يحمل أداة معدنية لثقب التذاكر، وكلما قص طرف تذكرة صدر منها أنين خافت يشبه شهقة إنسان مذعور.

حين وصل إلى يوسف، مد الرجل يده بالتذكرة، فقرأ المحصل الاسم والتاريخ، ثم نظر إليه طويلًا.

أكبر ندم لا يكون دائمًا ما تظنه.

قبل أن يسأله يوسف عن معنى كلامه، ثقب التذكرة، فانطفأت جميع المصابيح دفعة واحدة.

النافذة التي لا تعكس الوجوه

استمر القطار في اندفاعه داخل ظلام كثيف، لكن يوسف لم يسمع احتكاك العجلات بالقضبان، بل أصواتًا أخرى تنبعث من خلف النوافذ، بكاء مكتوم، أبواب تُغلق بعنف، صرخات بعيدة، واعتذارات تأخرت حتى صارت بلا أصحاب.

حاول النظر إلى انعكاسه في الزجاج، فلم يجد وجهه، بل رأى شابًا في العشرين يقف داخل منزل قديم، ويداه ترتجفان قرب باب خشبي يطرق عليه شخص من الخارج.

ارتد يوسف إلى الخلف، فقد كان الشاب هو نفسه ليلة وفاة ابراهيم، بالمعطف البني ذاته والشعر الكثيف الذي فقده منذ زمن.

ظهر ابراهيم خلف الزجاج واقفًا تحت المطر، يطرق الباب بعنف ويصرخ:

افتح يا يوسف! لن أرحل قبل أن تسمعني!

مد يوسف يده نحو النافذة، فاصطدمت أصابعه بالزجاج البارد، لكن المشهد استمر كأنه حي، وانسحب يوسف الشاب إلى داخل المنزل، رافضًا فتح الباب.

بعد لحظات، غادر ابراهيم، وابتلع المطر خطواته.

شهق يوسف، ثم استدار نحو المحصل الذي وقف عند نهاية العربة.

أوقف القطار.

لم تبدأ الرحلة بعد.

لقد رأيت ما جئت من أجله.

رد المحصل وهو يفتح دفترًا أسود:

ما رأيته ذكرى.

القطار لا يبيع الذكريات، بل يبيع المحاولات.

قواعد الرحلة الأخيرة

رن جرس صغير فوق باب العربة، فتوقفت الأصوات، وجلس المحصل على مقعد مرتفع كقاضٍ يستعد لإصدار حكمه.

سيصل كل راكب إلى لحظة ندمه، وستمنحونه فرصة واحدة لتغييرها، لكن عليكم أن تتذكروا ثلاث قواعد.

رفع إصبعًا أول.

لا يمكنكم إخبار أحد بأنكم جئتم من المستقبل.

ثم رفع الثاني.

لا يمكنكم البقاء بعد أن تدق الساعة المحددة على تذكرتكم.

وعندما رفع إصبعه الثالث، خفت الضوء حتى لم يبقَ سوى بريق عينيه.

إن غيرتم الماضي، فلن تعودوا إلى الحياة التي تعرفونها، بل إلى الحياة التي صنعها قراركم الجديد، وقد لا يكون لكم فيها مكان.

تبادل الركاب النظرات، واشتد صوت أنفاسهم في العربة الضيقة.

قال الرجل البدين وهو يضم حقيبته:

وماذا إن لم ننجح؟

أغلق المحصل دفتره.

عندها ستعودون كما كنتم، لكنكم ستتذكرون أنكم فشلتم مرتين.

صاحت المرأة ذات الفستان الأسود:

وماذا إن رفضنا النزول؟

مال المحصل برأسه قليلًا.

لا أحد يصعد هذا القطار راغبًا في الوصول، لكن الجميع ينزلون عندما يسمعون أسماءهم.

كأن كلماته كانت إشارة، انطلق صوت معدني من مكبر قديم فوق الباب:

المحطة الأولى، ليلى منصور، السابع من أكتوبر، الساعة الخامسة وأربع دقائق مساءً.

تجمدت المرأة التي تحمل حذاء الطفل.

المحطة الأولى دقيقة قبل الغرق

توقف القطار أمام شاطئ غارق في ضوء أصفر، وانفتح الباب على صيف مضى منذ اثنين وعشرين عامًا، حيث كانت الأمواج تضرب الصخور، ويملأ صراخ الأطفال المكان.

نهضت ليلى مترنحة، والحذاء الصغير مضغوط بين أصابعها.

ابني غرق هنا، قالت بصوت مبحوح.

تركته وحده لأجيب مكالمة لم تستغرق سوى دقيقة.

لم يجبها أحد، فقد كانت عيناها معلقتين بصبي في السابعة يركض خارجًا من المشهد نحو الماء، وهو يرتدي حذاء واحدًا.

قفزت ليلى من القطار، وانغلق الباب خلفها، وبقي الركاب يتابعون ما يحدث عبر النافذة.

رأوها تندفع فوق الرمل، تسقط ثم تنهض، وتصرخ باسم طفلها، قبل أن تصل إليه عند حافة الماء وتنتزعه من موجة عالية كانت على وشك ابتلاعه.

احتضنته بقوة، لكن الصبي راح يصرخ مذعورًا، وظهرت امرأة أصغر سنًا تركض نحوهما، وكانت ليلى نفسها في الماضي.

تواجهت المرأتان، الأم الشابة والأم القادمة من مستقبل لم يعد موجودًا، من دون أن تفهما كيف يمكن لوجه واحد أن يحمل عمرين مختلفين.

دقت ساعة بعيدة خمس دقات، فبدأ جسد ليلى الكبرى يتلاشى مثل ضباب تحت الشمس، بينما تشبثت بالصبي وقبلت شعره المبلل.

قبل أن تختفي، التفتت إلى القطار وابتسمت.

حين تحركت العربات مجددًا، بقي مقعدها خاليًا، إلا من الحذاء الصغير الذي تحول أمام أعينهم إلى حذاءين جديدين، جافين، مربوطين بشريط أزرق.

همست الفتاة الشاحبة:

لقد نجحت.

لكن المحصل قال دون أن ينظر إليها:

نجح الطفل في النجاة.

أما هي، فلم تعد موجودة قط.

حياة تُمحى لإنقاذ حياة

ساد الصمت، وفهم يوسف معنى القاعدة الثالثة.

لم تعد ليلى إلى مستقبل تعيش فيه مع ابنها، بل أعادت تشكيل الزمن بحيث لم تصبح المرأة المكسورة التي استقلت القطار، وربما عاشت نسخة أخرى منها حياة سعيدة لا تعرف شيئًا عن الرحلة.

لكن المرأة التي جلست معهم، والتي حملت اثنين وعشرين عامًا من الفقد، اختفت بكل ذكرياتها وآلامها، كأنها كانت الثمن الذي دفعه الزمن لتصحيح خطئه.

حدق يوسف في يديه، وسأل نفسه، إن أنقذ ابراهيم، فمن سيكون هو حين يعود؟ هل ستظل حياته كما عرفها، أم ستُمحى سنواته وزواجه وطفلته وأيامه كلها لمجرد أن يظل أخوه على قيد الحياة؟

شعر بوخزة خوف لم يسمح لنفسه بالاعتراف بها، ولم تكن خوفًا من الموت، بل من أن يكتشف أن ندمه لم يكن كبيرًا بما يكفي ليضحي من أجله بكل شيء.

كأن المحصل قرأ ما دار في داخله، فقال:

الندم يبدو نقيًا ما دام بلا ثمن.

نظر إليه يوسف بغضب.

أنت تستمتع بهذا.

لا.

أنا فقط رأيت كثيرين يطلبون فرصة ثانية، ثم يساومون حين تصل.

المحطات التي ابتلعت أصحابها

توالت المحطات، وفي كل واحدة كان القطار يفتح فمه ليقذف راكبًا إلى اللحظة التي طاردته طوال حياته.

نزل الرجل صاحب الحقيبة في مكتب مصرفي قبل انهيار شركة كبرى، محاولًا منع نفسه الأصغر من تزوير توقيع شريكه، لكنه عندما رأى الخزنة الممتلئة تردد، فضاعت الدقائق وانغلق الباب عليه، ثم عاد إلى القطار وهو يحمل الحقيبة نفسها، وقد صار وجهه أكثر شحوبًا.

جلس في مكانه دون كلمة، وعندما سأله يوسف عما حدث، فتح الحقيبة، فلم يجدوا داخلها أموالًا، بل أكوامًا من أوراق الصحف تحمل صور ضحايا انتحروا بعد إفلاسهم.

أما الشاب ذو القداحة فنزل أمام مستودع قديم، حيث كان رفاقه يضحكون وهم يسكبون الوقود لإخافة حارس مسن، قبل أن تتحول المزحة إلى حريق يلتهم الرجل والمبنى.

اندفع الشاب وأطفأ النار قبل اشتعالها، لكن أحد رفاقه دفعه فسقط تحت شاحنة مسرعة، وعندما تحرك القطار كان مقعده فارغًا، والقداحة الفضية قد تحولت إلى قطعة معدن سوداء.

نزل الرجل المسن إلى غرفة مستشفى، حيث كانت زوجته تلفظ أنفاسها بينما هو في الخارج يوقع عقدًا تجاريًا، لكنه وصل هذه المرة قبل موتها، وأمسك يدها حتى النهاية.

عاد إلى العربة بعد أن دقت الساعة، إلا أن ملامحه كانت هادئة، وساعته المتوقفة بدأت تتحرك.

قال وهو يبتسم:

لم أنقذها، لكنني لم أتركها وحيدة.

لم يختف الرجل، لأن الماضي لم يتغير بما يكفي لمحو حياته، لكنه تغير داخله؛ فقد عاد حاملًا ذكرى وداع لم يعشه من قبل، وكأن القطار لا يمنح النجاة دائمًا، بل يمنح أحيانًا ألمًا أقل قسوة.

الفتاة التي رفضت فتح الرسالة

بقيت الفتاة الشاحبة تحدق في رسالتها الممزقة، وعندما نادى المكبر اسمها، تشبثت بالمقعد.

المحطة الخامسة، مريم عادل، الثاني عشر من يناير، الساعة التاسعة وإحدى عشرة دقيقة مساءً.

انفتح الباب على سطح بناية مرتفعة تحت سماء شتوية، وكان شاب يقف عند الحافة، بينما تظهر مريم الأصغر سنًا خلف باب السطح، تحمل هاتفًا يرن بلا توقف.

ارتجفت الفتاة.

كان أخي يتصل بي.

كنا متخاصمين، فتركت هاتفه يرن، وبعد دقائق قفز.

دفعها المحصل برفق نحو الباب.

هذه فرصتك.

لكنها هزت رأسها، وتراجعت إلى آخر العربة.

لا أستطيع رؤيته.

لقد رأيت سقوطه في أحلامك سبع سنوات.

الأحلام تنتهي حين أستيقظ.

أشار المحصل إلى الباب المفتوح.

وهذا سينتهي حين تدق الساعة.

بدأ الشاب عند الحافة يرفع قدمه، فصرخ يوسف في مريم:

اذهبي إليه!

بكت وهي تضغط الرسالة إلى فمها.

ماذا لو لم أستطع إنقاذه؟ ماذا لو نظر إليّ وقرر القفز رغمًا عني؟

اقترب يوسف منها، وانتزع الرسالة من يدها، فوجد داخلها سطرًا واحدًا كتبه أخوها قبل موته، كنت أحتاج فقط أن يجيب أحد.

وضع الرسالة أمام عينيها.

لا تعرفين إن كنت ستنقذينه، لكنك تعرفين ما سيحدث إن بقيت هنا.

اندفعت مريم خارج القطار، وركضت نحو أخيها، وقبل أن يُغلق الباب رآها يوسف تصل إليه وتحيط خصره بذراعيها.

تحرك القطار، لكن مصيرها ظل مجهولًا، فلم يعد مقعدها فارغًا ولم تعد إليه، بل بقيت رسالتها فوقه، وقد اختفى السطر القديم وظهر مكانه، لقد أجبتِ أخيرًا.

حين نادى القطار اسم يوسف

لم يبقَ في العربة سوى يوسف والرجل صاحب الحقيبة والمحصل، فيما أخذ القطار يزداد سرعة، وراحت الجدران تهتز كأنها تكافح كي تبقى متماسكة داخل الزمن.

نظر يوسف من النافذة، فرأى مشاهد من حياته تتسابق خارجها، زواجه، ولادة ابنته، جنازة أمه، الليالي التي جلس فيها وحيدًا يحتسي القهوة أمام صورة ابراهيم.

ثم بدأت الصور تتبدل، فظهر ابراهيم حيًا في بعضها، أكبر سنًا، يضحك مع أطفال لم يعرفهم يوسف، ويقف أمام متجر صغير يحمل اسمه.

شعر يوسف بالدموع تحرق عينيه، ومد يده نحو الزجاج.

ظهر المكبر بصوت أكثر وضوحًا من المرات السابقة:

المحطة السادسة، يوسف مراد، الرابع عشر من ديسمبر، الساعة الحادية عشرة وثمان وأربعون دقيقة مساءً.

توقف القطار أمام منزل طفولته، والمطر ينهمر فوق الحديقة، والباب الخشبي يلمع تحت مصباح المدخل.

وقف ابراهيم في الخارج، يطرق الباب بغضب.

افتح يا يوسف! يجب أن تسمعني!

نهض يوسف، لكن قدميه لم تتحركا.

تذكر ابنته نور، التي كانت تنتظره في حياته الحالية، وتذكر زوجته الراحلة، وبيته، وعمله، وكل السنوات التي قد تُمحى إن أنقذ أخاه.

قال الرجل صاحب الحقيبة بمرارة:

لا تنزل.

الماضي جشع، يأخذ منك حياة كاملة مقابل لحظة واحدة.

اقترب المحصل من الباب المفتوح.

بقيت لك سبع عشرة دقيقة.

حدق يوسف في ابراهيم، ثم في نسخته الشابة خلف الباب.

وأخيرًا، نزل.

الليلة التي انكسر فيها الباب

لامس المطر وجهه ببرودة حقيقية، ورائحة الطين والياسمين القديم هزت صدره، حتى كاد يسقط من ثقل الذكريات.

ركض نحو ابراهيم، لكنه لم يستطع لمسه؛ مرت يده عبر جسده كأنه دخان، وفهم أن عليه التأثير في نفسه الأصغر، لا في أخيه.

دخل المنزل من خلال الباب المغلق، فوجد يوسف الشاب واقفًا في الصالة، ووجهه متصلب بالغضب.

كان ابراهيم يطرق من الخارج ويصيح:

لم أسرق المال! وجدت أبي يخبئ الديون، وأردت أن أخبرك قبل أن يبيع البيت!

تجمد يوسف القادم من المستقبل.

طوال ثلاثين عامًا، كان يعتقد أن الشجار وقع لأن ابراهيم أخذ مدخرات العائلة وهرب بها، وقد مات قبل أن يثبت براءته.

لكن الكلمات خلف الباب كشفت طبقة أعمق من الذاكرة، طبقة دفنها يوسف لأنه لم يحتملها، لقد سمع تفسير ابراهيم تلك الليلة، لكنه اختار ألا يصدقه.

اقترب من نسخته الشابة، وصرخ في أذنه:

افتح الباب!

لم يتحرك الشاب، ولم يسمعه.

دقت الساعة في الردهة، وبقيت أربع عشرة دقيقة.

راح يوسف يقلب الأشياء، يحاول دفع الكراسي وإسقاط الصور، لكن يديه كانت تمر عبر كل شيء، حتى لمح صورته منعكسة في مرآة قديمة.

اقترب منها، فظهر وجهه بوضوح للمرة الأولى منذ صعد القطار.

رفع يوسف الشاب عينيه، ورأى في المرآة وجهه العجوز خلفه.

استدار مذعورًا، فلم يجد أحدًا، ثم عاد إلى المرآة، فكتب يوسف بأنفاسه فوق سطحها البارد كلمة واحدة:

افتح.

تراجع الشاب، واصطكت أسنانه.

ظهر ابراهيم من خلف الباب عبر انعكاس المرآة، واقفًا تحت المطر، بينما استمرت الكلمة تتسع فوق الزجاج.

افتح.

مد يوسف الشاب يده نحو مقبض الباب، لكنه توقف حين صاح ابراهيم:

لن أبقى أتوسل إليك!

ابتعدت خطواته.

صرخ يوسف العجوز، وضرب المرآة بقبضته، فتشقق سطحها للمرة الأولى، وسال الدم من يده.

شعر الشاب بالألم نفسه، ونظر إلى كفه فوجدها تنزف دون سبب.

عندها فهم، أو شعر، أو خاف بما يكفي ليصدق.

ركض نحو الباب وفتحه.

الحقيقة التي كانت تنتظر خلف الندم

كان ابراهيم قد وصل إلى نهاية الممر المؤدي إلى الشارع، فتبع يوسف الشاب أثره تحت المطر، يناديه بصوت متحشرج.

ابراهيم! انتظر!

توقف الأخ الأصغر، واستدار ببطء.

وقف يوسف العجوز قريبًا منهما، عاجزًا عن التنفس، بينما اقتربت نسخته الشابة من ابراهيم واحتضنته للمرة الأولى منذ كانا طفلين.

أنا آسف، قال الشاب.

لم أصدقك لأنني كنت بحاجة إلى شخص ألومه.

انهمرت دموع ابراهيم واختلطت بالمطر.

أبي هو من أخذ المال.

كان مديونًا، وخاف أن يخبرك.

داخل المنزل، انفتح باب غرفة الأب، وظهر رجل منهك يحمل ظرفًا ممتلئًا بوثائق القروض.

ساد صمت ثقيل، ثم انهار الأب على ركبتيه واعترف بكل شيء.

كان يمكن لتلك اللحظة أن تكون النهاية؛ ابراهيم لا يقود سيارته غاضبًا، ولا يسقط في النهر، والعائلة تواجه الحقيقة بدلًا من أن تدفن ابنًا بريئًا.

لكن صوت المحصل جاء من خلف يوسف:

بقيت دقيقتان.

استدار، فرأى القطار ينتظر عند طرف الشارع، بابه مفتوح، والدخان الأسود يتجمع فوقه.

نظر يوسف إلى أخيه الحي، وإلى نفسه الشابة، وفكر في العودة إلى القطار، إلى ابنته وحياته التي يعرفها.

عندها اقترب ابراهيم منه فجأة.

لم يكن من المفترض أن يراه، لكن عينيه ثبتتا مباشرة على وجهه.

هل أنت يوسف؟ سأل ابراهيم.

تجمد الرجل.

كيف تراني؟

رفع ابراهيم يده، وفي أصابعه تذكرة سوداء قديمة.

لأنني ركبت القطار قبلك.

أكبر ندم لم يكن موت ابراهيم

اهتز الشارع، وتجمد المطر في الهواء كحبات زجاج معلقة، بينما توقف يوسف الشاب والأب في مكانهما، وصارا تمثالين داخل لحظة متجمدة.

اقترب المحصل، ووقف بين الأخوين.

أخرج ابراهيم تذكرته، وكانت مثقوبة عند طرفها ومحترقة في المنتصف، وقد كُتب عليها تاريخ يعود إلى ليلة موته.

قال ابراهيم:

بعد الحادث، استيقظت في القطار.

ظننت أن أكبر ندمي كان مغادرة المنزل، فعدت وحاولت ألا أركب السيارة، لكنني فشلت.

لماذا؟

خفض ابراهيم عينيه.

لأنني حين عدت إلى تلك الليلة اكتشفت أنني لم أخرج بسبب غضبي منك فقط، بل لأنني كنت أخطط للهرب بالوثائق وإجبار أبي على الاعتراف.

كنت مستعدًا لتدمير العائلة كلها كي أثبت أنني بريء.

اقترب يوسف منه، غير قادر على فهم ما يسمعه.

لكنك متّ.

نعم.

وفشلت في تغيير شيء.

أعادني القطار إلى لحظة الحادث، وتركني بين الحياة والموت، ثم عرض عليّ صفقة.

رفع ابراهيم نظره إلى المحصل.

قال إن راكبًا آخر سيأتي يومًا، وإن نجاحه سيمنحني فرصة النجاة، لكن أحدنا فقط يمكنه العودة إلى الزمن الجديد.

شعر يوسف ببرودة لا علاقة لها بالمطر.

أحدنا فقط؟

فتح المحصل دفتره الأسود.

تغيير بهذا الحجم يحتاج شاهدًا يحتفظ بالزمن القديم، وشخصًا يعيش الزمن الجديد.

لا يمكن للاثنين أن يوجدا معًا.

تقدم ابراهيم نحو يوسف.

اصعد أنت إلى القطار، وسأبقى هنا.

سأعيش الحياة التي كان يجب أن أعيشها.

فهم يوسف أخيرًا أن الرحلة لم تكن لاختبار قدرته على فتح الباب، بل لاختبار ما إذا كان سيقبل أن يمنح أخاه الحياة التي حُرم منها، ولو كان الثمن أن يختفي هو من كل ما سيأتي.

تذكر ابنته نور.

وماذا سيحدث لابنتي؟

قال المحصل:

لن تولد بالطريقة التي تعرفها.

قد تولد في حياة أخرى، وقد لا تولد أبدًا.

أغمض يوسف عينيه، ورأى وجهها وهي صغيرة تركض نحوه، ثم وجهها في يوم زفافها، ثم يدها وهي تمسك يده عند قبر أمها.

فتح عينيه، فكان ابراهيم أمامه حيًا، ينتظر حكمًا جديدًا من أخيه.

دقت الساعة الحادية عشرة وثمان وأربعين دقيقة.

الاختيار الذي لا يعود منه أحد

بدأ القطار يطلق صفيرًا طويلًا، وتشقق الهواء حول العربات كأن الزمن نفسه يوشك أن يغلق جرحه.

أمسك ابراهيم بذراع يوسف.

عد إلى القطار.

لقد عشت ثلاثين عامًا، أما أنا فلم أصل إلى الثلاثين.

كانت الكلمات عادلة وقاسية، لكنها لم تجعل الاختيار أسهل.

رفع يوسف يده ولمس وجه أخيه، وكانت بشرته دافئة، حقيقية، لا تشبه برودة الصورة التي قبلها في جنازته.

قال يوسف:

كنت أظن أن أكبر ندمي أنني لم أفتح الباب.

ابتلع أنفاسه، ثم أكمل:

لكن ندمي الحقيقي أنني جعلتك طوال حياتي الشخص الذي أخطأ، حتى بعد موتك، فقط كي لا أعترف بأنني اخترت كبريائي على حسابك.

نظر إلى القطار، ثم إلى ابراهيم.

هذه المرة لن أختارك متأخرًا.

دفع التذكرة إلى يد أخيه.

اركب.

اتسعت عينا ابراهيم.

ماذا تفعل؟

الشاهد هو من يصعد، أليس كذلك؟

ابتسم المحصل للمرة الأولى ابتسامة بدت إنسانية.

نعم.

أمسك يوسف كتفي أخيه، وقاده نحو باب القطار.

ستعيش، وستصلح ما تستطيع.

لا تجعل نجاتك عذرًا لتؤذي أحدًا، ولا تجعل موتي دينًا في رقبتك.

بكى ابراهيم.

وأنت؟

نظر يوسف إلى نسخته الشابة المجمدة قرب باب المنزل، ثم إلى السماء التي بدأ المطر يتحرك فيها من جديد.

سأصبح اللحظة التي فتحت فيها الباب.

صعد ابراهيم إلى القطار، وانغلق الباب خلفه، وبقي وجهه ملتصقًا بالنافذة وهو يضرب الزجاج وينادي أخاه.

تحركت العربات، ومرّت عبر جسد يوسف كريح سوداء، ثم اختفت عند نهاية الشارع، ولم يبقَ منها سوى صفير يتلاشى داخل الليل.

استدار يوسف، فرأى نفسه الشابة تتحرك مجددًا، والأب ينهض، وابراهيم الذي عاش في هذا الزمن يدخل المنزل معهم.

أما يوسف العجوز، فبدأ جسده يشف حتى صار المطر يمر من خلاله.

ابتسم وهو يراقب الأسرة تجتمع حول الطاولة، تتشاجر وتبكي وتعترف، لكنها تبقى معًا.

ثم اختفى.

الراكب الذي عاد وحده

فتح ابراهيم عينيه فوجد نفسه جالسًا داخل القطار، وحده تمامًا، بينما كانت المقاعد خالية، والمصابيح ثابتة، والمحصل واقفًا عند الباب.

إلى أين تأخذني؟ سأل ابراهيم.

إلى حياتك.

وماذا عن يوسف؟

فتح المحصل دفتره، لكن صفحات يوسف كانت بيضاء.

لم يعد راكبًا، ولم يعد ذكرى.

صار قرارًا اتُّخذ في وقته.

توقف القطار، وانفتح الباب على صباح مشمس أمام منزل حديث تحيط به أشجار الليمون.

نزل ابراهيم، فاستقبلته امرأة تناديه باسمه، وركض إليه طفلان، بينما كان في داخله عمر كامل لا يتذكره عقله، لكنه مألوف لقلبه.

دخل المنزل، فرأى صورًا معلقة على الجدار، صور زواجه، أطفاله، متجره، وأبيه في سنواته الأخيرة.

وفي منتصف الجدار كانت صورة قديمة تجمعه بيوسف شابين أمام بيت العائلة.

اقترب منها، فوجد تحتها عبارة مكتوبة بخط أخيه:

بعض الأبواب لا تنقذ من يقف خلفها فقط، بل تنقذ من يقرر فتحها.

سألته زوجته عن سبب بكائه، لكنه لم يجد جوابًا.

في المساء، وبينما كان يرتب معطفه، عثر في جيبه على تذكرة قطار سوداء، وقد كُتب على ظهرها:

تم الوصول.

لا توجد رحلة عودة.

رفع ابراهيم عينيه نحو النافذة، فرأى قطارًا بعيدًا يعبر الأفق دون قضبان، وفي نافذته الأخيرة وقف يوسف للحظة واحدة، يبتسم ثم يختفي مع الضوء.

نقضي أعمارًا نظن أن الندم رغبة في استعادة ما فقدناه، بينما يكون أحيانًا خوفًا من الاعتراف بالشخص الذي كنا عليه لحظة الفقد.

فالزمن لا يطلب منا دائمًا أن نعيد الموتى، بل أن نفتح الأبواب قبل أن تتحول طرقاتها إلى أصوات تسكن الليل.

وحين تأتي الفرصة الثانية، قد لا تحمل شكل النجاة التي تخيلناها، وقد تطلب منا أن نتخلى عن المكان الذي حجزناه لأنفسنا في الحكاية.

لكن بعض القرارات، حين تُتخذ بصدق، لا تعيد الماضي كما كان؛ بل تمنحه معنى يجعل الألم قابلًا للاحتمال, قصة حب عبر الزمن رواية المؤرخ الذي أحب امرأة ماتت قبل مئة وخمسين عاماً من هنا.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوي

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد