قصة دار الأوبرا تحت الحصار والنوتة السرية

الراوي
0

عندما سقطت القذيفة الأولى فوق ساحة دار الأوبرا، لم ينكسر زجاج الثريا الكبرى، بل ارتجفت آلاف القطع البلورية معلقة في سقف القاعة، وأطلقت رنينًا خافتًا يشبه اصطكاك أسنان مدينة استيقظت لتجد البنادق عند أبوابها.

كان الستار القرمزي لا يزال مفتوحًا على ديكور الفصل الأخير من أوبرا لم تكتمل؛ قصر ورقي تحيط به أشجار مصنوعة من القماش، وعرش مذهّب يجلس فوق خشبة صارت، خلال ساعات قليلة، مستشفى ومطبخًا وغرفة ولادة ومجلسًا للحكم.

خلف الأبواب البرونزية، أحكم جيش الانقلاب حصاره حول المبنى، مطالبًا بتسليم النوتات القديمة المحفوظة في أرشيفه، بعدما شاع أن خرائط شبكة المياه السرية للمدينة مخبأة بين أسطرها الموسيقية.

أما داخل الدار، حيث احتمى الفنانون ومئات اللاجئين، فقد كانت مريم تعرف أن الجوع يمكن تقسيمه إلى حصص، وأن الخوف يمكن إسكاته بكلمة، لكن العطش إذا دخل الحناجر فلن تقدر أعظم فرقة موسيقية على إسكات صوته.

قصة دار الأوبرا تحت الحصار والنوتة السرية قصص وروايات

حين استبدلت المدينة التصفيق بالرصاص

قبل الانقلاب بثلاث ليالٍ، كانت دار الأوبرا تستعد لعرض ضخم يحمل اسم نشيد الينابيع، وهو عمل قديم لم يُقدَّم منذ أربعين عامًا، ألّفه موسيقي غامض يدعى سليم المرادي، جمع في شبابه بين هندسة قنوات المياه وكتابة المقطوعات السيمفونية.

وفي مساء العرض، اجتاح الجنود مبنى الإذاعة، وانطفأت الشوارع واحدًا تلو الآخر، ثم جاء الناس إلى دار الأوبرا لا يحملون تذاكر، بل أطفالًا نائمين وحقائب صغيرة وصورًا انتُزعت من الجدران قبل الهرب.

فتحت مريم الأبواب دون انتظار إذن أحد.

كانت مديرة خشبة المسرح، تعرف كل حبل يرفع ستارة وكل مصباح يخلق شمسًا زائفة، لكنها وجدت نفسها فجأة مسؤولة عن حياة أربعمئة وسبعة وثلاثين إنسانًا لا مكان آخر لهم.

جمهورية صغيرة تحت الثريا

حوّلت مريم غرف تبديل الملابس إلى حجرات للعائلات، وجعلت قاعة التدريب عيادة يديرها طبيب متقاعد، بينما أقام الطهاة موقدًا من صفائح الحديد في الفناء الخلفي، ووزع عازفو الكمان البطانيات التي كانت تُستخدم لحماية الآلات من الرطوبة.

علّقت إلى جوار خشبة المسرح ورقة كبيرة كتبت عليها أسماء فرق العمل، الماء، الطعام، الحراسة، النظافة، الأطفال، والإسعاف.

لم تضع اسمها فوق الجميع، بل أدرجته في أسفل قائمة الماء، لأن الخزان الصغير كان يفرغ أسرع مما توقعت.

قال لها منصور، حارس الباب العجوز، وهو يمسح الغبار الأسود عن شاربه:

العربات المدرعة أغلقت الشوارع الأربعة، وقد نصبوا رشاشًا فوق مبنى البريد.

نظرت مريم إلى الصفوف التي كان يجلس فيها الجمهور ذات يوم، فرأت امرأة ترضع طفلًا جفّ الحليب في فمه، ورجلًا يبلل شفتي أمه العجوز بقطعة قماش رطبة.

قالت بصوت منخفض لا يحتمل الاعتراض:

لا تخبر الناس بعدد الجنود، أخبرهم فقط أن الأبواب ما تزال بأيدينا.

كان الجميع ينادونها بالمديرة كما في أيام العروض، لكنها لم تعد تدير مسرحًا؛ كانت تضبط إيقاع مجتمع كامل، وتمنع الخوف من أن يعزف منفردًا في صدورهم.

النوتات التي جاء الجيش من أجلها

مع حلول المساء، تقدم ضابط بزي رمادي إلى منتصف الساحة، رافعًا مكبر صوت نحو الواجهة المزينة بتماثيل الشعراء والموسيقيين.

كان العقيد نادر السالمي، قائد القوة التي تحاصر الدار، رجلًا طويلًا ذا وجه جامد، لا تتحرك عيناه حتى عندما كانت القذائف البعيدة تضيء السماء خلفه.

انطلق صوته بين الأعمدة:

سلّموا مخطوطات سليم المرادي، وسنسمح للمدنيين بالمغادرة.

لديكم حتى منتصف الليل.

رددت القاعة صدى كلماته، ثم سقط الصمت ثقيلًا، كأن أحدًا أغلق غطاء بيانو على أصابع المدينة.

سر المهندس الذي ألّف للأنهار

كان سليم المرادي مهندسًا أشرف قبل نصف قرن على توسيع شبكة المياه تحت الأحياء القديمة.

وبعد خلافه مع الحاكم آنذاك، اختفت الخرائط الأصلية، وقيل إنه أخفاها داخل أعماله الموسيقية حتى لا يستطيع أي طاغية احتكار الماء أو قطعَه عن خصومه.

عرفت مريم القصة بوصفها حكاية يتناقلها العاملون في الدار، لكن الجيش لم يكن يحاصرهم من أجل خرافة.

فقد سيطر الانقلابيون على الخزانات الرئيسية، إلا أنهم عجزوا عن العثور على الصمامات القديمة التي تسمح بتحويل الماء إلى الأحياء المتمردة أو قطعه عنها نهائيًا.

دخلت مريم الأرشيف بصحبة عيسى، فاستقبلتهما رائحة الورق العتيق والغراء والرطوبة.

كانت الرفوف تعلو حتى السقف، وقد غطت عشرات السنين ظهور المجلدات بطبقة رمادية تشبه الرماد.

كان عيسى فنيَّ الصوت الأصغر في الدار، رجلًا نحيلًا في أوائل الثلاثينيات، يستطيع تمييز المصباح المرتخي من طنينه، ومعرفة موضع المغني فوق الخشبة بمجرد سماع تنفسه في مكبرات الصوت.

أخرجت مريم صندوق نشيد الينابيع ووضعته فوق الطاولة.

ظهرت الصفحات الصفراء ممتلئة بخطوط موسيقية داكنة، وبينها علامات حمراء وزرقاء لا تشبه إرشادات العزف المعتادة.

مرر عيسى أصابعه فوق إحدى الصفحات وقال:

هذه ليست ملاحظات قائد أوركسترا.

سألته مريم:

هل هي خريطة؟

هز رأسه ببطء، ثم قرّب الصفحة من المصباح.

الخريطة تخبرك أين تذهب، أما هذه العلامات فتخبرك متى تفعل شيئًا.

الصوت الذي جاء من تحت الخشبة

في الليلة الثانية للحصار، نفدت المياه من خزانات الطابق العلوي، ولم يبقَ سوى ستة براميل صغيرة قرب المطبخ.

بدأت الشفاه تتشقق، وصار الأطفال يسألون عن الماء قبل أن يسألوا عن آبائهم المفقودين.

وأثناء تفقده شبكة مكبرات الصوت، سمع عيسى نقرًا منتظمًا أسفل خشبة المسرح؛ ثلاث طرقات بطيئة، ثم طرقتان متقاربتان، يعقبهما صمت طويل.

ظن في البداية أنها تمددات الخشب، لكنه حين وضع أذنه فوق أرضية حفرة الأوركسترا، شعر بذبذبة تمر عبر العظام قبل أن يسمعها، كنبض هائل مدفون تحت المبنى.

الأبواب التي لا تظهر في المخططات

رفع عيسى ألواحًا خلف مخزن الآلات، فاكتشف حلقة حديدية غطاها الطلاء والغبار.

وحين جذبها بمساعدة منصور، انفتح باب حجري ضيق، وصعد منه هواء بارد يحمل رائحة طين مبتل.

قال منصور وهو يوجه مصباحه إلى الدرج:

عملت هنا ثلاثين سنة، ولم أرَ هذا الباب قط.

أجابه عيسى، وقد لمح قوسًا حجريًا تحت الدرج:

لأنك كنت تبحث بعينيك، بينما صُمم هذا المكان ليُكتشف بالأذن.

هبطا حتى وصلا إلى ممر منخفض تتفرع منه أنابيب فخارية ضخمة.

لم تكن أنابيب صرف أو تهوية، بل تجاويف معمارية قديمة بُنيت لحمل أصوات الخشبة إلى القاعات الخلفية قبل اختراع مكبرات الصوت.

كانت تلك هي أنفاق الصوت التي تحدث عنها بعض المهندسين القدماء، غير أن جدرانها امتدت بعيدًا خارج حدود الدار، واتصلت بممرات أوسع تتدفق في قاعها خيوط رفيعة من الماء.

سلط عيسى الضوء على الحائط، فظهرت أسماء محفورة فوق الأسهم، حي النخيل، باب السور، الميناء القديم، وساحة الحدادين.

همس منصور:

هذه أسماء الأحياء التي قطع الجيش عنها الماء.

اقترب عيسى من أحد الأنابيب، فسمع الطرقات مرة أخرى، ثم صوتًا بعيدًا متكسرًا كأنه قادم من قاع بئر:

هل يسمعنا أحد؟

تراجع منصور مذعورًا، أما عيسى فأمسك بقضيب معدني وضرب الأنبوب ثلاث مرات، ثم مرتين، مكررًا الإيقاع نفسه.

بعد لحظات جاءهم الرد، أوضح هذه المرة:

نحن في حي النخيل، الأطفال يموتون عطشًا.

حين تحولت الموسيقى إلى شبكة مياه

عاد عيسى إلى الأرشيف وفتح نوتة نشيد الينابيع فوق الأرض، ثم وضع إلى جوارها رسمًا سريعًا للأنفاق.

لاحظ أن أسماء الحركات الموسيقية تشير إلى مواقع حقيقية؛ بوابة النحاس، وممر الصفصاف، وحوض القمر.

أما علامات الانتقال بين السلالم الموسيقية، فكانت تطابق ألوان مقابض الصمامات التي رآها في الممرات، الأحمر للخط الشرقي، والأزرق للقنوات الشمالية، والأسود لخزان القلعة الذي استولى عليه الجيش.

قال عيسى وهو يطابق الصفحات:

المرادي لم يخفِ خريطة داخل النوتة؛ لقد كتب شبكة المياه نفسها على هيئة مقطوعة.

لم تفهم مريم قصده حتى أشار إلى علامات التوقف.

فتح الصمامات بالترتيب الخطأ قد يفجر الأنابيب.

لذلك جعل لكل صمام زمنًا موسيقيًا، ولكل قناة مقامًا، ولكل تحويلة إيقاعًا لا بد من اتباعه.

رفعت مريم عينيها نحو سقف الأرشيف، حيث كانت أصوات الجنود تصل مكتومة من الخارج.

وهل تستطيع إعادة الماء إلى الأحياء؟

تردد عيسى قبل أن يجيب:

أستطيع المحاولة، لكن الصمام الرئيسي يقع تحت الساحة التي يحتلها الجيش.

وهناك طريق آخر إليه من نفق الصوت، إلا أن الممر ضيق وقد ينهار بمجرد ارتفاع الضغط.

سألته:

وماذا يحدث لمن يكون داخله عندئذ؟

أغلق عيسى النوتة برفق.

يصبح جزءًا من المجرى.

العرض الذي لم يكن للجمهور

جمعت مريم قادة فرق الملجأ داخل غرفة الأزياء.

جلس الطبيب والطهاة والحراس والعازفون فوق صناديق الملابس، بينما وقفت هي أمام فستان ملكي ممزق اخترقته شظية في الليلة السابقة.

شرحت لهم الخطة، ستُعزف نشيد الينابيع على الخشبة عند منتصف الليل، لا لإمتاع المحاصرين، بل لتحديد توقيت فتح الصمامات تحت الأرض.

سيتبع عيسى الإيقاع في الأنفاق، بينما تتوزع مجموعات صغيرة عند التحويلات القريبة.

وستنقل أنابيب الصوت النغمات إلى رجال ونساء في الأحياء البعيدة، بعدما أرسل إليهم عيسى التعليمات بالطرق على الفخار.

اعترض الطبيب:

إذا عرف الجيش أننا نعيد تشغيل الشبكة، فسوف يقتحم المبنى.

قالت مريم:

سيقتحمونه في كل الأحوال عندما تنتهي المهلة.

سأل أحد العازفين:

وماذا نفعل بالمدنيين؟

نظرت مريم إلى الستارة الحمراء التي ظهرت من خلال الباب نصف المفتوح.

نجعل الجيش ينظر إلى الخشبة، بينما يخرج الناس من خلفها.

كان هناك فرع قديم من أنفاق الصوت يصل إلى مخزن مهجور قرب حي الحدادين.

لن يتسع لخروج الجميع سريعًا، لكنه قد ينقذ الأطفال والمرضى قبل بدء الاقتحام.

لم تقل مريم إن النفق ربما يكون مسدودًا أو مراقبًا، ولم تقل إن الجنود قد يفتحون النار بمجرد سماع الموسيقى.

ففي الحصار، لا تُبنى الخطط من اليقين، بل من الجزء الصغير الذي لم يبتلعه الخوف بعد.

الوليمة الأخيرة قبل العزف

عند الغروب، أمرت مريم بإعداد ما تبقى من الطعام كله.

طهى الطباخون العدس الأخير، وفتحوا أوعية الزيتون، ووزعوا قطع الخبز اليابس بعد تبليلها بمرق دافئ.

لم تكن وليمة، لكن رائحة الكمون ملأت البهو، وجلست العائلات تحت الثريات كما لو أنها حضرت مأدبة في زمن لم تُغلق فيه الشوارع بالحواجز.

صعدت طفلة تدعى ليان إلى الخشبة، ولمست طرف الستار وسألت مريم:

هل ستغنون الليلة؟

أجابت مريم وهي تصلح ضفيرة الطفلة:

سنغني بصوت مرتفع حتى تسمعنا المدينة كلها.

وهل سيسمعنا أبي؟

كان والد ليان عالقًا في حي النخيل منذ بداية الانقلاب.

لم تعرف مريم إن كان حيًا، لكنها رأت في عيني الطفلة بابًا لا يجوز إغلاقه.

قالت:

إن كان يستطيع سماع الماء، فسيسمعنا.

رسالة العقيد نادر

قبل منتصف الليل بساعة، وصلت إلى الباب علبة معدنية صغيرة رفعها أحد الجنود فوق عصا بيضاء.

وجد منصور داخلها رصاصة واحدة وورقة كتب عليها، آخر إنذار.

النوتات أو الاقتحام.

قلبت مريم الرصاصة بين أصابعها، ثم وضعتها فوق البيانو الكبير إلى جانب شمعة قصيرة.

بدت قطعة المعدن اللامعة نشازًا صغيرًا في قلب الآلة السوداء.

قال قائد الأوركسترا، وهو يعدل نظارته:

ربما ينبغي أن نعطيهم المخطوطات وننقذ الناس.

أجابه عيسى من عند باب الخشبة:

حتى لو سلمناهم الأوراق، فلن يتركوا شاهدًا يعرف كيف تُقرأ.

كان وجهه مغطى بغبار الأنفاق، وقد علق الطين في شعره.

حمل حقيبة أدواته ونظر إلى مريم نظرة فهمت منها أنه اكتشف شيئًا لم يرد قوله أمام الجميع.

أخذها جانبًا وهمس:

الصمام الرئيسي لا يحول الماء إلى الأحياء فقط؛ إنه يغذي شبكة إطفاء قديمة تحت ساحة الأوبرا.

سألته:

والساحة مليئة بمدرعاتهم.

أومأ عيسى.

إذا فتحناه بأقصى ضغط، ستنفجر الفوهات تحتهم، لكن الممر الذي سأكون فيه لن يصمد طويلًا.

أرادت مريم أن تأمره بالبقاء، إلا أن صوتها توقف حين رأته ينظر إلى أكواب الأطفال الفارغة الموضوعة قرب المطبخ.

قال عيسى:

طوال حياتي كنت أجعل الناس يسمعون ما يحدث فوق الخشبة.

دعيني هذه المرة أجعل الخشبة تسمع ما يحدث تحت المدينة.

ليلة العرض الأخير

عند منتصف الليل، أضاءت دار الأوبرا كل مصابيحها دفعة واحدة.

انسكب الضوء من النوافذ العالية فوق الساحة، فظهرت المدرعات والجنود بوضوح قاسٍ، كأنهم صاروا جزءًا من ديكور عرض لا يعرفون نهايته.

رفع قائد الأوركسترا عصاه، وجلس الموسيقيون في حفرة العزف مرتدين ما وجدوه من سترات الحفلات القديمة.

بعضهم لف ضمادة حول رأسه، وبعضهم ثبت آلة مشقوقة بالشمع، لكن أيديهم استقرت فوق الأوتار والمفاتيح بثبات مهيب.

جلست مريم عند طرف الخشبة تحمل نسخة النوتة، بينما بدأت مجموعات الأطفال والمرضى تتسلل خلف الديكور نحو الباب الحجري المؤدي إلى النفق.

انطلقت النغمة الأولى من آلات التشيلو عميقة وممتدة، فاهتز الهواء داخل القاعة، ثم عبرت الذبذبة الأنابيب الفخارية إلى الأحياء الغارقة في الظلام.

المقام الأزرق

في النفق الشمالي، وصل عيسى إلى أول صمام، وأدار المقبض الأزرق عند النبضة الرابعة كما أوضحت النوتة.

صرخ المعدن تحت يديه، ثم اندفع الماء في الأنبوب بصوت يشبه زئير حيوان استيقظ بعد سبات طويل.

في حي النخيل، سمع رجال ينتظرون داخل غرفة الصمام اللحن قادمًا عبر الجدار، فأداروا العجلة الثانية عندما انتقلت الموسيقى من مقام منخفض إلى آخر مرتفع.

تدفقت المياه من الخزان العسكري إلى قناة مهجورة، وراحت تزحف تحت المدينة، تمر أسفل البيوت المحترقة والمساجد المغلقة والمدارس التي تحولت إلى نقاط تفتيش.

على الخشبة، رفعت مريم يدها كلما حان موعد تحويل جديد، فكان قائد الأوركسترا يغير الإيقاع دون أن ينظر إلى النوتة.

لم يعد الموسيقيون يعزفون ألحانًا، بل يفتحون شرايين مدينة كاملة.

بداية الاقتحام

أدرك العقيد نادر أن ما يحدث ليس عرضًا عاديًا عندما أبلغته وحداته بارتفاع الضغط في الأنابيب.

أمر بإطلاق النار فوق النوافذ، فتناثر الزجاج على المقاعد، لكن الأوركسترا واصلت العزف.

انفجرت الأبواب الخارجية بعد لحظات، ودخل الدخان إلى البهو، تبعته خطوات الجنود الثقيلة وصيحاتهم المتقاطعة.

أغلق منصور أبواب القاعة الداخلية ووضع العارضة الخشبية في مكانها، ثم وقف أمامها ببندقية قديمة لم يكن فيها سوى طلقتين.

قال لمريم:

كم تحتاجون؟

نظرت إلى الصفحة الأخيرة من النوتة.

سبع دقائق.

ابتسم الحارس العجوز ومسح شاربه للمرة الأخيرة.

طوال ثلاثين عامًا كنت أمنع المتأخرين من الدخول بعد بدء العرض.

لن أغير قواعد الدار الليلة.

اندفع الجنود نحو الباب، وارتج الخشب تحت ضرباتهم.

داخل القاعة، ارتفعت آلات النحاس، وراحت الثريا الكبرى تهتز فوق رؤوس العازفين بينما كان آخر الأطفال يختفون خلف الستار.

النوتة المفقودة بين الرصاص والماء

بلغ عيسى الصمام الرئيسي فوجد عجلته الحديدية صدئة وثقيلة، وقد حفرت الرطوبة على سطحها دوائر خضراء.

ثبت ذراعيه حولها وحاول تحريكها، لكنها بقيت ساكنة كأن المدينة كلها تمسك بها من الجهة الأخرى.

وصلته الموسيقى مكتومة عبر الأنبوب، ست نبضات متصاعدة، ثم توقف قصير قبل اللحن الختامي.

كان عليه فتح الصمام خلال ذلك الصمت، وإلا اصطدمت المياه المحولة ببوابات مغلقة وانفجرت الأنفاق داخل الأحياء.

أدخل قضيبًا معدنيًا بين أسنان العجلة، ودفعه بكل جسده.

تشققت بشرته، وانساب الدم فوق الحديد، ثم تحرك المقبض مقدار إصبع واحد.

في القاعة، كسر الجنود الباب الأول.

سقط منصور خلفه، لكن العارضة منحت الأوركسترا نصف دقيقة أخرى، وهي نصف دقيقة قد تساوي في زمن الحصار عمر مدينة.

اقتحم العقيد نادر القاعة محاطًا بجنوده، ورفع مسدسه نحو قائد الأوركسترا.

صاح:

أوقفوا العزف!

لم تتوقف الموسيقى، فتقدم إلى مريم وانتزع الصفحات من يدها.

قلبها بعنف، ثم حدق في العلامات الملونة التي بحث عنها أسابيع طويلة.

قال بانتصار بارد:

أخيرًا.

نظرت مريم إلى الصفحة التي يمسكها، ثم ابتسمت رغم الدم الذي سال من جرح صغير فوق حاجبها.

ينقصك شيء.

تصلب وجهه.

ماذا؟

أشارت إلى البيانو الكبير، حيث كانت الرصاصة التي أرسلها بجوار الشمعة قد ذابت حرارتها داخل تجويف صغير في الغطاء الخشبي.

وتحت الرصاصة تحديدًا، أخفت مريم الصفحة الأخيرة من النوتة.

انقض العقيد نحو البيانو، لكن الشمعة سقطت، واشتعل طرف الورقة.

أمسكها قبل أن تحترق كاملة، غير أن الجزء الذي يحمل توقيت الصمام الأخير تحول إلى رماد.

قالت مريم:

تستطيع امتلاك الخريطة، لكنك لن تعرف متى تفتح الطريق.

حين صفق العطشى

في باطن الأرض، سمع عيسى الضربة الأخيرة من الطبول.

ضغط بقدمه على القضيب، وصرخ حتى امتلأ فمه بطعم الحديد، فتحركت العجلة دورة كاملة.

اهتز النفق، وتساقط التراب من السقف، ثم اندفعت المياه خلف الصمام بقوة هائلة.

ارتفع التيار حول ساقيه، واقتلع حقيبة أدواته، فيما أخذ الممر الحجري ينهار من الجهة التي جاء منها.

وفي اللحظة نفسها، انفجرت فوهات شبكة الإطفاء القديمة تحت ساحة الأوبرا.

ارتفعت أعمدة الماء بين المدرعات، وانقلبت الحواجز، وتعطلت المولدات والكشافات، فتحولت الساحة إلى دوامة من الطين والحديد والصراخ.

وصلت المياه إلى حي النخيل أولًا، فاهتزت الصنابير الجافة، ثم بصقت هواءً صدئًا قبل أن تنهمر منها خيوط بنية تحولت تدريجيًا إلى ماء صافٍ.

خرج الناس من البيوت حاملين الأواني والجرار، وانتشر الخبر من نافذة إلى أخرى، الماء عاد، وخزان الجيش لم يعد تحت سيطرته.

في الأحياء الأخرى، بدأ المدنيون يزيلون الحواجز، بينما تردد الجنود في إطلاق النار على حشود تحمل الدلاء بدل السلاح.

ومع اتساع الفوضى، انقطعت اتصالات قوات العقيد نادر، ووجد رجاله أنفسهم محاصرين داخل الدار التي جاءوا لمحاصرتها.

أما داخل القاعة، فقد أكملت الأوركسترا النغمة الأخيرة رغم البنادق المرفوعة.

امتدت النغمة طويلة حتى بدت كأنها تشق السقف وتصعد فوق المدينة، ثم انطفأت بهدوء.

تبعها صوت آخر جاء من أنابيب المسرح؛ طرقات كثيرة متلاحقة من الأحياء البعيدة، ثم هتافات خافتة حملتها الأنفاق كما تحمل الأصداف صوت البحر.

كان العطشى يصفقون.

أمر العقيد جنوده باعتقال مريم، لكن أحدًا لم يتحرك.

فقد كان بعضهم من أبناء الأحياء التي عاد إليها الماء، وقد سمعوا عبر أجهزة الاتصال أصوات أمهاتهم وإخوتهم وهم يملؤون الأوعية.

خفض جندي شاب بندقيته، ثم تبعه آخر.

وبعد دقائق، جلس العقيد نادر وحيدًا في الصف الأول، قابضًا على نوتة لم تعد تمنحه شيئًا.

مع بزوغ الفجر، خرج اللاجئون من النفق إلى حي الحدادين، وعاد بعضهم إلى الساحة حاملين الماء والطعام للجرحى، حتى للجنود الذين حاصروهم.

بحثت مريم عن عيسى بين الخارجين، لكنه لم يظهر.

نزلت مع فريق من العمال إلى الممر السفلي، فوجدوا أجزاء منه مغمورة ومنهارة، ثم سمعوا ثلاث طرقات بطيئة وطرقتين متقاربتين خلف جدار من الحجارة.

عملوا ساعات بأيديهم وأدواتهم القليلة حتى فتحوا فجوة صغيرة.

ظهر وجه عيسى خلفها شاحبًا ومغطى بالطين، لكنه كان حيًا، وقد احتمى داخل تجويف مرتفع فوق مستوى الماء.

حين أخرجوه، لم يسأل عن الجيش ولا عن النوتة، بل رفع رأسه نحو أنابيب الصوت وقال:

هل وصلت المياه؟

أعطته مريم كوبًا ممتلئًا، فشرب نصفه، ثم سكب النصف الآخر فوق أرض الخشبة المتربة.

قالت ليان، التي عادت مع الناجين تبحث عن أبيها:

لماذا أضعت الماء؟

ابتسم عيسى وهو يراقب الخشب الداكن يمتص القطرات.

لم أُضعه، لقد أعطيت المسرح نصيبه.

بعد أيام، انتهى الانقلاب حين فقد قادته السيطرة على الخزانات والاتصالات، وفتحت دار الأوبرا أبوابها من جديد.

بقيت آثار الرصاص فوق الأعمدة، وترك العمال شقًا صغيرًا في الستار القرمزي حتى لا تنسى المدينة تلك الليلة.

وفي أول عرض بعد الحصار، لم تُبع التذاكر ولم تُحجز المقاعد للوجهاء.

جلس الخباز إلى جوار عازف الكمان، وجلست اللاجئة إلى جوار الجندي الذي خفض سلاحه، واحتلت ليان المقعد الأوسط بين أبيها ومريم.

عندما رفع عيسى عصا القيادة لافتتاح نشيد الينابيع، لم يبدأ بالعزف فورًا.

انتظر حتى ساد الصمت، ثم طرق فوق المنصة ثلاث مرات بطيئة ومرتين متقاربتين.

ومن تحت الأرض، جاءه الرد.

لم تنقذ المدينةَ بطولةُ شخص واحد، ولا بندقية أقوى من بقية البنادق، بل أنقذها أولئك الذين أدركوا أن النوتة لا تصنع موسيقى إلا حين يقبل كل عازف أن يصغي إلى الآخرين.

فالمدن، مثل المسارح، لا تبقى واقفة بجدرانها المزخرفة، وإنما بما يمر في أعماقها من أصوات وذاكرة وماء، وبأناس يعرفون أن الفن قد يبدو ترفًا في زمن الرخاء، لكنه في زمن الظلام يصبح خريطة سرية تقود البشر إلى الحياة.

التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
يُرجى عدم نشر تعليقات لا تحترم الشروط هنا, جميع التعليقات تخضع للمراجعة.
إرسال تعليق (0)

المحتوى

+

إقرأ أيضاً

يستخدم موقع Dseel.com ملفات تعريف الارتباط (Cookies) لضمان حصولك على أفضل تجربة إستخدام وتخصيص المحتوى المفضل للزوار, باستمرارك في تصفح الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لها. لمعرفة المزيد