نغمة توقظ المدينة النائمة، في الليلة التي اختفى فيها العازف السابع عشر، استيقظ سكان الحي القديم على نغمة كمان وحيدة تتسلل من بين شقوق الأرصفة، رقيقة كأنها شهقة طفل، وممتدة على نحو جعل النوافذ ترتجف في إطاراتها الخشبية.
لم يعرف أحد من أين جاءت هذه الموسيقى الغريبة، غير أن الكلاب انكمشت خائفة قرب الأبواب، وهجر الحمام أسطح المنازل قبل الفجر، بينما توقفت ساعة برج البلدية عند الثالثة وثلاث عشرة دقيقة، كأن عقاربها أصغت إلى شيء لا ينبغي للزمن أن يسمعه.
أما المحقق سليم نادر، فكان الوحيد الذي أدرك أن هذه النغمة ليست إعلانا عن اختفاء جديد، بل استدعاء صريح إليه هو تحديدا.
المدينة التي ابتلعت أبناءها
بدأت سلسلة الاختفاءات قبل ستة أشهر، حين غادرت الطالبة مريم صفوان معهد الموسيقى بعد تدريب مسائي، ولم تصل إلى منزلها رغم أن الطريق لم يكن يتجاوز عشر دقائق سيرا على الأقدام.
عثر على حقيبتها قرب محطة الترام، مفتوحة بعناية غريبة، وفي داخلها هاتفها ومحفظتها ومفتاح بيتها، بينما اختفت الكمنجة التي لم تكن تفارق كتفها حتى في أيام المطر الغزير.
بعد أسبوعين اختفى عازف تشيلو متقاعد، ثم ضابط إيقاع في الفرقة العسكرية، ثم صبي أعمى كان يعزف الناي عند بوابة السوق كل يوم.
لم يربط أحد بين هذه الحوادث في البداية، إذ اختلفت أعمار المفقودين وطبقاتهم الاجتماعية وأحياؤهم، لكن سليم لاحظ أن الصور المعلقة على جدار غرفة التحقيق تجمعها سمة واحدة لا تظهر في تقارير الشرطة الرسمية.
كانت أصابع المفقودين جميعا تحمل آثار التدريب الطويل، شقوق دقيقة عند الأنامل، وخشونة عند المفاصل، وانحناءة طفيفة لا يعرفها إلا من أمضى عمره محتضنا آلة موسيقية.
الورقة التي تنزف حبرا
في مساء بارد، وصل إلى مكتب سليم ظرف بلا طابع بريدي، رطب الحواف، تفوح منه رائحة التراب العتيق والحديد الصدئ.
داخل الظرف وجد صفحة من نوتة موسيقية مكتوبة بحبر أسود كثيف، وكانت العلامات تتزاحم على المدرج كأسراب غربان، بلا بداية واضحة ولا نهاية يمكن للعين أن تبلغها.
في أسفل الصفحة كتبت عبارة بخط متعرج تقول: عندما يكتمل العدد، ستسمع المدينة قلبها الحقيقي.
تحت هذه العبارة، رسم المرسل سبعة عشر مقعدا متجاورا، وترك المقعد الثامن عشر فارغا بلا تفسير.
حين لمس سليم الورقة، التصق الحبر بطرف إصبعه، دافئا على نحو غير طبيعي، ثم تدحرجت منه قطرة داكنة فوق المكتب كأن الصفحة نزفت بين يديه فعلا.
الموسيقى الصاعدة من جوف الأرض
عاد سليم إلى الحي القديم بعد منتصف الليل، عندما خفتت أصوات المقاهي وانطفأت لافتات المتاجر، ولم يبق في الشوارع سوى ضوء المصابيح المرتجف فوق حجارة مبتلة.
وقف عند الموضع الذي سمع فيه السكان نغمة الكمان، ثم أغمض عينيه محاولا فصل الأصوات، صفير الريح، هدير أنبوب ماء، وقع حذاء بعيد، وتحت ذلك كله إيقاع خافت منتظم يتكرر بلا انقطاع.
لم تكن النغمة آتية من نافذة أو زقاق، بل كانت تصعد من أسفل قدميه مباشرة.
انحنى ووضع كفه على غطاء دائري للصرف القديم، فشعر باهتزازات متلاحقة تسري في الحديد، كأن عشرات الأوتار تضرب في الأعماق دفعة واحدة.
رفع الغطاء بصعوبة، فانبعث هواء دافئ محمل برائحة الشمع والعرق والخشب المحترق، ومعه خرج لحن قصير انتهى بصوت مكتوم يشبه صرخة ابتلعها جدار سميك.
الممر الذي لا يظهر على الخرائط
هبط سليم سلما حجريا ضيقا، بينما كان ضوء مصباحه يمر على جدران رطبة تتخللها نقوش لآلات موسيقية ذات أشكال غريبة لم يرها من قبل.
كلما توغل في الأعماق، ابتعدت أصوات المدينة حتى اختفت تماما، وحل محلها عزف متقطع ينبض في الممرات، يعلو حينا وينخفض حينا كأنه يتنفس.
بعد خمسين درجة وصل إلى نفق مبني بالطوب الأحمر، يتفرع إلى طرق متعددة، غير أن أحدها كان مغطى ببقع شمع حديثة وآثار أحذية بشرية متجهة إلى الداخل.
تبع الآثار حتى لمح بابا معدنيا عريضا، نقشت فوقه جملة واحدة تقول: لا يخرج العازف قبل أن تصمت السيمفونية.
دفع الباب، فقاومه أولا، ثم انفتح مطلقا أنينا طويلا امتزج مع الموسيقى في الداخل، حتى بدا كأنه نغمة أخرى محسوبة داخل اللحن.
المسرح المدفون تحت المدينة
وجد سليم نفسه في شرفة مرتفعة تطل على مسرح هائل محفور في الصخر، تتدلى فوقه ثريات نحاسية تحمل آلاف الشموع المشتعلة.
كانت المقاعد المقابلة للمنصة خالية، ومغطاة بطبقة من الغبار، بينما جلس فوق الخشبة عشرات العازفين في صفوف منتظمة، شاحبي الوجوه، غائري العيون، يعزفون بلا توقف ولا راحة.
تعرف سليم إلى المفقودين واحدا تلو الآخر، مريم تحتضن كمنجتها، والعازف المتقاعد يحني ظهره فوق التشيلو، والصبي الأعمى يضع الناي بين شفتيه المرتجفتين.
حول معاصمهم التفت أساور معدنية رفيعة متصلة بأسلاك سوداء تمتد إلى أرضية المسرح، وكلما تباطأ أحدهم أو أخطأ في نغمة، توهج السوار وانقبض جسده بعنف مؤلم.
لم يكن العزف جميلا، رغم دقته المذهلة الصارمة.
كان اللحن ثقيلا ومظلوما، يتكرر ثم يتغير قليلا، كأنه يسير في متاهة دائرية ويكتشف في كل دورة بابا جديدا يقوده إلى متاهة أعمق.
قائد الأوركسترا بلا وجه
في منتصف المنصة وقف رجل طويل يرتدي معطفا أسود ذا ذيلين وقفازين أبيضين، رافعا عصا القيادة في الهواء بثقة مطلقة.
كان ظهره إلى سليم، لكن حركاته بدت حادة ومدروسة، إشارة صغيرة منه تجعل آلات النفخ تزأر، وانحناءة من معصمه تسقط الكمانات في همس مذعور.
تقدم سليم بين صفوف المقاعد، فأصدر الخشب صريرا خافتا، ومع ذلك توقف قائد الأوركسترا فجأة كأنه سمع سقوط إبرة من مسافة بعيدة.
خفض الرجل عصاه، فسكت العازفون جميعا في اللحظة نفسها دون تردد.
ذلك الصمت المفاجئ كان أشد رعبا من الموسيقى نفسها، إذ بقيت الأوتار ترتجف، وبقيت أنفاس العازفين متقطعة، بينما استدار القائد ببطء شديد نحو الدخيل.
لم يكن يرتدي قناعا، كما ظن سليم أول الأمر.
لم يكن يملك وجها على الإطلاق.
امتدت فوق رأسه طبقة ملساء شاحبة بلا عينين ولا أنف ولا فم، وعلى الرغم من ذلك، خرج صوته واضحا من عمق المسرح قائلا: تأخرت كثيرا يا سليم نادر.
التحقيق الذي كان فخا
رفع سليم مسدسه، لكن الرجل بلا وجه لم يتحرك، بل أشار بعصاه إلى مقعد خال قرب الصف الأول من العازفين.
كان ذلك المقعد الثامن عشر بالضبط.
فوقه وضعت آلة بيانو صغيرة ذات مفاتيح عاجية مسودة الأطراف، وعلى حاملها استقرت نوتة مفتوحة على الصفحة نفسها التي وصلت إلى مكتب سليم قبل أيام.
قال القائد بهدوء مخيف، لم نكن نختطفهم عشوائيا، كنا نبني الصوت الذي تحتاج إليه المدينة كي تظل نائمة.
سأل سليم وهو يثبت فوهة المسدس نحو صدره، من أنتم بالضبط؟
ضحك الصوت دون فم، فتردد الضحك بين الجدران كاحتكاك سلاسل في بئر عميق.
أجاب، نحن من سمعوا ما يوجد تحت هذه الأرض قبل أن تبنى المدينة فوقه، ونحن من اكتشفوا أن الموسيقى وحدها قادرة على إبقائه في القاع إلى الأبد.
رفع القائد عصاه نحو سقف المسرح، فتبدلت النغمات المنقوشة في الحجر أمام عيني سليم، ولم تعد تبدو زخارف موسيقية بريئة، بل دوائر وقيودا ورموزا تحاصر هيئة هائلة بلا أطراف واضحة.
السيمفونية التي تحرس الباب
ضرب القائد الأرض بعصاه بقوة، فعاد العازفون إلى العزف تحت وطأة الأساور، وانطلقت السيمفونية بعنف جعل الشموع تنحني كأن ريحا اجتاحت المسرح فجأة.
بدأت الأرض تهتز، وتساقط غبار ناعم من السقف، ثم سمع سليم صوتا عميقا يأتي من خلف الجدران، نبضة بطيئة، أثقل من دقات القلب وأقدم من صوت البحر نفسه.
قال القائد، كل عازف يحفظ جزءا من القفل، وإذا توقف العزف، استيقظ ما دفن هنا، وارتفعت المدينة معه إلى سطح الجحيم.
نظر سليم إلى وجوه المفقودين، فرأى الإعياء وقد حفر تحت عيونهم أخاديد زرقاء، ورأى الدم الجاف حول معاصمهم، وأصابع بعضهم ملفوفة بشرائط ملوثة بالدماء القديمة.
صرخت مريم من بين النغمات فجأة، إنه يكذب
التفت القائد نحوها غاضبا، فانقبض سوارها وأطلق شرارة بيضاء، فسقط قوس الكمان من يدها، لكن سليم أطلق رصاصة أصابت العصا قبل أن يوجهها إليها ثانية.
انكسرت العصا إلى نصفين أمام أعين الجميع.
وفي اللحظة نفسها، سكتت الأوركسترا بالكامل.
عندما فتحت الأرض عينيها
تدحرج نصف العصا فوق الخشبة، ثم انشق الصمت بصوت هائل كأن جبلا تحطم تحت المسرح مباشرة.
اهتزت المقاعد، وانطفأت نصف الشموع، وظهرت في أرضية المنصة شقوق سوداء خرج منها بخار بارد يحمل رائحة مياه راكدة منذ آلاف السنين.
تراجع القائد للمرة الأولى منذ بداية المواجهة، ومد يديه نحو العازفين صارخا، اعزفوا لا تسمحوا له بالصعود
لكن الأساور توقفت عن التوهج بعد انكسار العصا، فترك بعض العازفين آلاتهم وسقطوا على الأرض من شدة الإنهاك، بينما تشبث آخرون بمقاعدهم وهم يحدقون في الشقوق المتسعة بذعر.
من جوف الأرض ارتفع صوت احتكاك ضخم، ثم ظهرت عين واحدة داخل الظلام، واسعة بما يكفي لابتلاع المسرح بأكمله، يسبح في بؤبؤها ضوء أخضر مريض.
عندها فهم سليم أن القائد لم يكذب تماما في كلامه.
غير أن مريم، وهي ترفع كمانها من جديد بيد مرتجفة، همست قائلة، السيمفونية ليست قفلا، إنها طعام.
نظر إليها متسائلا، فرأى بين صفحات النوتة سطورا كتبتها خلسة بقلم أحمر، تعديلات صغيرة تعكس اتجاه اللحن وتعيد ترتيب نهاياته بذكاء.
قالت موضحة، كلما عزفنا، صار أقوى، كان ينتظر اكتمال الأوركسترا كي يعبر إلى عالمنا.
النغمة الثامنة عشرة
صعد القائد نحو سليم بخطوات ثقيلة، وتحول سطح وجهه الأملس إلى تموجات غاضبة، ثم خرجت منه أصوات كثيرة متداخلة، كأن أفواه المفقودين جميعا تتحدث داخله في آن واحد.
قال بتلك الأصوات المتشابكة، اجلس إلى البيانو، يا سليم، أنت الوحيد القادر على إكمال المقطع الأخير.
ارتجفت يد سليم رغما عنه.
كان قد أخفى عن الشرطة طوال سنوات أنه درس الموسيقى في طفولته، وأن أمه كانت عازفة بيانو اختفت في ظروف غامضة حين بلغ الثانية عشرة من عمره.
اقترب من الآلة بحذر، فرأى محفورا على خشبها اسم أمه، ليلى نادر، بخط واضح لا لبس فيه.
فهم عندها لماذا قادته الرسائل إلى هنا بالضبط، ولماذا كان المقعد الأخير ينتظره هو تحديدا، ولماذا عرف القائد اسمه قبل أن ينطق به.
من داخل البيانو جاء طرق خافت متكرر.
فتح الغطاء السفلي بأصابع مرتعشة، فوجد جهاز تسجيل قديما مربوطا بالخشب، وحين ضغط زره انساب صوت أمه، ضعيفا ومشوها بفعل السنين الطويلة، يقول: إن وصلت إلى هنا، فلا تعزف ما كتبوه لك، اعزف اللحن الذي كنت تخطئ فيه دائما.
أغمض سليم عينيه، فعاد إليه مطبخ طفولته، ورائحة القهوة الصباحية، وأصابع أمه وهي تصحح وضع يديه بحنان، وضحكتها حين كان يبدل النغمة الأخيرة في أغنيتها المفضلة.
جلس أمام البيانو وقد اتخذ قراره.
العزف الأخير
بدأت مريم تعزف النسخة المعكوسة من السيمفونية بشجاعة، ولحق بها عازف التشيلو، ثم انضم الناي والبوق والطبول واحدا بعد آخر بلا تردد.
لم يعد العازفون يؤدون اللحن المفروض عليهم قسرا، بل شقوا داخله طريقا جديدا، متعثرا في البداية، ثم متماسكا كصف من الناجين يمسكون أيدي بعضهم في عاصفة هوجاء.
وضع سليم أصابعه على المفاتيح بثقة مفاجئة.
عزف اللحن الذي علمته إياه أمه منذ سنوات، وترك الخطأ القديم في مكانه دون تصحيح كما أوصته.
ما إن صدرت النغمة المخالفة حتى ارتج المسرح بأكمله، وانسحب الضوء الأخضر من العين الهائلة، كأن شيئا أصابها في صميمها المظلم.
صرخ القائد بلا فم صرخة مروعة، واندفع نحو البيانو محاولا إيقافه، لكن العازفين رفعوا صوتهم بقوة، فتحولت السيمفونية من طقس خضوع إلى موجة عارمة ملأت القاعة بأكملها.
كانت الموسيقى هذه المرة غير كاملة، مشوبة بالأخطاء والأنفاس المرتجفة والأصابع النازفة، لكنها كانت حية بحق.
وهذا بالضبط ما لم يستطع الكائن احتماله.
بدأت الشقوق تنغلق تدريجيا، وانكمشت العين داخل الظلام، فيما تشققت هيئة القائد من رأسه حتى قدميه، وتساقطت منه قشور سوداء تحولت إلى رماد قبل أن تبلغ الأرض.
صرخ للمرة الأخيرة بيأس، من دوني ستعود الفوضى
أجابه سليم وهو يضرب النغمة الأخيرة بحزم، الفوضى التي نختارها أرحم من النظام الذي يلتهمنا.
انهار وجه القائد الأملس إلى الداخل، ثم انطفأ جسده كشمعة غمست في ماء عميق فجأة.
الباب الذي أغلق من الداخل
مع اختفاء القائد، انفصلت الأساور عن معاصم العازفين وسقطت فوق الخشبة بصوت معدني، بينما توقفت الاهتزازات وعاد الصمت إلى جوف الأرض تدريجيا.
قاد سليم الناجين عبر النفق، بعضهم يسند بعضا بصعوبة، حتى ظهرت لهم فتحة الصرف كدائرة زرقاء يهبط منها ضوء الفجر الشاحب.
خرجوا إلى الشارع واحدا بعد آخر، واستقبلتهم المدينة بوجوه مذعورة وصفارات إسعاف وأمهات فقدن القدرة على البكاء من شدة الفرح المفاجئ.
كانت مريم آخر من صعد قبل سليم مباشرة.
وحين مد يده نحو السلم للخروج، سمع من أعماق الممر صوت بيانو يعزف اللحن نفسه الذي علمته إياه أمه، لكن هذه المرة بلا النغمة الخاطئة.
تجمد في مكانه، ونظر خلفه بحذر.
في نهاية النفق، ظهرت امرأة بثوب أبيض تقف تحت ضوء شمعة واحدة، ملامحها ساكنة كما يتذكرها منذ طفولته البعيدة.
قالت بصوت دافئ مألوف، أحسنت يا سليم.
خطا نحوها بضع خطوات، ثم لمح عند معصمها سوارا معدنيا أسود لم ينكسر بعد.
فهم في تلك اللحظة أن ما رآه لم يكن أمه حقا، بل آخر حيلة من الشيء الذي تحت الأرض، وأن الباب لم يغلق تماما ما دام هناك من يصغي إلى النداء الخفي.
أخرج مسدسه بيد ثابتة، وأطلق الرصاصة الأخيرة على سقف النفق.
انهارت الحجارة بينه وبين الشبح، وامتلأ الممر بالغبار الكثيف، ثم صعد سليم إلى السطح قبل أن يدفن الطريق نهائيا خلفه.
بعد ثلاثة أيام، صبت البلدية الإسمنت داخل الممرات القديمة، وأعلن رسميا أن الاختفاءات كانت نتيجة شبكة إجرامية تستخدم أنفاقا مهجورة تحت المدينة.
لم يذكر التقرير الأوركسترا، ولا العين التي فتحت في الأرض، ولا القائد بلا وجه، وكأن شيئا من ذلك لم يحدث أصلا.
لكن منذ تلك الليلة، توقف برج البلدية عند الثالثة وثلاث عشرة دقيقة كل عام في ذكرى النجاة، وتخرج من شقوق الرصيف نغمة بيانو واحدة، صحيحة تماما بلا أي خطأ.
فيضع سليم أصابعه في أذنيه، ويواصل السير دون أن يلتفت خلفه أبدا.
ليست كل الأخطاء عيوبا ينبغي محوها، فبعضها نافذة صغيرة يتسلل منها الإنسان حين يحاول النظام أن يحوله إلى آلة مطيعة بلا إرادة.
وقد تنقذنا النغمة الناقصة أحيانا، لا لأنها أجمل من السيمفونية الكاملة، بل لأنها تذكر الظلام بأن أرواحنا لا تعزف بالعصا، ولا تقاد بالإجبار، ولا تكتمل إلا حين تختار صوتها بنفسها.
